الحوار المتمدن - موبايل



من إشكاليات العقل الملحد

عباس علي العلي

2017 / 11 / 6
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


إشكاليات العقل الملحد
كما للعقل الديني إشكاليات تمس مظهر النتاج المعرفي وجوهره وخاصة في ما يتعلق منها بجانب تجسيد فكرة الدين، أيضا للعقل الإلحادي أو ظاهرة الإلحاد هناك إشكاليات فكرية لا تقل خطورة ولا تأثيرا على الواقع المعرفي لعموم المجتمع الإنساني، منها ما هو مشترك مع الكثير من الفكر المعرفي الذي يتجنب المثالية الفكرية أو يحاول التقرب منها لفهمها، ومنها ما هو ملتصق ومستلزم للفكر الإلحادي على وجه الخصوص.
من أبرز الإشكاليات التي يتصف بها عموم الفكر المادي بكافة مذاهبه وأصوله أنه يضع عنوانا خشبيا غير قابل للتحريك أو التوظيف ما لم يمر من خلال نفس النظرية المادية، فهو لا يؤمن بوجود نظير أو مواز أو مضمر حتى مع قانون المادة، المادية تتجه دائما صوب التجريد التام للوجود من جوانبه الأخرى وتنظر له بأحادية مفرطة، وعندما تحاول أن تخترق هذه الفكرة كي تفهمها على حقيقة الوجود تجد نفسك في متاهات الجمود التي لا تنتج في النهاية إلا فكر أعرج يسير بساق واحدة وينظر بعين واحدة.
الفكر المادي بالأعم الغالب يتخذ موقفا هجوميا سلبيا من كل الأفكار الأخرى ويحاول دوما تفسير الحركة الوجودية كأنها حركة المادة فقط دون أن يفسر لنا لماذا تتحرك المادة بهذا القانون وحده؟ ومن جعل لهذه الحركة وجود أصلا، فإذا كانت المادة مجردة غير عاقلة كيف لنا أن نحكم بقدرتها مثلا على تبني قانونها ومن ثم السير عليه بأنضباط، الجواب يأت دائما أن حركة الوجود في المادة وحركة المادة في الوجود هما إنعكاس لقدرة كل منها لتحريك الأخر، أو هما أستجابة أساسية للتشكيل الأول بكيفيته المجردة دون تدخل خارجي.
بمعنى أن المادة عندما وجدت نتيجة وضع طبيعي كان لا بد أن ينتج ما أنتج لها من ضوابط الحركة والكيفية والكونية التامة، فإنها أصطنعت بتلك العوامل أو خضعت بموجب تلك المعادلات إلى نسقية ونمط حركي لم تعد قادرة أصلا عن التفلت منه، وهذا يعني أن الوجود الأول بذاته هو الذي فرض الحركة وخياراتها وقوانينها النهائية، وبذلك أنتظم الكون الوجودي كله أستجابة لما حدث في التكوين الأول بعد أن تحولت الفوضى إلى نسق منتظم سار عليه الوجود.
هذا التبرير وإن كانت موارده العقلية صحيحة ولا خلاف بين العقل والعلم والإيمان عليه، لكنه يبقى ناقصا من جهة لا يستطيع الماديون رتقها أو أعطاء تفسير علمي وهم المؤمنون أصلا بأن المادة لا تفنى ولا تستحدث، الجواب الذي ينتظره المؤمن من المادي يتعلق بالمحرك أو الفاعل الأول، يرد المادي بذات السؤال ومن هو الفاعل والمحرك الأول الذي أوجد أو سبق وجود الله، هذا المشترك الأستفاهمي بين الأثنين يبين لنا حقيقة أنهما ينطلقان من مجهول واحد لإثبات معلوم واحد.
فلا المادي يملك إجابة حاسمة وقاطعة تلجم ما عداها ولا الديني لديه معطيات عقلية للإجابة الجازمة به سوى ما تلقاه من مصدر غيبي أمن به، هذه الإشكالية تعني من جهة أخرى أن العقل بكل توجهاته لا يملك الإجابة وبالتالي فلا تفضيل بينهما وإنهما على مستوى واحد من عدم العلم اليقيني بها، هنا يمكننا أن نشير إلى حقيقة مركزية وهي أن الحياة التي نعلمها والوجود الذي نعيش فيه مرتبط بعنصر لا يمكن تجاوزه على أنه غير قابل للتحقق منه، كما لا يمكننا تركه لأنه جزء من إشكالية وعينا منذ بداياته وتكيفيه وتشكيله الأول.
إذن موضوع الإيمان بفكرة ما أو نقيضها ليست مشكلة الفكرة ذاتها بقدر ما هي مشكلة العقل الإنساني بذاته، عليه فرفض الأخر كفكرة لا يعني أن العقل يمكنه أن يقبل هذه الحالة بعلاتها، فكما أن الملحد من حقه أن يتمسك بالقدر الذي يقبله العقل من تسليماته لا بد أن يمنح نقيضه هذا الحق ويحترمه، لأن كلا العقلين مرتبط بما قدم له وبظروف تمسكه بالقراءة الذاتية، هذا الأمر غير متوفر بكامل حضوره في العقل الإلحادي ولا يختلف بذلك عن العقل الإيماني أيضا.
الإشكالية الأخرى التي يعاني منها العقل الإلحادي مع عدم إيمانه بالخط الفكري الديني، إلا أنه يعترض دوما على ما ورد في أفكر تلك المنظومة على أنها تعدي شخصي ضده، فهو مثلا يرفض الجزاء الأخروي ويرفض وصف عذاب الكافرين والخ من القضايا التي يتضمنها الدين، المفروض أنه لا يؤمن أساسا بالمقدمة فلا أظن من المعقول أن يعترض على نتائج تلك المقدمة، وبدل ذلك عليه أن يقدم فلسفته هو وفكره هو على أنها منظومة متكاملة بدل إشغال نفسه في تفنيد النتائج، هذا يضعه من حيثلا يعلم خارج منظومة الإلحاد ويصنع منه مؤمنا سلبيا بصيغة أخرى.
الكثير من الملحدين وخاصة الذين يزدرؤون الأديان ويتخذون منهج الإقصاء، لا يملكون قاعدة فكرية واضحة يمكن أن تؤشر لنا مقدار وحدود الفكرة الإلحادية لديهم، فهم بالغالب أما يواجهون ضغوطا نفسية من إنعكاسات تصرف العقل الديني، أو أنهم يتبجحون بإلحادهم للهروب من حالة إيمانية محددة، الإلحاد بالرغم من كونه فلسفة قائمة بذاتها فهو أيضا موقف من الحياة كلها، ومن لا يملك موقفا بينا لا يملك فلسفة حقيقية تعبر عن رؤيته الذاتية للعالم والوجود.
هذه الإشكالية أيضا وإن كانت لا تتعلق بأهل مذهب الألحاد الحقيقي ولكنها تشكل عبء مضاف عليهم، ومن واجب المتنورين من كلا النقيضين أن لا يتم الخلط بين الملحد الفكري صاحب المشروع المقترن برؤية متكاملة ومن أهل العقل الديني الذين يهربون من تناقضاتهم بأتجاه مسمى الإلحاد، وهم يعيشون عالمهم الديني بالمضمر النفس والوعي اللا مباشر في حالة من عدم التوازن انفسي والعقلي، وعليهم واجب أخلاقي وفكري أن يتم تعرية هذا النموذج المتناقض الذي يسيء ويشوش على التنافس العقلي والمعرفي المنتج بين التيارين، مما يساهم بتقليل الأحتكاك وتقليل مساحة الرفض والرفض المقابل بينهما.
إن قضية الإلحاد لا تعني أبدا أننا يجب أن نخوض حروبا بين الإنسان والإنسان الأخر، وأن لا نجعل مسألة الإيمان هي الشغل الشاغل في حياتنا ونترك الواجب العلي من وجودنا، لأن هذا الإنشغال يستنزف طاقات العقل وقوته وقدرته في إدارة صراع غير منتج وغير مثمر في النهاية، فلا الملحد أزاح الرب من مكانه ولا المؤمن الديني أستطاع أن يغير من قوانين الكون وطرق حركته، القضية في ذاتها لا تمثل أي حركة بأتجاه الواقعية العقلية التي تستبطن في وجودها حركة الكمال البشري والأخذ بيد الإنسان نحو المستقبل، الذي يتكفل لوحده بأن يشرح لنا كل ما لم نستطيع إدراكه الآن من واقع نرى فيه ومنه أننا على خطوات أو نكاد نفقد الدليل على ما فيه.
ومن ما يؤخذ أيضا على الفكر الإلحادي أنه ينظر للوجود من زاوية عقلية مجردة، أي بمعنى أن غياب القدرة على النظرة الشمولية التي تكون العقل البشري وتؤسس لها لا يمكن أن ينتهي بنتائج يقبلها العقل بعلاتها، فالعقل مصمم أساسا أنه مجموعة منائج لمجموعة مقدمات، منها ما هو حسي وتجريبي ومنها ما هو خارج هذا الوصف، فالتعامل بأحادية النظرة تبقي العقل البشري في زاوية ضيقة لا تحرره ولا تمنحه مشروعية أن أن يستمد رؤيته في أطارها العام والتفصيلي، فلو كان العقل يؤمن فقط بالمحسوسات لا يمكنه أيضا أن يؤمن بمثاليات الواقع التي يعيشها فينكص عن دوره ويميل نحو العزلة عن واقعه الذي هو جزء من معطيات التعقل لديه.
إن جل ما يوجه من أنتقادات إلى العقل الإلحادي يتعلق في أن هذا العقل وطريقة تفكيره تنحصر في طريقة ممارسه للنقد المعرفي ضد الأخر، فأغلب المتبنيات الفكرية له تتسم بروح الأنتقاد المشحصن أما للرموز أو حتى للأفكار في حدود شخصيات صاحب الفكرة أو مطلقها، وليس بروحية الأتجاه النقدي العلمي الممنهج الذي يثري الفكرة ويؤسس لمشروعه أخر، وهو تماما يماهي في بعض جوانبه ما في إشكالية العقل الديني التي جعلت من موضوع الدفاع عن الرب مشكلتها الأساسية دون الأهتمام أصلا بمشروع الرب القائم على تحرير الإنسان من الدونية الوجودية ومطالبته دوما بسعي الإنسان نحو الكمالات العقلية والإصلاح الوجودي.
ويبقى وجود الفكر الإلحادي كمدرسة فكرية ضروري لأستمرار العقل البشري في التفاعل الإيجابي كرافع مع الوجود بكل جوانبه، وخاصة في الجوانب الأعتبارية منها كمضاد معرفي منافس ومحرك للعقل الديني التقليدي، فليس للعقل قوة وقدرة الأستحضار والتطور في ظل معرفة أحادية غير مستفزة، ولا ترى من وجودها الذاتي غير أتجاه واحد يقودها للركود والتحجر، كما أن نشاط العقل الإلحادي بحد ذاته سيكون دافعا لجعل المعرفة المثالية تسير بقدرة متسارعة للبحث عن الإشكاليات والأخفاقات التي يعاني منها العقل الديني، والعكس صحيح بقدر ما ينتج من حالة التناقض والمنافسة من إثراء معرفي، إن حالة الإقصاء والرفض المتقابل لا يمكنها أن تصنع معرفة بقدر ما يصنع التلاقح والحوار والنقد العلمي المتبادل بينهما على أساس مصلحة الإنسان أولا.







التعليقات


1 - مقارنة بانوراماية
محمد البدري ( 2017 / 11 / 6 - 12:07 )
الفضل الاول والاخير للفكر الالحادي هو التزامه بمبدأ الواقع، وهو ما يفتقده بل يتغاضي عنه الفكر الديني عامة بالعمد أو بالسهو. فالاضافة الي عالم المادة والتي يطلق عليها مسمي - الحضارة - هو الغائب الذي لا نري له اثرا طوال تاريخ الانسانية. فلو اعتمدنا مسلمات الخطاب الديني في التصنيف بين الوثني وكل ما يندرج تحته والمؤمن وما يندرج تحته عبر مسلسلات الاديان فلن نجد سوي حضارات وثنية ثم ظلام تام عندما سادت الاديان ثم الوصول الي النور ثانية فيما نحن فيه اليوم بالثورة علي الظلام اي الثورة علي الاديان.

تحياتي واحترامي


2 - الإلحاد سببة الدين و خرافاتة و تشويهه لله
Amir Baky ( 2017 / 11 / 6 - 13:42 )
ربط الإيمان بالدين و بين الإيمان بالله قمة الكوميديا. لأن لكل دين إله له مواصفات مختلفة عن الإله فى الدين الآخر. ومن هنا يمكننى أن أؤمن بالله من وجهة نظر ليست من خلال أى دين. مشكلة الأديان ليست مشكلتها مع العلم. فلو آمن شخص أن الأرض مسطحة و ليست كروية فهذا إيمانة حتى لو كان ضد العلم. أحترم وجه نظرة حتى لو إختلفت معها. مشكلتى مع الدين هو أعطاء رخصة لبشر يدعون أنهم وكلاء الله على الأرض ليتحكموا فى الناس و يفرضون وصايتهم و يكونون القاضى و الجلاد فى نفس الوقت و يطبقون قواعد ضد المنطق و العدل و الفطرة الإنسانية ثم يبررون ذلك بأنه شرع الله. الدين و تعاليمة شوهوا الله فكيف أؤمن بأله مشوة بسبب الدين؟ تارة يكون هذا الإله ظالم أو متكبر أو ماكر. إله له أطماع سياسية و يبيح الحروب لفرض وصايتة على البشر. فكيف يكون إله عاجز يلجأ لبشر يؤمن به ليحاربون بأسمة ؟؟ اليس الله يملك الكون كله و كامل و لا ينقصة شيئا حتى لو كفر به كل البشر؟؟ الأديان هدفها أمور سياسية لتلبية اطماع بشرية. ولا تنسوا أن الشيطان مؤمن بالله أيضا و أيمانة لن يعفية من المسؤلية و العقاب بمفهوم الأديان.

اخر الافلام

.. قطر تبتاعُ رضى اليهود في الولاياتِ المتحدة


.. قلوب عامرة - منهجية الإسلام في محاربة الإرجاف


.. قلوب عامرة - فضل الصلاة على -النبي محمد- في يوم الجمعة




.. كلمة حسن روحاني حول انتهاء تنظيم -الدولة الإسلامية-


.. بي_بي_سي_ترندينغ | زيارة #الأسد إلى #روسيا و #بن_تزيون في #ا