الحوار المتمدن - موبايل



كيف اِنهارَت كعكة العائلة؟ -4-

علي دريوسي

2017 / 11 / 6
الادب والفن


المقطع الرابع
*****
ملاحظة: لا يَتبنَّى مُؤلف هذه الحوارية المُتْعِبة الآراء المنقولة عن شخوصها.
*****
في تلك اللحظة فُتح باب الشقة على عجالة ودخل منه شاب طويل القَوام كشجرة حور يافعة، مرن الحركة كالقصب البَرّي الذي ينمو على طرف ساقية، شاب طيب القلب مثل كأس شاي أسود، أنفه شامخ، شعر رأسه أسود طويل بعض الشيء، ذقنه خفيفة وشامة جذّابة تزيّن خدّه الأيمن، وصل إبراهيم مُنهكاً، وضع على المدخل كيسين كبيرين مملوئين بالمواد التموينية، وقبل أن يخلع حذاءه، اِستلقى على الأرض وبكى، نهض الأب إليه، أبعده عنه، ونهض بدوره قائلاً: لا عليكم لم يحصل لي شيئاً، كل ما في الامر أنني كنت على بعد أمتار من حادث المحطة المُرَوِّع، لم نعد نعرف ما الذي حلّ بهذا البلد!

الأب مواسياً: من الخطأ أن نتساءل عمّا حدث لمدينة تشيرنوبيل الأوكرانية! الأصح هو أنْ نسأل: ما الذي حلّ مع الناس في المفاعل النووي في أبريل من عام 1986؟ ولأنَّ الشيء بالشيء يذكر، لم يعد من المجدي أنْ يسأل الشخص: ما الذي حدث لسوريا؟ بل عليه أنْ يسأل: ما الذي حدث ويحدث مع الناس هنا منذ أبريل 2011؟

سناء: من الذي اِرتكب هذا المَشْهَد التمثيلي في منطقة خالية من الغليان؟
بيلسان: قوة الإرهاب لن تصنع له حضارة خالدة، لكن حضارة رئيسنا هي القوة عينها.
ضحكت سناء وهتفتْ: سوريا الله حاميها.
تنهض بيلسان وتصرخ: الله سوريا والدكتور وبس.
سناء بحزنٍ: أنا أهتف، إذن أنا فيلسوف. ثم أردفت: لن أحقد يوماً على فصل الربيع حتى لو كانت رياحه عاتية وشرسة.
قال الأب محاولاً تخفيف حدة النقاش: ما للناس في حَيْص بَيْص في هذه الأيام...!؟ على قولة الشاعر شهاب الدين.
*****

قال إبراهيم بغضبٍ: لا أستطيع أن أفهم حتى الآن أسباب عجز الدولة عن تأمين الماء والكهرباء والغاز والسكر والأرز لمواطنيها. وحده الإفْقَار في سوريا صارَ ذا رسالةٍ خالدة.

سناء: لقد ماتَ الشعبُ، ذهبَ الوطن أدراج الرياح، ينبغي على أعضاء الحكومة وبطانتها الاعتذار ممّا تبّقى من شعب، ثم التقدم باستقالتهم الجماعية، إخلاء الساحة لامرأةٍ هي كُفُؤٌ لهذا العملِ ودعوة الشرفاء للمشاركة.

إبراهيم: عزيزي الله، أصلي لك أن تمدني بالحكمة لأفهم غباء الوزراء، أعطني التسامح لأغفر لهم ارتفاع الأسعار، انقطاع الكهرباء والماء... أعطني الصبر على تحمل سَمَاجَة أفعالهم وزعرنات أولادهم، لكن لا تمدني بالقوة، لأنني سأرميهم عندئذٍ بالحذاء.

الأب: تتعالى الأصوات الصارخة في وجه الحكومة بسبب انعدام الخدمات الأولية! وهذا من أبسط الحقوق. لكن أين هم خريجي الجامعات وأعضاء الهيئات التدريسية؟ لماذا هذا العجز الواضح في اِبتكار أساليب بديلة ومتجددة لتأمين الغاز والكهرباء ووسائل التدفئة على صعيد القرية الصغيرة على الأقل؟

سناء: لا أحد يسمح للإنسان النظيف بالمبادرة، المبادرة الإيجابية تعريهم وتخيفهم، والمبادرات السلبية هي حكر عليهم فقط. أناعلى ثقة تماماً، بأنَّ كل شخص استطاع الوصول إلى وظيفة قيادية في سوريا البعثية، حتى لو كانت وظيفة رئيس دائرة هو شخص انتهازي، وصولي، مخابراتي، يميني، بأخلاقية قمعية وأمنية، هو شخص لا يمكن الثقة به أو الاعتماد عليه في أية عملية تغيير وطني قادم، لأنه أغبى وأسوأ بكثير من قادته.

إبراهيم: يجب علينا رفض هؤلاء الأشخاص ومحاربتهم بالكلمة. يجب أن نتعامل مع هؤلاء المسَيسين كما نتعامل مع البيض النيئ!
سناء بابتسامة: كيف نتعامل مع البيض النيئ؟
إبراهيم: نرميهم في المقلاة ونداعبهم بالتحريك حتى النُضْج الفِكْرِيّ وإعلان التَّوْبة.
الأم: حتى سعر كيلو البوظة قد ازداد في الحد الأدنى ثمانية أضعاف!
سناء: جَوِّعْ كلبكَ يتبَعكَ.

إبراهيم: من يمتلك اليوم مليون ليرة سورية، مثله مثل من اِمتلك مئة ألف ليرة قبل عام 2011. ومن يمتلك اليوم عشرة مليون ليرة، لا يختلف مقدارها - بالقيمة الشرائية - عمّن اِمتلك مليون ليرة قبل بداية الانتفاضة. سنرى إنْ كان الاِصطفاء الطبيعي سينصف ملك الغابات! أم ينتظره الاِنقراض كغيره!؟
الأم: يتوجب على الرئيس وحزبه زيادة الرواتب للعاملين في الدوائر الحكومية وتأمين فرص عمل للعاطلين. من يعمل أربعين ساعة في الإسبوع يستحق أن يكسب ما لا يقل عن خمسمائة دولار أمريكي في الشهر الواحد، مع الحفاظ على الخدمات الصحية والمواد المدعومة.
إبراهيم: الوضع الاقتصادي والمعيشي في انهيارٍ يوميّ، وسعر صرف الليرة لن يتحسّن في السنوات الخمسة القادمة.
سناء: هو يفرح مع أولاده، بينما تبكي آلاف النساء والرجال فقرهم، جوعهم وأولادهم المخطوفين والمقتولين والمغدورين والمعاقين.

بيلسان: آه، متى تتوقف هذه الحرب المسعورة.
الأم: الكارثة النفسية القوية التي تعرض لها إجمالي المجتمع السوري لن تتوقف مع توقف الصراع العسكري السائد بل سيتم توريث هذه الصدمة النفسية بالتأكيد إلى الأجيال اللاحقة وسيتم أيضاً انتقال خبرة الصدمة عبر الأجيال، مثلاً من الأمهات المصابات بصدمات نفسية، وهنا الكارثة أكبر .
الأب: بالإضافة إلى الآثار المدمرة المباشرة للصراعات المسلحة تعمل عواقب العنف العسكري على تَشَكُل اضطرابات ما بعد الصدمة والتي تمثل ردود أفعال لاحقة محتملة نتيجة معايشة أحداث مؤلمة.

بيلسان: كيف يمكن للإنسان أن يواجه ثلاثية الحرب والكآبة والموت، بالفكاهة والدعابة والمرح؟
سناء: تَمخَّض الجبلُ فولَد فأراً. لا تكوني طفلة.
الأب: طائفية، تفاوت اقتصادي-طبقي غير مسبوق ضمن سكان الشارع الواحد، سرقات خيالية، تشبيح، ضرب وقتل ونهب، انحطاط أخلاقي، قرف، سأم، يأس وقذائف. هذه هي عناوين المرحلة، هي المفردات التي يرددها الأصدقاء والصديقات في بعض مناطق سوريا، حين أتواصل معهم. مع هذا فإن الكثير من المحترمين والشرفاء ومعظم الطاقات الحقيقية ثقافياً وعلمياً ما زالوا في سوريا. لهم تُرفع القبعات. ومع هذا يزداد إحساسي في هذه الفترة باليأس يوماً بعد يوم.
الأم: لكني أرجو ألا تتولد لديك الرغبة في الانتحار بسبب قلقك، لأنني سأكون حينئذٍ رفيقتك هنريته فوجل، وسأكون طواعيةً أول وآخر ضحاياك على شاطئ البحر، سأتركك تطلق الرصاص عليّ بموافقتي ثم على نفسك...
هز الأب رأسه نافياً: لن يصل الأمر إلى هذا الحد، الانتحار ليس ثقافة، الثَّقافة العميقة مقاومة، تحدي، اِخْتِصَاص وعمل دَؤُوب. سنحيا سعداء رغم أنوفهم.
*****

سناء: لن يكون الإنسان سعيداً في زمن الحرب والفساد والطغاة والغزاة مهما امتلك من ثقافة ومال وعقارات وعاائلة كبيرة ومعارف.
إبراهيم: لكي نكون سعداء يجب أن نبني وطناً خالياً من الفساد والطغاة والغزاة، خالياً منهم. أنْ نهزمهم مجتمعين. وأردف بحزنٍ: أو أن نتركه لهم، لعلهم يتفكرون.
الأم: ما الذي تقصده يا حبيبي؟
سناء: ينبغي ألا نسمح للصراع في سوريا أن ينسينا الحق في الحياة، والحق في السفر ورؤية العالم والتعرُّف إليه .
إبراهيم: لقد اتفقت مع صديقين لي على الهرب. سننطلق مساء الغد.
الأم: إلى أين؟ من سيتكفل بالتكاليف؟
إبراهيم: حكى صديقي، أنّه يعرف شخصاً هرب مشياً حافي القدمين حتى وصل ألمانيا، وهو لا ينتظر إلا امراً واحداً، أن يعمل وبدون أن يتعلم اللغة.
الأب هازئاً: فعلاً لا حاجة له لتعلمها.
إبراهيم: تماماً يا أبي، يقولون هناك أتراك وعرب وآخرون يعيشون في ألمانيا منذ أكثر من ثلاثين سنة دون حاجتهم لنطق كلمة واحدة بالالمانية.
الأب: دعيه وشأنه يا زوجتي العزيزة. ما يحدث من حولنا يبرر لنا ما يمكن أن نفعله دون تردد. عالمياً هناك أكثر من 65 مليون لاجئ بسبب العنف والفقر والحرب. حوالي 21 مليون إنسان منهم يعيشون في بلدان أوربا الغربية. حوالي 41 مليون إنسان منهم يعيشون مشردين ضمن أوطانهم. حوالي 3,2 مليون إنسان منهم ينتظرون خبر قبول طلباتهم كهاربين أو لاجئين.
الأم: أتعاطف مع الجميع بشكل عام، لكن قلبي يميل إلى تلك الفئة الهاربة ضمن مدن الأوطان بشكل خاص.
*****

الأب: اللعنة كم نحن شعب بسيط، كم نحن عطشى للمعرفة والحرية واالقضاء.
الأم: وما هي مناسبة هذا الكلام الآن يا أبو صلاح؟
الأب: وصلتني من صديق رسالة على الواتس آب يخبرني بأنّ المخابرات اِعتقلت قبل أسبوع أحد معارفي من المدرسين في الجامعة.
سناء: والتهمة؟
الأب: لحيازته على خط هاتف.
الأم: وأين المشكلة؟
الأب: تعود ملكيته الأولى لشخص معارض-إرهابي.
سناء: وما الذي فعلوه به؟
الأب ساخراً: استضافوه بضعة أيام، ضربوه حتى الإغماء، ثم أخرجوه ببعضٍ من وساطة، المدرس حزين حتى التعب، سأزوره قريباً.
*****
يتبع في المقطع الخامس







اخر الافلام

.. SNL بالعربي - ياترى الممثلة غرام وصلت للعالمية إزاي وإتكرمت


.. تكريم طلعت زكريا وريم البارودى فى نادى الشمس احتفالا بنجاح ف


.. لبنان.. نشر ثقافة التبرع بالأعضاء




.. كيف استقبل الفنانون خبر ارتفاع ا?سعار البترول؟


.. انا وانا - حلقة الفنانة شمس .. الجمعة 19 يناير 2018