الحوار المتمدن - موبايل



الفرق بين الواقعية العقلية ومنطلقات الفكر الديني

عباس علي العلي

2017 / 11 / 3
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


الفرق بين الواقعية العقلية ومنطلقات الفكر الديني


يبدو من قراءة المبحث السابق أن الواقعية العقلية لا تفترق في شكليتها وجوهرها عن منطلقات الفكر الديني كونها هي التي ساهمت في بسط ظاهرة الدين في الواقع، والحقيقية أن هذه النظرة تبدو قاصرة ومحدودة، فالمنطلقات الأساسية في الفكر الديني تعتمد على قدرة العقل الكامل الكلي على التحريك، أي أنها تستند إلى فعل فوقي محاط بالرهبة ويتعامل مع الرغبة، بينما الرؤية العقلية الواقعية لا تملك هذا الزخم الفعلي بقدر ما تستخدم العقل كأداة فاعلة ومنتجة وخالقة، فهي حضورية وإنسانية وقريبة من الواقع كما يراه العقل، وليس ما يفرضه الفكر المثالي من منحنيات وخطوط فعل مدعومة بعوامل ضاغطة.
هناك فارق جوهري ومهم في المقارنة بينهما أساسه أن منطلقات الفكر الديني تفترض الحلول وتقدم النتائج معا، بمعنى أنها تختصر التجربة بالمقدمة والنتيجة وتقدم وصفة جاهزة للإنسان، مثلا أن من يؤمن بالدين ويستثمر إيمانه في الواقع سيكون مصيره الفلاح والفوز {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ الْمَلآئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً قُلِ انتَظِرُواْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ }الأنعام158، في حين أن الواقعية العقلية لا ترسم نهاية محددة بل تستهدف أن يستمر الفعل التجديدي كما لو أنه خيارا وحيدا للبقاء الإيجابي في الوجود.
هذا لا يمنع أيضا من أن تحقق في طريقها النتيجة المفترضة في ما تقدم ولكنها لا تقف عندها لتنتهي القضية برمتها، فالخير ليس كيان محدد بحدود خاصة حتى نستطيع أن نبلغه كاملا، بل هو كل تقدم مطلوب نحو الكمال البشري الذي يعني أن على العقل أن لا يحيط نفسه بدوائر مغلقة ويركن لها، وبالتالي كلما أرتفعت مؤشرات الكمال هذا إزدادت حصيلة الخير وتفعيل نتائجه المتراكمة لتحصيل الخير المطلق بكل أبعاده وحضوره.
العقل أحيانا كقوة فاعلة ومحركة تستكين في نقطة ما تحت ظروف قاهرة لينتظر تغيرات أو تحولات يفرضها الزمن أو منطق الحركة الوجودية، وتقل بذلك فاعليته التكوينية في مواجهة المقدس الأفتراضي، ما لم يقتنع تماما بمعطيات ومؤديات أكبر من هاجس الخوف والقداسة لأن يتحرك, لذا فإن استنهاض قوة العقل مرتبطة بقوة العامل المثير العامل الذي يجب عليه أن يقنع العقل باستحقاق التحرك دون خرف من انتهاك المحرم القدسي, هذا الميل هو الذي يركز عليه الكهنوتيين دوما في سعيهم لفرض العبادة التقليدية وتحرير مخرجاتها على أيديهم دون خوف من مقاومة العقل له, لذا فإن منهج توسيع المحرمات في دائرة الأقلي منهج معتمد في كل الديانات التي ظلت تراوح محلها دون أن تنطبق بننفس التعجيل الذي نشأت به.
لا يمكن قيادة عملية التغير في الواقع وتغيير شروط الحركة في عملية فهم التوافقات الحتمية بينه وبين والدين إلا من خلال شرطين أساسيين مهمين، هما التخلص من عامل الخوف الذاتي النفسي عند الإنسان من أنتهاك الحد الديني، وثانيا توفر البديل العقلي الذي يقنع العقل على أن التغيير وأستثماره هو في مصلحة الإنسان التي جاء الدين ليحميها من التعسف الإنساني, هنا يمكننا أن نقول مع العاملين الأساسيين أن فرصة التغير متوفرة وقادرة على أن تنطلق بالقوة التي تمنحها للعقل, لكن يبقى أمام الإنسان شرط أخر هذا الشرط الذاتي والموضوعي في آن واحد، وهو تحديد الهدف من التحرك وتحديد وجهته فليس من المعقول أن نتحرك ونغير من أجل التغيير فقط، إذا لا بد أن تصب نتائج التغيير في صالح الإنسان في وجهة أو وجهات متعددة ترتقي به وتساعده على عبور أزمته والتأسيس لعملية متتاية تقوده للتعجيل والتسارع نحو بلوغ الكمال البشري.
المقاومة بالأساس مقاومة نفسية يقودها العقل المأسور بحكم الواقع المثبت بأغلال وقيود الممكن، ولكن من خلال ترتيب أولوياته بعملية وأعادة نظام وتنظيم وترتيب كلي أساسها معرفي وأساسها فعل النقد والتجرد ينجح العقل في التغلب على سكونية وثبات الواقع, إذا لا ينقص الإنسان مبرر للتغير بعد ذلك إذا سخر العقل بواقعيته المتحركة الفاعلة على الأرض، المهم أن يفهم أن النقد المعرفي لا بد أن يكون الأساس الأول كما كان الأساس في تطور ونشأة الدين الوضعي من قبل، وأن يعلم الله لم يتدخل في ترتيب أركان الدين البشري إلا عندما تأهل الإنسان ذاتيا ليكون على مستوى قبول النص الديني المحمول إليه وحيا كما يؤمن العقل الديني، وبدون هذا الفهم سيبقى الإنسان المتشبث بالدين يستشعر النقص وينتقص من وجوده دون أن يحاول أن يتزحزح ليبدل من أسس الحل، ويبتكر ما هو فاعل وميسر ومساعد لبلوغ الهدف الأسمى.
علينا كبشر تعرضنا لأخفاقات لا تنقطع ولن تنقطع ما دمنا نتمسك بالنتائج المحددة فقط دون أن تحضر المقدمات الضرورية لها، نواجه اليوم تحدي الموت السريري لفعل العقل وقوته الطبيعية على الخلق والتجديد وتحريك وجودنا الكامل به، وأمامنا الكثير من الحلول الممكنة أن نجهر في حقنا بنقد المؤديات التي وضعتنا في هذه الحالة ولدينا ما يكفي من حلول, إذا علينا أن نمارس وبقوة نقد العقل المستجيب لشروط الواقع من خلال مقاومة عامل الخوف من تعرض معتقداتنا للمسخ كما يسوق كهنوت المعبد, النقطة المركزية الأخرى هي أن نرفض سلطة المعبد المتقوقع داخل جدرانه المقدسة لصالح سلطة العقل الحر.
على الإنسان الراغب بالخير المطلق كهدف ونتيجة أن يستبدل الخوف المزروع بالخوف (الخوف المركب) من فوات الفرصة للتغيير الإيجابي, وأن يعلي من أساسيات منهجية النقد العلمي المعرفي العملي والنظري، وأن نقلل الأعتماد المبالغ به إلا بقدر ما يمنحنا من موضوعية في منهج النقل كونه أيضا من مصادر المعرفة لو تم تسخسره بقراءة متحركة ومنطقية عقلانية, النقد العلمي القائم على أسس الفحص التجريدي والتوافق والبحث عن الغائيات القصدية بدل التفقه بالفروع وفروع فروع الفروع, هذا المنهج الذي عمق من تيه الإنسان وإشغاله بالتفاصيل الجزئية الدقيقة وترك المسائل الكبرى والأهم والمحركة والأساسية في عالم خشبي محاط بأسوار الثبوت والمطلق الزائف.







اخر الافلام

.. فرنسا تسلم المغرب أرشيفاً عن تراث يهود المغرب


.. كل يوم - قائمة الازهر للفتوى تثير غضب الأزهريين بسبب تأييدها


.. ما هي أبرز عوامل عجز حمزة بن لادن؟ (تفاصيل)




.. استياء كردي من وجود مقرات لميليشيا الحشد الشيعية في مدينة كر


.. عمرو أديب: الأزهر مقدم قائمة بأسماء ناس خريجين كلية تجارة لت