الحوار المتمدن - موبايل



لماذا عقيدة الحياة المعاصرة ؟ الجزء الاول

رياض العصري

2017 / 10 / 12
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


نبذة موجزة عن نشأة العقائد الدينية
كانت البدايات الاولى لانبثاق المعتقدات الغيبية وظهور الطقوس والممارسات ذات الصلة بهذه المعتقدات مع بدايات انتقال الانسان البدائي من مرحلة السكن في الكهوف والتنقل من مكان لاخر بحثا عن الطعام في ثمار الاشجار وفي صيد الحيوانات .. الى مرحلة الاستيطان في الارض وبناء البيوت والعيش اعتمادا على الزراعة ، فقد تحتم على الانسان القديم ان يغادر الكهوف الى الاراضي السهلية ليسكن فيها ويمارس الزراعة ، التي كانت قد اكتشفت بالصدفة قبل ( 10 ـ 15 ) الف سنة ، لانها توفر غذاءا وفيرا ودائما له ولعائلته ، هذا بالاضافة الى ازدياد اعداد البشر المقيمين في الكهوف وبالتالي كثرة مشاكلهم واشتداد الصراعات بينهم ساهم بدفع الانسان القديم الى السكن في القرى وممارسة الزراعة ، لقد مثلت مرحلة الانتقال الى الزراعة انتقالة كبيرة في تاريخ تطور الحضارة البشرية ، حيث ظهرت التجمعات السكانية الزراعية البدائية فتغير على اثر ذلك نمط العيش لدى البشر نحو استقرار اكثر ومجال اوسع في التفكير من خلال مراقبة مواعيد الحرث والبذر والحصاد وعلاقة ذلك بالطقس والمناخ والحاجة الى الكتابة لتدوين المعلومات والارقام .. وبالتالي ساهمت الزراعة في ازدياد وعي الانسان عمقا واتساعا ، ان التحول في اسلوب معيشة الانسان البدائي من مرحلة السكن في الكهوف والعيش على الصيد الى مرحلة السكن في بيوت والعيش على الزراعة وتربية الحيوانات النافعة كان نقطة البداية في تشكيل منظومة الفكر الانساني بشكلها البدائي ، ففي هذه المرحلة البدائية من الوعي البشري تم اعادة تشكيل وتنظيم المفاهيم الغيبية الاولية المتفرقة لدى الانسان البدائي لتأخذ شكلا أوسع وأشمل بحكم التغير في أسلوب المعيشة ونشوء المجتمعات البشرية الاولى ، وبرزت في هذه المرحلة الحاجة لأعراف وقيم ومفاهيم تنظم الحياة الاجتماعية الجديدة التي نشأت على اثر الاستيطان في الارض الزراعية وازدياد اعداد البشر المستوطنين وحدوث مشاكل اجتماعية جديدة وصراعات جديدة وتحديات جديدة ، فحصل التداخل بين المفاهيم الغيبية التي تعكس رؤية الانسان البدائي نحو الكون وبين المفاهيم الاجتماعية التي نشأت على اثر الواقع الجديد ليشكلا معا فيما بعد البنية التحتية للفكر الديني ، وهذا التداخل بين المفاهيم الغيبية والاجتماعية يعكس ارتباط الدين بالعامل الاجتماعي منذ نشأته ، وان نمط العامل الاجتماعي تحدده ظروف البيئة جغرافيا واقتصاديا، فالبيئة هي التي تقرر اسلوب المعيشة و نمط المساكن وبالتالي نمط العلاقات الاجتماعية ونمط الفكر السائد ، بمعنى ان الطبيعة الجغرافية والاقتصادية للبيئة ونوع مواردها هي التي تشكّل وتبلور نمط تفكير البشر وبالتالي نوع المعتقدات الغيبية ، وان تطور الفكر الغيبي ارتبط بتطور اساليب المعيشة أي تطور الواقع المادي ، وان مقدار التحولات المادية في حياة الشعوب ينعكس حتما على مستوى التطور في فكرهم ، وهذه هي طبيعة العلاقة الجدلية بين المادة والفكر ، ففي كل تحول مادي نماء للفكر ، وعقب كل نماء للفكر نماء لواقع مادي جديد يتبعه حتما نماء لفكر جديد وهكذا تمضي التحولات وتمضي مسيرة التطور ، فكل التحولات المادية في حياة البشر مقيدة بقوانين الطبيعة .. لكن النتاجات الفكرية للبشر ليست مقيدة بقوانين الطبيعة ، فالانسان يستطيع بخياله الواسع ان يقتحم عالم ما وراء الطبيعة ويصنع ما يشاء من الاساطير والخرافات ، ظهر الفكر الغيبي في المجتمعات البدائية كنتاج ثقافي فطري أفرزته ظروف ومتطلبات تلك المرحلة البدائية من الوعي الانساني بسبب حالة الجهل الناجمة عن عدم توفر المعلومات وانعدام المعرفة التي كانت سائدة في تلك الفترة المبكرة من فجر الحضارة البشرية ، ومن المعروف ان الحقيقة عندما تكون مجهولة مع وجود حالات الخوف والرهبة والفزع فان الخيال البشري ينشط في مجال الغيبيات فيقوم بنسج الاساطير وتأليف الروايات وحياكة الخرافات ووضع السيناريوهات الساذجة التي لا صلة لها بالواقع مثل اساطير الالهة والملائكة والجن والعفاريت ... الخ ، وهكذا كانت نشأة المعتقدات الدينية استجابة للحاجات النفسية لدى البشر القدماء من جراء الخوف والرهبة من ظاهرة الموت ومن كوارث الطبيعة وما ينجم عنها من موت وجوع ومرض للبشر ودمار وهلاك لممتلكاتهم من المزروعات والحيوانات فاعتقدوا ان الكوارث الطبيعية هي تعبير عن غضب الالهة في السماء ، وقد تحولت الاساطير التي كان يؤلفها وينشرها رجال تميزوا بموهبة تأليف الروايات الخرافية ويسمون كهنة ، تحولت تلك الاساطير بمرور الزمن الى معتقدات راسخة في الوجدان يؤمن بها الناس وتنتقل من جيل الى جيل لاحق ، وتعتبر المعتقدات الغيبية البدائية الاساس الذي بني عليه الفكر الديني لاحقا ، اننا عندما نتأمل في العقائد الدينية السائدة في العالم في الوقت الحاضر نجد انها جميعا قد تأسست في عصور قديمة كانت فيها الكثير من الحقائق مجهولة ، وطالما أن الحقائق مجهولة فانه من الطبيعي لن يتوحد البشر على عقيدة واحدة أو رؤية واحدة ، وبالتالي تكون النتيجة هي أديان عديدة متنافسة فيما بينها ، والمنافسة قد تصل الى درجة الحقد والكراهية تجاه بعضها البعض ومن ثم صراع وحروب بين اتباعها وهذه كلها تعبير عن الجهل بالحقيقة ، وما تعدد الاديان والمذاهب والطوائف الا دليل على بعد الفكر الديني عن الواقع وعن الحقيقة ، فالحقيقة لها وجه واحد دائما ، بينما الوهم له أوجه عديدة ، ولو كان هذا الفكر يرتكز على الحقائق لما تعددت الاديان وتجزأت وهي ذات منبع واحد، بما ان الحقيقة واحدة فلماذا العديد من الاديان وكل يدعي امتلاك الحقيقة ؟ هذا وقد مر الفكر الديني بمراحل عديدة من النمو والتطور ، حيث خضع لعمليات تطوير وتقويم مستمرة على مدى عشرات القرون على يد رجال تميزوا بمواهب وقدرات فكرية جيدة ، حيث قام مؤسسوا الاديان الاوائل بوضع قواعد وطقوس خاصة لتنظيم وتأطير تلك المعتقدات بما يخدم مشاريعهم الاصلاحية ويلبي الحاجات النفسية للفرد والحاجات الاجتماعية والانسانية لمجتمعاتهم ، فاجتاز هذا الفكر مراحل واطوار عديدة ، وبعد هذا المشوار الطويل جدا في تاريخ البشرية وصل الينا هذا الفكر وقد انتهت صلاحيته حيث تغيرت الظروف وتغيرت معالم البيئة وانكشفت الكثير من الحقائق عن الكون والحياة والانسان .
يتبع الجزء الثاني







اخر الافلام

.. كيف رفض العالم الاسلامي قرار ترمب حول القدس


.. عرض عسكري في بغداد احتفالا بالانتصار على تنظيم -الدولة الإسل


.. اعتداء بزجاجات حارقة على كنيس يهودي في السويد




.. كل يوم - تحية خاصة من عمرو أديب للبابا وشيخ الأزهر بسبب موقف


.. الكنيسة ترفض لقاء نائب ترامب فى جولة إخبارية جديدة مع حسن مج