الحوار المتمدن - موبايل



عندما نواجه الواقع في قصيدة -بلادي- موسى أبو غليون

رائد الحواري

2017 / 10 / 18
الادب والفن


عندما نواجه الواقع
في قصيدة "بلادي"
موسى أبو غليون
عندما تغيب المرأة، الطبيعة، الكتابة، يمسي النص صعب الهضم، لكن واقعنا يفرض ذاته علينا، شأنا أم أبينا، لهذا نجد حالة القرف والغضب والاغتراب والاضطراب سمة عامة عند العديد من الكتاب والشعراء، بحيث نجدهم يعكسون الواقع فيما يقدمونه لنا من أدب، "موسى أبو غليون" يقدم لنا قصيدة سوداء، بحيث وقع الحال جعل قصيدته تخلو من الصور الفنية، وحجب المرأة تماما وأبقاها أسيرة البيت، متجاهلا دورها في تخفيف من حدة الغضب والاضطراب الذي يمر فيه، ونجده يتجاهل دور القصيدة، الكتابة، في منحه شيء من الأمل أو السكينة بحيث يستطيع الاستمرار في الحديث عن غضبه واغترابه.
أن يبدأ الشاعر قصيدة بعبارة "بلادي، كلُّ أوطاني " تشير إلى الهم الوطني والقومي عند الشاعر، من هنا هو صاحب مشاعر نبيلة، ولا يستطيع أن يكون محايدا في موضوع الوطن، لهذا سنجد خطابه عاليا مدويا، يبتعد عن التأمل الجمالي:
" بلادي، كلُّ أوطاني .. سُجونٌ قيدُها عَصَفا
ونحنُ بدربِها وَقـَفـا
وسجّانٌ يقيّدُنا بأوْطاني
حدودٌ تفصِلُ الغـُرَفا
يدلـّلُـنــا ويخذلـُنا.. زعيمٌ للهَوى قطـَفـا
سيجمعُنا ويرفعُنا ويقمعُنا ويمنعُنا"
الألفاظ التي استخدمها الشاعر سوداء بمجملها، "سجون، قيدها، عصفا، سجان، يقيدنا، تفصل، يخذلنا، يقمعنا، يمنعنا" وكأنه بهذه الفاتحة أرادنا ان نتفهم موقفه من عدم استخدام الصور الفنية، فمثل هذا الواقع لا بد من مخاطبه بهذا اللغة، بهذا الشكل الأسود.
ما يحسب للشاعر أنه برر لنا هذه اللغة وهذا الشكل الخطابي العالي من خلال ربطه بموضوع الوطن وبنا نحن المتلقين/القراء للقصيدة، فنحن المستهدفين بهذه القصيدة وهذا الخطاب، لهذا نجده يحدثنا عن واقعنا/أحوالنا فيقول:
" ونحنُ بخوْفِنا هَتَفا
شربْنا الذُّلَّ ألوانا..
حصدْنا العيْشَ حرْمانا
فتاهَ الدَّربُ وانعطـَفــا
رضيْنا السجنَ في وطني..
وأنشدْنا إلى السّجانِ كيْ يرضى..
حملـْنـا صورةَ السَّجانِ كيْ يَرضى.
فهل يرضى؟
شربْنا الموْتَ كي يرضى..
فهلْ يرضى؟"
إذاً نحن مشاركين فيما آلت إليه احوالنا، وهو يستنهضنا من خلال الأسئلة التي يطرحها، ودائما عندما يستخدم الشاعر/الكاتب الأسئلة فإنه يحث المتلقي/القارئ على الانتباه أكثر والاهتمام، فرغم كل ما نقوم به من تخاذل ومشاركة في الخراب لن يكتفي السجان/الحاكم بهذا القدر ويطالبنا بالمزيد من التخاذل/المشاركة في الخراب العمراني والإنساني، لهذا علينا التوقف عند الأسئلة والإجابة عليها، لكي ننهي ما نحن فيه.
تناول النظام الرسمي العربي مسألة تحمل الشاعر فوق طاقته، فهو سيكون من "المغضوب عليهم" وسيلاحق من قبل الأجهزة القمعية، ومع هذا شاعرنا يتحاوز هذا الأمر يكتب قصيدته متحملا تبعاتها:
" يعيش جلالةُ السَّجانِ في وطني
كصخـْرٍ قلبُهُ لؤمٌ، وما ارْتـَجـَفـا
شعوبٌ كلـُّنـا عِشْنا، وصفـَّقـْنـا وأنفقـْنـا، عرفنا أنَّنـا خدَمٌ.. "
وهذه النبرة العالية تنسجم تماما مع نهج القصيدة ولغتها، بحيث يمكننا أن نتفهم عزوف الشاعر عن المخففات للغضب، إن كانت المرأة أو الطبيعة أو الكتابة، فهو هنا يستخدم المخفف الرابع "الثورة" والتي بها يرد أن يرد/يواجه الواقع، ولا يريد الهروب منه.
بعد أن يكشف لنا الشاعر حقيقتنا وحقيقة واقعنا، ولكي يجعلنا نقف معه، متفهمين ومقتنعين بوجهة نظره، يحدثنا بهذا الخطاب:
" وأنَّ بلادَنا للبؤْسِ قد صارت لنا قبراً ومُنعطـَفـا
وأنَّ حروفـَنـا للعيْشِ لم تـُولـَدْ
ولنْ تحْيا بمن عطفـا
فقدْ مُتنا بأوْطاني، كأنَّ بلادَنا المَنفى
وفعلُ زعيمِنا اعترَفـا
هُنا اليَمَني محْكومٌ
وسودانيُّ محرومٌ ..
هَوى بغدادَ بالتـَّفريقِ مَقسومٌ..
كما المِصريُّ والسُّوريُّ والليبيُّ
قلْ لي أيُّها العَرَبيُّ هلْ ترْضى؟
مَنِ السَّجانُ في وَطني؟
مَنِ الجلادُ في وطني؟"
أهم ما جاء في هذا الخطاب أنه لا يخاطب الفلسطيني فحسب، بل نجده يتعداه إلى ما هو القومي عربي، فهو حاضرا في القصيدة متجاوزا الدولة القطرية لأنها هي أساس المشكلة، لهذا نجده يستنهض المواطن العربي في العديد من الدول، وعندما استخدم صيغة السؤال الإستنهاضي كان يعي تماما الشكل المناسب والملائم لخطاب العقل العربي، لهذا جاء الخطاب بشكل ودي وأخوي:
"قلْ لي أيُّها العَرَبيُّ هلْ ترْضى؟
مَنِ السَّجانُ في وَطني؟
مَنِ الجلادُ في وطني؟"
فالشاعر يعي تماما الطريقة التي يمكنه بها أن يؤثر على القارئ/المتلقي، فهو لا يسعى وراء الكتابة المجردة، بل الكتابة المؤثرة والفاعلة، والتي يمكنه من خلالها أن يحدث خلل/شيء ايجابا في الواقع وفي الإنسان.
إذا كان هناك تفهم من الشاعر لطريقة مخاطبة الإنسان العربي، فأنه أيضا يعي الطريقة التي يفكر فيها، فانتشار الأفكار الفاسدة التي تدعوا إلى الخمول والحياد والمهادنة والهروب إلى الأمام، يفندها ويعرها لنا الشاعر:
" صحيحٌ أنـَّنـا في السجْن لكنْ سجْنُنا المَأمورُ مِنْ غَرْب.. ومِنْ غيْرٍ
ستأتي لوحةُ منهم إلى سجّانِ أوْطاني..
أنِ اضربْ لا تخفْ يوماً..
وقيِّدْ لا تخفْ لوْماً..
وجوِّعْ كلَّ مَنْ فيها
ولا تصنعْ، ولا تقنعْ، ولا ترفعْ، ولا تزرعْ..
لتبقى في الرّدى تخنـعْ..
وخُذْ خبزاً و(دولارا) "
هذه الأفكار/الأقوال منتشرة في مجتمعنا وهي السائدة فيه، بحث أي صوت/خطاب آخر سيكون شاذا على أذن وعقل المواطن العربي، لكن رغم سيادة هذه الأفكار والأقوال في المجتمع إلا أنها أفكار خاطئة وغير صحيحة، ولا بد من تقديم ما هو صحيح وصائب، لهذا نجد الشاعر يستخدم الطريقة العادية في توضيح أفكاره المتمردة على ما هو كائن وسائد، فهو صاحب نظرية ثورية، لكن عليه أن يجد الطريقة والأسلوب واللغة التي يمكنه من خلالها أن يحدث ثورة/تمرد ناجح.
يختم الشاعر قصيدته بهذا الخطاب:
" وإنْ مثَّـلْـتَ أنْ تنسى فلا تمنعْ
سيأتي بؤسُنا فيكم ليُدميكم..
فهذي قصَّةٌ صيغتْ
وهذا دورُكم فيها"
خاتمة منسجمة ومكملة للفاتحة التي بدأ بها القصيدة، لهذا يمكننا القول أن لكل قصيدة/نص أدبي طريق وشكل ومضمون ولغة، وعلينا ضمن هذه المعطيات أن نحكم على جودته، وليس من خلال مسألة واحدة فقط، فإذا ما أخذنا القصيدة ككل متكامل، وربطاها مع ما أراده الشاعر منها، يمكننا أن نضعها في مصاف الشعر المتميز، الذي يسعى لخلق واقع جديد، ليس على مستوى الفرد فحسب بل على مستوى المجتمع/الأمة.







اخر الافلام

.. شرح الجزء الثالث من قصة -طموح جارية- في مادة اللغة العربية ل


.. هند صبرى: الفنانون غير مسموح لهم بمناقشة القضايا الهامة والر


.. رحلة من الغناء والموسيقى الشرقية والصوفية بدأت مع القدود الح




.. هند صبري: الفنانين يقدمون تنازلات فى تأديهم عملهم


.. الفنانة مايا يوسف عازفة سورية تستلهم معزوفاتها من مأساة وطنه