الحوار المتمدن - موبايل



مفهوم الظلم ودلالاته

عباس علي العلي

2017 / 11 / 12
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


في موضوعية الظلم هناك رأيان فلسفيان يفسران ظاهرة الظلم في المجتمع الإنساني ويدرسان القضية من منظور نفسي، الأول يميل إلى أن ظاهرة الظلم تتبع مجموعة مفاهيم طبيعية تنظوي تحت مفهوم الشر الذاتي بأعتبار الإنسان كائن شرير طبيعيا، وما يجري من تخفيف غلواء الشر من خلال أكتساب ثقافة الخير وسلوكياته هو محاولة من الإنسان للتفلت من محورية الشر عسى أن يستفيد ذاتيا من موضوع الخير الطارئ، فهو يبني على الجانب المظلم من كينونة الإنسان ودليله أن أول إنسان أمكن تسجيل أثار وجوده في الأرض كان كائنا شريرا ولم يكن قد تعلم الجانب الأخر في حياته، ويضرب مثلا أن المجتمعات البدائية في علاقتها مع الأخر الغريب تمارس العنصر الحاد من نظرة الشر فتستبيح وجوده الكلي، وتعتبر ذلك طبيعيا لأن محددات الخير بالنسبة لها لم تتبلور بعد حتى تتعلم التعامل الخارجي وتنصاع له.
أما المدرسة الأخرى والتي تشير إلى أن مفاهيم مثل الخير والشر ليست مفاهيم تكوينية فطرية عند الإنسان بل هي مظاهر لوجوده وحسب قدرته على تفسير العالم من حوله، فالنفس البشرية عند هذه المدرسة الطبيعية تشير إلى نوع من اللا وصفية في السلوك الفطري معتمدة على أن البشر ككائنات تتفاعل مع العالم الخارجي والبيئة، وما تنتجه التجربة لديها من معارف أجتماعية سوف تعكسها كسلوك أجتماعي يتأصل من خلال عامل الثبات والقبول به، من هنا فهي تفرق بين الشر المصطنع نفسيا حينما يتصرف البعض بصورة سلبيه تجاه أقرانه، على أن هذا التصرف قد يكون لحظي أو طارئ وقد لا يتكرر في مناسبة أخرى، وبين ما يعرف بالشر الجمعي الذي تتبناه فكرة المجتمع العمومية وتعتبره جزء من شخصيتها، وهي بذلك تفرق بين الفاعل وليس الفعل.
الحقيقة أن الدراسة الأجتماعية للمدرسة الأولى والذي شكلت نقدا رئيسيا وجوهريا لها هو أنها تعاملت مع نتائج الشعور الجمعي تجاه الغريب أو المنافس الأخر، وأصبغت على المجتمع هذا التصرف كقاعدة سلوكية طبيعية عامة، عممت نظرة جزئية للواقع على أنها القاعدة الكلية وأيضا تجاهلت العلاقات البينية بين أفراد المجتمع فيما بينهم، وتجاهلت القواعد التشكيلية المؤسسة للأفكار بعمومها من خلال السيرة التأريخية للإنسان في وجوده الواعي.
فمثلا ما سجل على دموية وشرور (المجتمعات الإنسانية القديمة) مع تحفظي على الإسم إنما كانت كذلك لكون هذه المجتمعات فيما لو كانت حقيقية تنتمي إلى ما يعرف اليوم بالإنسان الآدمي، فهي كانت تمارس وحشيتها هذه ليس لأنها شريرة بالطبع الغالب، ولكن ولغياب معرفة متراكمة مؤسسة لكونية المجتمع وقادرة على فرز قوانين أجتماعية لما شهدنا هذه الوحشية والدموية التي هي أقرب للحيوانية منها للإنسانية، عندما نقول أن الإنسان (كائن أجتماعي بالطبع) إنما نحيل تمام الوصف لكونه أجتماعي فقط وما يعني أن يكون أجتماعيا أي أنه يرتبط بعلاقات تشاركية وليست علاقات أفتراس ومزاحمة، فمن لا يمكن أن يعيش المجتمع كأطار ووجود حتمي لا يمكن توصيفه ببشر أو إنسان أو بني آدم، لذا فهذه الكائنات البدائية لا تنتمي من حيث جوهرة فكرة المجتمع للمجموعة البشرية قطعا، وهي بالتأكيد سلالة حيوانية قريبة الشبه بالإنسان وأنقرضت لأنها لا تملك الحس المعرفي ولا تعيش مجتمعيا.
المدرسة الفلسفية الثانية وإن كانت أكثر واقعية في طرحها من المدرسة الأولى لكنها بالغت في تأثير البيئة والعلاقات الخارجية الحولية التي تصنع سلوك الإنسان وتفعله، نست أيضا أن التكوين الفطري الإنساني قد لوحظ عليه ومن خلال الكثير من الأشارات السيكلوجية الطبيعية أن العامل المميز في طريقة تعاط الإنسان مع البيئة ومع الحول الخارجي هي علاقة التوطن والمشاركة والحماية الجمعية للمجتمع للحفاظ على البقاء، والدليل أن المجمموعات البشرية التي تعيش ظروفا متشابه وتحت ضغوط واقع حولي واحد لا تنتج سلوكيات متشابهة ومتطابقة وأحينا حتى متناقضة تماما، هذا يؤكد أن هناك نظاما داخليا فطريا تكوينيا مسئولا بالدرجة الأولى على صياغة السلوك الشخصي تبعا لتجارب وتأثيرات مختلفة ومتباينة وإن كانت عامة مثلا أو شمولية.
هنا علينا أن ننظر للإنسان وفعله السلوكي نظره كلية حقيقية ومن خلال التجربة التأريخية والنفسية العلمية، سنجد أن مسألة الشر والخير ليست صفات ولا أفعال يمكن أن تنتج من خلال عنصر واحد ولا هي نتاج طاري ولا أصيل، بالحقيقة كلا الوصفين هما نتاج تشخيص ذاتي للمجتمع بناء على محددات هو أبتكرها وصنفها وجعلها آيات أو علامات للتحديد وقياسية نسبية طبعا لما في المجتمع من وعي فكري، المجتمع والإنسان وما تفرضه البيئة والتراكم المعرفي كلها تساهم بتحديد ما هو شر وما هو خير وطبعا في أطار نسبي ذاتي وقتي ومكاني، فالقيم عموما نتاج مصنع ومكتسب ومتراكم ولكن في العموم هناك معادل عام وموضوعي قد تشترك فيه الكثير من المجتمعات قد يصلح كدلالة على ما هو خير أو شر، وهذا ناتج من التلاق والعلاقات والتواصل الإنساني بين الناس الذي ولد معرفة مشتركة أنتجت فهما مشتركا لمعاني متفق عليها ولو بالعموم
نعود إلى موضوع الظلم وتعريفه على ضوء هذه المقدمة والتي يعني في مجملها، أن هناك خلل ما في التركيبة النفسية للفرد والتركيبة المعرفية في المجتمع تتيح لأحد أفراده أنتهاك ما هو واجب التقيد به، وهناك تعارض حقيقي بين أن نكون متساوين على مبدأ أننا في مسافة محفوظة بين الواجب والألتزام وبين الحق والواجب، عندما تنتهك هذه الثلاثية ويخضع المجتمع إلى شروط الفرد المتسلح أما بالقوة أو بالقدرة، هنا نصبح أمام مشهد مختل ومنتهك لمبدأ العدل والمساواة وحفظ قواعد الوجود الأساسية للمجتمع كفرد وللمجتمع كمجموعة، هذا الظلم له جانب يتعلق بتقاعس المجتمع عن المواجهة وبالتالي تقصير عام منه وعليه، وأيضا له وجه ذاتي أن المقدمات التصنيعية للسلوك قد هيأت لهذا الفرد أن يظهرها عندما يكون المجتمع متسامح أو لا مبالي للأنتهاك الفردي.
فالقوة حينما تنطلق من ضغط الأنا المستفردة والمتضخمة على غيرها لا يمكن أن تتوقع منها أن تتجه للأخر بإيجابية، لأنها ترى أن واقعها أكبر من حيزها الطبيعي ولا بد لها أن تتمدد لهذا الواقع وتسيطر عليه دون أن تحسب للحدود الطبيعية من حساب، هنا يولد الشعود الذاتي لها حق تراه واجب البسط والفرض، فتنفعل به وتمارس فعلها وكأنه الحق المطلق لها طبيعيا لأنها تملك الفعل الملجئ والقهري ضد الأخر، فإذا وجدت كوابح ومعارضة من الأخر دخلت معه في صراع لا ينتهي إلا حين تتأكد أنها على أمام نتيجة حتمية، أما الأنهزام والتسليم بحق الأخر المثلي، أو تنتصر فتفرض هي شروط المنتصر فتستعبد الأخر ووجوده وتمارس بحقه ما يعرف بالظلم.
الظلم إذا فعل نفسي يتنافى مع كون الإنسان كائن عاقل تحكمه المعرفة العقلية ويضبط سلوكه الإحساس بالعقلانية، فكما أنه كائن تحركه الأنا أيضا هو محكوم من جهة أخرى بالعقل وكلا المفهومين يولدان معه وبنفس القوة وهذا ما يفسر القول أن الإنسان ولد متوازنا مستويا فيه فعل الخير وفعل الشر، لا يمكن أن يولد الإنسان بنفس حسية دون عقل فسيكون عندها مجرد حيوان خالص، ولا يمكن أن يولد إنسانا عاقلا دون تأثير للنفس وقواها المحركة فيكون ملاكا مثاليا، الإنسان مجبول بطبيعته وبتكوينه وبالفطره أن يكون متوازنا قادرا على فعل الخير والشر، قادرا أن يكون ظالما بضعف الوازع العقلي والخضوع لقوة الأنا النفسيه.
إذن الظلم من هذه الوجه مع المجاز بالتسمية هو ثقافة يكتسبها من الواقع وعلاقاته، كما يكتسب القبول به ومعايشته أيضا بنفس العوامل التي تدفع الإنسان للظلم، العلاقة المنشئة علاقة طبع وتطبع قبول ورفض، مقاومة وأستسلام وبالتالي لا يمكنني أن أقبل تفسير فكرة الظلم أنها الأساس الكلي في طبع الإنسان ومن أساسيات تكوينه لأنني بذلك أفسخ نظرية أن الإنسان كائن عاقل ومتعقل وقادر على أن يستوضح الطريق ليكون كائنا أجتماعيا بالطبع، هذا القول لا ينفي أن مظاهر الشر قد تكون الغالبة في المجتمعات الإنسانية ومظهر عمومي لها، ولكن هذا متأتي من خلل في التوازن النفسي والعقلاني في المجتمع والذي هو قابل أن ينجبر إذا ما أريد له أن يكون عادلا ومستويا بتدخل العقل وفعل المعرفة.







اخر الافلام

.. ما أهمية إطلاق الدول لأقمار صناعية خاصة بها؟


.. نشرة الإشارة الأولى 2017/11/18


.. مباشر.. الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يستقبل سعد الحريري في




.. علي بابا في عيد العازبين


.. ما هو مستقبل الروبوتات؟