الحوار المتمدن - موبايل



هل تقودنا الواقعية العقلية للتخلي عن الدين؟.

عباس علي العلي

2017 / 11 / 3
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


هل تقودنا الواقعية العقلية للتخلي عن الدين

في جواب الإشكالية الثالثة عن نتيجة تبني الواقعية العقلية كرؤية عملية لرسم صورة العالم الجديد تثارمسألة حساسة جدا، هي إمكانية أن تكون هذه الرؤية الفكرية بديلا عن الدين أو أحد البدائل الممكنه عنه، والحقيقة التي يجب أن نطرحها أن هناك فرق بين أن نستبدل ألية محل ألية أو نعزز من فاعلية أليات الواقع الموجوده بروح متحركة، في نظريالشخصي لا يمكن أن تحل الرؤية العقلية الواقعية مع الدين إلا في حدود ما يمكن أن يعجز الدين عن معالجته أو الأجابة عن أسئلة محددة ومتمحوره في روح الواقع.
الدين ومن خلالنصوصه مثلا يدعونا للتفكر والتدبر والتعقل ولكنه لم يطرح أليات عملية لذلك وليس من وظيفته أصلا أن يفعل ذلك، هنا يأت دور العقل الإنسان أن يترجم مفاهيم كلية ومثالية إلى منهج عملي يترجم توجهات النص وغاياته، إذا لا يمكننا الخلط بين المنهج والفكرة فقد تنفذ الفكرة بمناهج عدة ولكن ستكون النتائج متباينة حتما في شكلياتها وفي بلوغ الغائية المفترضة أو المطلوبة، لذا فدور الواقعية العقلية في هذا الأتجاه هو العمل بكل قوة على تحقيق الغائية وما بعدها وتجسيد الأمر الديني في الحدود التي لا تتعارض مع حقائق الأرض والوجود كواقع لا بد من مراعاته.
السؤال الأول الذي يجب أن يكون المقدمة لكل تساؤل متعلق بقضية غائيات النص وجوهر القصدية فيه، هو هل فعلا أن النص الديني مقدس بذاته لذاته، أي أنه يحتوي العصمة الذاتية من التغيير والمس في أتجاه ما يرمي له، وبالتالي قداسته تنبع من كونه لا يقبل أكثر مما طرحه على لسان وعقل السابقين وعلى اللاحق أن يسلم بما وصله كما هو دون محاولة التحرش بالنتائج، أو حتى العودة لمعطيات الفهم السلفي الذي يجب ان نسلم به كوحدة واحدة مع النص, السؤال فعلا يثير الإستغراب عندما يربط السلفيون بين فهم النص وبين النص ذاته بوحدة فكرية جدلية لا تقبل النقاش أو التجديد, النص عقلا وكرافد معرفي قائم بذاته وأنه عالم كوني من عالم أخر، لا يمكن أن يكون مع الفهم الإنساني في وحدة تساوي وتماهي كامل لعدة أسباب، أولا المصدر وثانيا الكيف والكون وثالثا المحل.
في الناحية الأولى مجرد القول بوحدة المصدر لا بد أن نسلم بمقولتين الأولى أن النص بشري بأعتبار أن الفهم بشري وهو مرتبط معه بوحدة المصدر وهذا ما لا يقبله عاقل, أو أن الفهم كوني رباني وبالتالي من شرح فهمه للنص لا بد أن يكون على صلة مباشرة مع الله أما من خلال الوحي أو من خلال طريق أخر, فقط الرسل هم من يتمتع بهذه الخاصية لأن النص يقول بذلك أما غير الرسول فلابد أن يصل للنص كفهم أما عقلا وهنا لا بد من التفاوت كحقيقة لتفاوت العقول، أو نقلا عن الرسول فلا بد للعقل هنا من البحث عن حقيقة هذا النقل وموضوعيته الذاتية, في الشكل الثاني لا خلاف على القبول به لو وجد الدليل المنطقي الذي يؤيد ويقطع باليقين، أما القول الأول فالعملية العقلية تنفي الوحدة الجدلية بين الفهم كأسلوب والنص كفكرة.
الحقيقة النص الديني يعتبر مقدس من خلال كونه كلام الله المنزل بالشكل المعروف والمرسوم باللغة الإنسانية، وهو معصوم من المس وليس اللمس وحيث أن اللمس معنى يختلف تماما عن اللمس في اللسان العربي، فالقدسية تتجسد في معصومية المس به كوننا لا نملك حق التدخل به وليس في شكلية اللمس الحسي, أي أن بسط المعصومية عند الإنسان يجب أن تكون في حدود الحفاظ عليه من المس الفكري التغييري، وأن لا تتعدى هذا المفهوم إلى عناوين أخرى نتيجة التعامل به أو من خلاله.
هنا سنعرف الإجابة على التساؤل من خلال فهم معنى القداسة والمس، الرؤية العقلية لا يمكنها أن تمس النص والفكرة الأصلية طالما أنها أساسا تدعو للتعقل والتفكر والتدبير، وتعمل على الترجمة والتفعيل وتيسير الأمر على الإنسان، ولكن وجودها يكون فاعلا في راهنية الواقع بعد النص، أي في تفصيلات وأليات الفهم وطرائقه، هذا الحال لا يعني حلولها محل الدين بل تعرض نفسها وسيلة تكميلية مع النص تشاركه في الهدف والغائية كما تشاركه في المقدمة والأسس البدوية.
من خلال العرض السابق والأجابة على التساؤلات عن علاقة المستقبل أو صورة الدين والإلحاد في المستقبل، نجد أنفسنا أمام عدة حقائق منها
• لا بديل عن الدين في الوقت الذي يتمسك به الإنسان على أنه خيار فطري بدي وعن قناعات عقلية وحجج منطقية، ولكن فعل المستقبل أيضا يفرض على العقل والواقع أن يكون التعقل الفاعل هو سيد الإدراك الفهمي والحاكم المطلق في تجسيد فكرة الدين.
• أن الألحاد سيواجه صعوبات في فرض منطقه لو تحول الدين إلى الواقعية العقلية ومضى في مشوار التجديد والإصلاح، بمقابل نتيجة معاكسة أخرى أنه سيربح مساحة واسعة ومتعاظمة مع كل فشل يواجهه الدين لو أصر على البقاء في دائرة التقديس والتشكيك من دعوات التجديد والعقلنة الواقعية.
• بغياب رؤية ممنهجة ومدروسة لفك الأشتباك بين من يؤمن وبين من لا يؤمن على قاعدة الحرية ومسئولية الأختيار، سيستمر الجدل الإقصائي بين طرفي القضية وكأنهما يدافعان عن وجود منفصل أو متعارض مع الواقع، فكلاهما التدين والألحاد صورة عملية عن واقع حقيقي وليس أفتراضي، وبالتالي حقائق الواقع لا يمكن أن تدار بمفهوم رفع التناقض بقدر ما تدار بحقائق العقل.
• في ضوء مسيرة الإنسان العلمية والتي بدأت تسلك منحنيات كلية وإشغال حقيقي لكل جوانبه الحياتية، أرى أن المساحة المتبقية لدور الدين والإلحاد تنحصر في نطاق الدراسات والأبحاث الفكرية، أما على المستوى العملي اليومي فلا أظن أن يكون متسع كافي للفرد المؤمن أو الملحد أن يمارس حضوره بشكل تفصيلي، وأن مفاهيم الأختصارات الدقيقية وتقزيم الأحجام الكبيرة أو ضغطها لأقل ما يمكن (المايكورسيزم) سوف يكون تأثيرها واضحا على مسألة التعاطي مع المثاليات والروحانيات والمعرفة المجردة بشكل عام ومنها الدين، لمصلحة تخصيص مساحة أكبر للتمتع بالمنجز العلمي أو محاولة بناء تراكمي له.
الصورة المستقبلية للدين والألحاد أذن ليست مجرد تأملات نظرية يمكن التنبوء بها أو توقعها بناء على سيرورة الواقع الآن وفي الماضي القريب، بل تبقى وفي كل الأحوال عملية قياس للفعل العملي العقلي وما يمكن أن يحدثه في الواقع، هذا أولا والشيء الأهم بعد ذلك ما يمكن أن ينتجه هذا التدخل الإيجابي للعقل في الواقع، فهو أيضا منجز متعلق بالتراكم والصورة النهائية لا يمكن تصورها بالتمام ما لم ينجز التراكم بالقدر الذي يمكن أن نجعله أمتداد حقيقي لمقدمات الفعل، فقد يأخذ أبعادا متنوعة ومسارات مختلفة تجعل العالم الحقيقي يبدو أكثر قدرة على أعطاء العقل دورا حاسما ومحوريا في رسمه وتشكيله من جديد.







اخر الافلام

.. كيف رفض العالم الاسلامي قرار ترمب حول القدس


.. عرض عسكري في بغداد احتفالا بالانتصار على تنظيم -الدولة الإسل


.. اعتداء بزجاجات حارقة على كنيس يهودي في السويد




.. كل يوم - تحية خاصة من عمرو أديب للبابا وشيخ الأزهر بسبب موقف


.. الكنيسة ترفض لقاء نائب ترامب فى جولة إخبارية جديدة مع حسن مج