الحوار المتمدن - موبايل



من إشكاليات العقل الديني التقليدي

عباس علي العلي

2017 / 11 / 5
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


إشكاليات العقل الديني

يبقى العقل الديني بمعناه منظومة الفكر المبني سلفا على تنظيم معطياته ونتاجه على التمسك بالقاعدة الإيمانية التي يتبناها وفقا لمعيار أساسي يتمثل بالتقيد بما هو مشرع فوقي له، هو موافقتها او مجافتها لما يفهمه من أنه شرط حدي يرجع فيه كل شيء (للدين) والدين وحده هو من يجيز له أو يردعه عن فعل ما أو أمتناع منصوص عليه, إذا العقل الديني هنا لا يفصل بين ما هو شخصي وذاتي له وبين ما هو موضوعي ديني لأن حقيقة التدين تتطلب ذلك, بمعنى أنه يسلب خياراته الإنسانية التي جعلها الله أساسا في دائرة الحلال الأكثري وأيضا في دائرة المباح المسكوت عنه والذي يمثل في الحقيقة المساحة الأوسع من متطلبات التوافق والعيش في الوجود, ليضيق هذه المساحة بحيث يجعل الأقلي القاعدة والأكثري الإستثناء.
في فتوى لأحد رجال الدين كمثال توضيحي عن ممارسة الرياضة أفتى بأنها (حرام) بناء على قاعدة ما يلهي عن ذكر الله فهو حرام, ولم يبني على قاعدة علموا أولادكم السباحة والفروسية ووو, ولا يستند أن الرياضة كجزء من الممارسة التي تحفظ الجسم سليما ليكون فيه العقل أكثر سلامة، المهم أن الإستدلال كان خارج المنطق الديني ذاته، حيث أن المحرم لا يقاس عليه بل محكوم بالمطابة التام لعلة التحريم بالنص أولا والتقيد بأن حلال النص حلال وحرام النص حرام بلا تأويل ولا تشديد على ما لم ينص عليه بذلك.
هذه الإشكالية ليست وليدة التفكير الإسلامي لوحده بل نجمع على أنها مرتبطة بكل أشكال التفكير الأيديلوجي المبني على عنصرية الفكرة، وطرحها بأعتبارها تمثل قيم الأنا المتضخمة كما عند الكثير من الأفكار الشمولية، حيت يحصر رأي المفكر حركة الوجود وتفسيراتها وتبريراتها بما يؤمن به ويعتقد, وكأن الرب الذي نظم هذا الكون هو من أيضا مؤمن بهذه الأيديولجية أو الفكرة , المتدين حينما يربط كل شيء بتفسير ديني يسيء للدين ولله أولا، ويسخر من عقله لأن الله تعالى لا يفعل ذلك وينص عليه لمجرد أنك تؤمن بذلك أو تعتقده.
الله كما في قواعد وأسس الفكرة الدينية المجردة هو رب الناس كلهم، ويتعامل مع الخلق جميعا بمعيار واحد بأنه مسئول عن الجميع والجميع مسئول عن خياراتهم, المسئولية هنا ليست مركزية بالكلية كما هي ليست فوضوية للحد الذي لا يفرق بين الذاتي والموضوعي, هناك نظام تكليف وهناك نظام تعريف والتكليف كما نفهم هو في الجزء الإسترشادي العقلي والتعريف أيضا في جزء منه يخضع له التكليف, بمعنى لولا الوعي التعريفي لم يعبد الله حقيقة كما لم يقبل بحقيقة الدين أصلا.
الفرق بين التكليف والتعريف من حيث المصدرية أن الأول منصوص ومخصوص ومتقصد بذاته من طرف الديان وموضوعي نفعي بالنسبة للمتدين، بمعنى أن التكليف فيه جانب إلزامي بالتعاط أو بالترك وهو ما يعرف بالطاعة أو الجحود كمثال جزئي لمن يؤمن, وهما أبديان مع أبدية النص يدوران وجودا وعدما به ومعه, وحيث أن النص محكوم بقاعدة أن المطلق يسري على أطلاقه ما لم يقيد بنص أخر مساوي له بالقوة ومن ذات المصدر، وبالتالي لا يجوز تقصير أو تمديد حكم النص برأي أو قراءة ذاتية أعتباطية لنص أخر أو مورد أخر، وإلا عد ذلك تدخل وتحديد في حق المشرع في فرض حدي الإلزام, أما التعريف فهو ما لا يجب أن يتحدد به أحد أو شرط التنصيص فيه كملزم, مثلا لا يتوجب على الشارع أن يبين المباح والحلال بنصوص لأنها بالأصل ستعرف من خلال مفهوم المعاكسة لها.
الزنا كفعل منهي عنه وجوبا لأنه منصوص عليه ومعرف بالنص هو حرام قطعا، وليس كل ما يسمى زنا عرفا أو أعتقادا أسترساليا ويشابهه في الوصف عند من لا يؤمن بالنص الديني ولم يلتزم به كزواج بعض المجتمعات التي لا تعتقد أو لا تسطره كما في العقيدة الدينية، فهو عندهم شرعيا حسب معتقدهم الخاص وليس لأنه مصداق للزنا عند المتدين، فالحرام هو كل فعل من نقطة الوصف وصعودا وليس نزولا عنه حتى عند المتدين, فما هو أشد تأثيرا من الزنا حرام والأقل منه ما لم يسمى عادة زنا فهو مباح بقدر ما يتجنب حقيقة الوصف.
هذا التقسيم لا يعيه العقل الإسلامي بل لا يعترف به ولا بنتائجه العملية لأنه بني حراكه وتحركه على التحوط السلبي من أنتهاك الحرام وبصورة شمولية وليست على مبدأ لكل حال مقال، هذا إذا كان حسن النية أصلا ويريد أن يطبق الدين كما هو في جوهر فكرته المجردة، وأما إذا كان متعمدا قصديا فهو يبني على قاعدة المشكوك في حكمه حرام حتى تتبين جليا حليته، وهذا أيضا مناقض لقاعدة الأصل في الأشياء الحلية والبراءة.
من هنا لا يمكن أن يتحرك العقل الديني نحو إبتداع مفاهيم وأفكار جديدة لأنه مبتلى بالفرز ومجهد حاله في وضع حدود ضخمة للفرز بين اللونين المتناقضين، دون أن يتذكر أن الحياة ليست بيضاء تماما كما هي ليست سوداء خالصة, بل هي مزيج متعدد من الألوان والافكار والروى، جميعا تشترك وتشارك في بناء العقل بقدر أو بأخر .
الفكر الإسلامي الذي يتخذ من تطبيق الرؤية الرسالية بمقاصدها الحقيقية والمبنية على إرادة الإنسان أولا في الإيمان أو ضده، لا يمكنها أن تتبلور ككيان مستقل وحقيقي وجاد له أبعاد وسمات إنسانية تنحاز للإنسان كقيمة وجودية أولى، ما لم يتخلص من غطاءات التجربة التأريخية التي نشأت تحت جلباب البخاري وجبة الكافي, وعليه أن يرجع في قرائته إلى نص القرآن الكريم وحده معتمدا على منهج المقاصد المتعددة والأحتمالات التأولية التي تجنح نحو مصلحة الإنسان وتترك ما لله من احكام بعهدة النص, أي بمعى أخر بناء الفكرة الإسلامية الجديدة يكون أن تكون بمنطق ماهو أحسن وما هو أخير، وأن لا تتشدد في تعظيم عامل الخوف والرهبة من خلال صبغ النص بسوداوية الغضب وجعلها مقدمة للإيمان، ولكن بطرح جمالية فكرة الله المحب الرؤوف السهل العطوف صاحب كتاب الرحمة أولا .
التسليم بأن النصوص المشكوك بصدقيتها يمكن معالجتها من خلال أستخدام منهج تفحصي يسمى (الجرح والتعديل) لبان قربها أو بعدها عن النص المحكم، لا تعدو أن تكون محاولات ذاتية منتسبة لنفس منظومة الفهم الأساسية، وهي خيارات بشرية تعتمد جملة من الأسس المستندة لمقدمات الإيمان الذاتي للفاحص ولن تشترك مه جوهرية النص المحكم، فأي محاولة لمنح النص صدقية قياسية أو تناظرية بناء على هذه الطريقة ما لم نحدد أولا سقفها العالي والواطيء لتتطابق السقوف مع جوهر الكرة الدينية أصلا تبقى متهمة بحياديتها وتجردها عن الأهواء الذاتية.
هذا لا يعني أبدا أن النص الممنوح هذه الصفة هو نص حقيقي يمكن البناء عليه ولكن يمكن عده جزء من منظومة تخضع للنقد والتجديد الفهمي كلما وجدنا أن هناك تعارضات أو تناقضات بين مؤديات النص المصحح وبين واقع النص المحكم, ويبقى مع كل الجهد المبذول مجرد أحتمال يقبل النقض طالما أنه لا يطابق نسقية الفكرة القرآنية ويخضع لها كليا, وبما أن الأحتمال الظني يبطل الإستدلال اليقيني يبقى للنص قيمة ذات دلالات فكرية بشرية فقط، تقترب وتبتعد عن حكم النص القرآني بمقدار ما تتطابق مع المنهجية التي تحكم النظام المعرفي والفكري لكتاب الله, وبعيدا عن حشر الأسماء والمسميات مع النص أو بدونها يبقى ما ورد مكتوبا ومحفوظا ومعصوما من الخطأ هو المقدم في التسليم والمعول في البناء والأستدلال .
صحيح أن البعض من الروايات التي جاءت ونقلها البخاري والكافي تتوافق بالعموم مع النص القرآني وتنساق تماما مع منهج الرسالة, ولكن هذا لا يعطي مجمل البخاري ومثيله ولا يتيح للكافي وأمثاله أن يتسيد الساحة الفكرية الإسلامية بأعتبار أن ما فيه هو ما يصلح لأن يكون مادة للفكر وقواعد بناء, ولا يعني أبدا وجود جزء صغير منه صحيح أن نضفي على ما تبقى صبغة الصحة اليقينية بناء عليه, الفكر عموما عندما يؤسس على قواعد مختلفة في النوعية والكيفية، لا نضمن لهذا البناء السلامة والتوافق مع الأصل الأول لها، ولا نضمن أيضا أن ما سيخرج سيكون مطابقل للحقيقية المراد أخراجها, الوضع والكذب والتحريف والتزييف ساهت إلى حد بعيد في توجيه العقل الإسلامي نحو مرادات تخالف النص القرآني ومقاصده، وبالتالي ساهمت بشكل مؤثر في تغيب العقل وتغريبه وتوجيهه نحو الكفر بدل الإيمان .
إن الدعوى التي أطلقها اليوم هي الخروج التام والنهائي من كل منظومة الحديث سواء أكان منها ما ورد في الصحاح او المنتخبات، وحتى الصالح منها بمقاييس النص القرآني يجب أن لا تعتمد مصدر تشريعي ثاني، بل فقط لأعتبارات أنها مجرد دلالات فكرية أستئناسية لبيان تأويل النص وتعزيز الفهم، دون منحها حق تأسيس مفهوم الحكم والتقيد العملي به، لأن الحكم لله وليس حتى للرسول بصفته بشر معصوم، ولكن من جانب أخر ننظر له أنه يستقي أساسا روح النص الصحيح من المنبع الأصلي القرأن الكريم الذي أحاط بكل شيء علما لتوضيح ما يجب أن يوضح من النص المحكم, هنا يمكننا وخلال فترة قصيرة نسبيا مع ألتزامنا بالمنهج الجديد أن نخضع العقل الديني الإسلامي لمضامين أصلية، تدفعه لأنكار الكثير من التسليمات القديمة والتي بنيت على نصوص منحرفة مجرد أن من أوردها سماها بالصحيح .
حين أكتشف البعض أن الكثير من اساسيات بناء عقيدته الدينية محل شك وتوهم وأحيانا أنحراف، حاول أن يجد التبريرات التي سيقت له على أنها أصول محكمة ذات قيمة يقينية عالية فأمن بها، وأدرك أخيرا أنه لا يمكنه أن يقنع نفسه إلا بالمواجهة لأنه سلك طريقا مخالفا للعقل وعاد للقراءة من جديد, فتبين له بالإعادة مبدأ الأفادة وعليه أن يتخذ موقفا عقلانيا وإيمانيا تجاه الله ونفسه ...البعض أصر مكابرا وأتهم عقله بالتقصير ولجأ إلى عقل الأخر ليقنع نفسه وهو مخذول أنه على الصراط المستقيم، ولما تبين له تناقض الخيط الأبيض مع الخيط الأسود إزداد طغيانا وتعنتا ....
هذه الفئة الأخيرة من الذين واجهوا الحقيقة بالهروب منها والتخلي عن خط الحرية والعقل، كان من الممكن أن يكونوا مشروع إنسان مؤمن حقيقي بعدما أكتشف الخطأ، لكن إصراره على المتابعة لا بد أن يكون بسببين، الأول خشيته من أن يكون غير واثقا من عقله، أو أنه لا يملك الشجاعة العقلية ليرمي خلف ظهره كل ذلك التأريخ الذي كان من إيمانه المحرف، هذه الخشية والفشل هي التي حولت خطيئته إلى ما يشبه القنبلة الموقوته التي ستنفجر وتفجر غيرها.
الإشكالية الأخرى في العقل الديني تتمثل في تبنيه عقدة الأفضلية والخاتمية والأصطفاء الرباني لدينه وللمتدين معا، فهو لا يمكنه أن يهضم أن هناك فكر وعقلة ونظرية يمكنها أن تنافس أساسيات إيمانه أو جوهر فكرته، ليس لأنها بالمقارنة والبرهان ثبتت عنده هذه الإشكالية، ولكن لأنها وردت في عموميات النص فالمقصود فيها عموم الحالة الإيمانية، اليهودي مثلا يرى أنهم شعب الله المختار وأن غيرهم مجرد عبيد لأسيادهم، ذات الفكرة عند المسيحي عندما يؤمن بمقولة (من أمن بي ومات فقد مات مسيحيا) أي خاليا من الذنوب والأثام مهما فعل أو مهما كسب، هذه القضية مكررة في فكر المسلمين (كنتم خير أمة أخرجت للناس)، عبء الخروج من الفكرة أصعب لديه من عبء قرائتها كما هي بدلالاتها القصدية والمعنوية وبحدو ما جاء بالنسق البنائي للمنظومة كاملة.
عندما تؤمن أنك فوق الجميع وأمامهم حتما لا يمكنك أن تشاركهم في المسيرة ولا يمكنك النظر إلى ما حولك وحولهم، لتتعرف على ما يمكن أن يكون قد فاتك أو غاب عن النظر، هذه النظرة تشكل نوعا من أنواع العنصرية ضد الأخر وتبني بينك وبينه سدودا وجدرانا لا يمكن لنا أن تخترقها بسهولة، لذا فشعار التسامح والتواصل والمشاركة الكونية تبقى كلها مجرد كلام خال من المعنى وفارغ من المحتوى، وهنا تتقاطع الإنسانية ويتحول المجتمع الكوني إلى كانتونات متناقضة متحاربة لأن كل منها لديه عقدة تفوق تستحقر الأخر وتقصيه.
أرتهان الفكرة الدينية للعقل المتدين بحدوده عرقل من قدرة النص على منح الفكرة حرية الحركة في فضاء القصد الذاتي له، فمن خلال القراءات نجد أن النص لم يكن قادرا أن يسير وفقا للهدف المعلن منه، قد يكون تعدد القراءات مفيدا لأخراج قصديات النص الحقيقية بتكامل الأفكار والمخرجات ما بين القراءات، ولكن ما نراه بحصر القراءات على مناهج مؤطرة لا ينفع في أستنتاج ما هو أكثر قدرة على التجسيد الفعلي لحرية العقل في البحث عن أفاق النص وأفاق ما بعده، هذه الإشكالية جسدتها مأسسة العقل الديني وحصره في نمط معلن يسير على طريق واحد لا يمكن تجاوزه وإلا أصطدمنا بتهمة الهرطقة والتكفير.
ما تقدم من كلام يمثل جزء أساسي من إشكاليات العقل الديني وهو يتعامل بنصوص محكمة، لكن النتائج التي تبنى على ما هو محكم من المفترض العقلي أن تخرج محكمة وفي ذات السياق الذي جاءت فيه، فليس من المعقول ولا من المنطقي أننا نرى اليوم المخرجات الفهمية والقرائية تتنوع وتتناقض فيما بينها وكأن النص مطاط وقابل للتوظيف بعدة أتجاهات في آن واحد، دون أن يكون هناك رابط بينها أولا وبينها وبين النص الأصلي وفكرته الأساسية ثانيا.
سيقى العقل الديني على تناقضاته مع الواقع ومع النص ويشكل حاجز مانع من تسخير الفكرة الدينية لتلعب دور المحرر العقلي لمدراك وأستفهامات الإنسان وهو يواجه إشكالياته المزمنة، السبب لا يعود بالتأكيد للنص بقدر ما يعود للهالة الجنجلوتية التي يطرحها الفقيه والروائي التأريخي في محاولة تغريب النص، ومن ثم الإدعاء بأن هذا الفن المعرفي لا يناله الإنسان العادي بمفرده دون أن يكون هو الوسيط والمعبر إليه، وبذلك صادر مهمة العقل الفردي الطبيعي لصالح العقل المتمسك بمقدمات ومناهج تفردية ذات أيديولوجية منغلقة على ذاتها.








اخر الافلام

.. ممثل الأوقاف والأزهر: ترشح السيسي لفترة ثانية يبقى مصر بلد ا


.. أخبار عالمية - #حمزة بن لادن: لا يملك شيئا سوى إرث والده


.. -قائمة الخمسين- تشعل الجدل بشأن -الإخوان- والفتوى في مصر




.. كوارث مستمرة في العراق .. في ظل الأحزاب الإسلامية


.. قلوب عامرة - لماذا تحية الإسلام هي السلام عليكم ؟