الحوار المتمدن - موبايل



السياسي الوضيع

هيثم بن محمد شطورو

2017 / 10 / 12
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


تبدو معضلة السياسي في الوطن العربي أنها تؤشر بالأساس إلى التـفكك و الانفصال عن الواقع و المشترك العام الأشمل، و الانزياح عن الفكري الحضاري. لأجل ذلك فهو حلول جزئية مهما ادعـت الشمولية التي تـتخيل في كونها قادرة على صنعها أو هي تـتملكها بفعل الإيديولوجي الذي يعزز وهم الانفصال عن الواقع برغم إمكانية فعلها الجزئي فيه..لأجل ذلك وجدنا واقعا مدهشا شبه حيواني حيث ظهرت فيها الحداثة ضعيفة أمام المد الاسلاموي المتخلف..
تكشفت معضلة السياسي بشكل فاضح و عاري تماما بعد ثورة الشعوب العربية ضد الاستبداد السياسي في 2011.تـفكك سياسي ضحل لازال يتعمق يوما فيوما و نرجسيات مقيتة تسيطر على مشهد سريالي مجنون يعبر عنه الرأي العام اليوم بقوله:
"كلهم يتـفـقون على أمر وحيد..يتـفـقون على الكذب..كل يخيط ثوبه الخاص بأكاذيبه الخاصة.. النتيجة كلهم كاذبون لأجل السلطة و الثروة.. لأجل استغلالنا.. أما الشعب فليس له إلا الله يدعوه أن يمحق جميع السياسيـين.."..
السياسي العربي في القرن العشرين أفصح عن غرور يرتكز إلى منطق القوة الرادعة التي تحيي و تميت. السياسي يتخيل نفسه إلاها بل يشرع لنفسه أن يستعمل الإلاه لما تـقـتـضيه مصلحته في السلطة التي تكون هي نفسها بالنسبة له المصلحة العامة، مثلما يتـشبع خطابه السياسي بتلويناته المختلفة للمصلحة العامة. السياسي يستـتبع الفكر و المفكر حسب ما يرتئيه هو من حسابات بينما الوضع الطبيعي هو أن يكون هو ضمن مشروع فكري حضاري أشمل منه. لذلك برزت ظاهرة استعمال المثـقـف و المفكر ليس في إطار مشروعه الفكري الحر النابع من ذاتيته و بحثه الخاص عن الحقيقة و إنما في سياق ما يحدده السياسي سواء السلطوي منه أو المعارض..
نعم. حتى السياسي المعارض كان و لا يزال لا يعترف بالفكر الحر و إنما هو مجرد مستعمل رديء لبعض الافكار التي ما هي في النهاية سوى بعض خيالات مصدرها عالم آخر. السياسي المعارض مجرد ممثل "كومبارس" في مسرح وهمي لا يوجد إلا في مخيلته.
السياسي يعتبر نفسه هو المفكر الأخير و الأصلح. هذا هو أصل الداء لمعضلة السياسي العربي..
يقول المفكر السوري "مطاع صفدي":
" إن الإسلام العربي لم يتمكن من الحفاظ على شكل الإمبراطورية الدينية طويلا القائمة على حطام نموذجي الإمبراطورية الفارسية الاستبدادية المطلقة، و البيزنطية اللاهوتية الشرقية المنفصلة عن البابوية الأوربية. سرعان ما تخطت الحضارة الخلافة، و أصبح الانتماء إلى الهوي الإسلامي طاغيا و متغلبا عمليا على التبعية لأية سلطات مركزية مطلقة، مما ساعد على تعددية الدول و الإمارات و الملكيات المحلية و الاقوامية في ظل مدنية إسلامية عالمية.
و ذلك ما يفسر طغيان الحضاري العام على السلطوي السياسي إبان الازدهار الإسلامي، ثم الانحلال الحضاري، و تبدد السلطوي السياسي معه إبان انحطاط الأزمنة الإسلامية..".
فالحضاري الإسلامي قد انحل و انتهى و لم يتبقى منه سوى بعض الصور المبهمة التي تُستغل بطريقة متـناقضة انتـقائية سواء لدعاة العودة إلى السلف الصالح أو لدعاة الشر المطلق للتاريخ الإسلامي..
ففي القرن الرابع الهجري اجتمعـت ثلاث خلافات إسلامية في نفس الوقت. العباسية مركزها بغداد و الفاطمية القاهرة و الأموية في الأندلس و كلها كانت تابعة لنفس العنوان الحضاري الإسلامي الموحد، برغم أن الدولة الفاطمية شيعية إلا أنها لم تـتمكن من فرض تـشيعها و إنما فقط تمثل المصريون لبعض مقولات الشيعة بصيغة توافقية، و في النهاية فالشيعة من ضمن الهوي الإسلامي الذي ابتلع دون تحديد فكري واضح لصراع سياسي بين فكرة امتداد السلطة النبوية و فكرة انفصال السلطة عن النبي محمد. أي انه الصراع بين إرادة تعسفية على التاريخ لأجل استمرار المعطى النبوي الاستـثـنائي الطارئ زمنيا و تاريخيا، و بين قوة العصبية القبلية التي تمثل البنية الأساسية للسلطة في الانثروبولوجية العربية وفق ما كشفه العلامة "ابن خلدون"..
الشعوب جميعها كانت موحدة حضاريا مما يعزز إحساس الانتماء الواسع و بالتالي الإحساس بالقوة و الاقـتدار، إضافة إلى التضامنية العامة بكل ما تخلقه من أخلاقيات تحدد مجمل السلوكيات الضرورية لأجل تعزيز الترابط لكتلة بشرية حضارية متجانسة برغم امتدادها الجغرافي الواسع..
السياسي هنا هو ضمنها و منها و إليها و لا ينظر إليه كعنصر غريب و بالتالي مكروه و هو كذلك لا ينظر بشكل عدائي إلى الرعية. فالعنصر الفارسي الذي تغلغل في السلطوي العراقي كان متـشربا من نفس الينبوع الحضاري. كان يحفظ الشعر العربي و ينتجه، و كان ينتج العلوم و الفكر باللغة العربية و بروحية إسلامية عامة حتى و إن كان زرادشتيا. كذلك كان الأمر مع اليهود و المسيحيين و جميع الأقوام اللذين تعـربوا سواء من أصول أوربية أو بربرية، لان مفتاح الانـفـتاح الحضاري كان التساوي التام مع الذي يعلن إسلامه و بالتالي التـفاعل التام و ذاك هو سر التعرب و التأسلم التام..
هكذا كان زمن القوة و الاقـتدار لم يصنعه السياسي بل هو امتداد لمخاضات فكرية و اجتماعية و حضارية أشمل. صحيح أن المأمون تبنى المدرسة المعتـزلية ذات المنزع العقلي لكنه لم يدعي انه صانعها أو اختـزلها في شخصه بل كان خادما للمعرفة و الفكر بسخاء كبير. المأمون خليفة أعظم إمبراطورية على وجه الأرض في القرن التاسع ميلادي وضع نفسه في وضع الخادم للفكر و التـنوير بمثل ما شارك فيه، و كم هي المسافة شاسعة ما بينه و ما بين مقولة القائد المفكر الملهم الحزب الشعب البلد عبر تاريخه بمجمله، و الذي جعل مفكري بلاده الأحرار يهربون من طغيانه و الذي قاد البلد إلى المحرقة الشاملة..
من خلال هذه المقارنة فمعضلة السياسي العربي اليوم هي انه فـقاعة حتى و إن أنجز قـفزة في حياة الشعب. فقاعة لأنه لم يبني سبل الاستمرارية لطريق الانجاز. انقطاع الاستمرارية ما هو إلا نتيجة لافتـقاد المشروع الفكري و الحضاري الشامل. هذا المشروع الذي لا يمكن للسياسي أن يبنيه لأنه ليس بنبي أو مفكر فهو على أقصى تـقدير يملك تحديدات فكرية معينة، و بالتالي فان دور السياسي الحقيقي باعتبار الانجاز الواقعي الذي يسهم في تحقيق الاستمرارية هو تـشجيع الفكر الحر و تحفيزه ماديا لصناعة مشروع حضاري جديد..
فالمشروع الناصري انقطع و لم يستمر لأنه لا يمكن لمشروع حضاري شامل ان يتسمى باسم شخص.
فمعضلة السياسي العربي السلطوي و المعارض انه لا ينبع من الأسفل سواء لمن يدعي الماركسية العلمية أو العلمية، أو لمن يدعي المشروع الإسلامي النهضوي لان الإسلام في حقيقته الاجتماعية انتهى أن يكون مشروعا حضاريا، فهو اليوم دين فقط مع بعض المتعلقات الثـقافية التي يستـشعر المجتمع فعل إعاقـتها لإمكانيات الحياة المعاصرة يوما فيوما، أو كذلك بالنسبة للوسطيـين اللذين يقـفون على البرزخ بين المحافظة و التحديث و اللذين أنتجوا ما يسمى بسياسة الأمر الواقع و التي ما هي في نهاية الأمر سوى سياسة استـفحال الأزمة العامة شيئا فـشيئا..







اخر الافلام

.. أخبار عالمية | الخارجية الأمريكية: جولة لتيلرسون تشمل #السعو


.. أخبار خاصة | طفلة أردنية تستطيع الطيران على جهاز المشي متحدي


.. قريبا على فرانس24- تركمانستان : الدكتاتور وألعابه




.. حكومة إقليم كردستان ترحب بدعوة العبادي للحوار


.. هذا الصباح- التجارة الرقمية بمؤتمر -عرب نت- بالكويت