الحوار المتمدن - موبايل



الضحك في السجن

مروة التجاني

2017 / 11 / 11
أوراق كتبت في وعن السجن


الطريق إلى السجن قصير إذا ما قيس بالمسافات والزمن العادي لرجل الشارع ، لو لم يكن مؤدي إلى السجن فبالكاد أن يشعر به أحد ، لكن حين يقود إليه يكون طويلاً حيث تستحث جميع حواسك في محاولة لسرقة مشاهد أخيرة من الحرية ، الطريق إلى السجن في حال لم تكن معصوب العينين يعني النظر في الشوارع ، المارة ، الوجوه العابرة ، الروائح .. كأن الداخل للسجن يحاول أن يسرق من كل شئ القليل والصور الأخيرة . لكن هو ليس مسافراً ليحزم أمتعته ويوضب الذكريات ، الطريق إلى السجن يعني تسمر الوجه في حالة واحدة وهي الخلو من التعابير .. هنا لايتم سرقة هواء الحرية أثناء الطريق وإنما التضحية بكل شئ . تسقط المشاعر في الطريق وكأن السجين يلقي بقطع لحمه ودمه ليروي ضمأ أرض لا تعرف الشبع أو الأمتنان ، هي تضحية فردية وقربان يقدم دون مناسبة أو احتفاء .

اللحظات الأولى دائماً هي الأقسى .. عند بوابات السجون يتلاشى الإحساس حين تمتد أيادي الحراس للتفتيش ، لا يمكن أن ترتسم ابتسامة ولو باهتة والأيادي الغريبة تمتد لتلامس كل اجزاء الجسد في وحشية ، أما مشاعر الداخل فتكون في قمة سموها فلو سئل سجين هل راودته رغبة في أن يرى يد حارس مقطوعة فستكون اجابته بالنفي ، هكذا هم الضحايا يتضامون مع بعضهم وأن كان السؤال متخيلاً . لا يملك السجين عادة كنوز ليحزن حين تنتزع منه وأن كان يعرف إنها ستعود إليه حين خروجه لكن فكرة الفقد مؤلمة . . معنى أن تفقد سيجارة ، قلم ، بضع نقود ، حزام هو أن تتجرد من كل ما يكمل المظهر الإنساني ، هو لحظة فقدان الصلة مع العالم الخارجي ، هو بدايات المواجهة مع العدو المتربص في الداخل " الوقت " مجرداً من كل فعل أو تعبير ، سيتكفل الوقت برسم ملامح الوجه العاري من كل انفعال .

في أوقات الحرب والأزمات الكبرى تكون السجون منطقة غائبة عن العالم ، ممحية من الوجود ، الطريق إليها في هذه الأثناء يعنى الموت المسبق .. السجين نقطة مكتوبة في ورقة ستمحو الكلمات الطويلة كل أثر لها . حدث أن عذب أحدهم في ظروف مماثلة ولم يمت بل قطعت يده عند منطقة الكف ، كان يفكر لحظتها " ماذا سأفعل بالأخرى ؟ " ويعزي نفسه " إنها اليد اليسرى " . في السجن يمكن أن تفقد كل شئ وجميع اجزاء الجسد ، فلا عزاء سوى البقاء على قيد الحياة .. يخيم الموت على السجن أولاً ثم ينتقل إلى بقية البلاد ، كلما اظلمت السجون ماتت البلد وشاخت ، هي مقابر الأحياء وشواهد الإنسانية المحتضرة .

حدث أن ضحك ذات مرة السجين مقطوع اليد ، حدث أن ضحك السجين الذي اخضع لتفتيش دقيق ، وضحك آخر في زمن الحرب .. الضحك في السجن يعني أن الدماء لا تزال تسري في العروق وأن الطبيعة الإنسانية لاتزال قادرة على الانتصار والبقاء ، سيبدو الطريق إلى السجن كمشهد سينمائي جميل بعد أن تأخذ السجون الانفعالات وتسرقها ، تتكسر الضحكات وتجئ ذابلة .. الجيد في الأمر أنها لن تختفي لكن سيكون فيها مذاق الموت والكراهية .. سم يلذع . الطريق للسجن يعني العدوى بالسموم ، امتلاء الوجه بالوقت والضحك المكتوم .







اخر الافلام

.. لماذا العريضة إلى المحكمة الجنائية الدولية ضد الفاغنر؟


.. اعتقالات ليلية بالسودان بعد حالة الطوارئ


.. المئات يتظاهرون ضد ترشح بوتفليقة لولاية خامسة




.. لماذا تنتقد الأمم المتحدة تنفيذ الإعدامات في مصر؟


.. الحوثيون يحولون الإغاثة إلى تجارة