الحوار المتمدن - موبايل



أدوات الصدمة في قصيدة -أبي- جاسر البزور

رائد الحواري

2017 / 10 / 21
الادب والفن



من العناصر الجمالية في النص الأدبي التماهي بين العقل الباطن والفكرة التي يطرحا الكاتب /الشاعر، فإذا ما اجتمعن هاتين الحالتين في القصيدة/الأدب يكون هناك اخلاص عند الكاتب/الشاعر، شدة الصدمة تجعلنا نغير شيء من السلوك، ونتخلى/نتوقف عن أعمال كنا نعتبرها عادية، لهذا نجد هذا التغيير يثير فينا التساؤل، ولهذا يفتتح الشاعر قصيدته بهذا السؤال:
" هَلْ فارَقَ الشِّعرُ قلبي إِذْ فَقَدْتُ أَبي
أَمْ ضَمَّهُ الحُزنُ بَيْنَ العَيْنِ والهُدُبِ
أَمْ أَنَّهُ الخوفُ يَرْسو في خَليجِ فَمي
مِنْ شُحِّ نَزْفي وَعَجْزي عَنْ رِثاءِ نَبِيْ"
قلنا في موضع غير هذا أن صيغة السؤال دائما تثير المتلقي وتجعله يهتم/ينتبه أكثر فيما يطرحه الشاعر، ورغم أن السؤال شخصي يهم الشاعر إلا أنه يثيرنا نحن القراء أيضا، فهناك شاعر يحدثنا عن خلل/تغيير/ في سلوكه، وبهذا يحفزنا الشاعر على معرفة الأسباب التي جعلته يتوقف عن كتابة الشعر، من جمالية هذه الأسئلة أنها تحمل الأجوبة في ذات الوقت، وكأن الشاعر يخبرنا ـ بطريقة غير مباشرة ـ أننا نحن القراء أقرب الناس عليه ولهذا يحدثنا بهذا الشكل، بهذا الود، بعيدا عن الشرح والإطالة، من هنا علينا تفهم واستيعاب حالته الصعبة.
إذاً هناك ظرف صعب وقع للشاعر، لهذا وجدنا هول هذا الوقع من خلال استخدامه صيغة السؤال، فأول أداة تشير إلى حالة الصدمة عند الشاعر صيغة السؤال، والتي جاءت من خلال الأسئلة الثلاثة.
وهناك أداة أخرى يستخدمها المصاب تتمثل في حروف النداء التي تعبر عن الغضب وعدم الرضا عما جرى:
" يا وَيْحَ شِعْري مَعَ الأَنفاسِ أُخرجهُ
فَيُمسكُ الوَجدَ كالمسمارِ في الخَشَبِ"
فهنا حرف النداء "يا" المتبوع بالغضب والشتم من خلال كلمة "ويح" وكلنا يعلم هول الحدث على المصاب عندما يستخدم النداء والشتم، و لنتوقف هنا قليلا، لندخل إلى نفسية الشاعر، فرغم أن الحدث شديد الوقع عليه، إلا أنه ـ في العقل الباطن ـ كشاعر يستخدم صور أدبية تخفف على المتلقي قسوة الحدث، وكأنه يقول لنا نحن المتلقين، ليس المتحدث معكم شخص عادي، وإنما شاعر فلن أتعبكم بهمي الشخصي، صحيح أن هناك حدث/موضوع قاسي وصعب، إلا أن طريقة تقديمه تتجاوز الشكل العادي/القاسي، لهذا نجد صورة المسمار والخشب، والتي قدمها بطريقة مذهلة، وهناك أيضا مسألة مهمة في صورة "كالمسمار في الخشب" والتي تشير إلى التابوت والذي يكون في المسمار والخشب حامل لجثة الميت، فالشاعر يستخدم الأدوات العادية في تقديم صورة أدبية مذهلة، فقد حول العناصر السوداء/القاسية التي يتكون منها التابوت إلى صور أدبية جميلة، وهنا يتجاوز "جاسر البزور" مأساته الشخصية ويقدمها لنا كشاعر يتفنن في شاعريته.
الأداة الأخرى التي تعبر عن هول الصدمة استخدام صيغة التمني:

" يا ليتها الشَّمسُ غابتْ في دَياجيها
وَنورُ وجْهكَ لَمْ يَذهَبْ وَلَمْ يَغِبِ
وَليتهُ الموتُ لَمْ يُرسلْ نَوازعهُ
وليتها الرُّوحُ لَمْ تَخرجْ وَلَمْ تُجِبِ"
من أجمل الصور التي تعبر عن هول الفاجعة التي ألمت بالشاعر، ولا أقول "جاسر البزور" فهنا الذي يتحدث هو شاعر وليس إنسان عادي، فيرسم صور جميلة وممتعة رغم أنها تشير إلى حالة الألم، وهذا التقديم الأدبي يحمل بين ثناياه شيء من حرص الشاعر على مشاعر القراء والمتلقين لشعره، لهذا وجدناه يكثر من استخدام الصورة التي تمتع القارئ، ولنتوقف هنا متسائلين، كيف يستخدم الشاعر أدوات وشكل جميل في تقديم موضوع مؤلم وقاسي؟، أليس من المفترض أن تكون أدواته منسجمة مع الموضوع؟، ونجيب عن هاذين السؤالين: تكمن عبقرية الشاعر في تخفيف الحدث/المضوع على المتلقي، ولو كانت ادواته وأسلوبه منسجم من الفكرة/الموضوع لكان النص مطلق السواد، وهذا يرهق القارئ، لكن الشاعر يريدنا أن نستمتع بشعره رغم صعوبة الحث عليه، وهذا يحسب له، فهو لا يريدنا أن نتألم معه، بل يريد أن يمتعنا رغم أنه يتألم.
الأداة الأخير التي يستخدمها المصاب العودة/اللجوء إلى الله:
" ووحدهُ الله قَدْ حَقَّتْ أَوامرهُ
إِنْ قَدَّرَ المَوتَ مَنْ يَقوى على الهَرَبِ ؟"
وهناك تسليم كامل بحق الموت علينا، فالمتحدث هو "جاسر البزور والشاعر، لهذا ينهي حديثه بعبارة متداولة بين العامة، لكنه صاغها بطريقته الخاصة.







اخر الافلام

.. وزير الثقافة من الأقصر: نسعى لتوثيق وحفظ التراث العربى بالكا


.. علي الحجار يحتفل بألبومه الجديد من نقابة الصحفيين


.. فيديو.. فنانان يطلقان معرض إبداع التشكيليين السعوديين بالأقص




.. نجم السينما الأمريكية جون ترافولتا في السعودية


.. هذا الصباح- أعمال سريالية للفنان الفرنسي إيف تانجي