الحوار المتمدن - موبايل



فهم الوعي على أنه جزء من المعرفة

عباس علي العلي

2017 / 11 / 7
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


المعرفة والوهم
الوهم بأعتباره صورة ذهنية تتولد في العقل البشري نتاج من خليط غير مترابط من أفعال النظام الإدراكي للإنسان، فهي تشكل واحدة من أشكال تصور المعرفة أو صورة من صور فهم المعرفة على أنها حقيقة بدرجة ما، لكن ما ينقصها توفر المصداق الواقعي الذي يؤكد أو ينفي وجودها, وقد يكون الوهم في ذات المفهوم المعرفي البسيط أيضا صورة لواقع غير مبني على منطق عقلي مقبول، بمعنى أن المعرفة المقصودة هنا هي بالذات وهم غير حقيقي وبالتالي مجرد الإيمان بكونها وهم تنتفي من صفة المعرفة لتتحول إلى مسمى أخر.
لو جربنا أن نعرف الوهم خارج ما ذكرنا سنصل لحقيقة مهمة وهي مع التلاعب بالألفاظ الظاهرية، سنجد أنفسنا في نفس المسار الذي تكلمنا عنه، فمثلا البعض عرف الوهم على أنه كمدلول لغوي، هو الظنُّ الفاسد والخداع الحسِّيُّ وكلُّ ما هو غير مطابق للواقع، والوهم أيضا يمكن أعتباره نوع من إدراكُ الواقع على غير ما هو عليه حقيقة، إنْ كان الحُكْم جازمًا لا يقبل التغيير فهو العِلْم وإنْ قبِلَه وعمل به فهو الاعتقاد، وإنْ لم يكن الحُكْمُ جازمًا فإما أنْ يتساوى طرفاهُ فهو الشك المتسوي في الأخذ والترك، وإما أنْ يرجح أحدهما فالراجح هو الظن والمرجوح هو الوهم.
هذه التعريفات في الحقيقة تمثل إقرارا منها بأن الوهم معرفة سواء من خلال كونه ظن وما يعني الظن كطريق من طرق الوصول للعلم من نقطة المجهول، أو كونه حس أو خداع حسي فهو يتولد نتيجة الحس والإستشعار به وإدراك نتيجة المتحسس منه، هذه الطرق هي ذات طرق أستيلاد المعرفة وأنتاجها مع اليقين أن ليس كل معرفة هي مطابقة للواقع أو قريبة منه حتى الخيال يخضع لنفس الأعتبار أعلاه.
فلا بد أن نعترف أن من ضمن منظومة الأوهام المعرفية التي كثيرا ما ينسب البعض لها بعض المفردات التي نتعامل بها كالسحر وما يتبعه من معارف غيبية, هي في الحقيقة ليست وهما مطلقا لو أردنا التشخيص السليم لها، بل خطأ في تشخيص نوع المعرفة المقصودة منها، وإلا كواقع نؤمن به أو البعض مؤمن به ويجده من وقائع الحال لتوفر معطيات قد تكون صادقة {قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى}طه66، وهناك فرق بين المتخيل فيه وبين الوهم، لكن تبقى مضمون الصورة التي نريدها هنا، صورة الذي يسقط كل الفشل المحيط به والناشئ عن أسباب وعلات يجهلها او يتجاهلها، أو انه يريد ان يسكت عن جهله بها فينسبها للسحر مثلا, هذه المعرفة موهومة بذاتها لأنه لا يستطيع حقيقيا أن يثبتها أو يثبت أثرها واقعا.
الوهم الأخر وهم في موضوع المعرفة أي في الدائرة التي تصنف فيها قيمة أو وجود أو أثر المعرفة, وقد يكون لذات المعرفة وجود حقيقي ولكن توهم الواقع بها هو الذي يرسم صورة هذا الوهم ,في عالم الكيمياء التحليلية هناك نهاية يصل لها التحليل وهي أن الذرة كأصغر تركيب كيماوي هو واحد في كل العناصر الذرية، إلا أن ما يفرقها عن بعضها ويمايز بينها، هو في تعدد تركيب هذه الذرات وفقا لما مرسوم بالجدول الذري، ومن تعدد التركيب وتغير في الصفات والخصائص تبعا لهذا التعدد, هنا لو أستطاع الإنسان بوسائل العلم ومن خلال قوانين محددة أن يتغلب على إشكالية الترتيب الذري والقدرة على اللعب على الجدول الذري، لأمكنه مثلا تحويل أي معدن بخس إلى معدن أخر ثمين وهذا ما أجتهد فيه الكثير من الباحثين من قبل بوسائل بدائية, هذه الفرضية ممكنة وغير مستحيلة ولا تعد من الأوهام المجردة.
فكرة تحويل المعادن الرخيصة الى الذهب مثلا كثيرا ما أشغلت البعض من الناس دون الوصول لنتيجة محددة, في حدود المعرفة المنطقية الأمر عقلي وإن كان خياليا لدى البعض إلا أنه مع توفر الوسائل العلمية والقوانين الصحيحة تصبح هذه المعرفة هنا كذات حقيقية وممكنة، ولكن الموضوع الحيوي الذي يحيط بها بتلك الأفكار كان وهميا ولا يزال حتى يتم تغير المنهج الدال على المعرفة والذي يحققها واقعا .
ومن خلال الفلسفة مثلا يمكن تحديد معنى دقيق لا يخرج عما ذكرناه عن قيمة الوهم كنوع من أنواع النشاط العقلي أو صورة من صورة المعرفة وإن كان غير صادق بالكلية أو بجزئية ما، فعندما يرى لانيو ( (Lagneauأنَّ أوهام الحواس هي طُرُقُ إدراكٍ خاطئةٌ لكونِها تُقدِّمُ موضوعَ الإدراك الحسِّي بطريقة غير متطابقة مع طريقة الإدراك القياسية (المتعارف عليها (normal فالإدراكُ في مجمله ليس إلاَّ طريقةً ذاتيةً لرؤية الأشياء والأفكار، ومن الوهم الاعتقاد بأنَّ هناك طريقةً مثالية للإدراك تتَّفق عليها جميعُ العقول، وهذا ما يميِّز الوهمَ عن الخطأ erreur، فالخطأ هو حُكْم خاطئ موضوعيًا ويمكن دحضُه بالتجربة وبالاستدلال المنطقي.
في الوقت الذي يعزز من هذا الأتجاه التعريفي ما ذكره نيتشه بتعريفه للوهم، (هو كلُّ ما أنتجَه الإنسانُ من معارفَ لأنها ناتجةٌ عن رغبة لاشعورية في البقاء حيث تقدِّم الأوهامُ نفسَها على أنها "حقائق" ومَصْدر الأوهام) ، وبحسب نيتشه أيضا يكون "الفكر أولاً" حيث يلجأ إلى الكذب والتضليل وإخفاء الحقيقة التي يتوهَّم أنها خطِرة على وجودِه فيخفيها تحت غلاف المنطق، و"اللغةُ ثانيًا" لأنها أداة هذا الفكر، وهي تشبيهات واستعاراتٌ صنعَها الفكرُ ويرى نيتشه بأنَّ التخلُّصَ من الوهم صعبٌ إنْ لم يكنْ مستحيلاً، لكنَّ الأوهامَ قد تكون نافعةً وقد نحتاج إليها لنعيش.
الوهم إذن هو حلقة أو نوع من أنواع المعرفة وشكل من أشكال العلم الناقص دليل أو الدلالة، ولكنه بالقوة قادر على التحول مثلا إلى خيال منتج لمعرفة حقيقية ككثير من المفردات المعرفية المحتفى بها اليوم والتي كانت في السابق مجرد أحلام عصافير, إذا المعرفة الناجحة هي التي يبتكرها العقل من خلال افتراضات أولية أو تصورات بسيطة اقربها للتعميم الممكن،هي التخيلات والتأملات خارج حدود الواقع والممكن والمعقول, لذا فأن تنمية الخيال الفكري والمعرفي واحد من أهم طرق أكتشاف وبناء وإنتاج المعرفة.
من هنا لا يمكن أن يكون الإنسان كمالك ومنتج وناقل للفكر عبر اللغه هو وحده من يقدر على أنتاج هذه المعرفة، ووحده أيضا من يمكن أن يتوهم إذا كان الفكرُ واللغةُ هما مَصْدرَيْ الوهم فإنَّ الإنسان وحدَه يتعرَّض للوهم، أما الحيوان فيعيش الواقعَ بحسب مستوى وعيه وإدراكه الحسِّي، فأرتباط المعرفة بالوهم هو أرتباط الجزء بالكل وليس كما يعرف اليوم من أن الحدود متقاطعة ما بين الوهم والمعرفة أو أنهما على طرفي نقيض.
أذن مسافات الوهم ومسافات العلم متقاربة بشرط أن نخرج العقل من التسليمات القانونية والمنطقية المقيدة لحرية العقل, طالما أن العقل ما زال لم يملك حرية القرار المفروضة عليه بجملة قوانين الواقع وقوانين المنطق العقلي فهو تحت وصايتها وغير قادر على التجاوز عن المحذورات المنطقية والتسليمة السلبية، مما يمنع أصلا من محاولة الكشف والاختراق وأكتشاف عالم الوهم، لأن في تفكيك إشكالية الوهم وعزل ما هو ذاتي فيها عما هو الموضوعي، وأعادة بناء هذا منطق هذا الوهم قد ينجح في أكتشاف سبب التوهم، ولربما فسخ هذا التوهم من خلال إدراك العلة الواهمة، ومعالجتها وتحويل جوهرها إلى مفهوم أو محدد أقرب للعلم وأقربها من الوهم هو الخيال .
هناك سؤال مهم في فهمنا لمعنى الوهم وهو مصدر هذا التوهم أصلا، هل هو ظاهرة ترافق العقل البشري من دون وعي وإرادة، أم أنها مجرد ممارسة يقودها العقل للتعبير عن مكنون ما في داخله، الجواب الذي لا أجزم بغيره أن الوهم وغالبا ما يكون أستجابة لرغبة قوية في مواجهة ظرف أقوى في الواقع، بمعنى أن الوهم ليس أمرا تلقائيا بقدر ما هو أستجابة لرغبات العقل في حالة عجز عن المواجهة أو لا يملك أسلوبا ما للتخطي، من هنا فالسلسة التي تبدا برغبة عصية تولد ردة فعل مقابلة أما تحدي أو سلوك طريق الوهم، فالأولى تقود للمعرفة الظنية وتدرجا نحو اليقين الجزم (العلم)، والثانية تقود للوهم الذي يتحول مع تراكم الفشل إلى وهم مركب (الجهل)، وكلاهما يمثلان وجها من أوجه المعرفة البشرية لأنهما بالأساس أمر تدبيري لنيل نتيجة ما.
سؤال أخر ننهي به بحثنا هل من الممكن أن يعيش الإنسان بلا وهم.؟ أو بتعبير أدق هل يمكننا أن نتجنب الوقوع في الوهم وطرد كل الحالات التي تجعلنا نقع في الوهم أو نسعى له، كما قلت من قبل أن الوهم هو جزء من فعل الوعي ولكنه جزء غير مطلوب لذاته ولكنه خصيصة للكائن العاقل فقط، لذا فمن المستحيل أن يكون بالإمكان أن نمنعه من الحضور الواقعي في حياتنا، طالما أن طريق العقل يبدأ من الحواس ويبني تصوراته على النتائج المتراكمة من عمليات التحسس والإدراك، ومعلوم أن الحواس كثيرا ما تنخدع وتخادع لأنها ببساطة تنقل الواقع بطريقة أنتقائية تبعا لتوجهات العقل كما في نظرية أفلاطون عن المعرفة والمسماة بكهف أفلاطون .
العالم المحكوم أصلا بما يعرف بالحقائق والمثل كجزء من الواقع، لا يدركها تلقائيا أو مصورة منعكسة في مرأة تقل الصورة كما هي، بل وحتى المرأة تنقل لك الصور معكوسة تبعا لطبيعة عملية الإنعكاس تلك، لا يمكن أن يتبنى كل هذه الحقائق بذاتها الأصلية وبشكليتها المطابقة لواقعها، بل هو يعبر عنها بصور متفاوته بين الأفراد مرة، وبينها وبين بعضها البعض من خلال عاملي الزمن والمكان في مرا أخرى، الحقيقة التي لا جدال فيها أن ما ننقله عن العالم الخارجي عنا يبقى وهم ذهني أعطيناه مرتبة تصديق لأننا خلقناه همذا، ولا يجب علينا أن نخرج من دائرة الخلق هذه حتى لو أردنا لأننا سوف نسلك نفس الريق الذي خلقنا فيه أوهامنا السابقة.


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*حاول أفلاطون من خلال هذا المثَل الذي أوردَه في كتاب الجمهورية La République أنْ يقرِّبَ نظريته في المعرفة. لنتصور أناسًا مقيدين منذ نعومة أظافرهم في كهف مظلم، بحيث تمنعهم تلك القيود من الالتفات إلى الوراء أو الصعود خارج الكهف. وفي الكهف هناك ما يشبه النافذةَ التي يَظهَر منها نورٌ ينبعثُ من شمس مقابلة للكهف. وبين النور ونافذة الكهف هناك طريق يمر منه أناس يحمِلون أشياءً عديدة. حينما تضرب أشعةُ النور على تلك الأشياء تنعكس ظلالُها على الجدار الداخلي للكهف. هكذا لا يرى المحبوسون داخلَ الكهف من الأشياء الموجودة خارجَ الكهف إلاَّ ظلالَها. وإذا حصلَ أنْ خرجَ أحدُهم من الكهف بعدما فكَّ قيودَه وأدركَ أنَّ الأشياء خارجَ الكهف مختلفةٌ عن الأشياء التي في داخله، ثم قرَّرَ بعد ذلك العودةَ إلى داخل الكهف لإخبار الموجودين فيه بحقيقة ما شاهده في الخارج ولتنبيههم إلى الأوهام التي يعيشونها فإنهم لن يُصدِّقوه أبدًا، بل ربما يحاولون قتْلَه. يرمز الكهفُ إلى العالَم المحسوس. وترمز القيودُ إلى الجسم المادي الذي يقيِّد النفسَ. أما العالَم خارجَ الكهف فيرمز إلى عالم المُثُل [الأفكار] Idées الذي عاشت أنفسُنا فيه قبل حياتها الأرضية والذي ستعود أنفسُنا إلى الحياة فيه من جديد بعد انفصالها عن البدن. ويرمز الناسُ المارُّون خارجَ الكهف إلى الحقائق المطْلقة الموجودة في عالم المُثُل. أما الظلال التي تنعكس داخلَ الكهف فترمز إلى أشياء العالَم المحسوس. ويرمزُ السجينُ الذي يتمكَّن من التحرُّر من قيوده إلى الفيلسوف. إننا مقيدون بجسمنا المادي المحسوس، ولهذا لا نستطيع أنْ ندركَ إلاَّ ما هو محسوس. هذا المحسوسُ لا يمثِّل إلاَّ ظلالَ الحقيقة، لكننا مع ذلك نتعامل معه على أنه هو الحقيقة. هذا هو الوهم.







اخر الافلام

.. تخوف لبناني قبل اجتماع القاهرة


.. السلطة الفلسطينية تلوح بتعليق اتصالاتها مع واشنطن


.. اجتماع عربي طارئ.. لبنان واليمن وإيران على الطاولة




.. أهالي الغوطة الشرقية يطالبون بتحرك دولي لفك الحصار عنهم


.. أخبار منوعة | ظهرت و #النحل يغطي بطنها.. أمريكية تلد إبنها م