الحوار المتمدن - موبايل



- فن الشعر ضرب من ضروب المحاكاة - من -دهشة فعل التفلسف كعقلنة - الحلقة الثالثة عشر - الجزء الثاني من حوارنا مع البروفيسورة خديجة زتيلي في -بؤرة ضوء-

فاطمة الفلاحي

2017 / 10 / 18
مقابلات و حوارات


كيف تقرئين :-
أ- ((فنّ الشِعــر)) لأرسطو بنظره فلسفيّة؟
ب: ما أهمية الحضارة الاسلاميّة وقت ازدهار عصرها بالمساهمة في ترجمة هذا النص الفريد ؟

خديجة زتيلـي:
وتعدّ ترجمة الفارابي الموسومة بــ رسالة في قوانين صناعـة الشعـراء من النقول المبكّرة للتراث اليوناني وقد استعان الفيلسوف في أمر الترجمة بشرح الفيلسوف والخطيب ثامسطيـوس بن يوجينيـوس (317 – 390) ويقول بدوي في نقده لترجمة الفارابي ما نصّه «رسالة الفارابي لم تتناول كتاب أرسطو في الشعر إلاّ لماماً، ولم تمسّه إلاّ مسّا خفيفاً جدّاً.. واعتذارُ الفارابي عن التوسّع والاسْتقصاء اعتذار مُضحك»، وجاء تعقيب بدوي استناداً على خاتمة رسالة الفارابي التي يقول فيها: «فهذه قوانين كليّة ينتفع بها في إحاطة العلم بصناعة الشعراء. ويمكن استقصاء القول في كثير منها، إلاّ أنّ الاستقصاء في مثل هذه الصناعة يذهب بالإنسان في نوعٍ واحدٍ من الصناعة، ويشغله عن الأنواع والجهات الأخر. ولذلك ما لم يشرع في شيء من ذلك قولنا... تمت المقالة في قوانين صناعة الشعر لأبي نصر محمد بن محمد بن طرخان». وقد اعتبر بدوي اختصار الفارابي لرسالة الشعر لأرسطو بهذا الشكل من النقائص، فهو لم يُحِط بموضوعها ولم يتعمّق في قضايا الشعر الأرسطي.

أما ابن سينا في ترجمته لــ فنّ الشعر من كتاب ((الشفاء)) فعلى العكس من ذلك تماماً، «فإنّه لخّص نصّ الكتاب كما هو ولم يغادر شيئا من أجزائه الرئيسيّة» على حدّ تعبير بدوي. والسؤال المطروح على أيّ نصّ اعتمد ابن سينا في ترجمته لنصّ أرسطو يا ترى؟ وهل اتّكأ على نقول عربيّة سبقتهُ إلى هذا الأمر؟ في هذا السياق يسْتبعد بدوي أن يكون ابن سينا قد اعتمد على ترجمة متّى بن يونس مبرّرا ذلك بسببين: «أوّلا لغموضها بحيث لم تكن تفيد في التلخيص على هذا النحو، وثانياً لأنّ النصوص التي ينقلها عن أرسطو ليستْ واردة بحروفها في ترجمة متّى»، وهو يُرجّح اعتماده على ترجمة يحي بن عـديّ، «ولا بدّ أن تكون قد جاءت خيراً من ترجمة متّى» على حدّ قول بدوي. ويستهـلّ ابن سينا مقاله في الحديث في الشعر مطلقا وأصناف الصيّغ الشعريّة، وأصناف الأشعار اليونانيّة، ولعلّه أدرك منذ البداية الفرق الموجود بين الشعر والصيّغ المختلفة له، بين الشعر العربي تحديداً والشعر اليوناني بأغراضه وأجناسه، وهو الأمر الذي لم ينتبه إليه سلفه متّى بن يونس ولأجل ذلك جاءت ترجمته سيّئة. يقول بن سينا «إنّ الشعر هو كلام مخيّل مؤلّف من أقوال موزونة متساويّة، وعند العرب مقفّاة. ومعنى أن تكون موزونة أن يكون لها عدد إيقاعي. ومعنى كونها متساوية هو أن يكون كل قول منها مؤلّفا من أقوال إيقاعيّة، فإنّ عدد زمانه مساوٍ لعدد زمان الآخر. ومعنى كونها مقفّاة هو أن يكون الحرف الذي يختم به كلّ قول واحداً». ولا شكّ أنّ ابن سينا قد اطلّع على ترجمة الفارابي السابقة عن ترجمته في الزمان. ويجب التذكير أنّ تلخيص ابن سينا المذكور كان قد نشره لأول مرة دافيد صمويل مرجليوث David Samuel Margoliouth في لندن عام 1887 في كتابه الذي ضمّنه ترجمة متّى بن يونس.

أما الترجمة العربيّة الأخيرة التي يتمّ إدراجها في هذا العرض لجملة الترجمات القديمة لــ ((فنّ الشعر لأرسطو)) فهي ترجمة ابن رشد الموسومة بــ تلخيص كتاب أرسطوطاليس في الشعر ، والتي يلخّص فيها كتاب أرسطو بشكل إجمالي ينقصه الشرح والتدقيق في المضامين، وبناء على ذلك لا ترقى الترجمة / التلخيص لابن رشد إلى ما كان يُرتجى منها من إصلاح الترْجمات السابقة أو الإضافة إليها. إنّ «تلخيص ابن رشد هنا لا يفيد في تحقيق الترجمة التي ينقل عنها لأنه لا ينقل النصوص بحروفها، هذا مع ضآلة ما ينقله واعتماده على التوسّع في البسيط للمعنى فيما يختاره، ممّا تضيع معه حروف النصّ. ومن هنا لم نستفد من تلخيصه هذا في إصلاح ترجمة أبي بشر متّى»، كما يُعقّب بدوي في كتابه عن ((فن الشعر عند أرسطو)). أما فيما يتعلّق بتاريخ نشر هذا التلخيص فإنّه يعود إلى عام 1872 عندما نَشَره لأول مرّة ف. لازنيـو F. Lasinio في إيطاليا. ويبدأ ابن رشد بحثه قائلاً: «الغرض في هذا القول تلخيص ما في كتاب أرسطوطاليس في الشعر من القوانين الكليّة المشتركة لجميع الأمم، أو لأكثر، إذ كثير ممّا فيه من قوانين خاصّة بأشعارهم. وعادتهم فيها إما أن تكون نِسَبا موجودة في كلام العرب، أو موجودة في غيره من الألسنة»، فجاءت جملة الشواهد الكثيرة المتعلّقة بالشعر العربي، التي أدرجها ابن رشد في تلخيصه، فاسدة نظراً لفساد معنى المسلّمات اللفظيّة التي انطلق منها الرجل. فقد حاول ابن رشد من خلال هذا الاستهلال أن يُطبّق قواعد أرسطو في الشعر اليوناني على الشعر العربي رغم الاختلاف الموجود بينهما، والذي لم يكن يدركه، فأخفقتْ ترجمته في إدراك المعاني التي كان يقصدها النصّ الأصلي لهذا السبب، كما وأنّها لم تنجح أيضا لأنّها سارتْ على نفس منوال متّى بن يونس في فهمها لمدلولات المصطلحات، فترجمتْ مثله مصطلح مديح في مقابل تراجيديا، وهجاء في مقابل كوميديا، وتلك الترجْمات كانت فاسدة، ما أدّى إلى فساد المعاني وسوء فهم غرض أرسطو في فنّ الشعر.

لا شكّ أنّ الترجمات العربيّة لــ ((فنّ الشعر)) كانت مُبكّرة وكانت لها بعض المزالق، ولكن لاشكّ أيضا أنّ تلك المجهودات ثمينة لأنّها عَرّفتْ الناس بنص مهمّ لأرسطو وساهمتْ في نشره ولفت الانتباه إليه. فتلك النقول المبكّرة على بساطتها وبعض هفواتها فتحت آفاقاً جديدة أمام الدارسين والنقّاد لاستعادة المتن الأرسطي مرّة جديدة، ولعلّ هذا ما حصل في الثقافات شرقها وغربها، وإن كانت الثقافة الغربيّة قد استفادت بشكل فعلي وأفضل، من ((فنّ الشعر))، في تطوير منظوماتها الأدبيّة والشعريّة. وينتمي فنّ الشعر لأرسطو إلى مؤلّفات مرحلة النضج وغالباً ما يكون قد تمّ نظْمه بعد كتاب ((السياسة)) وقبل كتاب ((الخطابة))، فالشعر ضرب من ضروب المحاكاة وقد تحدّث أرسطو في قسمه الأوّل عن المحاكاة وعن أنواع المحاكاة في عالم الفنّ، وقسّم الفنون إلى:
1- قسم يعتمد على اللون والشكل للمحاكاة وهو التصوير والنحت.
2- وقسم يعتمد على الصوت وهو الشعر والرقص والموسيقى.

وأسلوب المحاكاة فيما يرى أرسطو هو الذي يحدّد لنا توصيف نوع الشِعر، وتختلف الفنون بسبب اختلاف وسائل المحاكاة، يقول أرسطو «تلك إذن الفروق التي أضعها بين الفنون، وفقاً لاختلاف وسائل المحاكاة»، فالمأساة والملْهاة لا تستعمل نفس طرق المحاكاة كما في الملْحمة، فطريقة المحاكاة تختلف وفقاً لفروق ثلاثة هي «الوسائل، والموضوعات، والطريقة». فالطريقة الأولى التي يتمّ فيها استعمال ضمير المتكلّم نجد تطبيقاتها في الملحمة والهجاء، أما عندما نستعمل ضمير الغائب فهذا يعني أنّنا في قلب المأساة والملهاة، أما الطريقة الثالثة التي يُمزج فيها بين الطريقة الأولى والثانيّة معّا فنجدها منتشرة في أشعار هوميروس الذي برعَ في مَحْكيّاتهِ الدراميّة وفي رسْم معالم الملهاة أيضاً. إنّ المأساة، حسب بدوي في كتابه المذكور آنفا، هي «محاكاة فعل نبيل تامّ، لها طول معلوم، بلغة مزوّدة بألوان من التزيين تختلف وفقاً لاختلاف الأجزاء، وهذه المحاكاة كانت تتمّ بواسطة أشخاص ينفعلون، لا بواسطة الحكاية، وتثير الرحمة والخوف فتؤدّي إلى التطهير من هذه الانفعالات»، فهي تعمل على تطهير النفس من الانفعالات ومن الآثار السيئة لتلك الانفعالات.
هذا فيما يتعلّق بالجزء المتعلّق بالمأساة، أما الجزء المتعلق بالملهاة والموجود في القسم الثاني من كتاب ((فنّ الشعر)) فلم يصل إلينا، لكن الشواهد والقرائن تقوم مؤكدة أن أرسطو وَعَدَ بطرق باب الملهاة لاحقاً، «أما المحاكاة بالوزن السداسي فسنتحدّثُ عنها هي والملهاة فيما بعد»، وسيجد القارئ من الدلائل ما يؤكّد صحّة تلك الاسْتنتاجات، في كتاب ((الخطابة)) في الفصل الأوّل في المقالة الثالثة، التي مؤداها أنّ أرسطو كان سيتحدّثُ عن الملهاة، أو أنّه أنجز هذا الموضوع بالفعل ولكنّه ضاع، وقد جاء ذكر هذه المسألة أيضا عند ابن أبي أُصَيْبِعَة في كتاب ((عيون الأنباء في طبقات الأطبّاء)) حين قال: «كتاب في صناعة الشعر، مقالتان..»، فالمقالة الأولى تتعلّق بالمأساة والثانية بالملهاة.

قَعّدَ أرسطو قوانين الشعر في كتابه المذكور، فالشعر عنده ضروري للنفس الإنسانيّة الميّالة إلى المحاكاة والتقليد، والفنون تبعث الراحة والبهجة في النفوس، وقد «نشأ عن سببين، كلاهما طبيعي فالمحاكاة غريزة في الإنسان تظهر فيه منذ الطفولة (والإنسان يختلف عن سائر الحيوان في كونه أكثرها استعداداً للمحاكاة، وبالمحاكاة يكتسب معارفه الأوليّة)، كما أنّ الناس يجدون لذّة في المحاكاة». ومهمّة الشاعر الحقيقيّة ليست في رواية الأحداث كما وقعتْ فعلاً بل في رواية ما قد يقع، وفي هذا إشارة إلى الفرق الموجود بين وظيفة الشاعر ووظيفة المؤرّخ، «فالأوّل يروي الأحداث شعراً والآخر يرويها نثراً... ويتميّزان من حيث كون أحدهما يروي الأحداث التي وقعتْ فعلاً، بينما الآخر يروي الأحداث التي يمكن أن تقع». وهذا الذي يتمّ تسميته بالواقعيّ والمحتمل. لقد تحمّس أرسطو للشعر وللفنون وأكّد في نصّه المعنون في السياسة، الذي لا يمكن قراءته بمعزل عن كتاب ((فن الشعر))، في باب ما هي الغاية من تعلّم فنّ الموسيقى أنّ الفنون تُساهم في تربيّة وإعداد المواطن الحرّ والصالح والمتوازن الذي بإمكانه أن يحافظ على استمرار الدولة وديمومتها وعلى قوّتها. وهو الطرح الذي يأتي نقيض أطروحات أفلاطون الذي قام بطرد الشعراء من جمهوريّته لعدم جدواهم في الدولة، إذ يقول في حوار له ورد في الكتاب العاشر من ((الجمهوريّة)) في باب يحمل عنوان المحاكاة في الشعر والفنّ ، «فاستطردتُ قائلا: إنّ في دولتنا سمات متعدّدة تَجعلني أعِدّها قائمة على مبادئ سليمة تماماً، ولا سيما تلك القاعدة الخاصّة بالشعر.

ــ أية قاعدة؟
ــ تلك التي تنصّ على حظر الشعر القائم على المحاكاة. فبعد أن ميّزنا الآن بين الأجزاء المتعدّدة للنفس، يبدو أنّ لدينا أسباباً قويّة لاستبعاد هذا النوع من الشعر تماما.«
سَيسترعي انتباه القارئ استرسالي في عرض مقدّمة تاريخيّة ، قد تكون مُستفيضة نوعا ما، بشأن فنّ الشعر عند أرسطو، ولكنّ هذا الصنيع لا يدخل في باب الإطْناب كما قد يبدو للوهلة الأولى، بل قصدتُه قصداً لكون هذا النصّ المهمّ والفريد من نوعه في تاريخ الحضارة الانسانيّة لم يكن ليكتسي أهميّته المعرفيّة لولا نقول العرب الأولى له وطريقة تعاطيهم مع مضامينه، وقد أحببتُ أن أذكِّر بها في هذه السطور، لأنّ الكتب تُقرأ أيضا وتُفهم من خلال سياقاتها التاريخيّة وفيها، وبكون فنّ الشعر لم يكن ليصل إلى بلاد الغرب لولا جهود الأجداد الذين اعْتنوا بالترجمة عناية كبيرة وانفتحوا على الآخر وآمنوا بمسألة الاختلاف ونبّهوا إلى نصّ فريد سيستأنف حياته في حضارات أخرى بفضلهم. فلا بدّ من التنبيه إلى البدايات وحتى لو كان فيها بعض المزالق والهفوات، وهل تكون البدايات خُلوّا منها؟

انتظروا قادمنا من بؤرة ضوء وحوارنا مع استاذة الفلسفة خديجة زتيلي في "دهشة فعل التفلسف كعقلنة "







التعليقات


1 - فن الشعر لأرسطو بكل بساطة
أفنان القاسم ( 2017 / 10 / 19 - 10:29 )
وكل ذكاء كما لم أقرأه من قبل...

اخر الافلام

.. كارثة نيوزيلندا.. سرعة التعافي وحكمة السلطات


.. إمام مسجد النور: الإرهاب لن يكسر النيوزيلنديين


.. مقاومات بعباءة إيران.. سقوط نماذج غزة واليمن ولبنان




.. العراق.. وعبّارة الموت المكتظ


.. هضبة الجولان السورية.. والاعتراف الأميركي بالسيادة الإسرائيل