الحوار المتمدن - موبايل



العلمانية ليست دينا جديد

مهدي جعفر

2017 / 10 / 13
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


تميزت بعض المجتمعات تاريخيا بفهم و -تَفهُّم- بنى معرفية و أنساق فلسفية و نظريات علمية بالغة التعقيد و الإبتهام ، فاستثمرت فهمها لإنتشال وضعها من وضع حضاري أدنى إلى آخر أرقى ، غير أن مجتمعات أخرى تفسخ وعيها و تشرنق فكرها و هي تحاول فهم بضعة أفكار ، دمغتها حينا بدمغة الإنحلال و حينا آخر بدمغة الإلحاد و حينا تاليا بالجالبة للخراب ، أي عدتها معولا يُخَرِّب نسق الفكر التقليدي لهذه المجتمعات المتقادمة .

مثال ذلك ، ما قامت به المجتمعات العربية بمفهوم "العلمانية" ، حيث أفرغته من محتواه الإنساني و شحنته بمضمون طائفي و معادي للدين ، في موقف يعكس أزمة ثقافية و حضارية أكثر من كونه سوء فهم لمصطلح هضمه العالم فهما و تطبيقا إلا الأعراب أصحاب الإسلام الحركي ، إذ لم ينتج في أغلبه إلا الخير للشعوب التي استأمنت مقتضياته لحفظ قدسية الدين و كرامة الإنسان و سلم المجتمع .

من منطلق مبدئي يعرفه الجميع -و ليس فيه من العمق الشيء الكثير و لا هو مصور للمعنى الحقيقي- و هو "فصل الدين عن الدولة" كأشهر تعريف للعلمانية ، حيث وقع على المسلمين فيه أفهام تجل عن العد و الحصر ، لكن أشهر معترضاته ما تنفلج به شفتى الإسلاميين من كون العلمانية "دين جديد" حسب فهمهم السقيم ، أهم أهدافه إقصاء الإسلام ، و فصله عن الحياة ، و أنه مصطلح مستورد لا قبل للشرع و السلف بمحتواه و مقبوليته ، فضلا عن كونه ظهر في سياق تاريخي أوروبي مسيحي مبرر ، غير أن لا مبرر لاستجلابه و استنباته في أرضنا ، إلا تغريب المسلمين عن عقيدتهم و تراثهم ، و من ذلك كله فإن المسلمين مكتفين بدينهم حلا لمعضلات حياتهم ، و هم في غنى عن أن يستعيروا من الكفار الحلول ، بل الإسلام حل لكل المشاكل .

قبل أن نحاولة تفنيد هذه السخافات ، أُسجل أولا الملاحظات التالية حول أسباب عدم تفهم المذهب السياسي العلماني في منطقتنا المنكوبة :

أولا : استيعاب مفهوم أو مصطلح يحيل على تيار سياسي كـ"العلمانية" ، يستوجب امتلاك الإنسان اقتدارا أدنى -على الأقل- من زاد المعرفة التاريخية الخاص بالإسلام في شقه السياسي من جانب ، كي يتعرف الإنسان على الكوارث و الحروب التي وقعت بسبب السياسة الدينية في الماضي (14 قرنا من الحرب التي لم تتوقف حتى اللحظة) ، و من جانب آخر معرفة السياق التاريخي الذي ظهر فيه تيار الفكر السياسي الذي اقترح العلمانية كحل لمشكل اجتماعي و سياسي في إطار عام ، يتجاوز و يتسع الخصوصيات الإنسانية ، و هذا يستوجب جمهورا مثقفا ، غير أن في وطننا العربي أو الإسلامي "أغلب الشعب جهلة/أميين" ، حيث يقدر عدد الأميين في الوطن العربي اليوم بحوالي 70 إلى 100 مليون نسمة (حسب بيان المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم الصادر بتاريخ8 يناير 2013) ، و به يتضح أن ذلك من أهم أسباب عسر فهم ما هو جديد ذا الخصوصية المعرفية/العلمية/السياسية المنبثقة من خارج دائرة المقدس ، سواء كان ذلك مذاهبا سياسيا أو فكريا أو دينيا .. إلخ .

ثانيا : أعتقد أن "ثقافة" هذه المجتمعات التي يهندس شكلها الدين بمفهومه التاريخي/السلفي ، و التي تحتكر الحقيقة و المستقبل و المصير داخل دائرة دينية منغلقة تجسد عالم الخير كله ، فضلا عن اتخاد موقف حدي من الآخر (الغير مسلم) ، و اعتباره أو وصفه بكلمة "كافر" الشيء الذي يخرجه من عالم الخير/عالم المسلمين ، و يسكنه عالم الشر ، بذلك يصبح أي شيء ينتجه هذا الآخر/الكافر يجسد الشر تبعا للعالم الذي يسكن فيه حسب ميثولوجيا أو تصور أهل عالم الخير ، و بذلك فإن العلمانية إذا كانت من صنع الآخر فهذا يعني أنها شر ، ما يعني أنها لا يمكن أن تُتَفهم أو أن تُتَقبل حتى لو كانت تحرص على العدل و تكفل الكرامة و تقعد للمساواة و غيرها من القيم الإنسانية النبيلة .

ثالثا : أغلب من ينتقد السياسة العلمانية من العوام أو من النخبة الإسلامية ، لا ينتقدها من الجانب الإقتصادي أو السياسي ، بل ينتقدها "أخلاقيا" ، بمعنى يقولك لا نقبل العلمانية حتى لا تتبرج النساء ، و لا تخرج العلاقات الجنسية عن إطار الزواج ، و حتى لا تتحلل قيم المجتمع بالحرية ، و كي لا نبتعد عن منظومة قيمنا المقدسة و حتى لا يتعطى أبنائهنا الموبقات و يماسون الفسق و ينسون عقيدتهم ووو ... وهكذا ، إذ بصرف النظر عن مفهوم الأخلاق و عن نسبيته و اختلاف معناه من مجتمع لآخر ، فما يعتبر في مجتمعنا أخلاقيا "كاللباس المحتشم" ، يعتبر في مجتمعات أخرى شيء عادي كلباس المرأة في افريقيا و غابات الأمزون الشبه عاري ، أي يوجهون نقدا للعلمانية تحت معنى أجوف للأخلاق ، أما من الجانب الإقتصادي و السياسي فينصرفون عن النظر باتجاهه و لمس مكتسابته ، حيث تتربع الدول العلمانية على عرش الدول القوية اقتصاديا و السلمية اجتماعيا و الناجعة سياسيا ، و هو ما يخلف ظروفا حياتية جيدة تتميز بالرفاهية و الرخاء ، فضلا عن انحصار الجهل في هذه المجتمعات التي تقدس العلوم و الفلسفة و الأدب و ليس الخرافات و الأباطيل ، ما يجعلها تتبوء صدارة الدول المتعلمة و المثقفة ، إذ أن كل هذه الإجابيات يُضرب عنها صفح من طرف الإسلامي ، لأن الدول العلمانية تسمح للنساء بوضع أحمر الشفاه و ارتداء تنويرة قصيرة ، حيث امرأة تَضعُ النقاب و جاهلة ، أفضل عند الإسلامي من امرأة مثقفة تلبس تنويرة أو سروال عصري .

أما من جانب آخر ، فلا يستفرغ صاحب وعي سليم كبير وسع ، إذا أراد تبين تهافت و سخافت هذه المعترضات ، أو الرد على القائلين بها ، و التي تسقط أمام التجربة و الواقع الإيجابي للدول العلمانية على جميع المستويات ، فلا يوجد مجتمع علماني واحد فوق البسيطة لا وجود للدين في حياته ، بل الدين يُفصل عن السياسة فقط ، و لا يُفصل عن المجتمع أو الأفراد كما يدعي الإسلاميون ، إذ يحصل هذا الفصل لمقتضى العدل و الحفاظ على السلم ، حيث لا يخلوا مجتمع من تعدد و تغاير في الأديان و الطوائف و الثقافات ، إذ يحصل الخلاف حول من يحكم ؟ و يؤدي إذا لم يحصل التوافق ، إلى الصراع و التحارب ، و هو ما يُذهب الأمن و يُخرب العمران و يُدنس المقدس و تَتَدنى بسببه إنسانية البشر إلى ما دون البربرية ، ذلك ما تحلحله العلمانية بأن تفصل كل الأديان و الطوائف و الثقافات عن الحكم ، و بدلا لذلك تصوغ دستورا يحمي كل هذه الأديان في إطار إجتماعي و فردي تقف فيه حرية الفرد عند حرية نُظرائه في المجتمع ، و كما تضمن به مشاركة كل ذي دين أو لادين في شؤون الحكم و المجتمع و السياسة ، و غيرها من ضروب الحياة المدنية .

أي ما يضمن للإنسان منتهى حقوقه في المشاركة السياسية بقطع النظر عن دينه و طائفته و إثنيته ، فما يحدد ذلك هو شيء يُقال له "المواطنة" ، أي ما يتبث انتمائك لوطن و يضمن حقك في ثروته و مشاركتك في تدبير شؤونه السياسية و الإقتصادية و الإجتماعية و يقطع بنصيب حقوقك و حريتك في فضاءه ، ليس دينك أو مذهبك أو تقاليد قبيلتك ، بل فقط انتمائك إلى سقع من أسقاع هذا الوطن ، و هو ما لا تكفله السياسة الدينية الإسلامية التي تقوم على الإقصاء و عدم الإعتراف إلا بأتباع دين واحد غالبا ما يكون دين السلطان ، حيث يشكل فيها الإنتماء لدين الإسلام حصرا شرط ممارسة السياسة و اعتلاء مناصب الدولة و التمتع بالحقوق الإجتماعية و السياسية و غيرها ، عكس السياسة العلمانية التي تضمن هذا الحق البديهي و هو المتمثل في الإقرار أو الإعتراف "بحق الفرد أن يوجد كما يريد هو و ليس كما تريد له الدولة أو المجتمع أو الدين" ، إذ ذاك لا يحجبه عن حقوقه ، أي أن العلمانية تكفل حرية الضمير و المعتقد و التدين و الفكر و الكلمة/الصحافة و المشاركة بكل أنواعها دون التفاتة لأديان المواطنين ، و هو ما تصفوا عبره المشارب للناس و تنقشع من خلاله غمة القمع الديني و التعسف السياسي .

يتجلى بهاء السياسة العلمانية و يكفهر وميض نظيرتها الإسلامية ، إذا ما اطلعنا على مقتضيات كل منهما فيما يخص علاقة المحكومين بالحاكم ، حيث تنص العلمانية على أن العلاقة بين هذين الأخيرين "تعاقدية" ، أي أن الحاكم يرتبط بالشعب بموجب عقد يتضمن بنود معينة ، إذا استعاض الحاكم عن هذه البنود إنكارا أو نفيا للإلتزام بها ، حُق آنذاك للشعب أن يفسخ هذا التعاقد فيبحث عن مترشح آخر وَفِيٍّ زيادة عن سابقه ، و هكذا يتم التداول السلمي عن السلطة بما يضمن للشعب حقوقه و يحصن منصب القيادة من طوائش التوتاليتارية و الطغيان ، هذا علمانيا .

أما إسلاميا فيطلق أولا على الشعب "الرعية" ، و على الحاكم "ولي الأمر" و هما تسميتان قدحيتان متأثران بالإطار الإجتماعي البدوي الذي ظهر فيه الإسلام ، حيث تنص سياسته عن كون العلاقة بين الحاكم و الرعية تتحدد بـ"بيعة" على وجه التأبيد ، و إذا حصلت البيعة فمال الحاكم إلى الإستبداد و الظلم و القهر و التفقير و الجبر على ما لا يتحمله الشعب ، تنص فقهيات السياسة الإسلامية على عدم أحقية هذا الأخير إلا الصبر و التضرع إلى السماء فقط ، ذلك ما لم تطقه جماعات في الماضي و الحاضر فاندفعت نحو الثورة ضد الطغاة ، من ذلك اختضب التاريخ السياسي للإسلام و المسيحية بالأحمر (بالدم) ، و بذلك فلا تضمن سياسة الدين تداولا سلميا عن السلطة و لا تُحَجِّم سلطات الحاكم كي لا يَطغى و لا يَستبد ، و هو ما يقوض أسس السلم و ينهك الحياة السياسة و يقضي على ضرورة الأمن و الكرامة .

و بذلك يتضح أن العلمانية ليست دينا جديد ، و إنما "قواعد سياسية" جديدة فقط ، تضمن تحقيق العدل و المساواة و تكفل حقوق المواطنين كيفما كانت أديانهم و أعرافهم ، كما تُجنب كرسي الحكم من أن يَقتَعد عليه طاغية أو ديكتاتور ، و بذلك يكون النظام العلماني هو الإطار الذي تتعايش فيه الأديان ، و ليس الإطار الذي تُقصى فيه الأديان كما يدعي الإسلاميون ، العلمانية تخلق حيزا تَنصهر فيه الخصوصيات الثقافية و تمنع تكالبها عن بعضها حتى لا تؤدي إلى الخراب ، أي أن الأمر يتعلق بسياسة دنيوية و ليست دينية ، "فالعلمانية لن تزيد في عدد ركعات الصلاة ، ولن تُغير شهر الصوم إلى شهر غير رمضان ، و لن تبدل وجهة الحج أو اتجاه القبلة ، و لن تزيد و تنقص في نصاب الزكاة" ، أبدا فعبادات الناس لا مساس للدولة فمقتضياتها ، بل تتدخل فقط لتدبير ما هو مشترك بين المواطنين في حياتهم "الدنيانية" حصرا ، و يبقى الجانب الديني متروك حرية ممارسته في الإطار الفردي و الجماعاتي للأفراد كما يشاؤون ، دون فرض أديانهم عن بعضهم البعض .

كما لا تفوتني المناسبة ، للرد على ذريعة كون عدم تقبل العلمانية من طرف الإسلاميين ، لأنها نشأت في تراب غير ترابنا و أرض غير أرضنا ، نقول لماذا لم يطرح هذا السؤال الهنود و الكنديين و اليابانيين و الصينيين و السنغافوريين و الأستراليين و النيوزيلانديين و غيرهم من شعوب الدول العلمانية ، هل العلمانية نشأت في أرضهم و في ثقافتهم ؟ قطعا لا ، فهم لم ينظروا إلى مسألة نشوء العلمانية في بلد غير بلدناهم كشيء صالح و ناجع لتسيير أمور السياسة و الحكم ، كمعترض يحول دون تقبلهم لهذا الشيء ! و لنأخد مثال الهند ، التي لم تظهر فيها العلمانية تاريخيا أبدا ، حيث كانت تعاني من معظلة الإقتتال بين المسلمين و الهندوس و البوذيين و غيرهم ، فضلا عن معاناتها من التخلف و العجز ، ثم تبنت الهند سياسة علمانية لحل مشاكلها الإجتماعية و الدينية و ذلك ما كان ، حيث قطعت الهند تماما مع معظلة التعصب و الطائفية و العنف الديني ، كما أصبحت الهند بعد ذلك من أبرز القوى الإقليمية و الدولية اقتصاديا و عسكريا و صناعيا بل حتى علميا ، حيث أصبح هذا البلد العلماني حديثا يحطم أرقاما قياسية في بعض مجالات التنافس الصناعي كصناعة الأقمار الصناعية .

هكذا يتضح أن مبدأ العلمانية قابل للتطبيق في أي بلد و ينذر بنتائج ايجابية ، بقطع النظر عن الخصوصيات الثقافية لهذا البلد ، التي لا تُقصى و إنما تُنمى و تتعايش مع مقتضيات الإختلاف و التغاير في عناصر الثقافة و أطوار الزمان .

فواضح مبلغ حاجة أوطاننا لسياسات مدنية ، بدل السياسات الدينية التي خربت و لا تزال مجتمعاتنا مساهمة في انهيارها ، فجلي عن البيان أن واقع العنف في الوطن العربي يقوده التيار الإسلامي و ليس العلماني ، ما يجعل الإنتقال إلى مجتمعات السلم و المشاركة ضرورة تقتضي "العلمنة" ، أما الأسلمة فقد أبانت نتائجها الكارثية في سوريا و العراق و مصر و ليبيا و أفغانستان و قبل ذلك في الجزائر ، فضلا عن التاريخ حيث مسرح مجازرها لم أراد أن يتعض ، و أخيرا نقول أن التأخر في تفهم و تبني مشروع مدني/علماني للخروج من حالة العطالة التاريخية لن يزيد المنطقة إلا تمزقا ، و ما موجة نزعة الإنفصال في الوطن العربي إلا خير دليل على فداحة السياسة الإسلامية و الطائفية التي تمشي في ركابها هذه الدول التائهة .







اخر الافلام

.. مفتى لبنان: رعاية السيسى لمؤتمر دور الإفتاء فى العالم يدل عل


.. شيخ الأزهر: كنت أخشى تلقى توجيهات عندما كنت مفتيا لكنى فوجئت


.. مؤتمر دور الإفتاء فى العالم يبدأ بحضور رموز سياسية وإسلامية




.. كركوك.. تململ الأقليات العرقية والطائفية


.. داعش والقاعدة والإخوان.. مثلث الخداع باسم الدين