الحوار المتمدن - موبايل



بين التدين والألحاد صراع وأنخراط ح2

عباس علي العلي

2017 / 11 / 1
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


إذن الدين هو من شكل محور الصراع الأول وهو الذي دعا ويدعو له، وطالما أننا متدينون علينا أن نكون على خط المواجهة دون هوادة، الشيء الذي لا يذكر ولا يسئل هنا ما مصلحة أن نخوض الصراع أصلا طالما أن الله هو من أختار العدو، بمعنى أن مصلحة الإنسان وحريته معرضة أصلا للأنتهاك من أول نقطة بقرار رباني، وللأجابة على التبرير السابق نقول أن وجود الإنسان في الطبيعة وحده يكفي ليشكل التناقض والتضاد المولد للحركة كما تم نسبتها إلى قوانين الحركة المادية كما يزعم الفكر الديني.
منذ أن سكن آدم الأرض ولليوم الإنسان يبحث عن كل جديد عن كل طريق تؤدي به إلى كشف المعرفة أو فتح بابا تغنيه عن الجلوس والتفكر في عالم متعدد الأوصاف متشعب المسالك، يتناقض غالبا مع ما يؤمن وأحيانا يتناغم معه, لكنه في جميع الأحوال يبحث عن سر مرة بين الأحجار القديمة ومرة خلف ما يرى وأحيانا عميقا في تلافيف مخه عن شيء يفسر له السؤال المعتاد، لماذا وكيف ومتى وأين؟.
الظريف في الأمر أنه كلما مل من هذه التساؤلات عاد لها بعد فترة، والأدهى أنه لا يستطيع أبدا أن يعيش بدون هذه التساؤلات حتى صارت جزء من نظام حياته, قد تكون الأجابات أو حتى الأفتراضات الأولية أحيانا عميقة وقد تكون سطحية, وأيضا تطال هذه التساؤلات واقعه أو يجتاز بها إلى عالم الأفتراض والخيال وحتى الغيب أحيانا أخرى, وأكرر ما أنفك أبدا أن يعيش بلا تفكير ولو حاول لكنه يعود له مضطرا ومختارا, هذه الخصيصة من أهم ما تميز الوجود العاقل المدرك للإنسان عن غيره من الكائنات التي ترتقي أو تنخفض في مستوياتها العقليه عنه, ويبقى هو الأجدر طبيعيا بها.
نزل الإنسان مجردا من كل مقدمات فكرية ولم يملك الخزين الكافي من ذاكرة تساعده في احتواء عالمه الجديد عالم ما بعد الجنة, عالم مادي محكوم بقوانين شاملة, ليل ونهار فصول أربعة حر وبرد صراع من أجل العيش والأهم صراع الحياة والموت, ليس معه تجربه تفيده في فهم بداية اللعبة وكيفية النهاية لكنه بالتأكيد معه حلم ومعه عقل يفكك ويبني ويرسم ويتأمل لا يمكن أن يمر على ظاهرة دون أن يسأل نفسه هل هذه جزء من الحلم ؟,هل من نتيجة معها تؤدي إليه؟.
وهكذا يسقط حلمه السرمدي بالعودة للجنة على كل شيء ظواهر آيات علامات أحداث يفسرها دوما من هذه الزاوية عسى أن يجد جواب، حتى جمع الكثير من الخزين الذي تراكم لديه وحاول أن يربط بين نتائجه على مر مئات السنين وبين الهدف الحلم القديم، عرف من خلال كل ذلك أنه ما زال لم يفهم سر الحكاية الأولى سر الــ (لماذا ) التي أنزلته من عالم جميل, فكان عليه الآن أن يجيب هو بذاته عن هذا التساؤل .
كانت التجربة الأولى التي أطلقها الإنسان الأول هي الإجابة على السؤال السابق وأنه يحاول أن يبحث في نفسه في ذاته البسيطة عن الجواب، وحاول أن تكون له رؤية للعالم ككل وهو يعد نفسه جزء مركزي في هذه الرؤية، لأنه كان يظن أنه محور هذا الكون وسره الأبدي, لا شيء يمكن أن يقارنه بوجوده لأنه ما زال لا يفهم هذا الوجود بكل أبعاده, إنه يعيش الثنائية البدائية (ثنائية الأنا والمجهول) التي قادته مع كل يوم إلى أن يبني شيء.
من هنا نتعلم أن دراسات رؤى العالم من كل المصادر المتاحة لا تتعدى ما تخلقه المعرفة التراكمية التي يخلقها أو يحصدها من الملاحظة والتعقب والتدقيق والفرز، إذن هذه المعرفة تنتمي إلي مجال العلم الإنساني أو الدراسات الإنسانية التنظيرية بما فيها ما يأتيه من عالم الغيب بواسطة الدين، أذن المعرفة الإنسانية التي تتخذ من المتحولات والمتبدلات الغير مستقره مصادر بحثية من دراسة الظاهرة بأبعادها وليس من نتائج التجربة البحثية التي تفترض مقدما أن تكون لها أسس مستمدة من المعرفة السابقة لتولد النتائج.
فالمعرفة الطبيعية التي أسست لاحقا للمعرفة الممنهجة والمبوبة بأصنافها ومدارسها العامة، أنها لا تنتمي إلى مجال العلم الطبيعي سواء في النظرية أو المنهج أو أسلوب التفسير والتحليل، كما أنها لا تهدف إلى الوصول إلى تعميمات كليه تكون لها صفة القانون العلمي مثلما تحاول الأنثروبولوجيا البنائية الوظيفة لدي بعض علمائها علي الأقل، وإنما تهتم دراسات رؤى العالم بدلا من ذلك بمحاولة (الفهم) العميق لطبائع الأشياء أو داخلها نتيجة ما يتمخض عنه الصراع بين الإنسان والوجود (الطبيعة).
لم يجر كل هذا التفكير الطبيعي البدائي خارجا عن منظومة أخرى وطرق أخرى نوعية تجري بذات النسق، ولكنها تحولت أتخذت منحنى أكثر واقعية وبمزيد من الجديه نحو معرفة أكثر تطورا وأشد في تحديد نوعيتها وخصيصتها، خاصة أن دوافعه في هذه المرة أشد إلحاحا وأقوى تأثيرا من النمط الأول، وهي محاولة رسم عالم حولي عالم لابد أن ينبسط به مع واقعه المعاش بمستوى أفقي مع الغير العاقل ومع الغير اللا متعقل, حتى يمكنه أن ينظم لنفسه مجالا حيويا قادرا على الاستجابة لمجريات الحدث ولمجريات الصراع البيني وقوانين العالم الذي وجد نفسه مرغما أن يعيش فيها، إنها نفس فكرة رؤية العالم لكنها محاولة مبكرة جاءت في أوانها.
في المظهر الثاني من مستوى صراع الإنسان مع الطبيعة هناك طرف موجود فعليا ويظن أنه المتحكم بأصل هذا الصراع، وهو عالم ما قبل وبعد الإدراك الحسي الذي أعتقد أنه في طرف ما من العالم وتحديدا الفوق، لأنه وبتفكيره المجرد أن الفوق هو من يرى بأفضل زاوية ممكنة لو كان في مكان أخر، لذا عليه أن يكمل رؤيته عن العالم برؤية موازية هي كيفية تدبير وإدارة هذه العلاقة التي لا يظن أنه يتجاوزها أو يتغافلها لأنها جزء من كل الرؤية الأولى.
ملخص هذه الرؤية ومن خلال ما أدركه بوجوده الجديد على الأرض أن عليه أن يعالج تلك الخطيئة الأولى، خطيئة السقطة والنزول من عالم الفردوس الذي عليه أن يستعيده، هنا في هذه النقطة يتشارك الدين والطبيعة ليتحدا في مواجهة الإنسان في صراع تفصيلي كامل لا حدود له ولا أجوبة شافية لكل ما يثيره من فروض وأفتراضات.
إذن عليه أن يتمسك برؤية أكبر للعالم رؤية تمتلك شرطين أساسيين:
• الأول أنها ذات هدف مركزي وهو كيف يمكنه أن يجعل وجوده الأرضي طريقا ممكنا للعودة للفردوس الأول.
• الثاني أن لا يستمر في ذات المنهج والوسيلة التي أسقطته وأطاحت به هنا.
نحن الآن أمام ثلاث مستويات للصراع تتفاعل فيما بينها لتجعل من وجود الإنسان إشكالية متعددة الأطراف والمظاهر، الأولى مستوى الـ (فوق_تحت) وثانيا (تحت_مقابل تحت) والثالثة (الإنسان_مقابل الفوق والتحت)، ولا بد لكل مستوى من رؤية جزئية تتجمع في الأخر لتكون بذاتها الرؤية إلى العالم شموليا بما تريد أطراف الصراع وحسب تسلسل قدرتها على التأثير على الأخر، هذا الوضع لم يكن نتيجة قوانين الوجود بالتأكيد ولكن من المؤكد أن الإنسان بوعيه الخاص هو من صاغ المعادلة وقسم الصراع حسب نتائج إيمانه بكل ما ظن أنه موجود فعلا.
النتيجة التي وصلها الإنسان من وعيه الأول والذي لم يغادره أصلا وإن تطور في أتجاهات عديدة، هو أرتهانه لهذا الصراع وبمستوياته الثلاث، أما مدفوعا بالخوف والقلق المستثمران دينيا، أو بعدم القدرة على التخلص من فعل الطبيعة ضده لعجز متواصل في قهرها، أو للصراع الذاتي مع نفسه كإنسان مدفوعا بالأنا وتحت ضغط عوامل القهر في المستوين الأول والثاني، فكان يهرب في كل مرة يفشل فيها من المواجهة ليستظل شجرة الدين التي تمنحه مزيدا من الحلول التي يظن فيها أنها ستنجح في إخراجه من واقع الصراع ليعود في النهاية ويجد نفسه بعد كل جهد التجربة وأثارها ما زال في مكانه الأول.
الدين عموما وخاصة الذي ينتسب فعليا للسماء حسب ما يظن الكثيرون أو يجزمون، فشل في طرق أبواب الإنسان ليكون دليله الفاعل المحوري في الحياة ومنهج خالي من الكثير من الأخطاء والتجاوزات التي تضر بوجوده, نعم أنا أجزم بذلك ولكن ليس ذلك دليلا على عدم أهمية الدين ولا أعلانا عن عدم أهلية الخاصة في أن يكون كذلك وكما هو مخطط له, أصل الفشل يعود للإنسان وحده حينما يريد أن يلائم بين (الأنا) التي يسعى الدين للحد من تضخمها اللا مبرر، وبين محاولته مراعاة عوامل الخوف والسطوة التي يثيرها الجزاء المنتظر .. يفشل الدين لأنه لا يجامل الوضعيات الخاصة ولا يماهي الميول الفردية للطغاة فيضحي البشر بمبدئية القيم ويلهم تطلعات الأنا، ليعيش الحياة متقلبلا بين القلق من الغد والشعور بالألم اليومي ....هكذا أفسد على نفسه فرصة أن يعطي للدين مجاله في تجريب نظرته الكاملة للوجود .







اخر الافلام

.. ممثل الأوقاف والأزهر: ترشح السيسي لفترة ثانية يبقى مصر بلد ا


.. أخبار عالمية - #حمزة بن لادن: لا يملك شيئا سوى إرث والده


.. -قائمة الخمسين- تشعل الجدل بشأن -الإخوان- والفتوى في مصر




.. كوارث مستمرة في العراق .. في ظل الأحزاب الإسلامية


.. قلوب عامرة - لماذا تحية الإسلام هي السلام عليكم ؟