الحوار المتمدن - موبايل



المكثف حول العنف (2-4)

عقيل الناصري

2017 / 11 / 3
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


المكثف حول العنف (2-4)

اما من الناحية الفلسفية المجردة "... فـيرى ماركس أن تاريخ المجتمعات، هو تاريخ صراع بين الطبقات، الصراع بين من يملك وسائل الإنتاج والخبرات وبين من لا يملك، وقد أخذ الصراع أشكالا مختلفة بين طبقات الأحرار والعبيد (في المجتمعات العبودية)، بين الإقطاعيين والأقنان في ظل النظام الإقطاعي، وفي المجتمع البورجوازي الحديث الذي قام على أنقاض المجتمع الإقطاعي الذي عرف بدوره صراعا بين البورجوازية والبروليتاريا.
ويتضح من الأطروحة الماركسية، أن الشكل الأساسي للعنف في التاريخ ناتج عن الصراع بين الطبقات، حيث إن نمط الإنتاج القائم على الملكية الفردية لوسائل الإنتاج، هو الذي يفسر التعارض والصراع بين الطبقة البورجوازية المالكة لوسائل الإنتاج والطبقة البروليتارية المضطهدة، حيث تكون العلاقة القائمة على أساس الاستغلال، ويرى انجلز أن الصراع الطبقي يولد شكلين من العنف، عنف سياسي وعنف اقتصادي ، وغالبا ما يحدد الثاني الأول، ما دام العنصر الاقتصادي هو أساس تطور المجتمع... (في حين أن) أطروحة هوبز يعتبر أن مصادر العنف توجد في الطبيعة الإنسانية وهي ثلاثة: التنافس والحذر والكبرياء، غير أن هوبز يؤكد أن ما نسميه حالة السلم والهدوء ما هو إلا استعداد لحرب جديدة... ".
بمعنى أن هنالك ظرفاً آخر يرى "... أن ماركس هو على وجه التحديد أول من اكتشف القانون العظيم لحركة التاريخ - القانون الذي يقول أن النضال التاريخي ليس سوى التعبير الواضح ، بدرجة تزيد أو تقل، عن النضال بين الطبقات الاجتماعية - سواء أقام هذا النضال في ميادين السياسة أم الدين أم الفلسفة أم في ميدان آيديولوجي آخر، وأن وجود هذه الطبقات، وبالتالي الإصطدامات التي تقع بينهما، إنما تحددها بدورها درجة التطور وضعها الاقتصادي وطابع الانتاج وطريقة التبادل التي يعنيها إسلوب الانتاج... ". أي بذلك القدر من اختلاف المصالح والرؤى المختلفة.
ومن ناحية أخرى، ترى أحدى رؤى علم الاجتماع، التي أميل إلى مضامينها، بأن العنف في أحدى تجلياته "... لا يوجد بذاته، وأنه، كبياض أفلاطون الذي ليس سوى الأشياء البيضاء، يوجد في تجلياته المتعددة داخل النسيج التاريخي المعقد... لكنه قائم في تصادم الانماط الثقافية، في صعود الثقافات الدنيا على حساب العليا وفي إزدواجيتهما... ". مما يرتب على ذلك أنه "... لا وجود للبياض (العنف) بمعزل عن الأشياء البيضاء. ينبغي الانتقال من المحمول (البياض) إلى الحامل، إلى البنية الاجتماعية - الثقافية في مجرى تحولاتها وتوتراتها، وإن الأديان والمذاهب، والقوميات والأثنيات والطبقات والجماعات والقيم والايديولوجيات، هي سداة ولحمة هذه البنية وهي في حال من النشوء، والتنوع ، والانشطار، والتعدد والتصادم ... ".
لكن في الوقت نفسه هذا لا يمنع من أن يكون العنف في بعض الحالات غاية بحد ذاته، إي يتحول من (مولدة للتاريخ) إلى (تاريخ قائم بذاته)، عندئذ فإن السلطة القامعة (مهما كان شكلها ومستواها وطبيعتها ومنظومة قيمها المعيارية)، تبحث عن مؤسسة تخصصية قمعية تنفذ هذا الجانب. وبالأضافة الى تلك المؤسسة المعينة، فإن السلطة غالباً ما تبحث عن غطاء تبريري لسلوكيتها، سواء أكان نفسياً أو/و اجتماعياً أو/و حقوقياً أو/و سياسياً بل حتى فكريا، بل وحتى دينية وسواء أكانت حالة واقعية أو مختلقة، تخلقها ماكنة مؤسسات القمع ذاتها.
وغالباً ما يصنع التبرير، وبالاخص في الدكتاتوريات والدول التسلطية على مختلف اشكالها، (الدولة الدينية القروسطية، الدولة السلطانية، الدولة الفاشية، الدولة الطائفية ودولة العسكر) من خلال (الخوف من ذات العنف بحد ذاته)، مما يبرر شكلياً بناء علاقة ذات طابع سايكولوجي تؤسس لذاتها من خلال عبارة: (التعرف عن الذات في عنف القاهر)، إذ غالباً ما ترسم طبيعة العلاقة بين القامع والمقموع ، القائمة على الصراع والتنافس، ومن ثم التسبيب أو التحقير وما ينبثق عنها من حيل: كالتذلل وإستشراء القامع. هذا التذلل يصل إلى درجة مسخ الذات البشرية والاجتماعية والمعرفية لحد التلاشي، واضمرار النفس لحد أن تصبح جزءً من ماكنة سلطة القمع الشمولية. وما مارسته سلطة حزب البعث التسلطية القامعة عند إغتصابها للسلطة عبر الانقلابية العسكرية سواءً في عام 1963 وبين عامي 1968- 2003، إلا دليل على ما ذهبنا إليه.. لآنها مارسة السياسة بالمفهوم الوحشي والافتراسي، كما أسلفنا، لأنه في أحشاء هذا الفهم تكمن وتترعرع مشاريع الفتن والحروب الأهلية وتتخلى السياسة عن أن تكون منافسة زظيفة بين المكونات الاجتماسياسية.
وأعتقد، ضمن ما توصلت إليها معطيات النظرات الحديثة من أن العنف هو نتاج للظروف المادية المحسوسة المحيطة بالواقع الاجتماعي، أكثر من كونه نتاجا للقدرية الغيبية أو الغريزة أو نتيجة جينات وراثية، كما تتبناه مدرسة التحليل النفسي بشكلها التقليدي- الفرويدي، رغم "... أن كثير من العلماء لا يؤمنون بالمفاهيم التقليدية والفرويدية للعنف الغريزي، إلا انه من غير الصحيح نفي أي دور للعوامل البيولوجية في العنف. هنالك دراسات أظهرت تأثير الوراثة على درجة اندفاع الفرد لممارسة الجريمة. مع ذلك فإن الافراد الذين توارثوا ميلاً قوياً نحو ممارسة الجريمة لم يكونوا دائماً في عالم الجريمة بل أظهروا ميلاً لممارسة الجريمة في ظروف اجتماعية خاصة فقط...". فالعنف في الواقع هو "... نتاج للتداخل المستمر والتفاعل بين المؤثرات الخارجية على الكائن وتلك الاستجابات التي يؤديها ذلك الكائن ... وهذا يعني أن البيئة تكون مندمجة بالحالة السيكولوجية... وعندما نتعامل مع عملية تاريخية من هذا النوع، فإن نسبة الاستجابة النفسية التي يمكن أن تعزى للوراثة تكون غير واضحة بالتأكيد... ". بخاصة إذا علمنا أن أهم محددين في الشخصية الانسانية هما:
- العامل الوراثي ويتضمن تركيبة الدماغ وتوازن الهرمونات وما يرثه الفرد من صفات أو استعددات عبر الجينات حتى أن الفرد يرث استعدادات سلوكية كالغضب والانبساط؛
- العامل الاجتماعي الحضاري (الثقافي). وهذا يقوم على افتراض أن شخصياتنا ومعتقداتنا واتجاهاتنا، هي مكتسبة من الآخرين. وأن من المستحيل فهم الشخص بشكل كامل دون فهم ثقافته أو حضارته وهويته العرقية وعوامل اجتماثقافية وموروثاتها الفسفية والسيكولوجية .
- ويمكن أن نضيف عامل آخر وهو العامل النفسي، إذ تشير "... الدراسات النفسية إلى أهمية الجذور العميقة للأفرادوالتي تمتد إلى أيام الطفولة والشباب الأولى وإلى طبيعة العلاقات الاجتماعية في المراحل المبكرة من العمر من عائلته أو مجتمعه. وأشارت تلك الدراسات إلى أن المشاعر الناتجة من هذه الجذور تؤثر لا شعمريا في دوافع الفرد وتصرفاته وميوله عند البلوغ... "
وبالإضافة إلى ما ذكر ولأجل، كما يقول كارل ماركس، "... فهم حالة الفكر (الدماغ) في كل عصر فحسب، ومن أجل تفسير أسباب سيادة هذه التعاليم وليس غيرها في عصر ما، يجب على المرء أن يتعرف على حالة الأدمغة في العصر السابق، وان يعرف التعاليم والاتجاهات التي سادت آنذاك. بغير ذلك لن نفهم الحالة الفكرية لعصر ما، حتى لو تعرفنا على خير وجه على اقتصاده... ".
وعلى ضوء ذلك فيمكن إجمال العناصر المحددة لسلوك الإنسان بـ : العناصر الطبيعية التي لا دخل للبيئة الطبيعية في تكوينها ؛ والمكتسبة وهي الصفات الناتجة عن تأثيرات المحيط الاجتماعي سواءً الفكرية أو النفسية والعقائدية والموروث السيسيولجي والنفسي.
بمعنى آخر، ليس من الدقة العلمية والموضوعية تفسير أية ظاهرة بعامل واحد، بل بالضرورة بجملة من العوامل الاجتماعية المركبة ذات العلاقة الجدلية ( أرأسية، ورئيسية، وثانوية ) التي تؤثر على العلاقة بين أطراف المعادلة التالية:
- السلطة والفرد ؛
- وبين السلطة والجماعة ؛
- كذلك بين الجماعة والجماعة.
لذا، فضمن التجليات العامة. فـإن "... أسباب الميل إلي العنف عديدة ومتنوعة، فبالإضافة إلى العوامل البيولوجية والبيئية، فإن أصول العنف، عند الإنسان تعود بدرجة كبيرة إلي تراثه الاجتماعي الثقافي والعلاقات التاريخية بين المجتمعات المختلفة وتطورها. فمعظم المجتمعات تقر بالعنف بدرجات مختلفة وتفرضه على أساس أنه ضروري... " لحياة المجتمع واستمرار تطوره. كما أنه في كثير من المنعطفات الحادة والانتقالات النوعية للمجتمعات يتجسد دوره في كونه (مولدة التاريخ).
علماً بأن الموروث الديني، وبخاصة الأديان السماوية، لها دورا كبيرا في انتشار العنف وتعمق أساليبه وتعدد أشكاله "... والغريب في الأمر، أن السيكولوجية العراقية والإسلامية... أشاعت العنف وجعلته الوسيلة الوحيدة لحل النزاعات ولإجبار الخصوم على الطاعة والخضوع, وكانت لا تلجأ إلى التفاوض والحوار إلا بعد أن تقطف السيوف رؤوس أفضل ما في القوم. وهذه خاصية سيكولوجية في العنف. أنها تغلق كل نوافذ التفكير وتحشد كل قوى الحقد والعدوان بإتجاه الانتقام... ".
أي من الضروري مراعاة القوانين العامة للتأثير المتبادل بين الوجود والوعي الاجتماعيين، مع الأخذ بعين الاعتبار الاستقلالية النسبية للأخير، بإعتباره البناء الفوقي للقاعدة الانتاج الاجتماعي في تجليات استمرارية ارتقائها باعتبارها نتاجاً لجملة الظروف المؤثرة في صيرورة نشوئها وسيرورة تطورها. فإلى جانب الوسط الاجتماعي، بإنتاجه المادي والفكري الخاص به والمتطابق مع بنية تركيبته الاجتماعية، يؤثر الوسطان الطبيعي والتاريخي، ويؤدي كل ذلك إلى إمكانية تفسير معتقدات وأوضاع وعي الناس الاجتماعي، التي تتوقف مضامينها على وفق ماهية ذات التشكيلة الاجتماعية وأسلوب الانتاج. بخاصةً إذا علمنا بأن "... فوق الأشكال المختلفة وفوق شروط الوجود الاجتماعي، تنتصب بنية فوقية كاملة من المشاعر والأوهام وطرز التفكير والتطلعات الحياتية المختلفة. إن الطبقة بأسرها تخلق وتصوغ هذه المشاعر والأوهام وطرز التفكير والتطلعات الحياتية من أساسها المادي والعلاقات الاجتماعية المطابقة لها... " .
ولكن في الوقت نفسه فإن البشر يميلون إلى التضامن، منذ بواكير الانسان القديم وبخاصة عندما كان آنذاك لا يدرك لغز المحيط الطبيعي وعدم معرفته به وضعفه أمام قوانينه وسننه وظواهره، مما ولد لديه الشعور بالضعف، وأخذ يتحايل عليه بعبادتها تارة أو/و بالتضامن مع أقرانه تارة أخرى، أي أيجاد ما هو مشترك في الغائيات والوسائل، متخذةً من المصالح إطارها الأوسع، رغم الاختلاف في مفهوم التضامن بين علماء الاجتماع .
الهوامش والمصادر

11- مستل من موقع http://edorous.com/philosophie-
12- انجلس، مستل من مقدمة انجلس للطبعة الألمانية الثالثة عام 1885، الثامن عشر من برومير لويس بونابرت، المختارات في 4، ص.136.دار التقدم ، موسكو ، التاريخ بلا.
13- من مقدمة عباس بيضون إلى كتاب د. فالح عبد الجبار، في الأحوال والأهوال، المنابع الاجتماعية والثقافية للعنف، ص.6، الفرات ، بيروت، 2008.
14- د.فالح عبد الجبار، المصدر السابق، ص.15.

15 - د. محمد الربيعي، العنف والعدوان بين التأثيرات الاجتماعية والوراثية. جريدة الوفاق، الأعداد 262 - 264 في أبريل 1997.
16 - د. قاسم حسين صالح، الشخصية العراقية، ص. 36، مصدر سابق.
17 -د. موسى محمد آلطويرش، القائد السياسي في التأريخ المعاصر،ص. 29، مؤسسة مصررمرتضى، بغداد 2009.
18- كارل ماركس، الثامن عشر من برومير لويس بونبارت، مصدر سابق.
19- للمزيد راجع ، المصدر السابق.
20- قاسم حسين صالح، الشخصية العراقية، ص. 44، مصدر سابق.
21 - كارل ماركس، الثامن عشر من برومير، مصدر سابق.
22 للمزيد راجع علي طاهر الحمود، العراق من صدمة الهوية إلى صحوة الهويات، ص. 124، مؤسسة مسارات للتنمية الثقافية والاعلامية، بغداد- بيروت 2012.







اخر الافلام

.. علي العنزي: البيان سحب البساط من تحت الذين حاولوا تشويه صورة


.. ماذا أبلغ ضابط سي أي أيه RTARABIC قبل أربعة أيام من اعتراف


.. بكتيريا الأمعاء قد تكون وراء عدم خسارتكِ الوزن




.. خالد باطرفي: السعودية كانت حريصة على التوثق من الحقائق قبل إ


.. خبير بالشؤون الأميركية: الإعلام القطري استغل قضية خاشقجي محا