الحوار المتمدن - موبايل



كآبة الكاتب -2-

إبراهيم الوراق

2017 / 10 / 14
سيرة ذاتية


كآبة الكاتب
-2-
ربما، في استيهام اللحظة التي نصدق مع مشاعرنا الهاتفة بين ظلالها الهادئة، نكون موجودين بالحقيقة التي تعرِّفنا بلا ذرائع، ووسائط، وموهوبين ‏بالفطرة التي تمدنا برباطة الجأش، وجذوة العزيمة، وشدة الشكيمة، وقوة الموقف، لأننا ما دمنا لم نجد مخرجا لهذا السؤال الذي يرفعنا من يقينه ‏إلى شكه، ومن وضوحه إلى غموضه، ومن أمله إلى يأسه، ولم نستطع أن نستدل على الوعد بما يزيل بؤرة الإخفاق الذي نكابد ضجر أفكاره، ‏وصخب أوضاره، وكدر أوزاره، فإننا لن نعيش إلا حيارى بين دروب فقدت لغة ألفاظها، وبلاغة جملها، وسواء قبلنا بهذا الاعتقاد، أو رفضناه، ‏لأنه لن يجد كل واحد منا ذاته إلا فيما يضمره من كبت، وهوس، واكتئاب، أو فيما يهذي به من دهشة، وذهول، واغتراب، إذ ذلك هو حظنا ‏الذي نقيم الحروب المصطنعة من أجل ستره، وندمر خصوصيتنا الظاهرية في طي خبره، لكي نتمتع بلحظة السمو في الحدث المتفاعل مع من ‏يشاركنا قصة الوجود، وحكاية الطبيعة، لأنه يلازم سيرتنا الذاتية التي نكتبها بدم الروح النازفة بالونى، والناضحة بالضنى، ولو لم نعرب عنها ‏بمقتضى الصراحة التي تحكي عما يهتاج في داخلنا المستعر بالردى، أو خشينا من إعلان ما فيها من دوافع مهينة الصناعة، وحقيرة الصياغة، أو ‏استعرنا لنا معان تحتمل دلالات ملتبسة، وغايات معتركة، إذ لو قدر لنا في زمن من الأزمنة أن نكون أشلاء على سرير الطبيب النفسي، ‏وخُدرنا بحقن تزيل عنا هوج عقلنا الممتزج بجنون الملاحم اليومية المتصارعة، وأوجاع حماقاتها المتحاربة، لاستوعبنا كثيرا من مشاعرنا التي تحمل ‏جوهر فكرنا، ومادة نظرنا، ولغة تأليفنا للعلاقات التي نقيم سطحها لحماية عرفنا، ومعاضدة جمعنا. فهل تعالينا عن درننا الذي اتسخت به عقولنا، ‏لكي نبنبي هذا البيت الذي يجمع بساطه أفراحنا، وأحزاننا.؟
‏ لكن، لم يكن هذا قدرا مقدورا لكشف عوراتنا، وفضح سوآتنا، وهي في اختبائها خلف الممنوع، والتماس البراقع لها في صورة المجموع، ‏تتهادى غلمتها بين أمراضنا، وتتعاوى صبوتها بين أوجاعنا، وتتهاوى شهوتها بين أحزاننا، وأنى لها أن يكون خوضُها لوحل تناقض العوارض متعة ‏متوهجة في كسب فلسفة الإبداع، ونظريات الاختراع.؟ أجل، سيكون التعبير هنا عن الحدث المنفعل بكمده الباطني طاقة لموهبة معتلة بالعلل ‏المفزعة، ولذة مختلة بالحيل المزعجة، لأنها لا تنتشر أنهار فيوضها السابغة، ومننها الشاملة، إلا إذا خفت من أعراض الهلع، وعشقت معنى الكون، ‏وحقيقة انطوائه على السر الباهر في السرور، والمرح، والشعر، والموسيقى، والمسرح، والنحت، والرسم، والزخرفة، وكل ألوان الإعراب عن ‏مخزون اللغة، وضروبها في الإشارة، والإلغاز، والإغراب، لأنها بمقدار ما تنشئ قفص الخارج في صيرورة الدورة الاجتماعية، فإنها تفتح أمداءً ‏فسيحة في الداخل المقرور بملاحمه المنتحبة، وأفياءً ظليلة بالرضى عما يصطرخ فينا من شرود، وتهور، وعبث، وفوضوية، وعدمية، وأجواءً عليلة ‏نطيق في تنسم أريجها أن نتبادل الشعور مع صفات ذواتنا المتناقضة، وأن نتعانق مع إمكانات قدراتنا المتفاوتة، وأن نتحاور مع عاهات نزواتنا ‏المتعارضة، وأن نتآلف مع آفات شهواتنا المتعاندة، وأن نتحايل على كثير من أفكارنا التي تثقل كواهلنا بأسفار التاريخ، وتجذبنا إلى مزبلة ‏الحضارة، وتسوقنا إلى محرقة الحظ في الكوكب الإنساني. فهل وعينا ضياعنا في سلم الرقي، وصرنا ألعوبة في مرح السفهاء، والطائشين.؟
فالمشكلة إذن، ليست فيما نعيش عنفوانه بحيوية، ولنا قدرة على اقتناص دليله فيما يقدسه الإنسان من ذوق عام، وحاسة اجتماعية، بل فيما ‏نحيى به من نبض، وحدس، وتخمين، وهو متنام في بركة آسنة، كنهه السرية، وماهيته الكتمان، ومادته ما يسري في الشرايين من وجع الوهم، ‏والرفض، والإخفاق، والقيود. وهنا تكمن الأعاصير التي توقف كل واحد عند حد حقيقته، لئلا يتعداها إلى ما سواها، فتضيع منه أفضل سبله، ‏وأكثرها إشعاعا، وأجملها إلماعا، لأنها في منتهى النزاهة، تستدعي منا نقاشا عقلانيا، وحوارا إنسانيا، يأخذ أبعادا تنتهي غايتها إلى اعتبار ‏الإفصاح عن الحرية مكسبا لسكان الأرض جميعا، وملاذا للمهمومين، والمنكوبين، والمهدورين، لأنهم أيسوا من الاستمناء بما يضمرون، ‏والاستعداء بما يخفون. وها هم يريدون أن يلجوا عالم الدنيا بأحاسيس نفوسهم، وأنظار عقولهم، وحقائق قلوبهم. لكن، لم يجور حلم العقل الطاغي ‏حين يريد أن يصنعنا من عجينة الانفعالات الرديئة، والانطباعات السيئة.؟ ألا يكفيه أننا عشنا مأزق الاختباء، ومنذ أن سبك المهووسون ‏بجنون العظمة هذا الشباك الفولاذي من نار مستعرة بهياكل الإنسان، وجماجمه، وعظامه.؟
‏ تلك الصور التي تحمل عفن الأجساد المتورمة، ونتن بقايا الأشلاء المتفحمة، وشظايا الصخور التي تغيرت ملامحها بنيران الحرب، وبراكين ‏الخراب، هي التي تجعل العقل يستوطن كهوف ذاته، ويستلذ ظلمات عمقه، لأنه لو لم يجدر به أن يكون أثرا في نخاع الإشراق الوجداني، لما كان ‏له وضع في سياقه اللغوي، والأدبي، والفلسفي، إذ هو الإبداع في مجالات عدة، والإمعان في موضوعات كثيرة. هكذا يكون إحساسا مفصحا ‏عن شبكته الباطنية، وعلاقاته الداخلية، لأنه لا يتأسس إلا على منظومة من المعاني، وسياقات من المفاهيم، وهو قمين بأن تكون غنوصيته ‏محتاجة إلى قفص ماديته التي تأسره بقلقها، وغربتها، لكن أنى له أن يجد من يناجيه بالبسمة التي في قلبه، ويعانقه باللمسة التي في عينه.؟
تلك المادة الضجرة التي قست في استلابها، واستحواذها، لم يركض الإنسان خلف وميضها الخاطف، ولم يته بين دربها الواجف، إلا ‏لكونها لم تخفف حدة الاهتياج في عمقه المحترق بصراع العاطفة، والعقل، ولم تجفف نبع عناء سربه المرتبك نظره في صوغ مناط لأهلية الاختيار، ‏والقرار. وما دامت صلادتها لا تستوعب تفاصيل كليات هذا الكائن المزدوج الجبلة، وجزئيات قضاياه النفسية، وصراعاته الاجتماعية، فإنها لا ‏محالة، قد تضطر بضعف صيغتها إلى أن تعاشر الصالحين في سياق، وتحارب الفاسدين في أنساق، لأنها ستغدو بين وقائع تختلف أنظارها في ‏حدود الانفتاح، وقيود الانغلاق. فما أجملها لو وقفت عند هذا المعنى الذي يزينها بهيأة الأماكن، وأمل رغباتها في القبض على حرية الكسب، ‏والجولان، وحلم جولاتها في نشر بساط السعادة، ولواء الهناءة. لكن ألا نشعر بالخوف من هذا التحديد الضيق المدار، ونحن قد تخلينا عن الكنه ‏الأصلي للإنسان، وهو جوهره البشري، وماهويته في الطبيعة، وهويته في الحقيقة، لكي نعانق فضاء المتسامي، وسماء المتعالي.؟ ألا يعني هذا ‏وجود شيء غير مرسوم بريشة فنان ماهر، لا يستقرئ كل الحقائق المتناقضة، لكي يكتشف ما في ضمير النيات من روح الفعل، وأسرار بقائه، ‏ومظاهر جلائه.؟ وهب أن الرسم كان محددا لضرورة المسير، وبه تقع التبعة على انتقاء صورة للمصير، ألا يدل ذلك على أننا رفعنا كلية العالم إلى ‏مقام الفيض في الأزل، ولم نفصل بين ذاته في الخليقة، ومعناه المفارق له في الأبدية، وقلنا فيه بوحدة الجوهر التي لا تتأسس عليها قضية الإنسان ‏المعتل بعلة الحد، والضد.؟ ‏
ربما من غباء واضع هذه الخطوط للأرض، وبلادته حين لم يجعل لها صوى، وأمارات، أنه لم يعترف باستحقاق كل سكان الكون لحق ‏السكينة بين الربوع التي تفور بالحياة المائجة، والحركة الهائجة، واستيجاب كل نفَس يغور في العمق لمسار صعوده إلى عالم السماء الهادئة، ومرام ‏اعتلائه إلى مقام الأحدية الجامعة، لأن عشق الإنسان الكامن في ضرورة وجوده، لن يبعده بالغواية عن دائرة دورانه حول أطلس الحقيقة. ‏أجل، نحن وجدنا هنا وحدانا، وزرافات، وعشنا مجردين من الإطلاق في الصفات الخالصة، وعراة من الثبات في الأفعال البشرية، فلا تمحض ‏لنعت فينا بالجبلة، لكي يكون هو الآية الشاهدة علينا، إذ لا يطلق إلا وعُرفنا بين غيرنا، ومُيزنا في دروبنا. كلا، بل تناسلنا هنا، وتكاثر نوعنا، ‏لكي ننقش لوحة خالية من إيديولوجياتنا التي تنطوي على عقدنا الباحثة عن حلولها، وخلاصها، والراغبة في أن تكشف أحلام نومها، ويقظتها، ‏وتجلي أوضاع كفاحها، وعنادها. لكن هل تحقق ذلك، ونحن قد تعاندنا على نص القسمة، وتقاتلنا على توزيع الأنصبة.؟
‏ فلا غرابة إذا رسم الحرف تلك الذاكرة المبهمة في ذات الكاتب المتنبئ بعجز العقول عن صياغة اليقين، ونطَق المعنى بين أشلائه الممزقة ‏بفرحه، وحزنه، وقبضه، وبسطه، وصحوه، وسكره، وهو لا يكتب ذاته للأرواح المشابهة له، إلا ليجود بمفاتيح صندوق السر المسجى بدثار ‏الخفاء، ولا يضحي بدم حبره المتفجر من يراعه، إلا لينأى عن الاختلاط بما هو مناظر له، ولكنه يشاكسه في عب جرعة الحياة التي يفصل عنف ‏مواردها بين مصاديق أتواق الروح الواحدة، لأن حاله المتآلف مع باطنه، لا يذرف إلا دمعه، ولا يكتب إلا لغته، ولا يحاكي إلا عقله، وهو كل ‏العقول التي يرسمها بسريالية على الجدران المطلية بالكلس الداكن، وكل المعاني التي يستعير لها صفي الألوان، ورديء الظلال. فما أقساه من حظ ‏عاثر يسير به بين الأمراض المنهكة لجسده، والأعراض المدمرة لكبده، وهو يتآلف معها في حرفه، ويهادنها بغموض كلِمه، إذ لا ينقلها من زخم ‏عمقه المستعر بالآلام الحرى، إلا ليعبر عن شيء يحس بمرارته، ولكنه لا يدري في جنون عاداته، هل استطاع أن يخرجه من طوفان مزاجه ‏المبتئس كائنا سويا.؟ أم يغزوه خوف مزمن في عقله الذي تفجر من غوره جبن الانتظار، فأنجبه معوقا فيما يداريه من لحظات تيقنه بانهزام ‏صوته لصراخ ضعفه، ووهنه.؟ ‏
أجل، إذا لم ننته إلى هذا الطريق الذي يصيرنا متوحدين في الأسلوب الذي نقطع به فيافي الزمن النسبي، ومتآلفين على الغاية التي نستر بها ‏عورة احتياجنا، وشهوة حاجاتنا، وجعلنا السير عليه ضروريا، والحرية في اختياره عقدا لازما؛ ومهما كانت المخارج متعددة، والوسائل مختلفة؛ إذ ‏حين نحن نريد أن نسير مترجلين، ومتمهلين، فإن غيرنا سيمتطي صهوة المطايا الجسام، والرواحل الضخام، فإننا لن نخلص إلى حقيقة، ولن نهتدي ‏إلى طريقة، ولن نعبر جسرا، ولن نسلك شعبا، ولن نبني عشا، ولن نرفع علما، لأن معالجتنا لنفوسنا التي تدنفت بدمار شاخص المنى، لا يحدده ‏إلا سفرنا الذي نغادر به جدب حقول المباني، لكي نمرع النظر في خصيب واحات المعاني. وإذا تعثر الظهور برغبة الكبير في صغار الصغير، وشهوة ‏القوي في إذلال الضعيف، فإننا سنفقد القراءة العميقة للذات المنتحرة ببطء دبيب الآلام في حياضها، والتأويل للألغاز التي تزفر بها أنفاس ‏الوجود في الكائنات العاقلة. وإذ ذاك، لن يكون كل واحد منا مكتسبا لحظه في التشخيص، ولا محصلا لغايته في العلاج، ولا متطبعا بتاريخ ذاته ‏في الأحلام، وهندستها في القيم، وجغرافيتها في السلوك، وكيميائها في الفعل، وفيزيائها في الانفعال. فهل يريدنا من خال الطب محرما على الإنسان ‏المناور بمهارة التخلي، والتخلي، أن لا نعترف بحزن قد يحدث في النفس، أو عويل ينفجر في العقل، أو نزيف يسيح من الروح.؟ ‏
كل ذلك، له إمكانية الوجود فينا بالأصالة، وله أبعاد مرئية في شجرة الإنسان المحترقة، وجهات مغروسة على وجه الطبيعة المستحرة، لأننا في ‏النهاية التي تضع أقدامنا الفارغة من نسيم قوتها على حافة الوداع، أو الضياع، لن نتجاوز ما ننظر إليه بعين الخيال، أو الحقيقة، ولو بددنا معالم ‏الأرض، وحرفنا دلائلها، وجعلنا الجبال مسلكا آمنا، والغابات مسكنا هادئا. وما دمنا ننكر الكبت الاجتماعي الذي يسكن هزالة أكناننا، ونرفض ‏أثر قيوده التي تحجزنا عن التخلص من شحنته السلبية في أذهاننا، فإنه لن يتوفق إلى العطاء الممنون فينا، إلا من يتقن تطريز ذاته، وتسويغ ما ‏فيها من مكامن الخلل، والزلل، ومواطن الفجع، والوجع، لكي تكون محلا للاقتدار، ومنالا في الاعتبار. وهذا لن يفرض للنجاح قيودا تحدد نوع ‏الفعل الذي يسير جيده بحياتنا إلى الأمام، ولن يمهد للصدق سبيلا يمشي عليه طلاب الحقيقة في الكون، والطبيعة، بل سيجعل الإبداع مقصورا ‏على نسج جبة النقاء، ونسخها في الظاهر لإدراك مراتب الصفاء. فهل هذه هي الحقيقة المثلى التي يتعالى بها الملثمون بالوصاية، والمتبرقعون ‏بالوساطة.؟
‏ شيء تافه يقع هنا، وفي هذا الألم المطرد، ويحدُث في غور قضية الإنسان، وينبثق من انهيار النفس، واختلال العقل، وانتحاب القلب، ‏وهو لا يمنحنا روح الوجود، ولا يمتعنا بقوة الاستفادة من مخزون الطبيعة، لأنه يفتقر في لاعجه إلى دقة درك ناموس الفعل المؤثر بحركته الطبعية، ‏ولو بدا في أعين الساهمين مرحا، ونشطا، إذ عنفوانه في تميزه بالمعنى الذي يحمل ولادته الحقة بين بؤرة الأضداد المتشابهة النيات، وينبني أساس ‏تطوره على فاعلية الصراع المحتدم بين أشكال الثنائيات، لأنه لا يتقوم الفعل بمجرد شهوده، بل بما نفخ فيه من روح الإنسان السارية من مكنون ‏الأزل المحفور بين عيون صدره. كلا، بل لكل واحد منا حده في معرفة ما هو مطلق، أو ما هو مقيد، لأن كسب التقديس في الأشياء النسبية ‏التي يختلط فيها النظر، وربما تحارب الناس عليها قديما، وحديثا، وما زالوا يحرقون فراش الأرض، لكي تلفهم السماء بسحابة الإدراك له، والمعرفة ‏لحدوده، لا يستوعبه إلا من جره العقل إلى رؤية منبع الأصل في المعاني الموصوفة بالدنس، والمعلومة بالطهر، إذ العثور على هذا النبع، والشرب ‏منه إلى نهاية الثمل، يكسبنا القدرة على معرفة سبل السكينة في الوضع، والواقع. فلم هذه الحرب التي لا يمتلك أحد فيها رأيا واجب الوجود.؟
وإذا كان هذا العقل حائرا في مثاليته، وكاسدا في واقعيته، وكان هذا الفعل قيمة لم تحصل في صياغة مدلولها على مكونها النفسي، ومقومها العقلي، ‏فكيف سنحس بتدفق القلب بين رحاب العشق المطرز لكياننا، والمحبر لوضعنا.؟ أليس من اليقين بفتنة الجمال النازف من الأشياء التي تحمل ‏فتنتها الرهيبة، أن نعتبرها هيولي المعنى المكنون في الصورة الشاخصة.؟ كلا، لو جعلنا الإنسان ملاكا في صورة شيطان، أو شيطانا في صورة ‏ملاك، فإننا قد نفينا عنه خصائصه الروحية، وأغرقنا جسده في صراع الخير والشر المحتدم بين مراحل تطور الحياة البشرية، لأنه لن يخلصنا من ‏مغبة الضياع، ولن ينجينا من معرة الفراغ، إلا اتصافنا بحقيقة الملاك، واتشاحنا بريش جناحه المحلقة في ذرا الكمال، إذ هو ماهيتنا الدقيقة في عالم ‏المعاني، ونفَسنا الجميل في وجدان الكون الفائض من المعين الأزلي. وما مادتنا التي نغرد بعريها على أفنان الحياة المضطربة، إلا تجلياته التي تبحث ‏عن مسحة التمام الكامنة في نص الجمال، لأننا لا نقدم جهدا، أو نبذل سعيا، إلا لكوننا نريد أن نزين نقشه في تلك الرخامة المرمرية، لعلها أن ‏ترتقي بنا إلى عالم السمو، وننال بها مقام العلو، وتهتدي بها أرواحنا إلى بساتين الأمل، ورياحين الأجل. فهو في ذكورته أنوثة غضة، وفي أنوثته ‏ذكورة بضة، وكلاهما أمارات على الحقيقة التي لا تنفك عن إغرائنا، وإطرائنا، إذ هما في الإحساس المرهف بالأشياء سيان، وسواء من نال فينا ‏الكمال الفائق، أو من تخلف به العجز عن الركب الوامق، وهو يسير خلفهم ببطء دابته التي تحمل نصوص تاريخه، وثقافة حضارته. كل هذا كائن ‏في العقل الذي يعبق دماغه بعطر الرجاء، لأنه حين يتذوق حقائق الطبيعة العتيدة، أو حين يتلذذ بالمعاني التليدة، لا يعبر إلا عن حركة الحياة في ‏الأشياء البديعة، ولا يستكنه إلا قدرتها على العطاءات المنيعة. فلم نمنع هذه الكاريزما الذي تربط الروح بمادتها، ونقول للإنسان المغلوب على ‏ذاته، أنت حيوان خلقت لتقاد، لا لتقود.؟
‏ شيء مذهل أن لا نختلف، أو أن لا نتفق، لأن احتياجنا إلى تمام قصتنا المتسمة بالضرورة في الحاجات المعنوية، والرغبات المادية، لا يجوز أن ‏يحدده غيرنا بأفكاره القصيرة، وأنظاره الحسيرة، إذ ما نصرف الوقت في سبيل طي مبادئه، وحصرها في قالب الجوهر المتحرك برغبتنا المجازفة ‏بأزلام حظوظها، وأفراس نصيبها، هو شوقنا الوجداني الذي نستجلب به مزن الحب، والحنان، والدفء، والمقام، والاستمرار. وظهوره لا يمكن ‏تحديده بمكان دون مكان، أو زمان دون زمان، بل هو فسيح الكون الذي يسرح فيه النظر بعيدا، ويغدو به السير آمن السرب بين فسحات ‏ظلاله، وأفيائه. وإذا منعنا هذا الفضاء الكوني عن الكائن المقهور، والعمق المهدور، فإننا لن نختلف في ميولاتنا، وغرائزنا، ونزواتنا، وشهواتنا، ‏وهي في تعددها ألحان متآلفة بين رحاب حياة تجمع صراعنا بخيط التلاقح، والتسامح، لأنها إذا منعت عن البروز، وحصرت في باطن الصدور، ‏أنبتت أشجارها في مكان آخر غير الذي نطالبه بالجبر، أو نكابده بالكسر. وهو غور هذا الكائن الذي قدر عليه أن يكون في منشأ أحلامه ‏طريدا، وفي مهيع أفعاله شريدا، لأنه ما وجد إلا ليصير تناقضه دليلا له على طلب الحقيقة المطلقة، والبحث عن الجدوى في وجوده الإنساني. ‏ولولا ذلك، لما صح منه دعوى الانتماء إلى عالم الأضداد، والانتساب إلى كون ثنائي المعاني في الأبعاد. إذ لا يمكن له أن يرسم صورته على مهاد ‏الكون، وفوق هذه الطبيعة الفاتكة بتبرجها، وغنجها، إلا في حمأة وجدانه وعاطفته المزدوجة. ومتى ادعى القوة بما يعريه من كمال الظاهر، وزعم ‏أن ما يعتريه من برد العواطف الممزوجة بطمعه، وشجعه، هو حقيقته الجلى، وطبيعته التي لا تقبل الانكسار، ولا ترغب في الانحدار، فقدْ ضاع ‏منه يقين مشاعره، وطاقة عشقه، وفقدَ ملامح مأساته التي يستتر في ملهاتها جمال لعبه، وجده، ويختبئ في متاهتها نصفه البشري الناقم، والثائر، ‏والهائج، وهو الجزء الذي يئده بين أحراش رغباته المفعمة بهوس خرافاته، وهلاوس أساطيره، لكي يكون أثيرا بنصفه الإلهي النظيف، الرحيم، ‏اللطيف. فما أبلهه حين قتل ذاته، ودفن شعوره الذي اكتسبه من عالمه الغريزي، لتبدو عصمته في تعبير ركيك عن ذاته الملتبسة بالتفاهة، ‏والحقارة.! فلم لا ترحم هذه المجتمعات المعتلة المختلفَ لونه عن ألوان الدائرة المحدودة، ومهما كانت مباينته سببا قائما في واقع الأحداث الموجودة معنا ‏بالضدية، أو الندية.؟ ألا يعني هذا أننا فقدنا رحلة الملائكة في عالم الأرض.؟ أم يعني أننا نرسخ لموطن الأبالسة بين الأعشاش الخانعة.؟ ‏
يتبع







اخر الافلام

.. مقتل 55 شخصا في أعمال عنف شمال نيجيريا


.. هيئة تحرير الشام تستغل اتفاق إدلب أمنيا


.. طيارات إناث لأول مرة بالخطوط الجوية الماليزية




.. غارة للتحالف على داعش في السوسة شرق الفرات


.. تذكرة عودة إلى سيماي