الحوار المتمدن - موبايل



مبدأ المستعبدين.

منى الغبين

2017 / 11 / 12
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


الإنسان كائن اجتماعي بطبعه فلا يشعر بالأمن , والطمأنينة والسعادة إلا بالعيش في وسط اجتماعي يرتبط به فكريا وعاطفيا بجميع العلاقات الإنسانية المعروفة التي تجعل المجتمع كجسد متعاون يشعر كلّ عضو فيه بألم العضو الآخر , وبالتالي فإنّه يهبّ تلقائيا للدفاع عن مصالح هذا المجتمع وقضاياه وقيمه العليا بدوافع فطرية كما تتحرك اليد تلقائيا لدفع الأذى عن الجسد , وكما يتحرك الجفن لا إراديا لحماية العين , فكلّ فرد مستعد للتضحية في سبيل النفع العام ومصلحة الجماعة لشعوره بأنّها أسرته التي تضمن مصالحه الفردية وتحقق راحته النفسية , فيستمرّ المجتمع في سير ارتقائي راق يليق بمكانة الإنسان ووظيفته في إعمار الأرض وتسخيرها لما ينفع بني البشر .

هذا ما يكون عليه الحال في المجتمعات الإنسانية الطبيعية القائمة على فكر إنساني راق عنوانه الرئيسي خدمة الإنسان وصيانة حقوقه , ولا يخرج الإنسان عن هذه الفطرة السليمة المستقيمة إلاّ لعوامل خارجية عارضة تحرف هذه الفطرة , وتمسخها , فتجعل الإنسان خائفا مرعوبا باحثا عن خلاصه الفردي غير آبه لمصير الآخرين من حوله , بل غير آبه لمستقبل حياته , وتتفشى هذه الظاهرة التي شعارها " اللهم نفسي " في المجتمعات المستعبدة التي تخضع لحكم ديكتاتوري مستبد يعيش أفراده مستعبدين ذليلين , فتنحرف الفطرة الإنسانية وتتلاشى جميع العواطف النبيلة , وتضمر الغرائز الاجتماعية ولا تبقى إلاّ الأنا والحرص على بقائها ولو بأدنى مراتب الحياة , فيتصرّف الفرد فيه كقائد سفينة أصابها خلل فهو مستعد لإلقاء كلّ ما فيها بمن فيهم أقرب الناس إليه على أمل أن ينجو بنفسه.

وظاهرة البحث عن "الخلاص الفردي " من أكثر الظواهر الخطيرة التي تعاني منها المجتمعات الشرقية فحاول كثير من المصلحين علاجها بالتعليم , وعزوها للجهل فأنتشر التعليم بشكل واسع إلاّ أنّ هذه الظاهرة تزداد تفشيا واستحكاما , وربما تجدها في أوساط المتعلمين أكثر منها في أوساط غير المتعلمين , فتجدهم يعيشون في رعب من أبسط الأمور , ولا يفكرون بالدفاع عن أبسط حقوقهم المشروعة المكفولة بالقوانين المطبقة حتى وصلت الحال بأنّ أحدهم يكون ضحية لظلم من موظف حكومي صغير فلا يجأر بالشكوى خضوعا لروح العبد الذليل التي تسكنه , والتي تتعامل مع ما يقع عليها من ظلم من الآخر إن كان من طرف السلطة وفق مبدأ (( سيّد يؤدب عبده )) !!!!

يا الله كم يشقى أولئك العبيد الجبناء , وكم يعانون فهم يموتون كلّ يوم موتة وهم يظنون أنهم يحافظون على حياتهم , يعيشون في رعب دائم , يشغلون أنفسهم بالرتوع بالشهوات البهيمية لعلّها تخفف من وطأة شقائهم , يتساقطون عند أقدام المستبد وأعوانه هاتفين بشعارات الحب والولاء وهو يدوسوهم ويسحقهم فيجلسون بائسين يلعقون جراحهم , وينظرون إليه بنظرات ذليلة خانعة يحاولون تغليفها بمسحة الرضا والاغتباط .

المستبدّ وأعوانه لا يمكن أن يحترموهم ولن يثقوا بهم لأنّهم يدركون أنّ الذين عجزوا عن أن يرتقوا لمستوى العصافير التي تدافع عن أعشاشها _ لا يمكن أن يعتمد عليهم في شيء , ولا لوم عليهم في ذلك فالذي يرى الظلم يقع على أقرب الناس إليه ولا ينكر ولا يستنكر لا يحترم فكيف بمن يؤيد الظلم ويعتبره عدلا !!


من حقّ هذا الصنف المستعبد المنحرف الفطرة أن يظلّ خانعا ذليلا ولكن ليس من حقّه أن يكون داعية للخنوع والخضوع والتشكيك بكل صوت حرّ شريف يأبى الظلم ويرفض استعباد بني الإنسان , له ألاّ يثق بأحد , ولكن ليس من حقه أن يفرض ارتكاس فطرته وانتكاس إنسانيته على الآخرين .


للمستعبد الذليل أن يعيش بعقلية القرن التاسع عشر حفاظا على بقائه المهدد كما توحي إليه نفسه الخاملة الجاهلة , ولكن ليس من حقّه أن يكون عقبة في طريق السالكين في طريق النهوض والارتقاء .

للمستعبد الذليل أن يتقبل الظلم بكل صدر رحب , ويقنع نفسه المريضة بأنّه عين العدل ولكن ليس من حقّه أن يفرض رؤيته المنحرفة على الأحرار .

له أن يجلس على قارعة الطريق يلعق جراحه من آثار رصاص السيّد , وإن رآه هبّ واقفا ويفعل كما يفعل الكلب عندما يشاهد صاحبه , ولكن ليس من حقّه أن يقنع البشر الأسوياء أن ينزلوا لمرتبة الكلاب .

للمستعبد الذليل المرعوب أن يخاف من المطالبة بأبسط حقوقه الإنسانية التي كفلتها جميع الشرائع والدساتير والقوانين والنظم , وله أن يجهلها , وله أن يعتقد بأنّه لا يستحقها ولكن ليس من حقه أن يفرض صغار نفسه , ودناءة همته على بشر يعتقدون أنّ الإنسان مخلوق مكرّم استخلفه خالقه لعمارة الأرض , ورفع منار العدل فيها .

للمستعبد أن يغلق جميع منافذ عقله , ويتعامل مع الحياة بغرائزه البهيمية العمياء ولكن ليس من حقّه أن يطلب ممن يفكرون بعقولهم , ويبصرون بأعينهم , ويسمعون بآذانهم أن يكونوا مثله صمّا بكما عميا لا يفقهون .

له أن يعتقد بأن السعادة تكون بحياته الذليلة الدنيئة الخانعة الخاضعة ولكن ليس من حقّه أن يفرض معتقده الأعوج على بشر يؤمنون بأنّ السعادة لا تكون إلا بسيادة الخير والعدل والفضيلة .

وختاما نقول لمن ارتضوا حياة الذل خوفا من الهلاك والأذى : إنّ ما تمارسونه هو الموت بعينه , وما ترتعون به هو الشقاء بذاته , فإن لم تستطيعوا أن تقولوا الحقّ فلا تحاربوا أهله , وإن لم تستطيعوا استنكار الظلم الذي يقع عليكم فلا تباركوه ....

ورحم الله القائل :

( سيكون ما هو كائن في وقتِه ... وأخو الجهالةِ مُتَعب محزون )







اخر الافلام

.. ما أهمية إطلاق الدول لأقمار صناعية خاصة بها؟


.. نشرة الإشارة الأولى 2017/11/18


.. مباشر.. الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يستقبل سعد الحريري في




.. علي بابا في عيد العازبين


.. ما هو مستقبل الروبوتات؟