الحوار المتمدن - موبايل



بين التدين والألحاد صراع وأنخراط ح1

عباس علي العلي

2017 / 11 / 1
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


صراع وأنخراط
أصل الصراع الوجودي الذي يعيشه إنسان اليوم وبمنتهى الجرأة هو صراعه مع الدين كطرف حاكم ومع الطبيعة كطرف متجبر، وخياره بين الخضوع لهما والتطبع تحت سطوة الخوف والرغبة وبين أصله الطبيعي الباحث عن التفلت عن الضابط وأستسهال الحياة بما يعرف باللا مسئولية الطبيعية (الحرية الطبيعية), هذا الصراع الذي لا ينتهي هو مجرد البداية التي تجر ورائها الكثير من الإشكاليات التي لم يتعرض لها كائن في الوجود غير الإنسان، لأنه يحمل بين تراكيب تكوينه علة لا تنتهي في إثارة القلق الفكري وترسم له أثر كل سؤال حيرة وتأخذه كل مجال يضعه بين ما هو كائن وما هو مفهوم، أمامه فسحة تكبر كلما أكتشف مقدار من العلم لتضيق عليه الحرية التي يتمتع بها مؤقتا مع كل أكتشاف جديد .
فهو يريد واقعا بمقاساته الذاتية والدين يريد فرض خياراته الوجودية والطبيعة تفرض أحكام بدية تتناسب مع قدرته على إدارة الوجود وسعة تدبيره لوسائل الفهم والتكيف معها، ولكنها تصبح عدوة أو نقيض لا يحتمل إن لم يستطيع إدراك مفاتيح اللعبة ويسيطر بعقله على عالم المجهول والمغيب منه تحديدا بالعلل، أو بالأسباب ,فعاش مشتتا بين صراع متعدد الواجهات وتنازع إرادات متعارضة، كل منها تعده بشيء جميل وتحرمه من شيء أجمل وتكشف عن وجهها الغاضب في حالة عدم الإمتثال, هنا الإنسان يريد الحياة الممتعة بدون ألتزامات تحد من تفلته عن الضبط ويرغب بالجنة ويتمنى أن تكون الطبيعة أكثر كرما معه في عطاء الوجود وتمنحه فرصة أطول للتمتع فيها .
هذه الأمنية سهلة الأفتراض ولكنها صعبة التحقق فكلما تعرف الإنسان على قواعد النزاع والتنازع والصراع وأدرك حدود طاقته ومقدار الفعل الذي يمنحه مساحة أكبر في المناورة والأنتقال، صار بمقدره أن يتجنب الكثير من الخسائر وحالات الفشل, هنا عليه أن يكون مهيأ بالدوام على أن يكون مراقبا وملاحظا ومنتقدا وخالقا ما يمكنه أن يدافع عن وجوده, هذه الحالية تستوجب منه أن يكون ذا فاعلية عقلية لا تحد بحدود ولا تقف عند حاجز العجز أو عدم المقدرة، لأنه بذلك أيضا يعلن فشله وأنزواءه على أن يصبح لاعب كوني مهم، ويتحول إلى مجرد وسيلة بيد لاعبين أخرين هم من يحدد مصيره وسيرورته الوجوديه، ولكونه في جزء من حالاته الواعية يرفض هذه النتيجة خاض غمار البحث والنقد والاكتشاف والخلق.
في قضية الصراع الأول نجد أن الله تعالى ومن خلال مفاهيم الدين واصولياته، أنه سيكون وبقرار تدبيري وجعلي أن يكون مراقبا لمجريات الصراع الثنيوي بين الإنسان والشيطان بأعتبارهما العدويين الأبدين، إنما أراد أن يثبت جملة من الوقائع وخطوط من تناقضات ستكون بؤرة هذا الصراع وجوهره فمثلا نقرأ من النص التالي( قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين), هذه الوقائع تتركز في قضية مهمة أن الله سيكون حياديا تاما في هذا الصراع وليس موجها ولا متدخلا مع أحد أو ضد أحد, وعلى كل من الطرفين أن يتعلم كيفية إداء عملية إدارته وفقا لما سيأتيهم لاحقا سواء أكان ذلك بالمنقول عنه أو بما موجود في العالم الجديد الذي سيكون محلا للصراع.
وبالتالي فكلاهما مسئول أولا عما يتخذ من قرار ومسئول أيضا عن تدبير عملية البقاء كي لا تنتهي العملية قبل تحقق المراد الذي حدث الصراع من اجله أو بسببه، الواقعة الثانية التي أراد الله منها أن تكون علامة ثابتة ومصيرية في حياتهم أن الأرض وليس غيرها بما تحمل من أبعاد فلكية، هي الوعد زمانا ومكانا وحالا وبالتالي لا يمكن تصور أن يكون هناك محلا أخر أو أفتراض محل أخر للتنازع والصراع، لا في الزمن أيضا ولا في الحال بعبارة الحياة والموت والبعث (قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون)، هذا يقودنا لتساؤل حقيقي في قضية بعيدة نوعما عن التفكير المبسط والتسليمي ولو أنها لا تشكل علامة فارقة، وهي الحالات التي يرفع فيها البعض من الإنسان خارج حدود الأرض كما في إدريس وعيسى والخضر والشهداء الذين وصفهم الله تعالى في الأحياء عند ربهم, هل سيكونوا في حل من إشكاليات هذا الصراع ومشاهده كمثال توكيدي على جوهر الصراع.
الموضوع الثالث والأهم ألم يكن هناك حل أخر قد يكون تصالحيا أو توفيقيا بين طرفي نقيض؟، في حالة حدوثه نتيجة إنفعالات الأنا ويمكن معها تجب الآدمية هذا المصير المهلك، أم أن من مجريات الرؤية الكونية السابقة للخلق والجعل أنها ستكون بهذا الترتيب لغرض الوصول لنتائج علية أو سببية يكون فيها الإنسان موضوع الأمتحان والحساب؟ لغرض تعليمه أن الوجود فرصة له ليفوز على خصم يتمتع بإمكانيات ومقدرات أقوى وأمضى وبذلك يهيئ الإنسان إلى السعي الأبدي للكمال النفسي مما يحقق معه هدفية الخلق، بمعنى تحقق قضية الخلافة في الأرض مع النظر إلى قضية سابقة لوقوع الخلاف، ألا وهي قرار الخالق أن يجعل في الأرض خليفة, فتكون القضية أساسا مفتعلة وجعلية وليست من سياقات الطبيعة التكوينية للشيطان والإنسان معا .
أيضا علينا أن نستخرج من مفهوم النص وقصديته أن هذا الصراع الأبدي محكوم بقوانين مسبقة، منها ما صاغه الله ومنها ما تصيغه حركة الصراع ذاته ,في المجال الأول أن الله برغم من حياديته في الصراع لكنه سيكون حاضرا في جزئيات وتدخلات حساسة لا تكون بديلا عن العنصر البشري، ولكنها ستكون داعمه له في حال أن الإنسان كان جادا وصادقا ومتوافقا مع هدفية الصراع, (إن تنصروا الله ينصركم) والله من المعروف العقلي والنقلي ليس في حالة صراع وبحاجة لمن يقدم له المساعدة، ولكنه سيكون مساند لمن يسعى لتحقيق النتيجة التي أرادها من وراء هذا المشهد التنازعي، والذي يقوم على منح الإنسان صفة الخلافة ليتغلب على عنصر الإفساد ومن ثم تحقيق الهدف الغائي من وجوده .
نقطة مهمة وجديرة في الإهتمام وكثيرا ما تساءل عن جدوى عدم معالجتها بالطرق الربانية وهي أصلا من أختصاصها وليس من أختصاص البشر, لو أراد الله حقيقة أن يكون الإنسان مجرد خليفة ليعمر ويبني ويستعمر الأرض بدون أن يدخله في صراعات تؤدي إلى أستنزاف جهده البدني والعقلي، كما تستنزف منه فرصة التمتع بالمنجز الوظيفي من خلال إبعاد عنصر الشيطان أو تخفيف حدة المزاحمة, الحقيقة التي يطرحها الفكر الديني ملخصها (أن التنازع وإن كان قاسيا ومؤلما أحيانيا وقد يكون كارثيا، لكنه يبقى جوهر الحركة الوجودية) بناء على كيفية التركيب الكوني للنظام الوجودي أصلا, ولولا حقيقة التناقض والتنافس بين المتنازعات على الأستحواذ لما وجدت حرية ومشروعية الحركة، وهذه الحقيقة واحدة من منطلقات وحقائق قوانين علم الفيزياء الحركية .
مثلا وتتابعا مع مقولة الفكر الديني كان الرب يرسل الأنبياء كي يساعدوا الإنسان في وضع قواعد النظام الأجتماعي والتشريعي بأفضل صورة من خلال المحددات التي يأمر بها أو يرشد عليها, وعندما أكتشف أنهم لم يعودوا بحاجة لمن يرشدهم وصار البشر يستطيعون منافسة الأنبياء في هذه الوظيفة وأبتدعوا عشرات الأديان, قرر الرب أن يرسل لهم المزيد من الشياطين كي تساعدهم أيضا في إفساد حياتهم، مما يعني المزيد من حالات الصراع والمزيد من النتائج التي ترهقه في وجوده بعملية مشتركة بينه وبين الرب.
الفكر الديني والدين عموما يضع الإنسان على رأس طرق النزاع الأولي والمستمر مع الشيطان عدوه التقليدي، وبالتالي فكل تمسك بالدين وأنخراط في مقولاته وتحكماته يتبع تلقائيا الأنخراط التام والكلي في هذا الصراع، ليس لأنه مختار هذا الصراع ومنشد له لأسبابه الخاصة، ولكن لأن الرب أراد ذلك وما علينا إلا التسليم به والموافقة على قوانينه ونتائجه.







اخر الافلام

.. الضفة الغربية.. إجراءات أمنية مشددة خلال الأعياد اليهودية


.. وكيل الأزهر: نأمل القضاء على شلل الأطفال فى الدول الإسلامية


.. العروسة المنقبة.. -العب يالا بما لا يخالف شرع الله.. وبـ50 ج




.. الهلال يعانق الصليب.. مسلمون يشاركون فى بناء كنيسة مارجرجس ب


.. قطر تبتاعُ رضى اليهود في الولاياتِ المتحدة