الحوار المتمدن - موبايل



الجزء الثالث : من مآثر الحزب الشيوعي العراقي انتفاضة فلاحي آل ازيرج عام / 1951

فلاح أمين الرهيمي

2017 / 10 / 15
مواضيع وابحاث سياسية


من جملة ما تميز به تطور الحركة الثورية في العراق خلال هذه الفترة، هو تنامي الوعي الوطني والطبقي في صفوف الفلاحين وازدياد وزن حركتهم المعادية للإقطاع في مجموع الحركة الثورية حيث تحولت حركتهم الديمقراطية إلى موقع الهجوم ضد الإقطاعيين ولقد عمل الحزب الشيوعي العراقي بين جماهير الفلاحين منذ وقت مبكر وكانت تنظيماته الأولى في الريف أول من أوقد شعلة الوعي الطبقي في الريف إلى جانب الوعي الوطني والديمقراطي فشكل الحزب في بداية الأربعينات (جمعية أصدقاء الفلاح) ومع تنامي نشاط الحزب ومنظماته في الريف تنامى هذا الوعي الطبقي والوطني لدى الفلاحين وتحول إلى قوة ثورية متدفقة وعمد الحزب إلى توجيهها عبر أشكال من التنظيم تتناسب مع الظروف الموضوعية للفلاح العراقي والإرهاب المزدوج المسلط عليه. فنظم الجمعيات السرية التي عملت على تعبئة الفلاحين وقيادتهم في معاركهم الطبقية المسلحة ضد الإقطاع وسلطات العهد المباد كما عملت على رفع وعيهم الوطني الاجتماعي وكافحت الأمية بينهم حيث ما توفر لها ذلك وحررت الفلاحين من ظلمات القرون الوسطى، وناضلت ضد الروح الفردية الفلاحية تحت شعار (الفلاح أخو الفلاح وعدوهم الإقطاع والاستعمار) ودربتهم على الخطوات الأولى من التعاون بإقامة العونات المتبادلة تطويراً للتقاليد القديمة في التعاون بين الفلاحين وحلت مشاكلهم الاجتماعية وحتى العائلية فكانت الجمعيات ملجأ الفلاح المحروم من كل النعم للحياة والمنهك تحت عبء أقسى ظروف الاستغلال والامتهان.
وفي أواخر سنة / 1951 ساهم الشيوعيون في قيادة انتفاضة فلاحي (آل ازيرج) في مدينة العمارة .. فقد طالب (6000) فلاح بالأرض التي أفنوا أعمارهم في إصلاحها وبالقضاء على ما يقاسونه من ظلم الإقطاعيين واغتصاب واستغلال أتعابهم، لاسيما وأن أراضي مدينة العمارة التي يطالبون بها هي أراضي حكومية ممنوحة لكبار الإقطاعيين باللزمة.
فشكل وفد من (600) فلاح لمقابلة المسؤولين في بغداد ولكنهم لم يحصلوا على نتيجة سوا أقوال المستشار البريطاني (دجيرن) الذي قال لهم بكل صلافة ووقاحة (يجب أن تخدموا شيوخكم ونحن لا نعمل إلا بما اتفق عليه آباؤكم) وعاد الوفد إلى مدينة العمارة ليشرح للفلاحين حقيقة الموقف، فقرر الفلاحون الاستمرار في زراعة الأرض ومقاطعة الإقطاعيين، فشكل الإقطاعي (مطلك السلمان) قلة من أتباعه المسلحين وهاجموا أحد القرى ليلاً فاستشهد ثلاثة فلاحين هم (جوده الخلف وأخوه وابن عمه). ولم تثن هذه الاعتداءات الفلاحين بل زادت من غضبهم وإصرارهم كما زادتهم إيماناً بعدالة قضيتهم مما اضطر الإقطاعي طلب النجدة من الحكومة التي أذهلها اتساع الانتفاضة فأرسلت فوجاً من الشرطة المسلحة بالأسلحة الأوتوماتيكية فضربت الشرطة على الفلاحين حصار استمر لمدة شهرين : ولما لم يتنازل الفلاحون عن حقوقهم التي طالبوا بها هاجمت قوات الشرطة المسلحة قرى الفلاحين الذين صمدوا ببسالة متحدين الشرطة وأسلحتهم الأوتوماتيكية وحدثت معارك ضارية استشهد فيها خمسة فلاحين بينهم الفلاحة الشجاعة (فاطمة السيد محمد) وجرح أكثر من خمسين فلاحاً وظلت قوات الشرطة تهاجم بأسلحتها الرشاشة قرى الفلاحين الذين نفذت كل ما لديهم من العتاد عند ذلك استطاعت الشرطة من احتلال القرى واعتقلت منهم العشرات وأحيلوا إلى المحاكم التي حكمت عليهم بالأحكام الجائرة الثقيلة.
وقد نظم الحزب الشيوعي حملة جماهيرية واسعة لمؤازرة الفلاحين ونقلت بياناته أخبار تطور الانتفاضة مناشدة جماهير الشعب عمالاً وفلاحين وكسبة ومثقفين وجميع الكادحين والوطنيين الثوريين برفع صوت الاحتجاج والاستنكار على مجازر الحكومة ضد الفلاحين وإسنادها المطلق للإقطاعيين، فانهالت المذكرات الاحتجاجية على الجريمة النكراء التي اقترفتها الحكومة ضد انتفاضة الفلاحين مطالبين بمحاسبة ومعاقبة مرتكبي تلك الجريمة النكراء ومطالبين بتحقيق مطاليب الفلاحين العادلة وكان لنقابة المحامين آنذاك دور مشهود في مساندة والانتصار لقضية الفلاحين العادلة.
لقد كان اتجاه الحركة الفلاحية الثورية منسجمة ومتفقة مع اتجاه الحركة الوطنية في العراق وتؤلف جزءاً مهماً منها كما كان تعاظمها متناسقاً مع تعاظم الحركة الثورية في العراق وكانت ذات أثر فعال في تعميق التناقضات في المجتمع شبه الإقطاعي وإيقاظ الضمير الثوري للجماهير ودفعها للنضال ضد الإقطاع والحكومة العميلة وسيدهما الاستعمار وتهيئة الجو لانتفاضة تشرين / 1952 وإضافة إلى السعي المتواصل لتقوية التنظيم الحزبي الذي يعتبر هو العنصر المحرك والموجه في الحركة الوطنية.
وقد كانت تجربة انتفاضة (فلاحي آل ازيرج) إلى دفع الحزب أن يساهم بنشاط أساسي في الجهود التي بذلت من أجل إعادة تنظيم وتشكيل بعض المنظمات الديمقراطية الجماهيرية، إذ أعيد تنظيم اتحاد الطلبة العام وتشكلت رابطة الدفاع عن حقوق المرأة واتحاد الشبيبة الديمقراطية والجمعيات الفلاحية وحركة السلم العراقية وقد تحولت هذه المنظمات رغم الإرهاب والملاحقات المستمرة ضدها إلى منظمات جماهيرية لعبت دوراً مجيداً في تعبئة الجماهير الواسعة في النضال ضد الاستعمار والرجعية والإقطاع ومن أجل الحقوق النقابية والحريات الديمقراطية وتحرير المرأة وضد الأحلاف العسكرية والتكتلات العدوانية ومن أجل السلم العالمي.

المصدر : صحف وكتب ومجلات عراقية وعربية.







اخر الافلام

.. عقوبات أميركية على إيران بسبب عمليات تزييف للعملة اليمنية


.. بوتين والأسد.. وأجندة سوتشي


.. جدل -المعابر- بين أربيل وبغداد




.. ليبيا.. وأوكار العبودية


.. لبنان .. الأزمة السياسية ومواقف الجيش