الحوار المتمدن - موبايل



مدخل إلى قصائد -عمار خليل- -على جسدي-

رائد الحواري

2017 / 10 / 15
الادب والفن


مدخل إلى قصائد
"عمار خليل"
"على جسدي"
من الطبيعي أن ينعكس الواقع على الشاعر، فعندما يمر الوطن والأمة بحالة من التقهقر ويتفشى الموت فينا، ويسود الجهل، ويتوغل العدو، فكل ذلك يجعله مأزوم، وهذا التأزم لا بد أن يظهر فيما يقدمه لنا من شعر.
"عمار خليل" يقدم لنا فكرة واعية للأزمة التي يمر بها، وهناك أيضا فكرة موجودة في العقل الباطن، تظهر فيما وراء الكلمات، فنجد في قصيدة "على جسدي": حالات من الاضطراب بهذا الشكل:
"على جسدي
نهايات وبدء الخلق
صراخ الرعد
ومض البرق
فكل نوافذي هربت
من الجداران
وأشجاري تبوح السر للحطاب
فتخبلاه عن المنشار
ليقطع غصنها المثمر
على أسوار أحلامي
يموت الورد مصلوبا
ورأس الشوك منتصبا"
أستخادم ألفاظ "البدايات والنهايات، البرق والرعد، النوافذ والجدران، الأشجار والمنشار، الورد والشوك" كلها تشير إلى حال الاضطراب والصراع، فالبدايات لا تناسب النهايات، والجدران في عداء للنوافذ، والأشجار في صراع مع المنشار، وهناك المفارقة شاسعة بين الورد والشوك، أما بخصوص البرق والرعد، فعندما يجتمعا معا فسيكون الحال قاس علينا، إذاً هنا اضطراب واضح من خلال الكلمات والمعاني التي يقدمها لنا الشاعر في قصيدته.
من دلالات عدم الانسجام مع الواقع طرح الأسئلة، ورغم أنها تقرب المتلقي من النص الشعري إلا أن تعطي مدلول عدم الرضا عن الواقع، فهي هنا أسئلة استنكارية:
"على جسدي
بسوس لا تفارقني
فمن سيشيع الموتى
إلى مأواهم الحجري
ومن سيعيد أجنحة الحروف
إلى المدى في عشها الأبدي
ومن سيلملم العطر المراق
على عروق الياسمين
ومن سينقش فوق أضرحة السنابل
اسمها والفاتحة
من سوف يمسح
دمع أرض النائحة
من سوف يقطف وسم الأروح
ليجمعها بمشكاة
تضيء الموت والشهبا" هذا الأسئلة بمجملها تؤكد حالة الغضب والاغتراب التي يعاني منها الشاعر، فهو من خلال الأسئلة يؤكد لنا بأن هناك خلل في المعايير، خلل في الواقع، وبهذه الأسئلة أرادنا أن نتوقف أولا مفكرين فيما آلت إليه أحوالنا، ثم لنبحث عن مخرج/حل لأزمتنا. فرغم أن الشاعر بدأ المقطع بضمير الأنا "على جسدي" إلا أن التكملة جاءت عن الآخر، الآخرين، فهناك موتى وحروف وعطر وياسمين وسنابل وأرض" كل هذه الأشياء بحاجة إلى ترتيب يليق بها وبنا، فلا يعقل ولا يجوز أن تبقى هذه المفردات/الأشياء العزيزة علينا والتي تمثلنا بحالة من الفوضى والخراب والتبعثر.
ويكمل لنا الشاعر وصف حالته فيقول:
"على جسدي
ظلال من خيوط الغيم محبوكة
وأفراح من الأحزان مسبوكة
تغيب الشمس في عيني
ولكني ضرير
هل سيبصر من
غدا في الأهل مغتربا؟" أيضا نجد حالة الاضطراب في "أفراح من الاحزان، تغيب الشمس، الضرير، مغتربا" كل هذا المعاني تؤكد على الاغتراب والاضطراب التي يهيمن على الشاعر، بحيث جعلته يستخدم المتناقضات، الفرح والحزن، والألفاظ السوداء "الضرير، تغيب"
قلنا في موضع غير هذا أن الشاعر يتجه نحو الكتابة ليفرغ ما في نفسه من غضب، فالكتابة احدى المهدئات التي تخفف من وطأة الواقع على الشاعر/الكاتب، لكن شاعرنا يجد في أدواته الشعرية أيضا وجع وقهر وسواد:
"على جسدي
دماء قصيدة
قد قطعت أوصالها إربا
على جسدي
أرى العربا" مشهد قاس وصعب، فقد تحولت الأداة الناعمة والبهية إلى خراب تسيح منها الدماء، " وهذا المشهد من اصعب وأقسى المشاهد التي تؤكد حالة الاغتراب والاضطراب التي تهيمن على الشاعر، بحيث افقدته أحدى الوسائل الأساسية التي تخفف عليه وقع الحال.
من هنا يمكننا القول أننا نجد الألفاظ والمعاني والصور التي قدمها لنا "عمار خليل" تشير إل حالة الاضطراب الواعي، فهو يتكلم بوعي واضح عن حالته وحالة أمته ووطنه الصعبة، لكن أين نجد هذا الاضطراب في الا وعي، في العقل الباطن عند الشاعر؟
أعتقد أن افتقاد القصيدة للصور الشعرية يشير إلى أن العقل الباطن عنده غير متفق مع واقعه، فحجم المأساة وثقل الحال جعل قصيدته تفتقد للصور الشعرية إذا ما استثنينا مقطع:
" فكل نوافذي هربت
من الجداران" فعدم وجود صور شعرية يشير إلى أنه في العقل الباطن فقد أهم وسيلة يستخدمها الشاعر في جذب القارئ/المتلقي لشعره.
كما أن القصيدة تفتقد للمرأة، والتي تعتبر أيضا من العناصر التي يلجأ إليها الشاعر عند الأزمة أو عند الفرح، لكنه هناك حجبها تماما، وهذا الغياب يشير إلى ذروة التأزم عند الشاعر.



الفانتازيا والوجود في
قصيدة
"أكنت أنا"
عندما يمسي الواقع مجنون، لا يخضع للمنطق، للعقل، فعلنا أن نواجه بذات المنطق المجنون، منطق الفانتازيا، فهي ما يناسبه، في هذه القصيدة نجد الضياع والعمى بحيث تفتقد الأشياء خصائصها، فتبدو بلا فائدة:
"وفي المرآة أنظر
لا أراني!!
فأمد أصابعي
كالعازف الأعمى
لكي أتلمس العتمات
فلا أرى
أكنت أنا
وما حوالي
من الأطياف وهم؟
أكنت أنا؟
أم ظلال
تأسرني..
واسراب
من الغيمات
هناك لكل شيء لونه الثاني"
المرآة تفتقد الحاجة المرجوة منها، وهذه ليس مشكلة، فيمكن ان نستبدلها بمرآة أخرى، لكن المشكلة تكمن في أنها جعلت الشاعر يمر بحالة مزرية، افقدته القدرة على التميز، فأخذ الظلام والسواد يأخذ مكانه في الألفاظ والمعاني التي يستخدمها.
كما أن هناك الأسئلة وجودية يطرحها الشاعر، فحيث لا يدري هل هو موجود على أرض الواقع كجسد حقيقي أم أن الواقع وهم، خيال، وهذا يشير إلى حجم المأساة والاغتراب الذي يمر فيه.
"وفي المرآة آفاق
من النسيان
أناجيها
تناجيني
فأجهلها وتعرفني
وغي المرآة أشياء
تناقضني
فلست أنا
فأين أنا؟
هناك لكل شيء لونه
الثاني"
الصراع بين المعرفة والجهل، والوجود وعدم الوجود، وجاء سؤال البحث عن المكان ليشير إلى تعميق حالة الغضب والاغتراب عند الشاعر.
وعندما ناجى الشاعر "النسيان في المرآة" هو يستخدم الا عقل، الا منطق، وكأنه مصاب بالجنون، وهذا الجنون هو الرد المناسب على الواقع المجنون،
ويختم لنا الشاعر هذه القصيدة بفنتازيا مذهلة:
"وفي المرآة أجراس
من الفخار
معلقة على أذني
صداها يعبر الأحلام
فيوقظني
فأدرك أنني ما زلت
حيث أنا؟
"أجراس من فخار"، هل يخطر على بال أحدنا وجود مثل هذه الأجراس غير المعقولة؟ وهل يمكننا أن نعلقها على أذن الشاعر؟ وكيف لهذه الأجراس غير المنطقية أن تصدر صوتا ويكون له صدى يوقظ الشاعر؟.
لكننا إذا ما أخذنا هذا المشهد كرد على الواقع غير المنطقي وغير المعقول، يمكننا ان نصل إلى تحليل منطقي، يدخلنا إلى ما وراء هذه الفانتازيا.
وإذا ما توقفنا عند الأسئلة التي جاءت في القصيدة يمكننا أن نستنتج منها حالة الاغتراب التي يمر بها الشاعر:
" أكنت أنا
وما حوالي
من الأطياف وهم؟"
"فأين أنا"
هذه الأسئلة تؤكد على شدة وقع الحال على الشاعر، بحيث فقد البوصة، فقد قدرته على تحديد موقعه، فلا يدري، لكنه يجد ذاته في مكانه الجامد، غير المتحرك ايجابا، في نهاية القصيدة:
" فأدرك أنني ما زلت
حيث أنا" فهنا المعرفة لم تكن لترضي الشاعر، فهي جاءت استنكارا للواقع، وهو لا يرضى بحالة الجمود والتقوقع على الذات، فنجده غير منسج مع ذاته حتى في حالة المعرفة، لأنها معرفة أكدت له أنه واقعه قاصر ومتخلف عن اللحاق بركب العصر وما فيه من تقدم إنساني اجتماعي ومعرفي تكنولوجي.

العودة غلى الذات في قصيدة
"لا شيء بعدك"
عندما يستحضر الشاعر المرأة فأن نفسه تكون قد هدأت بعض الشيء، فهي من يمكنها أن تزيل عنه أشد الألآم والهموم، فمن خلال مخاطبتها سيشعر بالراحة، لأن الحديث معها أو عنها في شيء من الفرح، إن لم يكن فرح بحد ذاته، يخرج الشاعر من واقع الكآبة والاغتراب ويأخذنا إلى عالم المرأة فيبدأ مخاطبتها:
"هل تذكرين ملامحي؟
وتمردي وتصرفي
وكم التجأت إلى عذابك عاشقا
لا تتركيني في مساحات المدى
أنت الفضاءات التي
وسعت بكل مسافر
لكنها ضاق علي" طلب بقائها إل جانبه يشير إلى أنه ما زال يعاني ويتألم، لكن هذه المعاناة خفت حددها عما سبق، فهو يعاتب نفسه عندما قال:
"أنت الفضاءات التي وسعت بكل مسافر لكنها ضاق علي" لأنه تجاهلها ولم يلتجأ إليها وقت الشدة، فرغم معرفته السابقة بأنها الملجأ من كل تعب، إلا أن وقع الحال جعلته ينسى هذا الملجأ ويتيه في مأساته وحيدا.
"لا شيء بعدك
غير رائحة التراب
ما عدت أحتمل الرحيل
فأنا القتيل
وأنا المعلق في تراتيل الزمان
وأنا المتعب في الفراق
وأنا المشرد في العناق"
إذا ما توقفنا عند طريقة مخاطبتها، نجد هناك طلب المغفرة والرحمة ومنها، فالشاعر تعب وأصابه الارهاق، فلم يعد يقدر على مزيد من التحمل، لهذا نجد في خطابه شيء من الاستجداء وطلب الرأفة به، فهو "القتيل، المعتق، المعذب، المشرد" ويردها أن تخلصه من هذه الحالات المؤلمة، فهل يريد أن يوصلها إلى درجة الإله، بهذا الخطاب؟.
"لا شيء بعدك
غير قابيل الذي
ما زال يندم
في متاهات الظنون"
إذا كان الخطاب السابق فيه شيء من الألم الداخلي فأن الشاعر هنا يتحدث عن الألم الخارجي، يتحدث عن قسوة الواقع وما فيه من ألم، وكأنه بهذا الخطاب يؤكد لها بأنه لم يعد يستطيع الانسجام/اللقاء مع الخارج، لهذا يريدها هي فقط، ولا شيء غيرها.
"لا شيء بعدك
غير هذي الريح
تصرخ في جنون
والليل يبتلع الصباح
كغولة تفتش عن ضحيتها"
صور أخرة تؤكد قسوة العالم الخارجي، فهو مشبع بالموت والخراب والسواد، ولم يعد فيه أي ضوء أو بياض، لهذا يريدها الشاعر أن تتفهم موقفه وأن تحتضنه وحميه من هول الخارج.
"لا شيء بعدك غير ألوان الرماد
على شعاع الحزن
ترتسمين زهوة ياسمين
أنت المقدسة التي
صلبت على رؤياي
أيتها النقية كالندى
مدي يديك فإنني
في بئر منسى وحيد.."
إذا كان طلب حمايتها في السابق غير مباشر، فإنه هنا جاء بشكل صريح وواضح، فالشاعر يريدها أن تمد يدها لإنقاذه من ألمه ووجعه، فهي الملاذ الأخير والوحيد في عالم يسوده الخراب والموت.








اخر الافلام

.. وزير الثقافة من الأقصر: نسعى لتوثيق وحفظ التراث العربى بالكا


.. علي الحجار يحتفل بألبومه الجديد من نقابة الصحفيين


.. فيديو.. فنانان يطلقان معرض إبداع التشكيليين السعوديين بالأقص




.. نجم السينما الأمريكية جون ترافولتا في السعودية


.. هذا الصباح- أعمال سريالية للفنان الفرنسي إيف تانجي