الحوار المتمدن - موبايل



مقالات حول جدلية الدين والسياسة(5)-مظاهر لتوظيف الدين في العالم المعاصر-

رابح لونيسي

2017 / 10 / 11
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني



يعتبر الدين رأسمالا رمزيا للشعوب-حسب مصطلحات عالم الإجتماع الفرنسي بيير بورديو-، كما يحتوي على مخيال قوي، ولهذا بقدرته تحريك الجماهير وتعبئتهم لتحقيق أهداف سياسية وأيديولوجية بحتة، كما يمكن أيضا إستخدامه كأداة لتخدير الجماهير وتحقيق مكاسب طبقية على حسابها، وهنا يتدخل عاملان أساسيان أولهما هو عملية التأويل للدين، فممكن أن يكون تأويله تنويري تقدمي، كما يمكن أن يكون تأويله رجعي متخلف وإستغلالي، أما ثانيهما هو درجة وعي أو عدم وعي هذه الجماهير، وتتحكم في هذا الوعي عدة عوامل، ومنها مدى إكتساب هذه الجماهير للروح النقدية والقدرة على التمحيص الناتج عن القدرات والمستويات الثقافية، لكنها ليست كافية، لأنه توجد ثقافة ذات روح نقدية، كما توجد ثقافة ذات روح إستسلامية.

ونشير إلى أن توظيف هذا الرأسمال الرمزي، ليس خاصا بعالم الإسلام فقط، بل هو موجود في كل الديانات سواء كانت سماوية أو وضعية، فلو عدنا إلى العالم الغير الإسلامي فإننا نجد عدة توظيفات للدين، ومنها:

- الحركة الصهيونية التي استخدمت قراءاتها للتوراة، ووظفت الأحبار -أي علماء الدين اليهودي- لدفع يهود العالم إلى الهجرة إلى ما اعتبروه الأرض الموعود، وهي فلسطين بالرغم من أن التوراة لم تحدد قط موقع هذه الأرض الموعودة، لكن قام هؤلاء الأحبار بعملية تأويل، كما أفتوا بأن تلك الهجرة فرضا دينيا، كما نجد الكثير من الحركات الإرهابية الصهيونية التي تستند على تأويلات توراتية لتقتيل العرب في فلسطين، ومنها حركة أغوشيه أمونيم .

-التوظيف الغربي للدين أثناء الحرب الباردة، حيث تمكن الأمريكيون من الإستناد ودعم البعض من الحركات الإسلامية لسد الطريق أمام الزحف الشيوعي في العالم الإسلامي، وكذلك لضرب الإتحاد السوفياتي من الداخل، كما وظف الإسلام لدعم الحركات الجهادية في أفغانستان، ولم تكتف الولايات المتحدة بذلك، بل استخدمت الكاثوليكية لضرب النظام الشيوعي في بولونيا من خلال الضغط بشكل غير مباشر لتنصيب بابا بولوني على رأس الفاتيكان، خاصة أن الشعب البولوني يعد من الشعوب الأوربية الأكثر تدينا، ويدخل ذلك كله في إطار إستراتيجية توظيف الدين التي وضعها بريجنسكي مستشار الأمن القومي للرئيس الأمريكي جيمي كارتر الذي يعترف صراحة، ويفتخر بأنه كان وراء إنشاء الجماعات الجهادية في أفغانستان، ومنها تنظيم حتى القاعدة، وذلك في حوار له مع نوفل أوبسرفاتور الفرنسية في أوت 2008 .

-التوظيف الأمريكي للإرهاب اليوم لتثبيت نفوذها العسكري والإقتصادي ووضع قواعد عسكرية لحماية مصالحها النفطية والإقتصادية، كما وضعت إستراتيجية مبنية على فكرة الصدام الحضاري بين الإسلام والغرب التي نظر لها صموييل هنتنغتون لكسب الدعم الشعبي وإعطاء شرعية لسياساتها في العالم الإسلامي، ومهدت هذه الفكرة للحرب الإستباقية التي طبقها جورج بوش.

- محاولات الحركات الماركسية في أمريكا اللاتينية إكتساب الشعبية بمزج الأيديولوجية الماركسية برؤية أو تأويلات دينية متوافقة مع الماركسية، وهو ما سمي ب"لاهوت التحرير"، ونجد نفس الطرح تقريبا عند مجاهدي خلق في إيران الذين أولوا الإسلام بقراءة ماركسية، ويمكن لنا إعتبار المفكر الإيراني علي شريعتي منظرا لمجاهدي خلق من خلال مزجه بين الإسلام ومحاربة الإستغلال الرأسمالي، فعندما نقرأ لشريعتي نلاحظ جيدا مدى التأثير الماركسي المختلط بإسلام ثوري إشتراكي على كتاباته.

أما في العالم الإسلامي فحدث ولا حرج عن مدى توظيف الدين من أطراف متناقضة ومتصارعة، فقد وظف الإسلام في العهد الإستعماري بشكل إيجابي كمحرك لمقاومة الإستعمار، كما حصل مع مصطفى كمال آتارتورك في تركيا ضد الغزو الأوروبي لبلاده بعد الحرب العالمية الأولى، ونجد نفس الأمر عند الطرق الصوفية التي كانت وراء المقاومات الجزائرية ضد الإستعمار الفرنسي في القرن19م، ونجد أيضا توظيفه كدافع لتحريك الشعب أثناء الثورة التحريرية الجزائرية، ونجد نفس الأمر في تونس والمغرب الأقصى، وكذلك في مصر، وقد وظف الإسلام بصفته محركا لتحرير البلدان الإسلامية، لكن أغلب من وظف هذا العامل الديني انقلب عليه بشكل أو بآخر بعد تحقيق الهدف التحرري، ويأتي على رأس هؤلاء مصطفى كمال أتاتورك.
كما وظفته القوى الإستعمارية أيضا الإسلام لتخدير الشعوب المستعمرة، فقد أستخدمه الإستعمار الفرنسي في الجزائر بشكل كبير منذ فترة الأمير عبد القادر عندما أستصدر ليون روش فتاوى من الحجاز تعتبر جهاد الأمير عبدالقادر مناقضا للدين، فلا يمكن لنا التغاضي عن ما قام به ليون روش الذي أصبح جاسوسا على الأمير بعد ما أفتعل دخوله في الإسلام، وقد كتب ليون روش كتابا يروي فيه تجربته المخابراتية مع الأمير عبدالقادر بعنوان "50عاما تحت راية الإسلام"، كما وظف الإستعمار بعض الطرق الصوفية، وليس كلها لتخدير الشعب بعد ما نجح في إحتوائها ثم تحويلها من حركات لمقاومة الإستعمار إلى نقيض ذلك، ووظف لتحقيق هذا الهدف دراسات علمية حول الطرق الصوفية في الجزائر، أهمها دراسات أوكتاف دوبون وكافيي كوبولاني، كما أستند الإستعمار الفرنسي على تأويل ديني لرفض مطالب الحركة الوطنية في الجزائر بفصل الدين الإسلامي عن الدولة، وكان دعوى الإستعمار أن الدين الإسلامي "دين ودولة"، ولا يمكن تطبيق قانون1906 عليه، ويستهدف الإستعمار الفرنسي من خلال ذلك إبقاء سيطرته على المساجد ورجال الدين كي لاتتحول إلى قوى محرضة ضد التواجد الإستعماري، وأستمر نفس الوضع في الجزائر بعد إسترجاع إستقلالها بقول النظام أن الإسلام دين الدولة، لكن في الحقيقة الهدف من ذلك سواء من الإستعمار أو النظام الجزائري بعد1962 هو إبقاء سيطرتهما على هذا الدين والتحكم في رجال الدين.

-الصراع حول فكرة الخلافة الإسلامية وإستغلالها بهدف السيطرة عليها، خاصة من جانب الملك فؤاد في مصر بعد إلغائها على يد مصطفى كمال آتاتورك، وما أنجر عن ذلك من نقاش فكري عرفه العالم الإسلامي حول فكرة الخلافة ما بين من يعتبرها جزء من الدين مثل رشيد رضا ومحمد الخضر حسين ومن يراها أنها مسألة سياسية دنيوية لا علاقة لها بالدين مثل علي عبد الرازق وعبد الحميد بن باديس .

- كما قامت دولة باكستان على أساس ديني، ويبدو أنه بتشجيع من بريطانيا-حسب طرح بن نبي-، لأن ذلك يسمح لها بتفكيك الهند من جهة ووضع باكستان كحاجر بين الزحف الشيوعي من الصين إلى الهند، والتي بدورها عرفت أيضا توظيفا سياسيا للهندوسية لمواجهة هذا الزحف .
وتذهب بعض الأطراف، ومنهم الكاتب اللبناني جورج قرم إلى القول بأن ميلاد دولتي باكستان والمملكة العربية السعودية كان بفعل دعم ضمني صهيوني، لأن ذلك يسمح بإعطاء شرعية لدولة إسرائيل المبنية على أساس ديني في الشرق الأوسط، وهو ما يفسر سياساتها في إقامة دول على أساس طائفي في المنطقة .

-ووظف العامل الديني بشكل كبير أيضا بعد إسترجاع البلدان الإسلامية إستقلالها، فأعطيت صبغة دينية لمختلف الأنظمة سواء كانت إشتراكية أو لبيرالية إقتصادية أو كانت إستبدادية أم قريبة من الديمقراطية أو جمهورية أم ملكية، وأثناء الصراع بين هذه الأنظمة كان يستخدم العامل الديني بشكل كبير بإتهام كل طرف للآخر بأنه بعيد عن مثل الإسلام وقيمه.
ونجد نفس الأمر داخل كل بلد بين مختلف القوى المتصارعة سواء في السلطة أو في المعارضة، فكل واحد يسعى للإستيلاء على هذا الرأسمال الرمزي لإعطاء شرعية للنظام وسياسته، ونجد العكس صحيح أيضا من المعارضة، وهناك العديد من الأمثلة في الجزائر ومصر وسوريا والعراق وغيرها من الدول العربية والإسلامية .
ان إستغلال الدين وتوظيفه سياسويا، قد اضر كثيرا بإستقرار دولنا وبالدين ذاته الذي أصبح لعبة في يد مستخدميه كما يقع اليوم مع الجماعات الإرهابية، وكذلك عند نشوب أي أزمة سياسية كما حدث أثناء دخول العراق إلى الكويت في 1990، حيث أنقسم رجال الدين الإسلامي إلى طرفين أحدهما مع التدخل الأمريكي وآخرون مع صدام حسين، لكن ما يؤسف له هو إعطاء غطاء ديني بتأويلات مختلفة لكل موقف من هذه المواقف التي ماهي في الحقيقة إلا مجرد موقف سياسي تتحكم فيه المصالح وليس الدين، ولهذا يجب أن تبقى هذه المواقف في مجالها السياسي، فهذا كله يدفعنا اليوم إلى ضرورة البحث عن حلول لذلك، فهل الحل الأوروبي صالح لنا؟ وهل هذا الحل الأوروبي هو واحد أم حلول متعددة؟
المقالة الأخيرة عنوانها "حلول أوروبية متعددة"







اخر الافلام

.. كيف رفض العالم الاسلامي قرار ترمب حول القدس


.. عرض عسكري في بغداد احتفالا بالانتصار على تنظيم -الدولة الإسل


.. اعتداء بزجاجات حارقة على كنيس يهودي في السويد




.. كل يوم - تحية خاصة من عمرو أديب للبابا وشيخ الأزهر بسبب موقف


.. الكنيسة ترفض لقاء نائب ترامب فى جولة إخبارية جديدة مع حسن مج