الحوار المتمدن - موبايل



المرأة في رواية -عسل الملكات- ماجد أبو غوش

رائد الحواري

2017 / 10 / 24
الادب والفن


المرأة في رواية
"عسل الملكات"
ماجد أبو غوش

للعمل الروائي الجيد خصائص عديدة، منها اللغة وطريقة التقديم، وأجمل ما في هذه الرواية اللغة السهلة التي تستميل القارئ من خلال استخدام الراوي اللغة المحكية والتي جاءت بطريقة ساخرة، كما هو الحال في هذا الموقف "قوم يا حمار، قوم يا طبل، أذهب إليها يا تيس" ص35، كل هذا يجعل النص الروائي قريب جدا من القارئ ويشعره بقرب شخصيات الرواية منه، فهي صيغت بطريقة بسيطة بحيث يمكن استيعابها من القارئ العادي، وهذا ما يحسب للراوي، الذي جعل من رواية "عسل الملكات" بهذه النكهة.
بخصوص العنوان "عسل الملكات" كان الراوي موفق جدا فيه، فهو يجذب المتلقي لما فيه من بريق ناعم، ورغم عدم وجود شيء عن النحل أو عسل النحل إلا أن القارئ يجد العنوان رمزية، لأن المقصود هي المرأة وخاصة "غزالة" حبيبة "أحمد الذيب" و "تمارا" حبيبة "علي" فهما العسل الذي يتغذى به أبطال الرواية، ويمكننا أن نضيف لهما "مريم" أم "أحمد الذيب" و"عليا" أم "غزالة" فهما أيضا ساهمتا في اخراج النص من قتامته خاصة عندما تناول الحديث الذي دار بين "غزالة" وأمها "مريم، عندما لجأ "الذيب" إلى منزلها في وقت متأخر.
إذاً العنوان رمزي ولم يتم ذكر كلمة تشير إلى "عسل" أو "الملكات" إلا في هذا الموضع: "أطن أنني كنت في حياة سابقة ذئبا يعمل في صيد السمك، ويجوب البحار البعيدة ويوجه الدفة دائما صوب منارات الملكات، أطن أني كنت في حياة سابقة صانع نبيذ في بيت الملكة، أحرس الكروم من الكلاب الضالة وقطاع الطرق، انتقي أشهى قطوف العنب وأجمع حباتها، وأعد نبيذا شهيا لمائدة الملكة" ص122، فهنا يحدث "الذيب" نفسه في المعتقل حول الخمر وليس له علاقة/صلة مباشرة في العنوان، والمقطع الثاني جاء بهذه الصيغة: "ـ أضن أنه في اليوم السابع تفرغ لخلق الملكات يا غزالة" ص128، فهنا يتحدث "الذيب" عن خلق الكون، لهذا لم نجد لذاك العسل أي وجود مادي، فكل ما وجدناه عسل تفيض به كلا من "غزالة وتمارا" فالعسل إذاً يكمن في المرأة التي خففت من قسوة الأحداث ليس على الأبطال "علي والذيب" فحسب بل أيضا على القارئ، الذي وجد في حضورهما تلطيف لأحداث الرواية الدامية.
المكان
هناك هاجس عند الفلسطيني متعلق بالمكان، فهو يركز بشكل كلي عليه، وكأنه والمكان شيء واحد، وهذا يؤكد طبيعة الصراع على الأرض الفلسطينية، فالمحتل يعمل على سلب الأرض والغاء/تهجير/قتل الإنسان، لهذا نجد هذه اللحمة بين الفلسطيني والمكان، أكثر ما ذكر في الرواية، البحر، وخاصة بحر يافا، "أحمد الذيب" من الذين تعلقوا بالبحر، حتى أننا لأول مرة نجد الراحة/المخلص/المهدئ للبطل في البحر، أول ذكر للبحر في موضع الاعتقال جاء بهذا الصيغة ""رائحة رطوبة عالية، هواء ثقيل، من المؤكد أننا قريبون من البحر" ص65، فهنا كان البحر يعطي "أحمد الذيب" شيء من المعرفة التي تساعده على التعرف على مكان السجن الذي هو فيه.
لكن عندما تشتد الأزمة عليه، بحيث يغيب عن الوعي بسبب طريقة التعذيب الشرسة التي يستخدمها المحتل والتي جاءت بهذا الوصف: "هجم علي مثل المجنون، عاونه بقية الحراس في الغرفة، لم أعد اشعر إلا بأرجل ترفسني، وقبضات وعصي تنهال علي بضراوة، حتى فقدت الوعي، كنت أعاني من إصابات عديدة في معظم أنحاء جسدي" ص76، حالة في غاية السوء، ومشهد في غاية القسوة، لكن نجد الراوي يخفف عن نفسه بالبحر، وليس من خلال المرأة أو الأم التي غالبا ما تذكر في موضع الشدة في عند الأبطال الذي تحدثوا عن فترة الاعتقال والتعذيب، فهنا يمكننا أن قول بأن هذه الرواية استثنائية في تناولها للبحر كحالة مخففة عن البطل.
وعندما يخضع "الذيب" لأشرس أنواع التعذيب نجده يخرج من جحيم الزنزانة من خلال نسيم البحر: "شمس دافئة تلفح وجهي، يهبط رذاذ الموج المالح القادم من بحر يافا على شفتي المتشققتين" ص135، فرغم الحالة الصعبة "للذيب" إلا أنه عندما ذكر لنا بحر يافا خفف عن نفسه أولا وعنا نحن القراء ثانيا، وهنا تكمن عبقرية الراوي الذي يجد مخارج مناسبة يخفف بها من حدة الإيقاع القاسي للأحداث.
وعندما يتحد "خالد وعلي" عن غياب "الذيب" نجد في حديثهما: "..فهو كثيرا ما حلم بصيد السمك على شاطئ يافا" ص13، لقد جاءت صيغة المكان هنا في موضع في غالية الأهمية، هناك شخص مفقود، غائب لمدة من الزمن، لكن الأصدقاء تحدثوا عن احتمال غيابة عند حبيبه، البحر، وهذا يحمل شيء من الرمز، إلى تعلق/ارتباط الفلسطيني بالمكان، فغياب "الذيب" من رام الله افترض وجوده في شاطئ بحر يافا، لهذا هو ليس بغائب، لأنه ذهب ـ افتراضا ـ إلى مكان يحبه، بحر يافا.
الفلسطيني
الراوية تتحدث عن الفلسطيني في الأرض المحتلة، ولكن كيف هي صورة الفلسطيني في الشتات؟، يجيبنا الراوي بهذا المشهد: "حدثوني عن لاجئ من يافا يعيش في مخيم اليرموك/ حصل على حبة برتقال من يافا، حملها بمحبة زائدة، لم يستطع أن يغرس السكين في قلب البرتقالة، حملها معه إلى غرفة النوم، حضنها باكيا، غفى وهو يغني ليافا" ص121، قد يبدو المشهد قريب من الفانتازيا، أو الجنون، لكن هناك توحد بين الفلسطيني والأرض، بحيث نجده يتعامل مع أي شيء يأتي من فلسطين كشيء مقدس، ولهذا نجد العديد يحتفظون بشيء من تراب فلسطين.
"الذيب"
الشخصية المحورية في الراوية هي "أحمد الذيب" فهو يمثل البياض في زمن السواد، والنقاء في عصر التلوث، والنبوة عند الكفر، هو شخص منتمي للحزب الشيوعي، يناضل بشراسة وإيمان، يرفض أن يكون موظفا في السلطة الفلسطينية، لأنه اعتبر شرط ربط طلب التوظيف بحصوله على شهادة "حسن سيرة وسلوك" مساس بكرامته، فعمل بائع خضار، وكانت علاقته مع المحتل بهذا الشكل: "كان دائما يتشاجر مع المستوطنين النارين بسيارتهم لأنه يرفض بيعهم الخضار والتحدث بلغتهم الغريبة، كان يعتبر هذا تطبيعا وتساوقا مع الاحتلال" ص12، "فالذيب" تجتمع فيه صفات عدم الانزلاق إلى مستنقع الوظيفة أولا، ثم الاستمرار في عدم الخضوع للأمر الواقع الذي أحدثه المحتل ثانيا، ولهذا يمكننا القول أن "الذيب" يمثل الشخص المبدئي والمنتمي في زمن ألا منتمي.
وعندما يتم إخضاعه لأشرس أنواع التعذيب، نجده يرد على فكرة الاعتراف بهذا الاشكل:
"ـ....
ـ الاعتراف؟" وماذا سيبقى مني إن اعترفت وتوسلت وطلبت الرحمة؟ هل سأظل ذئبا؟ كيف سأنظر في عيني غزالة؟ أين سأخبئ وجهي من علي ومريم؟ ماذا سأقول لدم عاصم وجورج؟
ـ لكنك ربما ستموت إن بقيت مصرا على الإنكار؟
ـ ربما، لكن من المؤكد أني سأموت إن اعترفت" ص123، مثل هذا المنطق لا يكون إلا عند من هم أصحاب نبل وإخلاق، فبطلنا يرفض الاعتراف لأنه يجد فيه خيانة ليست لشخصه فحسب، بل لكل الذين يعرفهم، للأحياء منهم وللأموات، لهذا نجده يصمد أمام اعتى انواع التعذيب.
ونجده يراجع علاقته "بغزالة" التي احبها واحبته حتى الجنون، من خلال هذا الحوار:
"ـ ولماذا تعتذر لغزالة؟
ـ لأني رفضت فكرة أن يكون لها زوج وبيت وأطفال.
ـ لماذا فعلت ذلك؟
ـ لأني ظننت أن الحياة العادية لا تليق بالذئاب، لأني كنت أخاتل الموت كل يوم" ص124، هذا المنولوج يشير إلى وصول "الذيب" إلى حالة من التوحد مع النضال بحيث جعله يعزف عن الحياة العادية، فهو يكرس نفسه لفلسطين ولشعبها من خلال الحزب الذي ينتمي إليه، لهذا يتراجع عن فكرة الزواج من المرأة التي عشقها وعشقته.
وهنا لنا سؤال، لماذا إذاً قام بأخذ حاجته منها أثناء وجودهما في الناصرة، إلا يعتبر ذلك الفعل خيانة لها وله؟، اعتقد أن "الذيب" في تخليه عن "غزالة" لصالح فلسطين فيه شيء من الخيانة لذاته كإنسان و"لغزالة" كعشيقة، وكان يمكنه أن يعيش الحالين معا، حالة النضال وحالة الزوج لو اعتبرها شركته في النضال، لكنه في ـ العقل الباطن ـ وكرجل شرقي اعتبرها أقل من أن تكون إلى جانبه في عملية النضال، وهذه النظرة السادية هي من جعله يخون "غزالة" لحساب فلسطين.
ضعف الحبكة
نجد في الرواية حوارات طويلة جدا، حتى أن العديد من الأحداث يتم صياغتها من خلال الحوار بين الشخصيات، وهي سمة عامة في الرواية، لكن هناك ضعف عند الراوي عندما تحدث عن بكاء "مريم" أم الذيب والذي جاء بهذا الشكل: "كانت مريم تضع رأسي في حجرها وتبكي بصمت، هل كانت تبكي لبكائي أم تبكي البيت والحقول التي هجرنا منها" ص69، بكل تأكيد أن بكاءها كان بسبب الذيب وما حل به، ولم يكن هناك أي داعي لذكر البيت الذي هجرته، لأن هذا التناول كان أقرب إلى الإقحام منه إلى الذكر الطبيعي، فالموقف واضح وليس بحاجة إلى هذا التناول غير المبرر.
الرواية من منشورات وزارة الثقافة، الهيئة العامة السورية للكتاب، دمشق، الطبعة الثانية 2017.


ونجد هناك ذكر دقيق للقدس، حتى أن القارئ غير المطلع على تفاصيل المكان يمكنه معرفة أهم معالم المدينة المقدسة: "خرجنا من سوق خان الزيت إلى باب العامود، صعدنا درجات وانعطفنا يمينا إلى شارع السلطان سليمان وبعدها يسارا إلى شارع صلاح الدين" ص55، وهذا يؤكد معرفة الراوي الدقيقة لتفاصيل القدس، فهو يرصدها بتفاصيلها الدقيقة حتى أننا نجد أسماء بعض المحلات التجارية، وهذا الذكر يشير إلى تعلق الفلسطيني بالمكان الذي يتوحد معه وفيه.

وعندما يتحد "خالد وعلي" عن غياب "الذيب" نجد في حديثهما: "..فهو كثيرا ما حلم بصيد السمك على شاطئ يافا" ص13،







اخر الافلام

.. شرح الجزء الثالث من قصة -طموح جارية- في مادة اللغة العربية ل


.. هند صبرى: الفنانون غير مسموح لهم بمناقشة القضايا الهامة والر


.. رحلة من الغناء والموسيقى الشرقية والصوفية بدأت مع القدود الح




.. هند صبري: الفنانين يقدمون تنازلات فى تأديهم عملهم


.. الفنانة مايا يوسف عازفة سورية تستلهم معزوفاتها من مأساة وطنه