الحوار المتمدن - موبايل



ولادة وطفولة الكون المرئي المختلف عليها: هل الكون المرئي لقيط ووحيد؟

جواد بشارة

2017 / 10 / 23
الطب , والعلوم



ولادة وطفولة الكون المرئي المختلف عليها: هل الكون المرئي لقيط ووحيد؟

كانت لجنة نوبل قد منحت جائزة سنة 2016 في الفيزياء لثلاث بريطانيين وهم ديفيد ثاوليس، وف. دانكن هولداين، وج. مايكل كوستيرليتس، لقيامهم بأبحاث "أتاحت تحقيق تقدم في الفهم النظري للأسرار الغامضة للمادة".أكما علنت لجنة نوبل بالسويد قبل أيام، عن منح جائزة سنة 2017 في الفيزياء لثلاثة علماء أمريكيين. وأكدت الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم أن الأمر يتعلق بكل من رينير وايس Rainer Weiss، وباري باريشBarry Barich ، وكيب ثورن ، Kip Thornوأبرزت اللجنة المشرفة على منح جوائز نوبل، في حيثيات قرارها، أن هؤلاء الأمريكيين فازوا بالجائزة "تقديرا لإسهاماتهم الحاسمة في رصد موجات الجاذبية" التي تفتح آفاقا جديدة لفهم الكون وتحملنا إلى الغوص في أعماق الانفجار العظيم البغ بانغ وذلك بفضل أجهزة الرصد المتطورة ليغو Ligo أي المرصد الليزري الأنتيرفيرومتري الثقالي Laser interferometer Gravitational Wav observatory
لقد جاء هذا التكريم تتويجاً "لمساهماتهم الحاسمة في مرصد ليغو ورصد موجات الجاذبية" في تثبيت عملي للتنبؤات النظرية لأينشتاين قبل مئة عام، وهو اكتشاف "غيّر العالم" بحسب الأكاديمية السويدية التي تمنح الجائزة. فبعد قرن على حديث آينشتاين عن هذه الموجات التي تسبح في الفضاء مؤرخة للأحداث الفلكية الكبيرة التي وقعت فيه، تمكن المرصد "ليغو" من رصد هذه الموجات فعلا لأول مرة في تاريخ العلم، وذلك في أيلول/سبتمبر من العام 2015. وأشارت إلى أن "هذا أمر جديد ومختلف تماما ويفتح عوالم غير مرئية".
بعد هذه المقدمة الضرورية التي تعد مفتاح لمقاربة جديدة ، نود أن نطرح التساؤل التالي: ماذا يعني اكتشاف موجات الجاذبية أو الموجات الثقالية كما يسميها البعض؟ ولماذا تدفعنا لمراجعة معلوماتنا وحساباتنا عن ولادة وطفولة الكون المرئي، ما يعني أن هناك خلاف بين العلماء حول هذا الموضوع وحول موضوع الأسرار الغامضة للمادة المكونة للكون المرئي وتوزيعها وكميتها وعلاقتها بالمادة المضادة المختفية والمادة السوداء أو المظلمة والطاقة الداكنة أو المعتمة أو السوداء، إلى جانب العديد من الألغاز والأسرار والتحديات الأخرى التي لم تحل بعد بالرغم من سيادة وهيمنة نظرية الانفجار العظيم وإثبات صحتها رياضياً ومختبرياً أو تجريبياً ورصدياً أي من خلال المراقبة والمشاهدة والرصد .
عند دراسة مفارقات نظرية الانفجار العظيم والنظرية الكوسمولجية المعيارية من قبل العلماء وتفنيدها، كادت أن تنهار لولا اقتراح بعض العلماء المعاصرين الأفذاذ لفرضية التضخم الكوني الهائل والمفاجيء الذي حدث بعد الانفجار العظيم فوراً L inflation، فلقد حل معضلة النموذج المعياري لعلم الكوسمولوجيا مؤقتاً لكنه طرح في نفس الوقت معضلات ومشاكل أخرى جديدة ، فمازلنا لحد الآن لا نعرف طبيعته وماهيته ولا أسباب وكيفية حدوثه ، إلى جانب صعوبة فهمنا لماهية الفرادة الكونية الأولية التي انبعث منها الانفجار العظيم . هل حدثت قفزة أو عملية ارتداد rebond للكون المرئي سابقة للانفجار العظيم إثر عملية تقلص وإنكماش عظيم سابقة على نحو تعاقبي تفادياً للمرور بالفرادة الكونية الأولية؟ النقاش مازال مفتوحاً خاصة بعد النتائج المذهلة التي قدمها لنا التلسكوب الفضائي بلانك وما ستقدمه التلسكوبات المتطورة جداً التي ستطلق بعده في السنوات القادمة والتي ستدرس بتعمق أكبر حيثيات وتفاصيل ونتائج ومعطيات الخلفية المكروية الكونية الأحفورية المنتشرة le fond diffus cosmologique، التي نقلت لنا حالة الكون المرئي الأولية الأقدم التي وصلتنا لحد الآن، أي صورة الكون الوليد.
مما لا شك فيه أن الكون المرئي في حالة توسع وهناك فترات تسارع فيها هذا التوسع لكن الفترة التي سبقت ذلك عرفت بالتضخم الكبير الهائل السرعة ـــ أقل من واحد من مليار المليار المليار من الثانية ــ بحيث انتفخ الكون أو كبر من نقطة الفرادة إلى حجم هائل، ومن ثم بدأ بالتسارع المنتظم وما يزال يتوسع إلى يومنا هذا. إن هذا التوسع التضخمي المفترض ينطوي على حصول مسافات خير متخيلة بين نقاط تباعدت على النسيج الكوني الزمكاني وبسرعة تفوق كثيراً سرعة الضوء التي نعرفها، أي 300000 كلم / ثانية، وهذا لا يتعارض مع القاعدة المطلقة التي حددتها نظرية النسبية الخاصة la relativité restreint، والتي تقول أنه لايمكن لأي مادة أو معلومة أن تنتشر بسرعة تفوق سرعة الضوء، ففي النموذج التضخمي ، إن الذي يتوسع بسرعة ليس المادة بل الفضاء أو الزمكان الذي يحتوي تلك المادة أي هندسته وتكوينه sa géométrie، أي إن المقياس la métrique هو الذي يتوسع وليس الجسم المقاس ، والمقصود بهذا الأخير هو الموتر المتري الذي هو عبارة عن كينونة رياضية للقياس tenseur métrique qui est un objet objet mathématique تسمح بتحديد وحساب المسافات والزوايا في فضاء أو زمكان معين.
لا بد من الإشارة هنا إلى أنه في بداية سنوات السبعينات من القرن الماضي، القرن العشرين، قام عالم الفيزياء السوفيتي ألكسي ستاروبنسكي Alexei Starobinsky، من معهد لاندو للفيزياء النظرية في موسكو باقتراح فكرة التوسع الأسي expansion exponentielle المفاجئ غير القابل للقياس ، أي التضخم المفاجئ والفوري للفضاء أو الزمكان، وفي حساباته الرياضية نتج أن التوسع الأسي نجم عن تعديلات في معادلات النسبية العامة لآينشتين التي تصف الثقالة أو الجاذبية بغية الأخذ بالاعتبار التأثيرات الكمومية أو الكوانتية التي يفترض أن تكون موجودة في الكون البدئي. ومن ثم جاء دور العالم آلان غوث Alan Guth الأستاذ في معهد ماساشوسيت للتكنولوجيا MIT الشهير الذي اقترح هو أيضاً نموذج كوسمولوجي للكون البدئي يحدث فيه التوسع الأسي expansion exponentielle التضخمي مستنداً إلى نظرية الحقول الرقمية les champs scalairse، بعبارة أخرى إن المقصود بذلك هو الربط بين كل نقطة في الزمكان برقم سكالير scalaire. لكن نموذجه الأولي شابه بعض النقص والقصور ، فجاء العالمان الروسي أندريه ليند Andrei Linde، الأستاذ في جامعة ستانفورد الأمريكية ، والعالم بول ستينهارد Paul Steinhardt من جامعة برينستون اللذين قدما في بداية ثمانينات القرن المنصرم تجسيدات وإنجازات ملموسة من الناحية العلمية للنموذج التضخمي للكون المرئي البدئي.
لقي هذا التعديل المقترح على النموذج التضخمي قبولاً واسعاً لدى العلماء لأنه ساهم في حل الكثير من المعضلات والعقبات التي تقف في طريق النموذج الكوسمولوجي المعياري. ومن بين تلك العقبات أو التحديات والمشاكل المطروحة ، مشكلة " الأفق " Horizon" فالمشاهدات وعمليات الرصد والتحليل للخلفية الكونية الأحفورية المكروية المنتشرة التي تنتشر وتسبح في كافة أنحاء الكون المرئي، والتي رصدها بدقة تلسكوب بلانك الفضائي، تظهر أنه في الفترة التي انبعثت فيها تلك الإشعاعات البدئية الأولية الناجمة عن عملية الانفجار العظيم بعد مرور 380000 سنة من حدوث البغ بانغ الانفجار العظيم، كان الكون البدئي متجانساً ومتناحي الخواص homogène et isotrope، أي أن الكون كان يبدو متشابهاً أي كان الاتجاه الذي ننظر منه إليه ، والحال أنه لم يكن هناك سبب علمي منطقي في أن يغدو الكون ذو خواص متناحية أو متشابهة ومتناظرة أو متماثلة ، على سبيل المثال أن تكون درجات الحرارة فيه متجانسة ومتماثلة من قبل التحلل homogénéisées par thermalisation، بينما كانت هناك مناطق متباعدة في الكون لم تتبادل فيما بينها المعلومات والخواص التي لديها، حتى ولو كان التبادل يتم بسرعة الضوء، لأن المسافات التي تفصل بينها من الشساعة بمكان بحيث لن يتسنى لها أن تكون على اتصال ببعضها البعض بهذه السرعة بعد الانفجار العظيم بدون حدوث التضخم المفاجيء المفترض، لذا فإن نموذج التضخم le paradigme de l inflation يحل هذه المعضلة ويلغي عدم التوافق incompatibilité هذا وذلك بافتراض أن الكون البدئي الناجم عن الانفجار العظيم كان مضغوطاً في منطقة غاية في الصغر والكثافة و بفعل التغطية الحرارية thermalisé، توزعت فيه الحرارة على نحو متجانس ومتماثل أو متناظر ومتناحي بحيث جاءت مرحلة التضخم الفوري الهائل لتنفخ الكون البدئي وتباعد بين مناطقه التي كانت متقاربة ومتشابهة ،وظلت على نفس الحالة رغم تباعدها عن بعضها بمسافات هائلة. وهناك معضلة أو لغز الإستواء والتسطح la platitude في الكون المرئي التي تتواجد في النموذج الكوسمولوجي المعياريmodèle standard de la cosmologie فالزمكان يبدو مسطحاً أو مستوياً plat فانحنائه أو تحدبه الهندسي يقترب من الصفر، فكيف يمكن تفسير مثل هذه المشاهدة في حين أنه من وجهة نظر فيزيائية، يتطلب ذلك إحداث تعديلات دقيقة للغاية في المعايير الكوسمولوجية؟ والحال إنه مع فرضية التوسع الأسي expansion exponentielle، فإن أي انحناء أو تحدب، مهما كانت قيمته الأولية، فإنه سيبدو بعد التضخم المدوي المفاجئ صغيراً للغاية يمكن إهماله ، أي أقرب ما يمكن للصفر. ومن المفارقات المطروحة في النموذج الكوسمولوجي المعياري هناك الأنثروبي l entropie، والذي يمثل قيمة فيزيائية ترتبط بدرجة الفوضى واللا انتظام في النظام القائم على المستوى الميكروسكوبي . كيف يبدو الأنثروبي في الكون الحالي كبيراً في حين كان الأنثروبي الأولي في الكون البدئي ــ المعروف بأنثروبي بلانك l’entropie de Planck ــ صغيراً جداً؟، هنا أيضاً جاء التضخم ليحل الإشكال. ومع ذلك مايزال هناك من العلماء من يعترض على فرضية التضخم الكوني الهائل والمفاجيء لكنهم أقلية في الوسط العلمي.
كانت شرارة الحملة الاعتراضية قد انطلقت على يد العالم الفيزيائي بول شتاينهارد Paul Steinhardt، والذي كان أحد أعمدة نظرية التضخم الكوني إلى جانب آلان غوث وأندريه ليند، لكنه انقلب عليهم وبات من اشد المتحمسين لمعارضتها ومحاربتها بحيث وصفها بأنها لا ترقى إلى مصاف النظرية العلمية، وذلك في مقالة له بهذا الخصوص أثارت جدلاً واسعاً في الوسط العلمي الفيزيائي. وأدعى شتاينهارد بأن هذه النظرية لم تقدم تكهنات أو تنبؤات كما هو شأن النظريات العلمية الأخرى، وهذا تجني مقصود لأن نموذج التضخم هو من بين أكثر النماذج التي تتميز بالمصداقية بعد التثبت والتدقيق بمصداقية وصلاحية تنبؤاته وتكهناته والتي تتوافق مع نتائج الرصد والمشاهدات الحديثة بواسطة الأجهزة الأكثر تطوراً من الناحية التكنولوجية مثل تلسكوب بلانك الفضائي الذي درس وحلل الأشعة الخلفية الكونية المنتشرة، وقد اقترح شتاينهارد نموذجاً بديلاً أسماه ekpyrotique وهو مأخوذ عن الإغريقية ekpyrisis والتي تعني الاحتضان embrassement وهي إشارة إلى مرجعية قديمة، أو إلى الرؤية التعاقبية الدورية أو الحلقية للكون عند الفلاسفة الإغريق الـمتحملون stoïciens، وهذه الرؤية الفلسفية للكون تقول أن هذا الأخير شهد مراحل دورية متعاقبة حيث يتم استبدال الانفجار العظيم بنوع من الارتداد العظيم انطلاقاً من مرحلة سابقة للكون في حالة تقلص وانكماش. ولقد رد عليه زملاؤه بشدة وقسوة تقرب للتسفيه من بينهم آلكسي ستاروبنسكي وآلان غوث وأندريه ليند، بل وكذلك من جانب العالم البريطاني ستيفن هوكينغ وستيفن وينبيرغ وإدوارد ويتن.
تجدر الإشارة إلى أن ستلايت أو تلسكوب بلانك الفضائي قدم لنا خارطة دقيقة للكون البدئي ولدرجات الحرارة المتوزعة فيه وكيفية اهتزازاتها وتقلباتها واختلالاتها، وإذا كان لدى الأشعة الخلفية المكروية المنتشرة معدل متوسط لدرجة حرارة يقدر بــ 2.7 كلفن أو مايعادل _270.4° C فإن هذه تتخلخل وتتقلب على نحو ضعيف بين مختلف المناطق في الفضاء الخارجي ، وانطلاقاً من تلك التقلبات fluctuations، يمكننا بناء ما يعرف بطيف القوة Le spectre de puissance للتخلخلات والاهتزازات والتقلبات الكوسمولوجية والكوانتية أو الكمومية الذي يحدد كثافة وقوة وعمل التقلبات على المستوى الذي تحدث فيه، والذي هو بمثابة إمضاء لحالة الكون في تلك المرحلة البدئية الغائرة في القدم ، وقد سجل تلسكوب بلانك الفضائي قيمة تلك التقلبات بدقة تتطابق مع ما تكهن به ستاروبنسكي. من هنا يمكننا القول أن النموذج التضخمي صالح وقدم تكهنات ثبت حدوثها تجريبياً بالقياس والمشاهدة والرصد. هناك كذلك نماذج أخرى للموديل الكوسمولوجي المعياري خاصة من بين من تتحدث منها عن ماقبل البغ بانغ الانفجار العظيم، ونموذج الارتداد للمادة، وهي نماذج قدمها علماء مرموقين من أمثال موريزيو كاسبرتيني وغابرييل فينيزيانو وفابيو فينيللي لكنها لا ترقى إلى مستوى النظرية العلمية على غرار نسبية ىينشتين الخاصة والعامة التي تمتلك أسس راسخة تعدت وتجاوزت التحديات والعقبات والاختبارات التجريبية والرصدية والمختبرية والرياضياتية، و لا ننسى نظريات حيرت العقول كنظرية الأوتار الفائقة وغيرها من نظريات الحقول ممن قدم عمقاً وأساساً فيزيائياً لمعظم النماذج الكوسمولوجية لكنها لم تفلح في عرض الطبيعية والماهية الحقيقية للتضخم ولا أسباب حدوثه مما يجعله محض افتراض نظري لا أكثر رغم التأكد من حدوثه في مرحلة من مراحل الكون المرئي البدئي. فهو من نوع الحقل الرقمي champs scalaire، على غرار حقل هيغز المرتبط ببوزونات هيغز كما شارات إلى ذلك نظريات الحقول كالأوتار الفائقة وأطروحة النطاق والامتداد أو التمدد والتوسع extension في نظرية التناظر الفائق في فيزياء الجسيمات وباقي النظريات الغريبة والمتفردة.
فلكي تترسخ النظرية العلمية وتفرض نفسها عليها أن تثبت وجودها وتتجاوز الاختبارات والتدقيق كما هو حال نظرية النسبية لآينشتين التي فسرت وشرحت كافة المشاهدات القديمة والتي كانت غامضة ولغزية حتى تاريخ ظهورها، مثل اضطراب مدار كوكب عطارد mercure، وقامت بالعديد من التكهنات والتنبؤات التي ثبتت صحتها فيما بعد مع مرور الزمن وتقدم العلم والتكنولوجيا وأجهزة القياس والرصد والمشاهدة، وإن المشاهدات المستقبلية سوف تحسم أمر صلاحية ومصداقية النماذج الكوسمولوجية مثل اكتشاف الموجات الثقالية أو موجات الجاذبية الأولية القديمة وكتلك الناجمة عن تصادم واندماج ثقبين أسودين كما حصل مؤخراً وهي عبارة عن تأرجحات وترددات مرحلية ودورية périodiquesتحدث في النسيج الزمكاني بيد أن الموجات الثقالية الأولية أو موجات الجاذبية البدئية الأساسية تختلف نوعاً ما، فالتقلبات والتأرجحات والتذبذبات الكمومية أو الكوانتية في كون في حالة توسع تؤدي إلى نشوئها وانبثاقها أوتوماتيكياً على نحو آلي في نفس وقت حدوث التقلبات أو التأرجحات في الكثافة، فكل النماذج الكونية الكوسمولوجية للكون الأولي البدئي تتكهن بحدوثها ووجودها إلا أن أطيافها تختلف حسب النموذج، فبالنسبة لنموذج التضخم فإن الطيف اللوني يتجه نحو الأحمر أي أطوال الموجة الكبيرة بينما في نماذج أخرى يميل الطيف نحو الأزرق أطوال الموجة القصيرة. يصعب رصد موجات الجاذبية لأن التغيير الذي تحدثه في النسيج الزمكاني صغير للغاية لكنها تركت آثاراً في الإشعاعات الأحفورية المكروية في الخلفية الكونية المنتشرة وهذا ما رصدته تجربة Bicep2 سنة 2014 وأكد القائمون على التجربة تأكيد حصول التضخم بفضلها، لأنهم ادعوا أنهم رصدوا آثار موجات الجاذبية في الأشعة الخلفية ألأحفورية الميكروية الكونية المنتشرة لكن التدقيق اثبت أنهم على خطأ فالذي رصدوه هو عبارة عن تلوث عن طريق الاستقطاب في الأغبرة الكونية الموجودة في مجرة درب التبانة ولو كان ما رصدوه هو حقاً إشارة كونية أصيلة لما تم تأكيد التضخم بل على العكس لأن الإشارة هي التي سوف تشير إلى ذلك الانزياح الطيفي نحو الأزرق وليس نحو الأحمر لكن الدعاية والتركيز الإعلامي هو الذي انتصر في هذه القضية وأوهم الجميع أنه تم اكتشاف موجات الجاذبية الأولية الأصلية داخل أشعاعات الخلفية الأحفورية الميكروية المنتشرة وبالنتيجة فإن عمليات الرصد والمشاهد المستقبلية هي التي ستحسم الموضوع خاصة بواسطة التلسكوب المستقبلي وكاشفه SPT-3G في القطب الجنوبي والتلسكوب الميللميتري ACT في صحراء تشيلي في آتاكاماATACAMA في السنوات القليلة القادمة.
2-
العالم الذي نعيش فيه موجود حولنا كما نعتقد ونشعر وهو مادي كما نحسه ونلمسه، ولكن هل هذه حقيقة مطلقة؟ ألا يمكن أن يكون وهماً أو واقعاً افتراضياً لكننا لا نعلم به ولا نعرفه، وهل توجد فعلاً حقيقة مطلقة أم أن كل شيء نسبي عدا الوجود بشموليته وتركيبته المطلقة اللانهائية؟ كل ما نقوله ونفعله ونكتبه وننشره، يبقى مستعصياً وغير مفهوم ومهملاً من قبل الأغلبية الساحقة من الكائنات الحية الموجودة على هذه الأرض، لذا فإن معلوماتنا الكونية محكومة بما لدينا من معطيات متراكمة ومعلومات وفرتها لنا مراصدنا الأرضية والفضائية وكلها محكومة بعقبة محدودية سرعة الضوء، والتي لا تتجاوز الــ 299792 كلم/ثانية وتجاوزاً نقول 300000 كلم/ثانية، بمعنى آخر إن الضوء القادم إلينا من أقرب جارة لنا وهي مجرة آندروميدا يحتاج إلى مليوني سنة ونصف من سنواتنا وهو يسير بهذه السرعة الهائلة ما يعني أنه عندما يصل إلينا يكون قد مضى على عمر المجرة مليونين ونصف المليون سنة أي إن ما يصلنا هو ماضيها السحيق و لا نعرف وضعها الحالي وحاضرها وهل ماتزال على قيد الحياة أم اختفت، فلو كان الضوء الواصل إلينا يحمل لنا صورة المجرة فستكون قد عفا عليها الزمن، فما بالك لو جاء الضوء من أماكن كونية أبعد بكثير؟ إنه شعور بالعجز والجهل المطبق الدائم والإحباط المسيطر علينا ونحن نبحث في ظلام الوجود عن بصيص أمل أو ضوء في نفق مظلم قد لا نعثر عليه أبداً، فكوننا المرئي يبقى مجهولاً ولغزاً حتى على أكبر العقول. فمن المستحيل على البشرية أن ترصد يوماً تخوم الكون المرئي أو المنظور، فما بالك بما يوجد وراء الأفق الكوني؟ لقد فرضت علينا طبيعة المادة أن تكون سرعة الضوء محدودة ومحسوبة بدقة وهي تنتقل داخل الفراغ الكوني. وبالرغم من ذلك يواصل العلماء جهودهم الحثيثة للكشف عن الحقيقة العلمية ومواصلة الرصد والمشاهد وإجراء التجارب على الأرض وفي الفضاء الخارجي وسبر أغوار البيئة مابين النجمية ووضع الفرضيات والنظريات العلمية وتطبيق قوانين الكون المرئي الفيزيائية ومنها نظرية الانفجار العظيم التي هي لحد الآن أفضل ما لدينا للحديث عن تاريخ الكون المرئي منذ لحظة البدء إلى يوم الناس هذا. بيد أن هذه النظرية العلمية ما يزال يشوبها الغموض والمفارقات ومعضلات وتحديات لم تحل بعد ومن أهمها فرضية التضخم الكوني المفاجيء والهائل الذي حدث مباشرة بعد الانفجار الكبير وحقق حجم الكون المرئي المهول الذي نراه اليوم، فهو إذن مرحلة في غاية الأهمية من تاريخ الكون المرئي حدث فيها توسع أسي مذهل أي أن التضخم هو الوحيد الذي من شأنه أن يفسر لنا لماذا يوجد كوننا المرئي بهذه السعة المهولة. ويعتقد أن مرحلة التضخم حدثت قبل تلك التي يصفها لنا النموذج المعياري الكوسمولوجي عندما توفرت طاقة قصوى بلغت الــ 1015GeV. من هناك لا يمكن أن نعتبر التضخم نظرية بالمعنى المتعارف عليه، تحل محل الرؤية التقليدية التي لدينا عن الكون المرئي قبل سنوات الثمانينات من القرن الماضي، بل جاء التضخم ليكمل تلك الرؤية ويدعمها ويطورها ويجعلها أكثر مقبولية ويشرح بعض ما شابها من غموض. وبفضل المعطيات الجديدة والمعلومات العلمية الدقيقة التي وفرها لنا تلسكوب بلانك الفضائي بتنا نفهم أكثر فأكثر هذا الحدث الكوني لكننا مازلنا لا نعرف سبب وكيفية حدوثه وطبيعته أو ماهيته الحقيقية، لكنه أعتبر حدثاً كونياً لا بد منه رغم خصوصية وفرادته، في إطار النماذج النظرية التي وضعت عن مراحل الكون البدئي لا سيما الأبسط من بينها. لم يكن ممكناً التفكير به في حدود الأسس النظرية النيوتنية حيث الثقالة دائماً جاذبة وبالتالي فهي تحد أو تمنع أو تعرقل عملية التوسع الكوني، ولقد اتضح لنا بكل جلاء أنها رغم صلاحيتها إلا أنها غير كافية لتفسير العديد من الظواهر الكونية الجوهرية وعلى رأسها وصف وشرح قوة الجاذبية على نحو كامل مما تطلب ضرورة إيجاد نظرية تتجاوزها عن الجاذبية وكانت تلك النظرية هي النسبية العامة الآينشتنية والتي تقول أن أي شكل من أشكال الطاقة يمتلك نوع من الجاذبية الطاردة أو النافرة والجاذبة حسب الظروف، ليس فقط بفعل كثافة الطاقة بل وأيضاً بفعل الضغط الذي يمكن أن يؤثر على الحقل الثقالي أو حقل الجاذبية الذي يخلقه جسم فضائي ما وإذا كان ذلك الضغط سالباً فإنه يقوم بعملية حث للتسارع وبهذا فإن ميكانيزم أو آلية التضخم تجذرت في المباديء الأساسية والجوهرية للنسبية العامة.
ومع ذلك فإن الضغط السالب يبقى حالة فيزيائية شاذة ففي الفيزياء المألوفة غالباً ما يكون الضغط موجباً. وبما أن التضخم حدث بسبب وجود طاقة قصوى توجب وصف المادة بواسطة نظرية الحقول théorie des champs وأبسط أنواع الحقول هو ذلك المسمى بالحقل الرقمي champ Scalaire، كما ذكرنا في القسم الأول من هذه الدراسة، وهو مرتبط بجسيم ذو لف أو دوران مغزلي ذاتي معدوم spin nul، فطاقة هذا الحقل هي ناتج مجموع طاقته الحركية son énergie cinétique المرتبطة بسرعته ، وكذلك بطاقته الكامنة أو المحتملة son énergie potentielle. ويمكننا أن نثبت بأنه كلما كانت الطاقة الحركية صغيرة، أي عندما تتحرك الحقول ببطء، يغدو ضغط النظام سلبي أو سالباً، لذا فإن الحقل الرقمي champ Scalaire يمكن أن يولد أو ينتج مرحلة تضخمية. وفي الوقت الحاضر تمكن العلماء من اكتشاف حقل رقمي واحد في الطبيعة هو حقل هيغز le champ de Higgs المرتبط ببوزونات هيغز المكتشفة مؤخراً في مسرع ومصادم الجسيمات العملاق التابع لمؤسسة سيرن LHC-Cern بالقرب من جنيف على الحدود الفرنسية السويسرية سنة 2012. ويعتقد أن الحقل المسؤول عن حدوث التضخم هو حقل أنفلاتون inflaton وهو غير حقل هيغز لكنه من نفس النوع أي حقل رقمي كالذي يظهر في حالة توسيع النموذج المعياري في فيزياء الجسيمات، على الأقل على المستوى النظري والرياضياتي، كما لاحظنا ذلك عند دراسة نظرية التناظر أو التماثل الفائق théorie de supersymétrie، أو نظرية الأوتار الفائقة théorie de supercordes اللتان تتنبئان أو تتكهنان بوجود عدد كبير من الحقول الرقمية ولقد وفر لنا تلسكوب بلانك الفضائي معلومات وافرة ومهمة في هذا الصدد وساعد في تقدم وتطور معلومتنا بشأنها.
من النجاحات التي حققتها فرضية التضخم الكوني المفاجيء والفوري الكبير ، إضافة لاعتبارات الميكانيك الكمومي أو الكوانتي، هو شرح وتفسير آلية تشكل وتطور المجرات وكذلك تباينات anisotropies لوحة الأشعة الخلفية الأحفورية الميكروية الكونية المنتشرة التي صورها تلسكوب بلانك الفضائي، وتوفير إمكانية عمل خارطة رقمية مجسمة من خلال المحاكاة لهندسة وهيكيلية وتركيبة الكون المرئي المرصود أو المنظور وأثبت لنا بأنها ليست أكثر من تخلخلات وتقلبات واهتزازات كمومية أو كوانتية fluctuations quantiques للفراغ أو الخواء الكمومي أو الكوانتي الذي نجم فوراً بعد البغ بانغ الانفجار العظيم . وهي فرضية تشرح أغلب المعطيات الرصدية والمشاهدات التي بحوزتنا، ولها تداعيات عميقة على الصعيد النظري لأنها تشكل خطوة أولى على طريق توحيد النسبية الآينشتينية والميكانيك الكمومي أو الكوانتي، وهما نظريتان متباينتان في الظاهر ويصعب الجمع بينهما، كما إنها تساعدنا على فهم أعمق القوانين الفيزيائية الجوهرية المسيرة للكون المرئي. أغلب تكهنات وتوقعات وتنبؤات نموذج التضخم الكبير محصورة فيما يسمى بطيف القوة spectre de puissance الناجم عن الرصد والمشاهدة. وإن مفتاح التكهن التضخمي هو إن طيف القوة المتولد عن طيف التقلبات و الاهتزازات الكمومية أو الكوانتية للفراغ، يجب أن يكون مختلفاً لكنه قريب جداً من الثابت أو اللامتغير المدروس على نطاق واسع l invariance d échelle وقد تم إثبات صحة هذا التوقع أو التنبوء والتكهن الذي سجل نظرياً في سنوات الثمانينات، من خلال نتائج ومعطيات عمليات الرصد التي قام بها تلسكوب بلانك الفضائي وثبت أو أكد أحد أهم نجاحات النموذج التضخمي. من بين التكهنات أو التوقعات والتنبؤات التي قالت بها النماذج التضخمية في الفيزياء المعاصرة وهي ستة، أن الكون المرئي يجب أن يكون من الناحية المكانية مسطحاً أو شبه مسطح ، وإن اهتزازات وتقلبات التضخم يجب أن تمتلك مراحل متجانسة ومتماسكة phases cohérentes، لأنها تمثل تجمعاً لمختلف الموجات وذلك يعني أن القمم والتقعرات لتلك الموجات تتوافق تماماً. التوقع أو التنبؤ الثالث يقول أن التخلخلات والاضطرابات يجب أن تخضع لإحصاءات وحسابات غوسية statistique gaussienne أي وفق القانون الطبيعي. وينطوي على ذلك أن كافة الخصائص القياسية والحسابية للحقل يمكن أن توصف فقط بواسطة معطيات طيف القوة. التنبؤ أو التكهن الرابع يقول ان الاهتزازات يجب أن تكون ثابتة الحرارة adiabatique، بعبارة أخرى، أن مختلف الجسيمات الأولية والأنواع المادية التكوينية كالفوتونات والنيوترونات والمادة الباردة والباريونات، التي تنتج أثناء مرحلة التسخن عندما يتفكك التضخم، يجب أن تتواجد بنفس النسب والكميات في كل مكان في الكون، التكهن أو التنبؤ الخامس يقول أن طيف القوة يجب أن يكون قريب جداً من اللامتغير الواسع، وأخيراً التوقع أو التكهن والتنبؤ السادس أنه يجب أن يتواجد حمام من الموجات الثقالية أو موجات الجاذبية الأولية التي نتجت أثناء التضخم. هناك مئات النماذج التضخمية، والأكثرها تعقيداً يقودنا إلى تعديل بعض تلك التوقعات أو التنبؤات والتكهنات prédications، خاصة الثالث والرابع حيث يتم إدخال بضعة حقول رقمية champs Scalaires تلعب دوراً تعديلياً إبان مرحلة التضخم، على عكس النماذج البسيطة التي لا تتبنى سوى بحقل رقمي واحد فحسب.
فالموجات الثقالية أو موجات الجاذبية الأصلية الأولية هي ذات طبيعة تختلف عن الموجات الثقالية أو موجات الجاذبية الناجمة عن اندماج ثقبين أسودين والتي تم اكتشافها مؤخراً ، لكن النوع الأصيل الأولي من موجات الجاذبية لم يرصد أو يشاهد أو يكتشف بعد. ولقد تم تأكيد كافة التوقعات والتكهنات أو التنبؤات بفضل تلسكوب بلانك الفضائي، واتضح أن النموذج الأبسط هو الذي يتوافق مع المعطيات المسجلة بواسطة تلسكوب بلانك. وهذا لا يعني استبعاد النماذج التضخمية المعقدة لكنها ليست ضرورية في الوقت الحاضر لتفسير المعطيات الآستروفيزيائية الفيزيائية - الفلكية والكونية أو الكوسمولوجية.
رغم تطابق المعطيات النظرية مع النتائج الرصدية والمشاهدات العلمية الدقيقة التي قدمها لنا تلسكوب بلاك الفضائي المتطور وتناسبها مع الصيغة البسيطة للنموذج إلا أن هذا لايعني أن باقي النماذج الكوسمولوجية المعقدة غير صالحة فكثير من معطياتها تتوافق وتتطابق مع المشاهدات والرصد العلمي وكل واحد منها متميز بخصائص طاقته الكامنة والمحتملة وكلها توضح لنا كيفية تطور الحقل الرقمي عند مرحلة التضخم الهائل. ولتقريب الصورة بشأن الحقل الرقمي champ Scalaire يمكننا أن نتخيل كرة تتدحرج على طاولة مائلة متعددة التضاريس ذات الأشكال المتعددة وبالتالي نستطيع أن نعتبر الكرة المتدحرجة هي الحقل الرقمي والطاولة المائلة هي الإمكانيات الكامنة والمحتملة لأشكال النماذج التضخمية. الحل النهائي القاطع سوف يتحقق بعد التوصل إلى النظرية الموحدة الجامعة أي النظرية الكوانتية أو الكمومية للثقالة أوالجاذبية théorie quantique de la gravité.
بعد التضخم استمر الكون بالتوسع ولكن إلى أي حد؟ وفي أي حيز مكاني؟ وماهو شكله؟ تُحدد كثافة الكون هندسته أو شكله، وإذا ما كانت كثافة الكون زائدة عن حد يُعرف بـ "الكثافة الحرجة"، فإن شكل الفضاء سيكون منحني بشكلٍ مشابه لكرة عملاقة؛ وإذا كانت كثافة الكون أقل من "الكثافة الحرجة"، سيكون شكل الفضاء منحني بشكلٍ مشابه لسطح السرج، أما إذا كانت كثافة الكون مساوية تماماً للكثافة الحرجة، فسيكون شكل الكون مسطحاً مثلا صفيحة من الورق. يستمر الفلكيون في محاولة الحصول على قياس دقيق لشكل الكون، وتتنبأ أكثر النظريات قبولاً في هذا المجال بأن كثافة الكون قريبة جداً من الكثافة الحرجة وبالتالي يجب أن يكون شكل الكون مسطحاً كصفيحة من الورق. والآن ما هو مصير الكون المرئي أو المنظور الذي نعيش فيه؟ يُخمن علماء الكون المرئي بوجود مصيرين محتملين أمام الكون البارد جداً ويسمى بـ : التجمد الكبير (Big Freeze) أو الانسحاق والإنكماش العظيم (Big Crunch). يتحدد تطور الكون بوساطة التنافس الكائن بين زخم الحركة المتجه نحو الخارج والناتج عن التوسع وبين السحب نحو الداخل والناجم عن الجاذبية. تعتمد قوة الجاذبية على كثافة الكون؛ وإذا كانت كثافة الكون أقل من الكثافة الحرجة، سيتوسع الكون إلى الأبد. أما إذا كانت كثافة الكون أكبر من الكثافة الحرجة، بالتالي ستنتصر الجاذبية في النهاية وسينهار الكون على نفسه.
المقصود بالكثافة الحرجة هنا تحديداً هو الحد الأقصى الذي يستوعبه الزمكان الكوني من المادة والطاقة المكثفة جداً والمضغوطة في حيز محدد فإذا تجاوز الحد الممكن استيعابه تحصل عملية تحدب وانحناء تحول الزمكان الكوني إلى مايشبه الكرة بفعل الجاذبية الهائلة المتولدة من الكثافة وفي حالة تجاوز الكمية القصوى المسماة الكثافة الحرجة سينهار الكون على نفسه مثلما يحصل في بعض النجوم العملاقة التي تنهار على نفسها لأن كثافة المادة والطاقة فيها تجاوزت الحد الحرج ومن انهيارها على نفسها تتولد الثقوب السوداء ذات الجاذبية المهولة التي تبتلع كل شيء ولا تسمح لأي شيء بالنفاذ والخروج منها حتى الضوء لذلك سميت بالسوداء. ومن تصادم وتفاعل ثقبين أسودين تتولد موجات ثقالية أو موجات الجاذبية التي أكتشفت حديثاً جداً كما ذكرنا في القسم الأول من هذه الدراسة. يتبع
-3-
الوسط العلمي في مجال علم الأكوان الكوسمولوجيا يجهد لإثبات صحة النموذج الكوني أو الكوسمولوجي البديل للنموذج التضخمي الذي طرح في سنوات الثمانيات من القرن الماضي، رغم كثرة المعطيات والمشاهدات التي أثبتت حقيقة حدوثه، لا سيما بعد انتهاء مهمة التلسكوب الفضائي المتطور بلانك الذي أطلق لهذا الغرض ولمهمات أخرى إضافية كوضع خارطة عالية الدقة للسماء أو الفضاء وعلى نحو مجسم، ويطرح الوسط العلمي اليوم فرضية لا تقل غرابة عن فرضية التضخم تقول بأن الكون المرئي قد شهد، في مراحل سابقة لولادته، عبر حدث الانفجار العظيم، ، فترات متتالية، دورية وتعاقبية وتبادلية ، بمعنى آخر أن الكون المرئي كان موجوداً قبل الانفجار العظيم ، وفي نهاية دورته السابقة وصل إلى حدوده التطورية والتوسعية القصوى ثم بدأ بالارتداد والانكماش على نفسه إلى أن وصل إلى نقطة الفرادة التي تجاوزت فيها مادة الكون حدودها القصوى من الكثافة والسخونة أدت إلى وقوع الانفجار العظيم وتوسعه المفاجيء الذي عرف بالتضخم الكوني العظيم والفوري، ومن ثم استمراره بالتمدد والتوسع، حيث نعيش اليوم في وسط مرحلة تطوره الحالي، ومن ثم سيعيد الكرة مرة أخرى. فالتضخم هو الصيغة أو النموذج المعياري الذي يستند عليه علم الكونيات المعاصر بعد أن تم اقتراحه كتطوير لنظرية البغ بانغ أو الانفجار العظيم، وللخروج من المآزق النظري الذي وصلت إليه تلك النظرية وتفاقم المفارقات فيها، فجاءت فرضية التضخم الكوني الكبير لإنقاذ النظرية وتدعيمها. وكعادة العلماء بدءوا بإخضاع هذه الفرضية للاختبارات والتجارب ومعرفة مدى توافقها مع نتائج الرصد والمشاهدة. فلقد سجلت أجهزة تلسكوب أو مرصد بلانك الفضائي قياسات وحسابات لم يسبقها مثيل بخصوص توزع الحرارة في صورة الأشعة الخلفية المكروية الأحفورية المنتشرة للكون. وثبت لنا من خلال التحليل العلمي العميق لتلك النتائج أن البنيات والهيكليات الكبرى التي نعيش فيها داخل هذا الكون كانت قد نجمت بالفعل عن تغييرات طفيفة ، يستحيل تفاديها في الميكانيك الكمومي أو الكوانتي، والتي أنتجها الفراغ الكمومي او الكوانتي. والافتراض المقبول من قبل أغلبية العلماء بهذا الصدد هو أن تلك التغيرات قد اكتسبت بعداً وحجماً كوسمولوجياً في أعقاب التضخم الكبير واستمرار التوسع المتسارع ، والتساؤل هو لماذا البحث عن بدائل ونماذج أخرى إذا كان هذا النموذج مقبولاً ؟ لأنه في العلم لا يوجد شيء ثابت وقطعي ومطلق ونهائي. فمن الناحية المعرفية المحضة، حتى لو كانت النظرية العلمية تفسر كل المعطيات الحالية المتوفرة ، فهي ليست بالضرورة حقيقية وصحيحة. فالقياسات والحسابات وحدها لا تكفي لتبني درجة مطلقة من الثقة بقدرتها على وصف الطبيعة على نحو أكمل. فكيف نعرف أنها قادرة كذلك على وصف وشرح وتفسير المعطيات والمستجدات المستقبلية التي سوف نكتشفها إن آجلاً أم عاجلاً ؟ لقد اقترح العالم الفيزيائي كارل بوبر في كتابه " منطق الاكتشاف العلمي Logique de la découverte scientifique الصادر سنة 1934، معيار أساسي سمي بمعيار الدحض le critère de réfutabilité يقول:" إذا سمح المنطق بوجود معطيات من المشاهدات énoncés d’observations ، تكون مناقضة لمعطيات النظرية، فمعنى ذلك أنه يمكن دحضها لو تبين أنها صحيحة " لأن العلم يستند إلى هذه المسلمة أو هذا المبدأ. بتعبير أوضح، إذا كان من الوهم الاعتقاد بإمكانية إثبات صدقية وصحة نظرية علمية فمن الممكن إيجاد مشاهدات يمكنها أن تدحضها des observations qui l’ infirmeraient ، فالباحث العلمي الحقيقي هو الذي لا يريد بأي ثمن أن يثبت أنه على حق أوعلى صواب ، بل هو الذي يفكر على العكس ويبحث باستمرار عن السبل والوسائل ليثبت أنه كان مخطئاً ، وعندما لا يعثر على ذلك ستثبت نظريته صحتها بنفسها شاء أم أبى.
من هذا المنظور يقوم علماء الفلك والكونيات بالبحث عن نظريات بديلة لتلك التي رسخت نفسها وفرضت وجودها وأثبتت نجاعتها وفعاليتها . وهي لا تتكهن بنفس التداعيات أو النتائج النظرية النموذجية أو المعيارية بل تلهم الكثير بالتحدي وإجراء المزيد من التجارب الجديدة . ولكن ما ذا سيحدث لو إن نظريتين مختلفتين كلياً تقودان إلى نفس النتائج تماماً؟ لقد سبق لمثل هذا الوضع أن نتج وكان من المستحيل إجراء اختيار بينهما. ففي سنوات العشرينات من القرن العشرين، على سبيل المثال، تنبأت نظريتا الميكانيك التموجي la mécanique ondulaire، لشرودينغر Schrodinger، وميكانيك المصفوفة la mécanique matricelle لهايزنبرغ بنفس النتائج للتجارب التي أجريت في نطاق الميكانيك الكمومي أو الكوانتي la mécanique quantique. عندها قيل آنذاك أن هناك صيغتين أو مقاربتين مختلفتين لنفس النظرية . فغالباً ما يكون إعداد وصياغة وتطوير نظرية بديلة ، بمثابة طريقة جيدة لاكتشاف وتشخيص محدودية النظرية المفضلة أو السائدة خاصة عندما يتضح بجلاء أن النظريتان متعادلتان وبالتالي يغدو من المجدي فهم الأولى بمنظار آخر أو من زاوية أخرى، بفضل آليات ومنهجية النظرية الثانية المعادلة أو المساوية لها بالقيمة العلمية لكنها الأقل شهرة. وفي حالة العكس فسوف يتوفر لدينا نوعين من التوقعات أو التكهنات والتنبؤات ، ولن يبق أمامنا سوى انتظار نتائج تجارب جديدة بقدر الإمكان لإزالة الإلتباس والغموض القائم، بعد إزالة واستبعاد كافة الاحتمالات المستحيلة أو غير الممكنة أو التي تطرح مشاكل وتحديات جديدة مستعصية، وبالتالي فإن الفرضية الباقية ، حتى وإن كانت غير محتملة، هي التي ستكون جيدة وصالحة. فنموذج التضخم paradigme de l inflation يحل إشكالات النموذج الكوسمولوجي المعياري، خاصة بغياب وسائل أخرى لحلها، لكن ذلك لا يجعل من هذا الافتراض هو الحقيقة المطلقة الواقعة والفعلية ولا يوجد غيرها.
أشهر بديل لفرضية التضخم الكبير البدئي الذي حدث مباشرة بعد الانفجار العظيم هو فرضية أخرى تقول بأن الكون المرئي، قبل انبثاقه الحالي، كان في حالة تقلص وانكماش قصوى أو ما يعرف بالإنكماش الكبير la grand contraction وبالإنجليزية يعرف بإسم Le Big Crunch، حيث حصلت عملية ارتداد كبرى عن بلوغ الكون المرئي الحدود الحرجة في توسعه فإنهار على نفسه وعاد إلى نقطة الفرادة الكونية الأولى ليعود ويتوسع من جديد في عملية دورانية تعاقبية، لأنه إذا ما قبلنا فكرة أن الكون يتوسع، وشهد عملية تضخم، فهذا يعني أنه كان في الماضي السحيق أصغر بكثير. وبالعودة إلى الوراء بمساعدة معادلات نسبية آينشتين العامة ، سوف نكتشف أن الكون وما فيه من مادة وطاقة ومحتوى قد بدأ بحجم صفر أو مايقارب الصفر وهي نقطة التفرد الكوني والتي عرفت بالفرادة الكونية la singularité الأصلية ولكن لا يوجد معنى فيزيائي مفهوم لحجم معدوم في الكون أي حجم أو حيز مكاني فارغ taille nulle، لأن ذلك سيعني أن الطاقة فيه لانهائية من هنا فإن تقديراتنا وحساباتنا وفرضياتنا العلمية تعكس عجزنا ، فإذا دل ذلك على شيء، فإنه يدل على جهلنا المطبق لحقيقة الأمر. فنحن لا نفهم ما حصل بالضبط لأننا نفتقد لنظرية الثقالة الكمومية أو الكوانتية أو الجاذبية الكمومية la gravité quantique، اللازمة والضرورية للتعاطي مع هذه المعضلة ودراسة الظواهر الثقالية في المستوى الأقصى للطاقة. هناك فرضية أخرى تقول بأننا يمكن أن نتخيل بأن المادة المكونة للكون المرئي كانت في حقبتها البدئية ذات ماهية تختلف كلياً عنها في الوقت الحاضر، والتي نقيسها وندرسها وبالتالي يمكن للجاذبية حينئذ أن تكون نافرة أو طاردة ودافعة وليست جاذبة répulsive، لكي تمنع حدوث الفرادة وتتسبب في عملية الارتداد وإحداث القفزة الكونية rebond، ومن محاسن هذه الفرضية والنموذج الناجم عنها أنها تنهي مشكلة الفرادة لأنها تلغي وجودها. ولكن مالعمل مع باقي المشاكل التي حلها نموذج التضخم؟ أهم هذه المشاكل كما ذكرنا سابقاً هو " الأفق الكوني l horizon، والمقصود به الحدود القصوى للكون المرئي فلا يمكننا رؤية أجسام فضائية كونية إلا إذا كانت المسافة التي تفصلها عنها يقطعها الضوء ليصل إلينا بصورها وبالتالي إشعاعات تلك الأجسام الأولية التي نشأت منذ ولادة الكون والمحددة من قبل النموذج المعياري بنقطة الفرادة الكونية وهذا الحد القسري أو هذا القيد يترجم من الناحية الرياضياتية بزاوية قائمة قصوى angle maximum على سطح الكرة السماوية لانستطيع، فيما يتعداها، رؤية الارتباط corrélation القائم عند التدقيق في الأشعة الكونية الخلفية الأحفورية الميكروية للكون المرئي التي أعطاها لنا تلسكوب بلانك الفضائي، وسوف نلاحظ أن مثل هذه الارتباطات بين مسافات الزوايا هي أعلى من الحد المعروف، وهو الأمر الذي يبقى لغزا غير قابل للتفسير ويطرح مشكلة هي تلك التي نسميها بمشكلة أو معضلة الأفق، لذا فإن نموذج الارتداد rebond يلغي على نحو آلي أوتوماتيكي هذه الفرادة أي مشكلة الأفق ففي هذا النموذج نجد أن كل الأشياء ذات أصل واحد أو نفس الأصل، لأنه بغياب اللحظة صفر يمكننا أن نعود القهقري بعيداً في الزمن ونتأكد من توافق مشاهداتنا من نموذجنا النظري.
من المعضلات التي تثير المفارقة والغرابة هناك ما يتعلق بشكل الكون ، فالنسبية العامة تقول أنه محدب أو منحني والمشاهدات تقول إنه مسطح أو شبه مسطح فالقياسات رباعية الأبعاد أي المجسمة تقول أن تقريباً شبه معدوم pratiquement nulle، وفي كون يبدو وكأنه مسطح ومنبسط فإن كثافة الطاقة التي يحتويها هذا الكون تمتلك قيمة مرتبطة كلياً بسرعة التوسع وهي التي نسميها بالكثافة الحرجة la densité critique. والحال أنه في كون في حالة توسع فإن الطاقة، وإن كانت مختلفة بالأساس على نحو طفيف، سوف تأخذ وبسرعة قيم متباعدة أكثر فأكثر على النقيض مما تعطيه لنا مشاهداتنا، وهذه هي مشكلة التسطح la platitude، وعلى العكس، في حالة مرحلة التقلص والإنكماش contraction حيث تحاول التقريب بين كثافة الطاقة وقيمتها الحرجة، فالتوسع يبتعد عن التسطح، والتقلص يقترب منه. ويكفي أن نتخيل أن الزمن الذي تدفق منذ بداية التوسع يكون قصيراً أمام مدة الإنكماش والتقلص ــ و لا شيء يمنع من أن يكون لهذا الزمن مدة لا متناهية ، أي أن الإنكماش يستغرق وقتاً زمنياً لامتناهياً ــ للوصول إلى كون مسطح مما يحل المشكلة أو المعضلة المتعلقة بشكل الكون المرئي. وأخيراً وليس آخراً، هناك معضلة توحد الخواص isotropie، فكوننا المرئي يبدو ظاهرياً موحد الخواص أي أننا نلحظ ونرى خصائص إحصائية statistiques ثابتة كتوزع الضوء والمادة التي تبدو هي هي ذاتها من أي زاوية أو إتجاه نظرنا إليها أو قسناها. والحال أنه لاشيء يثبت أو يضمن أن هذا هو واقع الحال في أي كون كان على وجه العموم، والأهم من ذلك هو أن الاختلافات التي تبدو ضعيفة الآن في كون هو حقاً موحد الخصائص والذي يجب أن يسود كل هذه الديناميكية عند الاقتراب من الفرادة الأولية الأصلية وينطوي على ذلك سلوك فوضوي مضطرب comportement chaotique، فمختلف الاتجاهات تتحول على نحو عشوائي من التمدد و التوسع إلى التقلص والإنكماش، وهذا يعني أنه ما كان يمكن لكوننا أن ينبثق ويظهر من مثل هذه الحالة غير المستقرة أو المضطربة. وفي حالة الارتداد rébond فالوضع أسوء وأخطر، لأن فترة التقلص والإنكماش سوف تفاقم المشاكل والمعضلات والتحديات وبالتالي ينبغي اللجوء إلى مرحلة جديد من التقلص تكون أبطأ بكثير لتجعل الكون المتولد متجانساً ومتوحد الخصائص isotropie بما فيه الكفاية قبل بدء عملية التوسع، وقد وصفت هذه الحال بتعجل بأنها الـإكبيروتيك ekpyrotique وهو مصطلح مأخوذ عن الإغريقية ekpyrisis و يعني الاحتضان embrassement وهي إشارة مرجعية إلى الرؤية التعاقبية الدورية أو الحلقية للكون عند الفلاسفة الإغريق الـمتحملون stoïciens، كما ذكرنا في القسم الأول من هذه الدراسة.
السائل الغريب Fluide exotique:
إن مفهوم الارتداد يطرح بحد ذاته مشاكل عويصة فكما نعرف في الفيزياء المدروسة في المناهج الجامعية استناداً إلى النظريات القائمة والسائدة، فإن المادة الموجودة في الكون المرئي في الوقت الحاضر تقود بلا رجعة irrémédiablement، إلى فرادة يكرهها العلماء، كلما توغلنا بعيداً في الماضي. وهذا يعني، أننا إذا شئنا توليد حالة ارتداد يتوجب علينا اللجوء إلى مادة غريبة في ماهيتها exotique كي نتفادى الفرادة. أو بعبارة أخرى علينا العثور على شيء ما كي يجعل الطاقة سالبة ، ولكن ينجم عن ذلك في نفس الوقت هموم وعقبات أخرى إذ أن مثل هذه المادة الغريبة تكون غير مستقرة على نحو عنيف ، وبالتالي لا بد من إجراء مقاربة مختلفة نوعاً ما، كالميل نحو وجود سائل غريب Fluide exotique، يعرف بالمكثف الوهمي أو الشبحي condensat fantôme، والذي يمكن أن تكون فيه الطاقة سالبة، خلال فترة زمنية غاية في القصر لكي لا يترك الوقت الكافي للاضطرابات وعدم الاستقرار instabilités أن يندلع ، ولكن ما يكفي من الوقت اللازم للارتداد أن يحدث. بعبارة أخرى، كما في حالة نموذج التضخم ، يتعين علينا أن نفترض وجود حقل عددي أو رقمي champ scalaire، ذو خصائص فريدة كي تتاح الفرصة لحدوث الارتداد . قد تبدو هذه المقاربة أو هذا الحل خاص جداً إلا أن هذا السائل المفترض وجوده هو ذاته، الذي سيكون المسئول عن مرحلة الاحتضان أو الإكبيروتيكـ ekpyrotique، يكفي أن نضفي عليه بعض الخصائص التكميلية المحسوبة بدقة متناهية .
وفي سياق هذه الفكرة ذاتها، علينا أن ننتبه لوجود بعض المخاطرة في أن يغدو الكون المرئي ، أثناء مخاضه وتقلصه أو إنكماشه ، أقل تجانساً وغير موحد الخصائص، مما يقود إلى حالة من عدم الاستقرار كذلك. ويمكننا التخلص ، ولو نظرياً على الأقل، من هذا الإشكال وهذه الصعوبات باللجوء إلى الميكانيكا hلاحتضاني، أو الآلية الإكبيروتيكية mécanisme ekpyrotique، لكنها حالة لاتدوم طويلاً أو إلى الأبد، وخلال الفترة التي يتقلص فيها الكون ويثب أو يرتد rebondit حقاً يصبح خطراً من جديد حيال وضع عدم الاستقرار، ولتفادي ذلك يجب أن نقوم بتعديلات جوهرية في الشروط التأسيسية أو البدئية وهذا أمر غير ميسر أو غير ممكن. وفي حالة حدوث ارتداد نعتقد أن التقلبات أو الاهتزازات الأصلية الناجمة عن الفراغ الكمومي أو الكوانتي سوف تنتج تقريباً بنفس الطريقة التي تحدث فيها في حالة النموذج التضخمي ومن ثم تنقل إلى ذاكرة الكون المرئي الوليدة بدون تعديلات جوهرية، إن لم يكن هناك توسيع أو تضخيم amplification يسمح بحصول تنامي إلى الحد الذي يؤدي إلى تشكل البنى والهيكليات الهندسية التي نرصدها ونشاهدها اليوم في الكون المرئي.
مهما كان خيارنا، علينا أن نأخذ بالاعتبار مسألتين، الأولى تتعلق بحالة البنيات أو الهيكيليات الكونية التي يمكن أن يكون تناميها مهولاً خلال فترة أو مرحلة التقلص أو الإنكماش . والثانية تتعلق بالجاذبية أو الثقالة التي تكون جاذبة ، ولو انهار الكون على نفسه في نفس الوقت الذي تحدث فيه حالة من عدم التجانس inhomogénéités، فهناك خطورة من احتمالية تكون أجسام فضائية مهولة من نوع الثقوب السوداء الضخمة والكثيفة جداً قبل حصول الإنكماش أو الارتداد، والحال أن دراسة وتحليل الأشعة الكونية الخلفية ألأحفورية الميكروية المنتشرة لا تكشف عن وجود آثار لمثل هذه الظواهر أو البنيات والهيكيليات structures. وهذا ما يجعل من الصعب التوفيق بين معطيات نموذج الارتداد والانكماش مع المشاهدات، إلى جانب عدم ضمان عدم وقوع أحداث غير متوقعة وغير مرغوبة نجهلها في الوقت الحاضر عند وقوع عملية الانتكاس أو الارتداد. فالعديد من نماذج الارتداد تتوقع حدوث كارثة كونية في لحظة حدوث الارتداد، وغيرها لا تتوقع أو تتنبأ بشيء ملموس سوى العدم أو العودة إلى نقطة البداية أي الفرادة. لابد من عرض أمثلة لنماذج كونية أو كوسمولوجية مبنية كلياً على نظرية الثقالة أو الجاذبية الكمومية أو الكوانتية la gravité quantique، الغائبة في الوقت الحاضر، والتي لا نعرفها بعد لكننا نعرف بعض الخصائص التي يجب أن تتوفر فيها وتميزها، مثل النظرية الحلقية أو الدورانية والتعاقبية la théorie à boucles، ونظرية الأوتار الفائقة la théorie de supercordes، أو مقاربات أخرى أكثر غرابة وتعقيداً، كنظرية الأكوان المتعددة أو نظرية تعدد الأكوان la théorie de Multivers ونظرية الأكوان المتوازية la théorie des univers parallèles، أو نظرية النموذج المشوه théorie de modèle anamorphique. وبعضها يقوم بعملية جميع بين عدة نظريات والتوفيق فيمابينها. يتبع
-4-
يعيش البشر على وجه البسيطة باطمئنان وشبه لامبالاة، فيما عدا فترات الكوارث الطبيعية كتفجر الباركين والأعاصير والعواصف والفيضانات والهزات الأرضية، فيعتقدون أن كل شيء هادئ وساكن تحت أقدامهم، ولا يشعرون بأنهم في حالة سفر وتنقل دائم داخل الكون المرئي في مركبة فضائية عملاقة إسمها الأرض. بيد أن الوسط العلمي يعرف حقيقة ما يجري ويبحث عن إجابات واستفسارات ويطرح تساؤلات عن الحياة والكون والأصل والمصير. احتضن كوكبنا الأرض الحياة منذ زمن بعيد جداً يكاد يضاهي عمر الأرض ذاتها، وإن كانت الحياة في نشأتها الأولى بسيطة وميكروسكوبية أو ما يعرف بالكائنات العضوية الميكروية micro-organismes ، ولكن على الرغم مما تحقق من تقدم علمي وتكنولوجي خلال القرون الخمسة المنصرمة، منذ الثورة الصناعية في القرن السابع عشر، إلا أنه لا أحد من العلماء يعرف على وجه الدقة متى، ولا أين، ولا كيف، ظهرت الأشكال الأولى للحياة على سطح الأرض. ما هو محيطها وطبيعة البيئة التي انبثقت منها وتطورت فيها. هذا ما حاول العالم البريطاني تشارلس داروين الغوص فيها وتقديم إجابات أولية عنه في كتابه الذائع الصيت " أصل الأنواع" حول نظرية التطور والانتخاب الطبيعي. ويقدر تاريخ العضويات الأحفورية التي عثر عليها مؤخراً أنها تعود إلى 540 مليون سنة ولكن هناك بعض الأشكال البدائية من الحياة يعود عمرها إلى أكثر من 2 مليار سنة وهناك أشكال أولية أكثر بدائية للحياة على الأرض تعود إلى 3.5 مليار سنة. وهناك من يقدر هذا التاريخ في الماضي بــ 4.6 مليار سنة . ويعرف العلماء ايضاً أن الحياة في سيرورتها الأرضية ربما تكون قد تكررت أو حدثت على نفس المنوال وفي نفس السياق أو بطريقة مختلفة ومن عناصر مختلفة أو مشابهة للعناصر التي نشأت منها الحياة على الأرض ولكن هذه المرة على كواكب أخرى، سواء داخل منظومتنا الشمسية أو خارجها ، وفي داخل مجرتنا درب التبانة وخارجها في مجرات أخرى بعيدة جداً تبعد عنا مليارات السنين الضوئية . والجميع على الأرض ينتظر استلام إشارات أو رسائل راديوية أو كهرومغناطيسية أو ضوئية من الفضاء الخارجي. نحن نعيش على أرض تدور حول نفسها كل 23 ساعة و 56 دقيقة، أي ما يعادل ساعات اليوم الواحد وبـخط العرض latitudeبــ 43 درجة وهذا يتطابق مع سرعة دوران تبلغ 340 متر في الثانية الواحدة باتجاه الشرق، هذه هي الحركة الأولى، أي دوران الأرض حول نفسها. أما الحركة الثانية فهي دوران الأرض حول الشمس بسرعة مدارية تقرب من 30 كلم في الثانية الواحدة وهناك حركة ثالثة وهي دوران الأرض حول مركز الثقالة أو الجاذبية في نظام الأرض – القمر وبمدة 27.3 يوم. والأرض والشمس والكواكب الأخرى في نظامنا الشمسي تدور كلها في أحد أذرع مجرتنا درب التبانة حول مركز المجرة ، والمجرة ذاتها تدور حول نفسها وحول مركز استقطاب في سديم، من بين عدد لامتناهي من السدم الكونية، يضم مجموعة من المجرات المتجاورة رغم شساعة المسافات التي تفصل بينها داخل الكون المرئي، الذي هو بدوره ليس سوى جسيم ميكروسكوبي صغير يدور حول نفسه وفي نفس الوقت يدور حول مركز استقطاب في نظام معقد من تعدد الأكوان المتجاورة والمتداخلة والمتوازية ، فالجميع في هذا الوجود المادي يدور بسرعات جنونية بلا توقف منذ الأزل وإلى ألأبد، فالحركة هي اللولب والأساس للوجود في زمن لامتناهي ليس له بداية و لا نهاية هو الزمن المطلق.
في كتاب " الاعترافات" كتب القديس والفيلسوف أوغسطين (354-430):" ما هو الزمن في حقيقة الأمر؟ إذا لم يسألني أحد فأنا أعرف ، ولكن إذا طرح علي هذا السؤال وحاولت أن أشرح فإني سوف أقول أنني لا أعرف شيئاً " هذا هو حال العلماء اليوم فيما يتعلق بأصل الكون وبدايته الافتراضية التي تركزت اليوم في مفهوم البغ بانغ-الانفجار الكبير أو العظيم، أغلب العلماء تقبل الفكرة وتحولت إلى شبه مسلمة علمية ولكن عند الاقتراب أكثر والتمعن فيها بعمق والغوص في بتفاصيل تلك النظرية – الفرضية، يبدأ الخلاف وتنشأ الاجتهادات والتباينات والاختلافات الجوهرية خاصة عندما تبرز معضلة عدم توافق وتلاقي الدعامتين الأساسيتين في علم الفيزياء والكوسمولوجيا اليوم، وهما النسبية العامة والميكانيك الكمومي أو الكوانتي، وكلاهما يمنع ولوجنا إلى الأصل والبداية وما قبلها للكون المرئي فكلاهما يتوقفان عند اللحظة صفر في الزمن الذي يبدأ من هناك ولكن أي زمن يقصدون؟ لم يبق أمامنا سوى المخيلة والجرأة والإرادة في اقتحام المجهول حتى لو سقطنا في هوة الميتافيزيقيا.
كان يا ما كان في قديم الزمان و الأزل الذي كان، قصة طريفة وسيناريو جميل وفتان عن ولادة الكون والإنسان. كانت هناك نقطة خيالية أو متخيلة وافتراضية أو مفترضة لا حجم لها أو ذات حجم معدوم volume nul كما يقول الفيزيائيون، وكثافة لانهائية densité infinie – و لا أحد يعرف ما هي اللانهائية لأن اللانهائيات تشكل كوابيس للعلماء وسقوط ذريع للنظريات – وفريدة من نوعها سميت بالفرادة الكونية singularité، الأساسية أو الأصلية البدئية. وماذا بعد ¨منها انطلق كل شيء، ولد الكون وتضخم وانتشر وتوسع ومايزال يتوسع، وربما إلى ما لا نهاية. وهذه هي مرحلة مابعد البغ بانغ أو الانفجار العظيم. ولكن ما ذا كان يوجد قبلها؟ المرحلة الأولى في قصة الكون المرئي هي التضخم inflation حيث تضاعفت المسافات إثره وبسببه على نحو مهول يقدر بـعشرة أس خمسين 1050، وهذا رقم يعجز البشر العاديين عن تصوره أو تخيله ناهيك عن فهمه واستيعابه. وفي اللحظة عشرة أس إثنين وثلاثين بالسالب، 10-32 من الثانية الأولى بعد الانفجار العظيم تشكلت مختلف مكونات المادة والمادة المضادة والجسيمات الأولية، وبعد مرور 380000 سنة ظهرت النواتات أو النوى الذرية الأولى وتحررت الفوتونات التي كونت ما عرف اليوم بالأشعة الخلفية الكونية الميكروية الأحفورية المنتشرة fond diffus cosmologique التي كنا بالكاد نعرف عنها شيئاً يذكر، وبتنا نعرف عنها الكثير اليوم بفضل تلسكوب بلانك الفضائي الذي زودنا بما نحتاجه من معلومات عن البداية الكونية المفترضة من خلال دراسة وتحليل تلك الأشعة الكونية الأولى. وما ذا بعد؟ تستمر الحكاية على طريقة الحكواتي في القرون الخوالي. احتوى الكون على مادة ومادة مضادة باريونية baryonique، أي طبيعية عادية ، وأخرى غربية الأطوار ومجهولة الماهية وغير مرئية سميت بالمادة السوداء أو المعتمة أو الداكنة matière noire، التي افترض العلماء أنها هي التي تؤمن وتضمن، بفضل قوة الجاذبية فيها، تماسك المجرات الحلزونية galaxies spirales وحشود وتجمعات أو كوكبات المجرات amas de galaxies، وانطلقت التكهنات والفرضيات والاجتهادات والمضاربات والاحتمالات المتضاربة حول طبيعة هذه المادة الغامضة واللغزية وقيل أنها مكونة من جسيمات غريبة خاصة جداً غير حساسة و لا تتفاعل مع القوى الفيزيائية المعروفة النووية القوية أو الشديدة والكهرومغناطيسية و لا تبث الضوء و لا ترتبط بأي شكل من الأشكال بالنوى الذرية ولا أحد قادر على تصور شكلها وكميتها وحجمها وكتلتها على وجه الدقة. إلى جانب طاقة لاتقل عنها غرابة وهي الأخرى مجهولة الماهية وتعرف بالطاقة المعتمة أو الداكنة أو السوداء énergie sombre، المادة العادية والطاقة العادية توضحها معادلة آينشتين الشهير :" الطاقة تساوي الكتلة مضروبة بمربع سرعة الضوء E=Mc2، بالنسب التالية: فالمادة والطاقة العاديتين تمثلان ما يعادل = 4.9% ، والمادة السوداء تساوي = 26.8%، أما الطاقة المعتمة أو الداكنة فتساوي = 68.3%، وهذا يعني أن كل ماهو موجود في الكون المرئي من مادة وطاقة عاديتين يتكون منهما كل شيء مرئي وملموس لا يصل حتى إلى 5% من مكونات الكون المرئي الكلية وإن نسبة 95% من مكوناته مجهول لدينا ولا نعرف عنه شيئاً.
وها نحن اليوم أما مفترق طرق، بين ما قبل وما بعد. فالنظرية الكونية الكوسمولوجية المعيارية المبنية على معطيات النسبية العامة الآينشتينية وقانون هابل تقول بأن الكون المرئي بدأ من نقطة الفرادة ولا معنى لأي زمان ومكان قبلها من الناحية الفيزيائية فهي تمثل البداية وبعدها حصل التضخم والتوسع الكوني وتباعدت المجرات في نسيج الزمكان الآينشتيني بسرعة هائلة تفوق سرعة الضوء بكثير، ولكن في النموذج الكوسمولوجي البديل المبني على نظرية الأوتار الفائقة théories de supercordes والثقالة الكمومية أو الجاذبية الكوانتية أو الكمومية الحلقية théorie de la gravitation quantique à boucles ، كانت التأثيرات الكمومية أو الكوانتية les effets quantiques، هي النقطة اللامتناهية في الصغر التي انبثقت عنها مكونات الكون المرئي من مجرات ونجوم وكواكب وأقمار وغازات كونية الخ .. لكنها لم تكن نقطة معدومة الحجم، وهو نموذج احتوائي ekpyrotique بعدة صيغ ونماذج متعددة، يسبق الانفجار العظيم مما يفتح الطريق لكون سابق للكون المرئي وسابق للانفجار العظيم، وإن الانتقال من كون لآخر ليس سوى عملية ارتداد rebond إثر تعاقب انفجار وتقلص أو إنكماش مستمرة ، وتأتي نظرية أكثر جرأة وجموحاً هي نظرية تعدد الأكوان théorie de multivers ونظرية العوالم المتعددة théorie des mondes multiples لتغرقنا في محيطات الخيال العلمي كما يعتقد الكثيرون في الوقت الحاضر رغم أنها نظريات علمية رصينة تدرس في أرقى جامعات العالم اليوم. يتبع
-5-
عندما اكتشف إسحق نيوتن قوانين الجاذبية لم يكن العالم الكمومي أو الكوانتي في اللامتناهي في الصغر، معروفاً آنذاك ، ولم تكن فيزياء الجسيمات مألوفة من قبل علماء ذلك الوقت. لذلك كان التصور الكوني في حقبة نيوتن محدوداً رغم صحة نظرية الميكانيك النيوتني وتطبيقاتها المهمة . وفي العام 1905 ، أي في بداية القرن العشرين ، أحدث ألبرت آينشتين ثورة علمية في الفيزياء وعلم الكونيات بنظريته النسبية الخاصة والعامة. لكنه اقتصر على الثقالة والجاذبية ولم يتعمق كزميله وصديقه ماكس بلانك في عالم الجسيمات واللامتناهي في الصغر رغم كونه أحد مهندسي عالم الكموم أو الكوانتوم. فالتفاعلات تحدث إذن في المستويات العليا الكبيرة في اللامتناهي في الكبر. ولكن لو رجعنا القهقري وتوغلنا في ماضي الكون حسب معطيات وقوانين ومعادلات النسبية العامة لآينشتين، فسوف نرى أن حجم الكون المرئي سيتقلص تدريجياً كالفيلم السينمائي المعروض عكسياً. أي بدل التوسع سوف نرى التقلص والإنكماش. ولو عدنا إلى ما يقرب الــ 13.85 مليار سنة، سوف نجد أن المادة سوف تواجه ظروفاً فيزيائية غاية في الخصوصية والتميز، بحيث لم يعد للنسبية العامة القدرة على وصفها وحدها وبأدواتها الخاصة بها. لأنه في تلك الظروف الشديدة الخصوصية سوف تحدث تفاعلات جوهرية أخرى غير الثقالة أو الجاذبية وهي التفاعلات الكهرومغناطيسية والتفاعلات النووية القوية أو الشديدة والتفاعلات النووية الضعيفة على المستوى مادون الذري. خاصة في درجات حرارة وكثافة لامتناهيتين وهنا يدخل الميكانيك الكوانتي أو الكمومي ويلعب دوره في وصف ما يجري من تفاعلات وفق مباديء الفيزياء الكمومية أو الكوانتية التي تختلف كلياً مع تلك المقترنة بالنسبية العامة.
فالنسبية العامة لاتتعامل مع القوى الجوهرية الكونية الثلاثة الأخرى غير الجاذبية أو الثقالة وبالتالي ليست قادرة وحدها على التعاطي من الكون الأولي البدئي univers primordial، وفي هذه الحالة سيصطدم الجميع بمعضلة تعرف بــ " جدار بلانك Le Mur de Planck" إن هذا المصطلح أو المفهوم الفيزيائي يحدد لحظة مهمة من تاريخ الكون المرئي وهي لحظة مر بها الكون المرئي وتغيير فيها كل شيء. لأن النظريات الفيزيائية الحالية تقف عاجزة عند هذا الجدار اللغزي، أي إنها عاجزة عن وصف جدار بلانك وتفسيره ووصف ما جرى بالضبط عنده. فهل هناك ماقبل وما بعد جدار بلانك؟ نحن مرغمون على التحدث فقط فيما بعد جدار بلانك وليس ما وراءه، أو قبله. يرتبط بجدار بلانك عدة عوامل وحقائق وقيم مثل " طاقة بلانك" ومكان بلانك أو طول بلانك، وزمن بلانك أو مدة بلانك، الشديدة الخصوصية. فطاقة بلانك énergie de Planck تقدر بــ GeV 1019 ، أي عشرة مليارا المليار طاقة كتلة البروتون، ما يعني أن المادة آنذاك كانت هائجة agitée و مضطربة وذاهلة affolée على نحو شرس ومجنونة للغاية كما لو إنها مصابة بنوبة عصبية مرضية شديدة. و طول بلانك la longueur de Planck يقدر بــ 10-35 من المتر أي أصغر بما لا يمكن تخيله من الإلكترون والكوارك وهو الطول المقدر للوتر في نظرية الأوتار. وفيما يتعدى أو يتجاوز هذا البعد القياسي أو المسافة اللامتناهية في الصغر لن يعد هناك أي معنى لمفهوم المكان الذي اعتدنا وصفه حسب قدرتنا الإدراكية. وبالتالي فإنه سينهار. أما زمن بلانك فيقدر بــ 10-43 من الثانية ولا يمكن لأحد من البشر أن يتخيل أو يدرك هذه المدة الزمنية اللامتناهية في الصغر. ولقد وقع الكثيرون في خطأ القول أن عمر الكون يعود إلى تلك اللحظة، أي إلى مابعد زمن بلانك، فلا أحد يعرف ما حدث قبل زمن بلانك . لأنهم بذلك يعترفون ضمناً بوجود الزمن صفر وهذا غير مثبت علمياً. أما ما قبل زمن بلانك فإن مفهوم الزمن التقليدي الذي نعرفه يختفي ويصبح إشكالية problématique ويفقد معناه، بحيث لا يمكننا على الإطلاق الحديث ، في هذه الحالة، عن أية مدة زمنية انصرمت بين جدار بلانك والانفجار العظيم البغ بانغ.
فجدار بلانك هو الحد الذي يمنعنا من الوصول إلى أصل الكون المرئي الحقيقي ويمثل حدود مفاهيمنا الفيزيائية التي ثبتت صلاحيتها وصحتها لحد الآن فهي صالحة لوصف وشرح وتفسير ما حدث بعد الانفجار العظيم وليس ما حدث في الجانب الآخر من جدار بلانك قبل الانفجار العظيم أو حتى خلاله.
حدثت بالطبع عدة محاولات جريئة لوصف الكون المرئي الأولي أو البدئي في لحظة نشوئه والذي أفترض أنه كان شديد السخونة وشديد الكثافة بما لا يقاس، وتوسلوا بعدة سبل ومنهجيات وفرضيات محتملة hypothèses، خاصة فيما يتعلق بنسيج الزمكان وهندسته وشكله وماهيته وافترضوا أنهم يمتلك أكثر من الأبعاد المكانية الثلاثة والبعد الزماني الرابع في المستوى الميكروسكوبي ما دون الذري وهو ليس ناعم مستوي وقابل للإلتواء والتحويل نظرياً أو خصماً ومناوئاً لشيء ما ليس من الزمكان بشيء. وإحدى تلك المحاولات الجريئة لتجاوز جدار بلانك هي نظرية الأوتار الفائقة la théorie des supercordes، وتقول أننا لو تفحصنا ، بواسطة مجهر خارق فائق القوة، جسيماً أولياً فسوف نكتشف شيء غير محدد و لا واضح المعالم non ponctuel بل ذو بعد واحد unidimensionnel نوع يشبه الفتيل المجهري يشبه الوتر، على شكل خيط مفتوح أو حلقي، واقترحت النظرية تعديلاً جوهرياً في ماهية الزمكان الآينشتيني وذلك بإضافة أبعاد مكانية إضافية منطوية على نفسها لامتناهية في الصغر يتعذر رصدها أو كشفها، لكنها موجودة في حالة اهتزاز كأوتار الآلات الموسيقية الوترية التي تولد ألحاناً مختلفة ، فهذه الأوتار تولد باهتزازاتها وذبذباتها وتردداتها المتنوعة مختلف الجسيمات الأولية التي تتفاعل فيما بينها سواء تلك التي نعرفها أو تلك الافتراضية أو الكامنة والمختفية التي لم نكتشفها بعد. ولقد تنبأت أو تكهنت هذه النظرية بأن درجة الحرارة في الكون لا يمكن أن تكون أعلى من القيمة القصوى أو الدرجة الحرجة وبالتالي لا يمكن أن تكون لانهائية في أي لحظة من عمر الكون المرئي. وارتبط بهذا التحديد حدود أخرى للكثافة ولتحدب أو انحناء الزمكان، أي أن الكون المرئي لم يكن قط دقيقاً، وحجمه لم يكن قد معدوماً أو لاغياً، ولا كثافته لا متناهية، وينتج عن ذلك أن الفرادة الكونية الأولية الأصلية التي تحدثنا عنها في الحلقات السابقة، لم تحدث أبداً ولم تكن موجودة على الإطلاق، وهذه إحدى نجاحات هذه النظرية الباهرة لأن الفرادة هي كابوس العلماء. بعبارة أوضح ، لو ثبتت صحة نظرية الأوتار الفائقة، فذلك سيعني أن الانفجار العظيم لا يشبه البتة ما تصورناه عنه .
بعض السيناريوهات الافتراضية عن مرحلة ما قبل الانفجار العظيم شبهته بمرحلة شديدة الكثافة والضغط يمكن أن تشكل جسراً كمومياً أو كوانتياً بين كوننا المرئي في بداية توسعه وبين كون آخر سبقه وانتهى إلى حالة تقلص وإنكماش ، أي أن الكون شهد حالة تطور تناظري أو تماثل متعاكس بين ما قبل وما بعد البغ بانغ – الانفجار العظيم – ، فكثافة المادة حينذاك، بدلاً من أن تتقلص، تغدو مرتفعة أكثر فأكثر ، والحرارة تزداد، في حين تنخفض أبعاد الكون إلى أن تبلغ الكثافة والطاقة فيه الحدود الحرجة التي تسمح بها نظرية الأوتار الفائقة، عندها لم يعد ممكناً للكون أن يتقلص وينكمش أكثر لأن ذلك سيزيد من درجة حرارته فيرتد على نفسه ويتمدد، وكل القيم القياسية سوف تعكس اتجاهها، وبالعكس ، وهذه الصيغة المفترضة والمقترحة تقلب على عقب الصورة التقليدية التي لدينا عن الانفجار العظيم الذي لم يعد سوى نوع من الحالة الانتقالية بين مرحلتين متميزتين لنفس الكون.
هناك صيغة متطورة لنظرية الأوتار الفائقة هي صيغة نظرية البرانات brans، وتفترض هذه الصيغة التطويرية ، أن الأبعاد الإضافية العشرة، عدا البعد الحادي عشر ، أي الزمان، لامتناهية في الصغر في حجمها، وكوونا المرئي ليس سوى واجهة ظاهرية من أربعة أبعاد فقط غارقة في زمكان أوسع يسمى البران أو النخالة حيث محكوم على الأوتار، التي هي أصغر الجسيمات الأولية، الحركة الدائمة والتنقل في حيز زمكاني لا محدود.
وفي إطار هذا التجديد تجرأ علماء على طرح نموذج الإكبيروتيك ekpyrotique أو الإحتواء أو الضم، والذي يستند على فرضية أن البران الذي يوجد فيه كوننا المرئي ليس وحيداً بل يوجد هناك برانات أخرى كثيرة " أكوان أخرى متعددة" تطفو بالقرب من كوننا والفضاء الذي يحتوياها مكون من نوع من الفراغ الكمومي أو الكوانتي. لأن الفراغ في الفيزياء الكمومية أو الكوانتية ليس فراغاً فارغاً أو خالياً من الطاقة بل خواء يتصرف على شكل زنبرك أو نابض يدفع زوجين من البرانات للتصادم أثناء التقلصات، عندها تتحول الطاقة الناجمة عن التصادم إلى مادة وإشعاع. وكل تصادم من هذا النوع هو بمثابة بغ بانغ أو انفجار عظيم يؤدي أو يقود إلى نشوء كون جديد قد يكون مشابهاً لكوننا أو مغايراً ومختلفاً عنه كلياً في ماهيته وقوانينه، وبعد التصادم يدخل كل بران من البرانات المتصادمة في حالة توسع وتتشكل فيه المجرات والنجوم والكواكب على غرار كوننا. وكلما تباعدت البرانات تتدخل طاقة الفراغ الكمومي أو الكوانتي لتكبح تباعدهما إلى ما لانهاية وتعمل على التقريب بينهما مرة أخرى ليتصادما وتعاد الكرة مما سينتج بغ بانغ آخر وهكذا دواليك.
وهناك عدة موديلات أو نماذج لهذه النظرية ولكن لا أحد منها يتحدث عن عملية خلق من العدم أو بواسطة قوة خالقة خارجية " الله على سبيل المثال" فالانفجار العظيم فيها هو إما مرحلة انتقالية بين ضفتين لنفس الكون أو ناتج لتصادم بين برانين في نطاق عدد لامتناهي من البارنات " الأكوان" المتجاورة والمتداخلة والمتوازية بحيث تختفي اللحظة صفر والفرادة الكونية الأولية الأصلية التي تحدث عنها النموذج الكوسمولوجي المعياري للانفجار العظيم الكلاسيكي الذي لا يأخذ بالاعتبار سوى الثقالة أو الجاذبية.
هناك من العلماء من يعتقد بأن كوننا المرئي شهد مرحلة تضخم مفاجئ مدوي وهائل بعد الانفجار العظيم مباشرة عرف بـالــ inflation أدى إلى توسع مذهل هو الذي أعطى حجم وشكل الكون المرئي الحالي بقوة 1050،مرة وبمدة زمنية غاية في القصر تقدر بـت 10-32 من الثانية، ولقد اعترض فريق من الباحثين من جامعة أكسفورد سنة 2016 في خاصية تسارع التمدد الكوني، التي تشكل الأساس النظري لفرضية وجود الطاقة المظلمة ودورها في إحداث التسارع والتمدد المستمر للكون المرئي ، وذلك من خلال القيام برصد ومراقبة مئات المساعير أو نجوم السوبر نوفا" المنتشرة في العديد من المجرات، و توصلوا إلى نتيجة مفادها أن الكون يتمدد بطريقة ثابتة و بدون تسارع ، عكس ما سجله تلسكوب بلانك الفضائي. و تشير هذه المقاربة الجديدة على استمرار جدلية وجود الطاقة المظلمة أو عدم وجودها، ويترتب على ذلك أن دعامات النموذج المعياري الكسمولوجي ، وهي النسبية العامة لآينشتين والميكانيك الكمومي أو الكوانتوم لا يزال بحاجة إلى البحث و التدقيق على ضوء المعطيات الفيزيائية والعلمية الرصدية والتجريبية الجديدة. من هنا فأنه ونتيجة لهذه الصيرورة الفيزيائية، أي التضخم، تولدت أكوان أخرى انتشرت في الحيز الزمكاني الكوني المطلق وهي التي عرفت بإسم " الأكوان الفقاعات univers- bulles، كما تنبأت بذلك نظرية الأوتار الفائقة، وإن كوننا المرئي هو إحداها ، أي تكهنت بوجود كون مطلق شديد الانتشار وفيه تعدد أكوان multivers ثانوية أو جزئية، لكل واحد منها فيزيائه وقوانينه، بحيث أصبحت فرضية تعدد الأكوان عادية تدرس في مختلف الجامعات اليوم ولا يمكن تجاهلها أو الالتفاف عليها بينما يعتبرها البعض خطرة من الناحية المعرفية الإبستمولوجية لأنها تغمرنا بالميتافيزيقيا وبالتالي لا بد من البحث عن نظرية جامعة موحدة وشاملة هي نظرية كل شيء تجمع بين النسبية والكمومية أو الكوانتية، وهي تنويع وتطوير لنظرية الأوتار الفائقة وتسمى النظرية م M التي يتوسم فيها العلماء أن تكون هي نظرية كل شيء التي حلم بها آينشتين طيلة ثلاثين عاماً ويأمل ستيفن هوكينغ أن تصلح لهذه الغاية وتثبت نفسها تجريبياً في العقود القادمة. هناك نظريات لا تقل غرابة وصعوبة وتعقيد منافسة لنظرية الأوتار الفائقة مثل نظرية الجاذبية الكوانتية أو الثقالة الكمومية الحلقية أو الدورانية théorie de la gravité quantique à boucles، أو نظرية تعدد الأكوان multivers théorie de ، وكلها تلغي مفهوم اللحظة صفر والفرادة الكونية ، وكل الحسابات الرياضياتية فيها تؤكد أن هناك عالم أو كون سابق لكوننا المرئي وهناك فراغ كمومي أو كوانتي مشبع بطاقة لا نعرفها هي طاقة الفراغ الكمومي التي تنشيء البرانات التي تتصادم فيما بينها في حركة دائمة لتخلق أكواناً أخرى باستمرار وبلا توقف او انقطاع إلى ما لانهاية . فالذي سبق وجودنا الكوني الحالي ليس عدم أو لاشيء فهناك دائما كينونة من نوع ما. و لايوجد شيء خارج الكون المطلق الذي يكون فيه كوننا المرئي مجرد جسيم صغير لامتناهي في الصغر يؤدي دوره في صيرورة الوجود المطلقة، وعليه فإن هذه الكينونة المطلقة هي الوحيدة الموجودة وهي حية ومتطورة وفي حالة حركة دورانية ذاتية مستمرة .

6 ولادة وطفولة الكون المرئي المختلف عليها: هل الكون المرئي يتيم ووحيد؟-- 6
د. جواد بشارة
jawadbashara@yahoo.fr

في الأعالي، في فضاء الكون المرئي، وعلى سطح ذرة غبار، أو أصغر منها بكثير، هائمة في هذا الفضاء، تسمى الأرض، قطع البشر طريقاً طويلة من البحث، منذ ما قبل حقبة أبيدوقلس الذي كان يحدد ويحصر ويختزل ما يراه من الكون في أفقه الضيق، بالأرض أو التراب والماء والهواء والنار، باعتبارها العناصر الأربعة الجوهرية المكونة له، إلى يوم الناس هذا، مروراً بحقبة اليونان وفيثاغورس وبطليموس، ونيوتن وكوبرنيكوس وغاليلو غاليله، وصولاً إلى آينشتين وبور وبلانك وبولي وغوديل وهيزنبرغ وشرودينغر وفايمان وغاموف وفريدمان ووينبيرغ، وانتهاءاً بستيفن هوكينغ وروجر بينروز وماكس تيغمارك وبريان غرين وميشيو كاكو وهيوبير ريفز وسيرج هاروش على سبيل المثال لا الحصر . شق هؤلاء الطريق العلمية نحو المعرفة الحقة وصولاً إلى الحقيقة العلمية الراسخة والمثبتة تجريبياً ومختبرياً ورصدياً ومشاهدة ورياضياتياً وأحدثوا ثورة علمية حقيقية في القرن العشرين والعقدين الأولين من القرن الحادي والعشرين، وتنبأ بعضهم بالكثير من المعطيات التي ثبتت صحتها رصدياً ومختبرياً وتجريبياً. توغلوا في المكان والزمان واكتشفوا الزمكان وماهيته ونسيجه ومكوناته وهندسته وهيكيليته ومحتواه وقوانينه، وانطلقوا منها إلى آفاق واسع, في ما وراء الأفق الكوني المرئي والمنظور وما يتعداه. ولكن منذ منتصف الثمانينات من القرن الماضي حدثت حالة من الاندفاع نحو نوع من التمرد على المألوف والسائد في الفيزياء المعاصرة في الوسط العلمي ومحاولة تجاوز الدعامتين الأساسيتين للفيزياء المعاصرة وهما نسبية آينشتين وميكانيك الكموم أو الكوانتوم ، والدفع بمعارفنا إلى خارج الحدود التي بلغتها قبل بضعة عقود. لكن المشكلة كانت تكمن في عجز التكنولوجيا في مواكبة التقدم الذي تحقق نظرياً. ويسود تفاؤل بهذا الخصوص أن المستقبل القريب كفيل بحل هذا الإشكال وتقديم البراهين والدلائل العملية والتجريبية للكثير من المسائل المؤجلة حالياً. فهناك الكثير من التجارب على جدول الانتظار على الأرض وفي الفضاء للكشف عن المخفي واللامنظور أو اللامرئي، كاكتشاف جسيم الثقالة أو الجاذبية " الغرافيتون" أو اكتشاف ورصد الأوتار والأبعاد المكانية الإضافية التي تنبأت بها نظرية الأوتار الفائقة، واكتشاف أسرار أخرى تتعلق بمكونات المادة السوداء أو المظلمة والطاقة المعتمة أو الداكنة وأصل الكتلة في المادة واكتشاف الموجات الثقالية أو موجات الجاذبية الأولية الأصلية التي نشأت بفعل الانفجار العظيم، والتعمق في معرفة حقل وبوزونات ومحيط هيغز وكوسمولوجيا الكون المرئي البدئي المكملة لنظرية الانفجار العظيم ومعرفة ما قبل البغ بانغ وما وراء أو قبل جدار بلانك، وحقيقة التناظر والتماثل الفائق supersymétrie، وربما التوصل إلى النظرية الجامعة والموحدة الشاملة نظرية كل شيء. حققت النسبية نجاحات باهرة وصمدت أمام التحديات والاختبارات التجريبية المختبرية والرياضياتية والرصدية أوالمشاهداتية، وقدمت الكثير من التكهنات والتوقعات والتنبؤات، وثبتت نفسها كأحد أعمدة الفيزياء المعاصرة الراسخة والمتينة لكنها ظلت عاجزة عن تقديم أية شروحات وتفسيرات وحلول بخصوص اللامتناهي في الصغر وعالم الجسيمات الأولية مادون الذرية. وبموازاتها ظهرت النظرية الكمومية أو الكوانتية التي اختصت بعالم الجسيمات الأولية، وأبرزت أهمية نظريات الحقول الكمومية أو الكوانتية les théories quantique des champs ، وحققت هي الأخرى نجاحات منقطعة النظير أدت إلى تطبيقات عملية وعلمية وتكنولوجية مذهلة وباهرة، ورسخت نفسها هي الأخرى كأحد الأعمدة التي تتكئ عليها الفيزياء المعاصرة، ولكن بمجرد الجمع بين النظريتين رياضياتياً تنهار العملية ويأتينا سيل من النتائج الرياضياتية المحبطة المليئة باللانهائيات. وللخروج من المأزق أو الطريق المسدودة كان لا بد من اللجوء إلى الابتكار والفرضيات الغريبة الأقرب إلى الميتافيزيقيا والخيال العلمي منه إلى العلم. قبل العام 1996، كانت أغلب النماذج الكوسمولوجية تتضمن أبعاداً إضافية متخيلة أو افتراضية ذات أحجام ما دون ذرية كطول بلانك ، 10-33 سنتمتر. لم نكن نمتلك التكنولوجيا المتطورة التي تتيح لنا الوصول إلى مثل تلك الأحجام والأطوال اللامتناهية في الصغر، وأصغر ما توصلنا لقياسه هو 10-20 من المتر، أي أصغر من جزء من مليون من حجم الذرة. في أعقاب البغ بانغ الانفجار العظيم، تشكلت المادة الطبيعية العادية المكونة من 76% من الهيدروجين و 24% من الهليوم وبعض آثار من الليثيوم، ومن تفاعل هذه العناصر تشكلت العناصر الأثقل داخل النجوم ولكن بإيقاع أبطأ. واليوم وصلت نسبة الهليوم إلى 28%، والهيدروجين إلى 70%، وبقية الذرات بنسبة 2%، لباقي الذرات التسعين التي نعرفها الليثيوم واليورانيوم من النيوكليونات ــ بروتونات و ونيوترونات ــ وإن متوسط كثافة المادة هو 0.249 نيوكليون في المتر المكعب الواحد بدقة خطأ واحد بالمائة . ويعتقد أن المادة المضادة التي تكونت مباشرة مع ظهور المادة العادية بعد عملية الانفجار العظيم قد اختفت عند تفاعلها مع المادة العادية فأفنت بعضها البعض وما تبقى هو النسبة الفائضة الباقية من المادة العادية أو الطبيعية. ولكن هناك مادة أخرى من نوع آخر غير مرئية موجودة في الكون المرئي. فبعد أن اعتقد علماء الفيزياء الفلكية أن المادة الباريونية هي الوحيدة الموجودة في الكون المرئي، اكتشفوا مؤخراً بطرقهم العلمية أن المجرات لا تتصرف كما لو إنها مكونة فقط من المادة الطبيعية العادية. فالعديد من عمليات الرصد والمشاهدات توحي بوجود شكل آخر من أشكال المادة، غير معروفة تماماً ومجهولة الماهية، وهي غائبة في المختبرات التجريبية لكن تأثيرها الثقالي وجاذبيتها محسوسة إلا أنها لا تتفاعل على نحو مباشر مع المادة الباريونية العادية ، وهي المادة المسماة اليوم بالمادة السوداء أو المظلمة matière noire ou sombre ولقد تم تشخيص هذه المادة الغريبة في حشود وسدم المجرات، إلا أن الوضع لم يتغير. فالمجرات تمتلك مكونات ـ النجوم وتجمعاتها المجرية ــ بإمكاننا تحديد سرعاتها المدارية بأجهزة السبيكتروسكوبي ــ المقاييس الطيفية ـ وفي ذات الوقت تعلمنا قوانين الميكانيك الكونية أو السماوية بشأن الكتلة التي ينبغي أن تكون هي الموضوع الأساس لشرح سرعة المكونات حول المركز، ويبقى علينا أن ندقق ونتأكد من أن كتل المكونات تتوافق مع الكتلة الكلية المحسوبة أو المقاسة. وهو ليس واقع الحال بالطبع لأن المجرات وسدم أو حشود المجرات هي أكبر كتلة من مجموع النجوم والمجرات التي تحتويها، أي أن هناك فائض بالكتلة، وإزاء هذا التشخيص صاغ عالم الفيزياء الروسي فريتز زفيتسكي Fritz Zwicky في عام 1933 مفهوم المادة المعتمة أو المظلمة أو السوداء، الضرورية لتفسير هذا الفارق في الكتلة. ولم يطرح ذلك المقترح أية إشكالية إذ تخيل العلماء أنها مادة عادية لكنها لا تتفاعل و لا تبث كميات مؤثرة وملموسة من الإشعاعات ، أو أنها لم تكن مشعة. وبعد إجراء التجارب والاختبارات تبين بما لا يقبل الشك أنه لايمكن لهذا النوع من المادة أن يتكون من نفس مكونات المادة العادية أو الطبيعية لأن المادة العادية ، وفي كل الظروف لا بد أن تبث نوع ما من الإشعاعات، سواء تحت الحمراء أو فوق البنفسجية أو أشعة إكس أو أشعة غاما الخ ... علاوة على إن تركيبة وهيكيلية وبنية الكون المرئي لاتتلائم مع فكرة أن هذه المادة الغريبة تتكون من ذرات وجزيئات كالتي نعرفها في المادة العادية. فالخلفية الكونية الأحفورية الإشعاعية الميكروية المنتشرة للكون المرئي تشير إلى أن هذا الأخير لم يكن منظم كثيراً بعد مرور بضعة مئات الآلاف من السنين بعد الانفجار العظيم ، وتشير الحسابات إلى أن الكون المرئي منذ تلك الفترة لم يرتب نفسه وفق بنية منظمة على نحو سريع ، والحال إن الكون يبدو متسقاً اليوم وهذا ما لا يتوافق مع معطيات ونتائج تحليلات الأشعة الكونية الخلفية المنتشرة. وللخروج من مأزق هذه المفارقة كان لا بد من افتراض وجود مادة مختلفة كلياً عن كل ما نعرفه بخصوص المادة العادية وهي لا تتفاعل على نحو مباشر مع مكونات المادة العادية ولا تبث إشعاعات أو ضوء من أي نوع كان، ولأنها غير مرئية نتج هذا الخلل في الحسابات ، وربما لأن المادة السوداء تقوم بتنظيم نفسها على نحو أسرع بكثير مما تفعله المادة العادية. وهي مادة ليست سوداء بقدر ما هي غير مرئية أو شفافة ، فهي تمتص الضوء و لاتعكسه ولا نعرف عنها سوى تأثيراتها الجاذبية أو الثقالية ولقد تم اكتشاف كوكب أسود مؤخراً يمتص كل الضوء الساقط عليه و لايعكس أي ضوء منه. البنية أو الهيكيلية والتجسيم الهندسي للكون المرئي يمكن أن يختزل بعبارة : مجرات تمتد على مد النظر إلى ما لا نهاية، وذات مظهر متشابه ومتماثل في كافة الاتجاهات. ولكن لماذا يكون الكون على هذا الشكل وهذه الهيئة؟ المنطقتين الواقعتين على طرفي نقيض في القطبين المتقابلين للكون المرئي لا يمتلكان الوقت الكافي لتبادل المعلومات بينهما نظراً لبعد المسافة بينهما والتي تبلغ مليارات المليارات من السنين الضوئية، ولمحدودية سرعة الضوء ــ 300000 كلم/ثانية ــ وبالتالي لم يتبادلا المادة و لا أي نوع من المعلومات المتعلقة بهما ومع ذلك لديهما نفس الهيئة والخصائص والملمح فلماذا؟ علينا أن نتقبل أن هناك ظاهرة فيزيائية مجهولة سمحت لكافة مناطق الكون المرئي بأن تمتلك نفس الخصائص وتمر بنفس مراحل التطور المقارن والحال أن قوانين الفيزياء والمادة التي نعرفها، بما في ذلك المادة السوداء التي لا نعرفها ، لا تسمح بوجود مثل هذا التبادل بالمعلومات. من هنا اضطر العلماء لتخيل ظواهر فيزيائية أخرى ربما وقعت في بواكير كوننا المرئي هي التي من شأنها أن تفسر مثل هذا الانتظام في الكون المرئي على مستوى اللامتناهي في الكبر، ومن بين تلك الظواهر المفترضة والتي ثبت حدوثها تجريبياً حادث التضخم الفوري الكبير. يعني ذلك حدوث مسافات شاسعة بين الأجرام السماوية ــ السدم وحشود المجرات والكوكيبات والغازات الكونية ما بين النجمية وما بين المجرية والنجوم والكواكب والأقمار ــ فنظامنا الشمسي لايتعدى جسيم في نقطة ماء وسط محيطات الأرض كافة بالنسبة لمجرة درب التبانة التي يوجد فيها، ويحيط بنظامنا الشمسي فضاء شاسع ومهول، فأقرب نجم بعد شمسنا، يبعد عنا أربع سنوات ضوئية، ـــ أي ما يقطعه الضوء من مسافة خلال أربع سنوات بسرعة 300000 كلم في الثانية ــ في حين أن ضوء نجمنا الشمس يحتاج إلى ثمان دقائق ونصف الدقيقة لكي يصل إلينا بسرعة الضوء ويقطع مسافة 150 مليون كيلومتر هي التي تفصلنا عن الشمس، وبذلك فإن الضوء القادم من أقرب نجم إلينا خلال أربع سنوات يقطع مسافة أكثر من عشرين ألف مليون كيلومتر هي التي تفصلنا عنه. والشمس نجم عادي قزم يتواجد في مجرة عادية هي الطريق اللبني أو درب التبانة la Voie lactée، وهذه المجرة تحتوي على أكثر من مائة مليار نجم مكتشفة لحد الآن ـ يقدر ما فيها من نجوم بثلاث مائة مليار نجم ـــ تختلف كتلها وأحجامها مقارنة بحجم وكتلة شمسنا إلى جانب غازات وغمامات وأغبرة كونية وعدد مهول من المذنبات والنيازك والكواكب المنتظمة أو المتشردة التائهة وبالطبع الثقوب السوداء ، وكلها تدور حول مركز المجرة بحيث أن الجزء الظاهر أو المرئي من مجرتنا درب التبانة يمتد على امتداد مائة ألف سنة ضوئية، والمجرة على هيئة قرص وفيه أطراف، وفي إحدى تلك الأطراف الواقعة على ضواحي المجرة توجد شمسنا ونظامنا الشمسي وأرضنا وقمرنا والكواكب السيارة الأخرى المكون للمنظومة الشمسية. واقرب مجرة مجاورة لمجرتنا هي مجرة المرأة المتسلسلة آندروميدا Andromède وتبعد مسافة مليوني سنة ضوئية عن مجرتنا، وتقع في كوكبة آندورميدا ، وهناك في كوننا المرئي مئات المليارات من المجرات المتعددة الأشكال، حلزونية وبيضاوية ودائرية وغيرها من الأشكال، والمسافات القائمة بينها غير قابلة للتخيل فهناك منها ما يقع على بعد عشرات المليارات الضوئية عنا على تخوم الكون المرئي ما يتجاوز عمر الأرض المقدر بأربعة مليارات ونصف المليار سنة ، أي أن ضوئها لم يصل إلينا بعد، فهو يستغرق مدة زمنية أطول بكثير لكي يصل إلى الأرض، فالتصادم نادر لكنه ممكن الحدوث بين النجوم أو بين المجرات حيث يعتقد أن مجرة آندروميدا ستصطدم وتندمج وتتداخل مع مجرتنا درب التبانة بعد بضعة مليارات من السنين. وهناك اعتقاد سائد لدى العلماء أن شمسنا يمكن أن تنتمي لنظام شمسي ثنائي كما هو حال الكثير من الأنظمة الشمسية في المجرة وإن شمسنا الثانية تسمى نميسيس Némésis أو نجمة الموت إلا أننا لم نكتشفها بعد وهي غامضة وبعيدة جداً، مثلما يعتقدون أن هناك كوكب صخري عملاق تاسع في نظامنا الشمسي ضخم جداً لكنه بعيد ولم نكتشفه بعد إلا من خلال تأثيره الثقالي وجاذبيته . فلكل جرم أو جسم سماوي أو فضائي ثقالة أو جاذبية وللأرض كذلك. فلو رمينا حجراً فسوف يسقط على الأرض إلا إذا أطلقناه بسرعة 40000 كلم/ساعة فسوف يفلت من الجاذبية الأرضية ولكن هناك قوة الجاذبية الكونية التي تمارسها باقي النجوم والمجرات والثقوب السوداء في الفضاء الخارجي ما يجعل كل شيء يدور في مدارات معينة وبالرغم من هذا الجاذبية الكونية فإن الكون المرئي مستمر بالتوسع والتمدد ما يؤشر إلى وجود قوة أخرى مضادة للجاذبية الكونية، قوة طاردة هي تلك التي سميت بالطاقة الداكنة أو المعتمة أو السوداء énergie noire ou sombre. ولا نعرف عن هذه الطاقة أكثر مما نعرفه عن المادة السوداء أو المظلمة، أي لا شيء تقريباً. فنحن نجهل كل شيء عنهما وعن ماهيتهما ومكوناتهما وكل ما نعرفه تقديرياً هو درجة كثافة الطاقة السوداء أو المعتمة وتقدر بــ 3.45 نيوكليون في المتر المكعب الواحد وبنسبة خطأ أو تشكيك تصل إلى 2%ولا شيء يثبت أنها تتجسد عبر جسيمات معينة، ومع ذلك نأمل أننا سنكتشفها في المستقبل مع التقدم العلمي والتكنولوجي المأمول، فلا أمل في الوقت الحاضر في اكتشاف هذه الطاقة في المختبرات الحالية، كل مايمكننا فعله هو تحديد سلوكها النابذ أو الطارد المضاد للثقالة أو الجاذبية الكونية، ومعرفة ما إذا كانت خصائصها تتطور مع الزمن. وهي في الوقت الحاضر تبدو ثابتة ومستمرة على نفس الإيقاع وهناك سيناريوهات عديدة بشأنها وبخصوص تطورها المستقبلي ، وهناك من يقول ببساطة أنها غير موجودة وهي مجرد فرضية لا أكثر ولا دليل علمي على وجودها. وإن قوانين الثقالة أو الجاذبية الكونية هي التي تتغير وتتباين على المستويات الكبرى في نطاق اللامتناهي في الكبر.
اللغز والتحدي الدائم:
تقدر كثافة الفوتونات بــ 413 في السنتمتر المكعب الواحد، وهي أكبر بمليار ونصف المليار مرة من الباريونات التي تقدر بــ 0.249 نيوكليون في المتر المكعب الواحد. وأغلب الفوتونات والنيكيولونات نجم عن الإنفجار العظيم منذ بدايات الكون المرئي البدئي. وكما قلنا في تلك الحقبة من عمر الكون الوليد الشديد الكثافة والسخونة، كانت المادة العادية والمادة المضادة متعايشتان ولديهما خصائص متماثلة تماماً ما عدا الشحنة الكهربائية فهي متناقضة ، إحداهما سالبة والأخرى موجبة، وكانا بقدر الفوتونات في لحظة الانفجار العظيم، من الناحية النظرية على الأقل، ولكن مع انخفاض الطاقة بعد الانفجار تغير سلوكهما وحدث خلل بسيط في تعادلهما ، ومع استمرار انخفاض درجة الحرارة، حصل تفاعل بينهما وفنى أحدهما الآخر بكميات متساوية تقريباً، ولكن بقي هناك فائض ضئيل من المادة العادية هو الذي جئنا نحن وكل شيء موجود في الكون المرئي الحالي من ذلك الفائض في المادة العادية واختفت المادة المضادة كلياً ولكن لا ندري أين، فهل هناك كون مماثل لكوننا المرئي مكون من المادة المضادة؟ لا أحد يمكنه أن يجزم بذلك. فنسبة المادة الضعيفة بمقارنة فوتونات الأشعة الخلفية الكونية المكروية الأحفورية المنتشرة، هو الأثر الوحيد الباقي عن ذلك اللاتماثل واللاتناظر asymétrie بين المادة والمادة المضادة والذي حدث في بدايات الكون الأولي البدئي، إن هذا اللاتماثل أو اللاتناظر ، يجب ألا يتجاوز نسبة عشرة أس 25 بالسالب 10-25 ، حسب النموذج المعياري لفيزياء الجسيمات الأولية. وبالتالي كان ينبغي للكون الناجم أن يزود بكمية مادة تقل بنسبة مليون مليار مرة مما هو مرصود فكيف نفسر هذا الفارق بين النظرية والتجربة الرصدية؟ وهناك مشكلة أكبر من ذلك مطروحة على فرضية الطاقة السوداء أو المعتمة، إذ أن فيزياء الجسيمات الأولية تقترح تفسيراً بسيطاً لها باعتبارها مجرد تمظهر لطاقة الفراغ. والفراغ في فيزياء الجسيمات الأولية هو الحالة في أوطأ مستوى للطاقة يمكن أن يوجد، وهو قريب من الغياب التام للجسيمات الأولية، إلا أن مبدأ اللايقين أو عدم الدقة incertitude الملازم للعالم مادون الذري يقول لنا أن الفراغ ليس حقاً فارغاً تماماً . ويكون كما لو أنه مليء بجسيمات افتراضية تظهر فجأة على شكل أزواج وتفني بعضها البعض فوراً وتنعدم وهكذا باستمرار وتسمى هذه الظاهرة "الاهتزازات أو التقلبات الكمومية أو الكوانتية للفراغ Fluctuations Quantiques du Vide"، وهي مزودة ذاتياً بطاقة هي المعروفة بطاقة الفراغ. وهي خاضعة لقانون آينشتين بشأن الطاقة والكتلة أي الطاقة تساوي الكتلة مضروبة بمربع سرعة الضوء E=mc2، وهي طاقة ذات ثقالة ، وعند دراسة خاصية الجذب في طاقة الفراغ هذه، وحسابها أو قياسها، سنجد أنها بالضبط تساوي الطاقة السوداء أو المعتمة التي افترضناها في معادلاتنا الرياضياتية النظرية. والحال أن كمية طاقة الفراغ كان يجب أن تكون أكبر بكثير من كمية الطاقة السوداء أو المعتمة المرصودة نظرياً ويتراوح الفرق بين عشرة أس ستين 1060، و عشرة أس مائة وإثنان وعشرون 10122، وهي مشكلة جوهرية، فإذا كانت الطاقة السوداء أو المعتمة أو الداكنة التي حسبناها نظرياً ورصدنا تأثيراتها واكتشفنا، أنها ليست ناجمة عن طاقة الفراغ، فهذا يعني أن هذه الأخيرة ستكون معدومة وليست لدينا أية فكرة عن السبب في ذلك. أما المادة السوداء أو المظلمة ، فإن كثرتها تعتمد على الجسيمات الأولية التي تكونها والتي نجهل عنها كل شيء تقريباً، وهناك تجارب عديد تجرى سنوياً في مختلف المختبرات ومصادمات أو مسرعات الجسيمات في العالم للعثور على جسيمات المادة السوداء الأولية على أمل أن تتفاعل مع جسيمات المادة العادية المرئية في ظروف معينة وفي بعض العناصر النادرة . يتبع






-7-
يتماهى البشر مع فكرة الله والربوبية منذ قديم الزمان، منذ نشأة الوعي وملكة التفكير عن الإنسان، ولكن بأشكال وصور مختلفة، فهو المطلق الذي سماه الفيلسوف والطبيب وعالم الكيمياء الإسلامي الفخر الرازي" الباري" ، والذي يختلف كلياً عن صورة الالهة المعروفة في الفلسفة واللاهوت والدين، فهو يختلف عن المحرك الأول عند أرسطو بسبب طبيعة الارتباط بالمخلوقات، كما يختلف عن إله الأفلاطونية الجديدة لأنه لم يخلق العقل ولا النفس أو الروح الكلية أو الجمعية، فالعقل موجود بذاته مستقلاً عن الله ، أي هو كائن آخر مساوق له في الكينونة ومشارك له في الفعل. وبالطبع يختلف كلياً عن إله اللاهوت والأديان السماوية التوحيدية لأنه غير كامل القدرة ولأنه متغير في إرادته ، كما لاحظنا في مفهوم البداء ، حيث أراد شيئاً وبدا له شيئاً آخر ، كما يقول الشيعة. وهو لا يبعث الأنباء والرسل وهو غير إله أبيقور لأن هذا الأخير، إن وجد، لا يتدخل في شؤون المخلوقات ولا يستمع إلى أدعيتهم وابتهالاتهم.
ففكرة الإله الخالق بذاتها وضعت البشر أمام بديهية وجود كائن لا أرضي أو خارج الأرض ، أي فضائي لا بشري ، ولا ندري إذا كان موجوداً خارج الكون أم داخله، علماً بأن غالبية المعتقدات المتعلقة بالخلق والخليقة في العهود القديمة كانت تعددية أو مشركة على حد تعبير الإسلاميين، وانعكاساً لتصوراتهم التي تنقلت من تأليه الحيوانات zoomorphes، إلى التجسيم للذات الإلهية anthropomorphes، فيما قامت الأديان التوحيدية السماوية les religions monothéistes، بوضع حواجز نفسية متمركزة حول الذوات البشرية ethnocentriques، لجعل الإنسان محور الكون والوجود وأهم مخلوقات الله ولا شيء أهم منه فهو الهدف والغاية الأسمى عند الخالق، وهذا الأخير ميز الإنسان عن باقي المخلوقات الأخرى بملكة العقل والذكاء والوعي واللغة التي يستطيع بواسطتها التعبير عن نفسه وأفكاره وتأملاته الوجودية، سواء على المستوى الفردي أو الجماعي. وكان تصوره لوجود خالق غير محدود القدرة هو الجواب على تساؤلاته بشأن الحياة وأصلها، والإنسان وأصله ومصيره، إلى جانب الرؤية العلمية الداروينية التطورية العقلانية أو البراغماتية المغايرة والداحض للتصور اللاهوتي لخلق الكون والإنسان، و التي تقول أن الحياة هي ثمرة أو نتاج صيرورة كونية شاملة لا تقتصر على الأرض وحدها، بدأت من كائنات عضوية وحيدة الخلية، سواء أكانت تلك الخلايا من خلق الله أم جاءت إلى الأرض من الفضاء الخارجي على ظهر النيازك والمذنبات التي اصطدمت بالأرض وفي كلتا الحالتين فإن أصل الحياة لا أرضي أي من خارج الأرض أي من الفضاء الخارجي، حتى إن عالم الفيزياء الفرنسي الكندي الشهير هيوبير ريفز قال أننا جميعاً أبناء النجوم أو من غبار النجوم، ولا أحد من العلماء من يتبنى فكرة أن البغ بانغ الانفجار العظيم نشأ من عدم ما عدا لورانس كراوس الذي أصدر كتاباً تحت عنوان " كون من لاشيء" لكنه يقدم تعريفاً جديداً ومبتكراً من الناحية العلمية لـ " اللاشيء" وهناك من يقول أن الفراغ الكمومي أو الكوانتي هو الذي يقود إلى انبعاث المادة . في حين يخبرنا النموذج الكوسمولوجي المعياري أن تمازجاً بين الحرارة العالية والكثافة الكبيرة المجتمعة على نحو مضغوط في نقطة غاية في الضآلة هو الذي أدى إلى نشوء هذه الغازات الكونية والطاقة الكونية وولادة الكون البدئي وعند طرح السؤال التعجيزي، من خلق تلك الكثافة والحرارة العالية التي أدت إلى الانفجار العظيم نعود إلى المثل الشائع " الدجاجة من البيضة أم البيضة من الدجاجة" ، والحقيقة هي أن الأصل يقبع في موقع ما خلف جدار بلانك الشهير le Mur de Planck، فكل ما نعرفه هو ما بعد جدار بلانك وليس ما قبله أو وراءه فهو الحد الأقصى المسموح للبشرية الوصول إليه أي 10-32 من الثانية الأولى بعد الانفجار العظيم حيث اعتبر البعض على نحو تعسفي أن جدار بلانك هو النقطة صفر فالضوء المرئي لم يكن موجوداً بعد وهو المصدر الرئيسي للمعلومة، والقوى الكونية الجوهرية الأربعة ــ الجاذبية والكهرومغناطيسية والنووية القوية أو الشديدة والنووية الضعيفة ــ كانت موحدة ، وبدأت التخلخلات والاهتياجات والاضطرابات منذ لحظة الانفجار العظيم وما بعده ، علماً إن فانون الثرموديناميك الحراري الأول أشار إلى مبدأ حفظ الطاقة ــ فالطاقة لاتفنى ولا تستحدث من العدم ــ في نظام مغلق. ولكن من غرائب الكموم أو الكوانتوم أن كوننا المرئي لم يكن يوماً ما نظاماً مفتوحاً. وهذا ما دفع بعض العلماء ، بغية الخروج من التناقضات والمفارقات الناجمة عن تلك السيناريوهات، أن يفترض أن الانفجار العظيم هو نتاج لثقب دودي يوصل بين كونين كمغاير لثقب الأسود عملاق وبدئي أو أولي أي نوع من الثقب الأبيض الطارد أو النابذ لكل شيء ، عكس الثقب الأسود الجاذب لكل شيء، وهذا الثقب الأبيض ، الذي يمكن تشبيهه بنافورة بيضاء هو الذي ولد منه أو من أحد رذاذه، كوننا المرئي إلى جانب أكوان أخرى وثقوب سوداء هائلة لا متناهية العدد، ومن كل ثقب أسود يخرج من الجانب الآخر منه كون آخر وبالتالي عدد لا متناهي من الأكوان، وهذه النظرية تفترض أن ثقباً أسود عملاق كان موجوداً في كون آخر رباعي الأبعاد، أكبر وأوسع من كوننا المرئي، قبل البغ بانغ الانفجار العظيم وانهار على نفسه، ومنه انبثق كوننا الحالي. ما يعني أن هناك تعدد كوني .
فرضية تعدد العوالم وتعدد الأكوان:
تقول الفلسفات القديمة والدينية ومنها الفلسفة الإسلامية كما الفلسفة الإغريقية ، أن العالم مكون من مركز ثابت ، في البداية كانت الأرض هي المركز، وأجرام سماوية تدور حوله وهي توابع للأرض بما فيها الشمس فكلها مسخرة لخدمتها ، ومن ثم انتقل مركز الكون عند بعض الفلكيين القدماء من الإغريق والإسلاميين، إلى الشمس باعتبارها مركز الكون ودوران الأرض حولها ولقد هيمن التصور البطليموسي على صورة الكون بحيث تبنته الكنيسة المسيحية واعتبرته من المقدسات التي يحرم المس بها أو مناقشتها ناهيك عن الاعتراض عليها فهذا بناموسهم هرطقة وزندقة تستحق القتل البشع كما فعلوا بالمفكر الشهيد جيوردانو برونو، وإرغام غاليلو غاليله عن التراجع عن أفكاره والتنكر لها بهذا الخصوص. لكن هذا لا يعني أن موضوع تعدد العوالم لم يخطر على بال أحد في الماضي. فهو موجود في الفكر الصيني في كتاب المفكر والفيلسوف التاوي الصيني ليه تز المتوفي عام 475 قبل الميلاد وقال فيه :" ذهبت إلى الشرق حتى ينغ وسألت مابعد هذا؟ فأجابوني : نفس ما هنا. ومضيت إلى الغرب حتى وين وسألت ما بعد هذا؟ فأجابوني: نفس ما هنا. استخلصت من هذه التجربة إن اصطلاح " بحار أربعة" و " اقاليم أربعة" قد لا يكون مطلقاً . فلا بد أخيراً من الوصول إلى الغير متناهي. إذا كان كوننا " الأرض والسماء" محدوداً " متناهياً " أليس هو متواصلاً من غير نهاية مع أكوان أخرى؟ من يعرف إن عالمنا ليس أكثر من فردة في لا متناهي" . – كما جاء بقلم هادي العلوي في دراسته " الرازي فيلسوفاً " – وكذلك الرازي في كتابه " بستان العقل" قال بإمكان وجود عوالم كثيرة غير عالمنا فهو يقول بحدوث وتناهي عالمنا، وأزلية وعدم تناهي الهيولى وما يرتبط بها من مكان سماه الخلاء وزمان سماه الدهر وبالتالي اعتبر العالم مجرد كينونة جزئية صادرة عن وجود أعم وأشمل هو المطلق . يتبع







اخر الافلام

.. فيديو معلوماتى.. فى سنة أولى أمومة.. اتعلمى خطوات الرضاعة ال


.. «صالح» يحتفل بتوقيع «أسطورة القصر والصحراء» بحضور نخبة من ال


.. وسط صحراء ابوظبي الحارة.. نتعّرف على قصة حامد ومشروعه الرياد




.. كل يوم - عمرو أديب يعلنها: مصر الآن تمتلك الغاز الطبيعي


.. أدوات نستخدمها يوميا قد تتسبب في أمراض خطيرة مثل السرطان