الحوار المتمدن - موبايل



التأريخ ومفهوم الحتمية التأريخية

عباس علي العلي

2017 / 11 / 9
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


التاريخية والحتمية التاريخية
تكرار الحوادث التأريخية بملامح عامة أو بمتشابهات جزئية لا يعني أن الزمن يدور حول الوجود الواعي بنفس حالاته وبذات القواعد أو نفس النتائج، بل أن الإنسان هو من يكرر ذات أخطاءه في كل مرة وبنفس المناسبات والظروف، لذا تأتي دوما النتائج من الطبيعي أن تكون متشابه، ليتوهم البعض وتحت تأثير البحث عن تبريرات ترقيعية ليقول أن التأريخ يعيد نفسه, والدليل أن التأريخ لا يفعلها مع غيرنا أو حتى معنا لو أننا نرتقي فكريا ونقديا ولو بحدود مقبولة على ملاحظة خطيئتنا الكبرى، ولم نعد إلى راهنيات العصر الحجري بركائزه وأسسه ونطلب أن تعطينا نتائج حداثية أو تتوافق مع ملامح الزمن التاريخي الذي نعيشه, نعم قد نعي بعض أوجه التشابه بالمواصفات والسلوكيات لكننا لسنا جميعا في دورة تأريخية واحدة.
التاريخ قبل أن يكون علم وخبر بالوجود فهو ذو ملامح ونقاط مادية يمكن ملامستها من خلال شرط الزمن وهو الحركة والواقع المادي الذي تسري فيه وعليه الحركة الوجودية, هو أساسا إدراك واعي ووعي يختلط بالزمن وإحساس بآثاره على الوجود, التأريخ قيمة قياسية يحكمها واقع مادي متعلق بما يفهم الإنسان وكيف يفهم الإنسان وطريقة معالجته للحوادث المتباينة من خلال عنصر الزمن, لذا نجد أن التأريخية المادية مثلا ركزت على الكيفية والتاريخية المثالية ركزت على الكونية أما التأريخية الدينية ركزت على جوهر الحركة بعيدا عن المتفرعات، أي أعادت لجوهر القيمة مكانة الأصالة, هنا تفترق التاريخيات وتتفرق نتيجة أختلاف الوعي من جهة واختلاف زاوية الرؤية الواعية له.
قد يفهم البعض أن التأريخ مجرد سرد لحوادث الماضي وسجل لها كتب ودون لأجل أن يكون مرجعا لجرد حركة الإنسان في عالمه المتمدد على سطح الزمن، لذا فمن لا يؤمن بأن التأريخ أكبر من هذا الأطار الوصفي لا يؤمن بحتميته الخاصة المتمثلة بالنفاذ من أطار حركة المادة نحو شكل أخر قيمي وفكري وحضاري كامل، فهي مرهونة له ولها في تحول صيروري مستمر ولكنه يسير وفق قانون بدي ومؤطر لا بد منه لذا سميت (حتمية), فالتحول الجاري في داخل الزمن التاريخي ليس بجديد أو أنه فجائي لا أصول فيه ولا ركائز يستند لها حتى يمكن تسميته بالتحول الأكبر، هذا التحول بالتأكيد خاضع لقوانين الطاقة الفيزيائية لكنه لا يمثل أبدا وجه الحتمية التأريخية, لا بد من تحول يتناسب مع فكرة التأريخ الأساسية وهي حركة ما بعد الزمن المار على المادة أو حركة المادة من نقطة إلى نقطة قياسا بمعيار ثابت.
هذه الفكرة (الحتمية) تعود في تصنيفها ووصفها لمرتكزين أثنين هما المكان والزمان وما ينتج منهما من علاقات ستكون أبعد من الزمان والمكان, وحتى نشهد هذا التحول العظيم الذي يمهد للحتمية التأريخية علينا أن ندرك أن الخرق والنفاذ من هاتين الركيزتين أو أحداهما على الأقل لخارج قانونها الخاص وأحداث أثر وجودي متميز، هو ما يمكن أن نطلق عليه الحتمية التأريخية الكبرى التي توجه الوجود لمسارات متنبأ بها أو على الأقل قياسها بمنطق النتائج الكبرى, إذن ليس الذهاب إلى اللا وجود أو اللا تأريخ هي الحتمية الموجبة بما يعني القطيعة مع الزمن والمكان.
البعض يرى أن الوجود حتما سائر نحو نهاية ما بغض النظر عن كونيتها ولكن وحسب قانون الحركة المادية أن لكل بداية من نهاية متوقعة, الفكرة التشاؤمية أو العبثية تحديدا من جانبها ترى أن النهاية ستكون في العدم والهلاك المبرم دون أي تحولات جذرية حقيقية ولا حتى ممكنة أفتراضا, الجانب المضيء في الفكر الوجودي يرى أن الكون يقتفي أثار العلة التكوينية وبالتالي أحترام قانون المادة، وأن هناك تحولات حقيقية قد نجهل منها الماهية والكيفية لكنها تؤمن بها كحادث ما بعد التأريخية, الفكر الديني يرسم طريقا وسطا لا ينكر الهلاك بل ينكر العدمية وبنفس الوقت مفهوم الهلاك عنده مفهوم تحولي تبادلي مظهري وليس جوهريا، لذا فإن تاريخ عنده دائما جديد وبقواعد جديدة في عالم جديد هو من الحتميات التي يؤمن به الدين كفمرة مجردة.
الحتمية التأريخية أفهمها أن الزمن مضطرد بالسير نحو الأمام بخط أفقي أجمالي لا يهم أن سار يشكل موجي أو حلزوني المهم أنه بسير للأمام تبعا للحركة الجوهرية للتاريخ, لا يتوقف عند حدود قد يتسارع تحت عوامل التعجيل وقد يتباطأ لكنه أبدا لا يتوقف، التوقف يعني نهاية الزمن ونهاية المكان بمعني العدم الذي لا يتناغم ولا تؤمن به حالية الوجود المجرد, العدم والتوقف عن الحركة الوجوبية وهم أخر مقترن بوهم أكبر هو النهاية الحتمية لذا فهو وهم مركب من هذه الناحية, الزمن والتاريخ مرتبط بجدلية مع الفكر والمعرفة والتعقل كلما كانت حركة الفكر والمعرفة أقوى ينشط التأريخ لإثبات حتميته التي في غائيتها الكبرى من أن الوجود الكوني سينفلت في لحظة من محدد الزمن والمكان، عندها سيشهد الوجود حدود أخرى حدود ما بعد المكان وخروج الزمن اللا محدود بنقاط, قد تكون النظرية نوع من اليوتيبا الفكرية ولكن هذه هي الحتمية التي لا بد أن تحدث في زمن تأريخي ما, يوم يكون الزمان عير الزمان والمكان غير المكان كما ورد بالأثر عن رسول الله صل الله عليه واله وسلم.
الحتمية التاريخية إذن ليست نهاية التاريخ بقدر ما يمكن تسميتها الوجه الأخر الذي سيبلغه الوجود مستفيدا من تسارع الفكر مقترنا بعلة أولية هي سبق الفكر للزمن, هنا يمكننا أن نصف الحتمية التأريخية بأنها ((هي الوجه الأخر لفعل العقل الإنساني عندما ينطلق بتعجيل خارج نطاق المألوف ويصنع قواعد حركته الخاصة بمعزل عن المادة لكن ليس بمعزل عن حركة القانون داخلها)), المفهوم بصيغة أخرى هو ((تبني العقل لمفهوم الحركة الجوهرية للمادة واستغلال عامل الحركة للانطلاق من فلك المكان والزمان نحو عالم أخر يكون العقل هو المتصدر للخلق والتكوين وليس الواقع هو من يفرض الشروط التكوينية على العقل ويكون العقل دور المطيع الذي يجاهد على أن يتصنع الموافقة)).
التاريخ كونه قيمة متحركة غير ثابتة وغير قابلة للانحراف عن وجهتها الأساسية، اجبر العقل الإنساني الغير قادر على فهم السيرورة التاريخية على ابتكار أساليب وطرق ظاهرها يتسق مع الفهم القاصر والغالب لبساطة الوعي والممكنات البديهيات، فأبتكر فكرة أن الزمان يدور حولنا وأن التاريخ يعيد نفسه بصور متشابهة, الفكرة في الظاهر صحيحة أن التاريخ يعيد نفسه تجديدا وحضورا ولا يمكن أن يختفي من الوعي الإنساني لكن العقل المريض يشير للحدث بدل المحدث, يشير للوقائع ويظن أن التاريخ مجرد وقائع متراكمة لأحداث متشابهة أو هكذا يفهمها على أنها تكرار ممل فوقع في صيغة التعميم دون ربط الأسياب والعلل مع بعضها.
علينا الفصل بين الوقائع وحسب أسباب وقوعها وعلاتها المحركة حتى نفهم التاريخ جيدا بما يبن لنا الحدث التاريخي والسجل التاريخي كفعل موصوف بذاته وعنوانه وبين ذات التاريخ برمزيته المجردة، الرمزية التي تعني الاستمرارية الممتدة للوجود بكل تحولاتها وقوانينها وفوق أفق مكشوف, التاريخ ليس سجل أحداث وليس حدث وقع أو سيقع وعلينا تدوينه فقط, التاريخ منهج السير الوجودي لغاية مرتبطة بأسباب وعلل كلية لا بد أن تحصل ولا بد أن تسجل الحضور التام لها، ومع هذا يبقى التاريخ الخط الأخير لفهم الحركة الشمولية الكلية لما يعي العقل خارج منطق الآن.







اخر الافلام

.. الغوطة.. حصار يزداد تفاقما


.. اخبار عربية | قوى المعارضة السورية تتفق على ارسال وفد موحد ا


.. اضواء على العراق: مقدمة برنامج 22 تشرين ثان 2017




.. كمال يلدو: عن كيفية تعامل الدولة والمواطن الكريم مع آثارنا ا


.. الميليشيات الإيرانية.. والمستنقع السوري