الحوار المتمدن - موبايل



الألحاد واللا دينية

عباس علي العلي

2017 / 11 / 1
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


الألحاد واللا دينية


الملحد واللا ديني مفهومان مختلفان يقومان على إنكار موضوعي لفكرة أن العالم يسير بقدمين متناقضتين، الأولى عالمه الحضوري الحسي المادي والثانيو الغيب وقواه المتحكمة به من بعيد، ولكنهما يتبنيان بديلا أخر محدد بموضوعية المفهوم الذي يرتكز على أن جوهو الوجود هو قانون المادة والطاقة، من هنا لا يمكن تصنيف الملحد واللا ديني بأنه كافر بالمعنى الذي يفهمه الدين، الكفر الديني بكامل مفهومه يعنى تبني دين مقابل دين, أي أنهما لا يعدان أنفسهما كافرين بالموضوع ولا يمكن أن نطلق عليهما الصفة، لأن أصل الكفر مبني على مخالفة قاعدة الإيمان بين متدين وأخر (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ* لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ).
الملحد ينكر وجود غيب ووجود قوى خفيه علينا أن نعبدها ونتقرب لها ونطيعها، لأنه يؤمن بخفاء جزء من حركة المادة وجوديا لأسباب طبيعية, مثلا حركة الذرة الواحدة داخل كيانها الذاتي هذا غيب نسبي لصعوبة الملاحظة والإحساس بها, أما ننسبها للغيب الطبيعي بمعنى خلاف الحضور الطبيعي لها فهذا نوع من تجاوز الحقيقة المادية التي تؤكد أحادية الوجود منسوبا للمادة فقط ثم للمكان وأخيرا للزمن.
المادة وقوانين وجودها الذي يمثل عنصر المكان وما ينتج من هذه الحركة من تغيير بعدي مقاسا بمعيار القوة على قطع المسافة بين نقطتين هو عنصر الزمن, فلا زمن بلا حركة ولا حركة بلا مكان ولا مكان يلا وجود مادي شيئي، وبالتالي القول بوجود قوى خفية خارجهذه المعادلة بكل تفاصيلها، هو تجاوز على وجود المادة وقوانينها التي أكتشفها العقل، وأن أي فهم أو إدراك ناشيئ عن هذا التجاوز أو بخلافه هو استغراق حقيقي في إنكار الواقع كما هو.
إذن الملحد لا ينكر حقيقة (الله) بهذا المنطق من حيث هو خالق أو مدبر أو مسيطر، ولا لكونه موجودا أو عديم الوجود من خلال فهمه أن لكل شيئ سببا, بل إنكاره مصبوب على أن ما يقدمه العقل الديني من صفات وتكوينات ذهنية عقلية لا تتناسب مع قوانين المادة ولا تتوافق مع منطق العلم في المعرفة بأسس التسليم العلمي, القاعدة التي يؤمن بها تتلخص بما يلي:
• كل وجود لا بد له من خصيصتين الأول الإشغال والثاني المظهر, النجوم الكائنات الأخرى وحتى التي تتميز بالأثيرية كالأحلام مثلا أو المشاعر لها وجود واقعي في الذهن مرتبط بقوانينه وخاضعة للقياس والرسم والتوقع ,ولها مظهر حقيقي يمكن تلمسه من خلال معدات ووسائل تقنية حتى تكشف مسارات هذا الوجود ومظهريته, فهي ليست غيب ولا من سنخ المقياس التقديري المرتبط بالخفاء, إنها عالم متكامل ووجودي عكس ما نجده مثلا في مفردات الدين الجنة والنار الملائكة الغضب المكافأة وغيرها التي ترتبط حصريا بمسمى عالم الله .
• الملحد يتخذ موقف فاحص بموجب معيار العقل التجريبي الذي يؤمن به، فهو متدين به ومنحاز لما يؤشر له أو يستنتجه ولكن ليس بموجب ذات القوانين التي يؤمن بها المتدين ويلزم بها نفسه ويطلب من الآخرين أن يصدقوا له وبه, العقل المسلم عند المتدين طريق إثبات ونفي وأداة تحرير اليقين وبرهان الفرض, المنكر لقاعدة التسليم العقلي بالأفتراضات النقلية لا يمكن وصفه مؤمنا بالله، بمعنى الإيمان الاختياري في نظر الملحد هو نوع من أنواع البهيمية التي لا تفقه لماذا تؤمن أساسا لأنها لم تجرب ولم يكن هذا الإيمان متحصلا من دليل حسي أو مادي قابل للتكرار الدائم مع توقع نفس النتائج في كل مرة، لذا فالتنوع الديني في نظر الملحد هو أعلان فشل العقل الديني من إثبات كونية ما يعبد.
المتدين العقلاني يستصحب إيمانه بنتاج العقل ومشورته ويؤمن بذلك, وهو ذات ما يفعله الملحد مع فرق موضوعي أن الملحد أحادي الوجه مستغرقا في إيمانه بالدليل العقلي التجريبي فقط ويرفض أن يستخدم العقل لخداع ذاته بمقولات منطقية لا يمكن تجسيدها ولا يمكن فحصها على الدوام، أما المتدين العاقل لا ينفي عن العقل قصور في الرسم أو قصور في النتيجة كونهما أمران طبيعيان لذا يستعين بما يعرف بالنقل لتعزيز قوة الدليل العقلي, لذا يمكننا أن نسمي الملحد عقلاني كامل التجرد عما يمكن أن يستسيغه العقل الطبيعي لو مهدنا له طريق أخر موازي ومساوي للتجربة، بينما لا يسعنا أن نصف العقل الإيماني بأكثر من كونه عقلاني نسبي .
إذا الإلحاد كمفهوم تفسيري عقلي ليس تجاوزا على الذات الإلهية التي يصفها المتدين بالحقيقة المطلقة التي لا تقبل النفي بمجرد الإنكار, كما لا يمكننا القبول بالتسليم به لمجرد أننا بحاجة لتبرير حسي تجريبي حسب رد الملحد, كلا الطرفين قريب من الواقعية العقلية إذا أردنا أن نجعل العقل هو الحكم بين مقولتين وفكرتين متناقضتين, وهذا لا يعني أن العقل يمكنه النظر للقضية من زوايا مختلفة, ولكن العقل منقاد بالأساس لقواعد هندسة البناء الفكري والتصوري التي يتبعها, والتي على أساسها يكون النتاج الظهوري مفسرا ومبررا ومؤمنا به ويمكن لنا أن نخمن النتيجة التي سيظهر عليها الجواب النهائي.
العقل الإنساني بالنتيجة وبالأفتراض ليس نمطيا مثاليا مصبوب بقالب ونسق تكويني واحد وإن كان بالأصل واحد, ولا يخضع في طريقة عمله لبرمجة موحدة حتى نتوقع نتائج منطقية متطابقة, هذه الميزة هي التي منحته هذا الإثراء والتراكم والتطور والإبداع الفكري الذي يقوي في النهاية إلى تلون كامل للمشهد العقلي الإنساني ومن خلال نتائج التجربة بشقيها الحسي والنظري وبما يمكن أن يتأمله.
سيفهم بعض العقلاء من المتدينين إن فكرة التسليم للرب لا تعني أبدا أن تضع كل عنبك في سلة واحدة, بل من الواجب أن تتحمل أنت غالب المسئولية التكلفية والعمل على أنجاز الواجب, أما سلة الرب فدعها للمعجز والمتعجز الذي فوق الطاقة أو فوق الإدراك، لأن الله ليس موظفا عندك ولا أجير تدفع له بصلاتك وصومك, التسليم الحقيقي والعقلاني المطلوب هو الإقرار بوجود مدبر سابق للوجود وليس عامل حاضر فيه يحرك كل شيء لأننا نرغب بأن يكون ذلك .
لا ينكر العقل السليم الأحتمال والظن والأفتراض والخيال لكنه لا يستسلم للوهم ولا يبني أثر ما عليه، لسبب بسيط جدا أن كل من الأحتمال وأنتهاء بالخيال مجرد محاولات يمكن أن تكون بدايات تقود للمعرفة نفيا وأثباتا, أما الوهم كحال فهو نتيجة تنتهي عندها حدود العمل العقلاني, فمن يتخيل أن الشمس ستشرق من المغرب يوما ما قد يكون في الأمر نوعا من إمكانية الحدوث لو حصل أضطراب ما في النظم الكونية، وعليه ليس مستبعدا أن يحدث الأمر كأحتمال ممكن وإن كان بعيدا لأستحكام قوانين الفيزياء الكونية في الموضوع, أما من يتوهم أنه يستطيع أثبات هذه الواقعة بالجزم واليقين فهو يعني قد وصل مرحلة القرار التام، وبالتالي لم يترك للعقل فرصة للمناقشة وتعديل القناعات بناء على ما يمكن عده علميا أو عقلانيا بشأن الموضوع .
في العودة لذات السؤال كيف يتحقق الإنسان عن ما يطرحه من نتائج كان هو جزء من البحث فيها وجزء من المعرفة ذاتها, هل يستعين بنفس الأدوات الأولى أم عليه أن يبحث عن أدوات قياسية مجردة يعاير بها ويقيس الدقة, أظن هنا أن القول بخلق مقاسات ومعيارية مجردة وخارجه عن ذات المنهجية قول فيه شيء من الخداع أو لنقل واقيه هشة لا يمكن تحققها, الإنسان في إيمانه بما أنتج وأيضا عندما يشرع بنقد هذا الإيمان فهو يستخدم النظام العقلي الخاص به في كل مرة، وبذات الطريقة العملية لكنه ومن المؤكد أنه لا يستخدم نفس المحددات ونفس المنطلقات في كل مرة، لأنه سوف يصل لنفس النتائج السابقة وحتى ينجح في التجديد عليه أن يستخدم المكتسب والمتطور منها(التجريبي).
هذه العملية هي التي تمنحه أفق أوسع أو تضيق عليه مدى الرؤية فيتراجع أو يتقدم, الإنسان بهكذا عقل أولا يخضع في وجوده لما يراه العقل ويتصرف على حسب القوة الفعلية فيه، وما تسطره من نتائج الصراع مع النفس والحسيات والماحول الخارجي ومع القوى المؤثرة الذاتيه, عملية الأنتاج عند الإنسان عملية عميقة ومركبة وتسري ببطء تحاول التوازن دوما بين الموجود وبين الذي سيفترض أفتراضا من تخيل أو توهم أو حتى أحيانا فشل للموجود في دعم قناعة العقل الخاص.
لو أخذنا إنسان ووضعناه في عالم غريب عنه عالم لا يعرف أسراره ولا مكوناته ولا حتى طريقة العيش فيه ونظرنا له من منظار خارجي، لنرى كيف يتصرف وكيف يتعامل مع الحول والبيئة الجديدة, سيحاول أولا أن يتحقق من كل شيء حوله بالبصر أولا ويتدرج بالتعامل مع المحسوسات الأخرى, لا يمكن أن يباشر التكيف معتمدا على نظام سابق ليسقطه هنا, قد يحاول وقد ينجح في أكتشاف طريق أخر عندما يكتشف أن قوانينه السابقة لا يمكن أن تنطبق على هذا العالم الجديد.
هذا الأكتشاف هو الذي يقوده للشروع ببناء نظام يتناسب بين خزينه المعرفي وبين واقع مجهول يقترب منه كلما أبتعد عن ممارسة ذاك النظام القديم, لينتهي بعد سلسلة من التجارب العملية التي يقودها العقل إلى إنشاء شبكة من الروابط والعلائق والخيوط التي بجمعها العقل في منظومة تفسر الجزئيات وتتعالى للأكبر والأعمق منها, يتعامل معها في الطول والعرض ليفهم أفضل ما يمكن أن يلائم بينه وبين واقعه الجديد.
هذا الحال ليس افتراض بل هو منهجية واقعية ومنطقية يسلم بها العقل ويجد لها مبررا قريبا جدا من فهمه للشخصية الإنسانية, بتلك الحالية التي تجعل من كل مجهول عدو أو خصم تتقي ما لم يكن ليس بالإمكان تحاشيه, تقترب منه شيئا فشيئا محاولة أن تبحث عن نقاط تواصل ونقاط يمكن النفاذ منها له حتى لو تطلب منها أن تقدم شيء كتضحية، هاجسها الأول والرئيسي الخوف وليس حب الإطلاع أو التعلم أو روح الأكتشاف, الإنسان يخاف ما يجهله ويترجم الخوف أحيانا للهرب وعندما لا يجد منفذ يتخلص يعود بتقرب من جديد ليفهم سبب الخوف ليقيس مقدار المحاولة وثمنها, من هنا أكتشف الإنسان الأول أنه من الواجب عليه أن يواجه عالم الغيب عالم القوة التي تعبث بوجوده دون أن يتمكن من تحديدها وتحديها، سارع الآن أن يتقرب منها أن يسترضيها أن يسألها ما هو المطلوب ؟.
هذه النظرية التي هجرها العقل الديني بعد التسليم والإيمان بما أعتقد، بقيت جذورها وأسبابها وعلاتها تحرك العقل الملحد والعقل اللا ديني، فكلاهما لم يهرب للأمام خلاصا وأخلاصا لما في الواقع، ولكنهما أصرا على الفحص وعلى التحديد وعلى إدراك ما وراء جدران الإيمان، وقد ينجحا للتحول إلى واقع الدين لو قادت هذه المواجهة لتأكيد حقائقه، فهما أساسا لا ينكران وجود (مجهول مقابل معلوم وأن مساحة المعلوم اليقيني تتسع مع نشاط العقل والتجربة)، فكل ما ينتمي لها لا ينبغي بأي حال أن ينكر لأنه سبق وإن طرح بطريق أخر.







اخر الافلام

.. فرنسا تسلم المغرب أرشيفاً عن تراث يهود المغرب


.. كل يوم - قائمة الازهر للفتوى تثير غضب الأزهريين بسبب تأييدها


.. ما هي أبرز عوامل عجز حمزة بن لادن؟ (تفاصيل)




.. استياء كردي من وجود مقرات لميليشيا الحشد الشيعية في مدينة كر


.. عمرو أديب: الأزهر مقدم قائمة بأسماء ناس خريجين كلية تجارة لت