الحوار المتمدن - موبايل



تجربة الخلق والمصير

عباس علي العلي

2017 / 11 / 13
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


المصير خلق التجربة وإثبات لدور المعرفة
لعل المشهد الصوري المتناقل روائيا لقضية نزول سيدنا آدم من الجنة للأرض وتكليفه بقضية الأستخلاف، وبعيدا عن حدود الرواية الدينية يذكرنا دوما بقضية المصير البشري، وعناصرها الأولى والحكمة من إيرادها بالشكل الذي طرحت فيه، القضية برمتها كانت تتركز على كيفية بناء ومواجهة التجربة الحياتية ومن ثم تقرير المصير بناء على منتج التجربة والملخص العقلي منها، تقول الرواية عندما أراد الله أن يمتحن آدم وضعه وجها لوجه أمام ثلاث تحديات كبيرة، الغرض من هذا لوضع ليس أمتحانا لإيمانه أو بلاءا من الله وأنتقاما للخطيئة كما يسوق دينيا، وإنما أراد الله من هذه التجربة أن يكون الإنسان وجها لوجه أمام مصيره من خلال القدر.
العناصر الأساسية التي لعبت دور المحرك والدافع لآدم كانت أولا مواجهة النفس بالعقل المجعول حاكم ومقياس، وتحدي الميول الذاتية من خلال أستعراض مكامن القوة والقدرة فه وعلى رأسها دور العقل، وثانيا كانت التحدي الأكثر قوة هو الخارج الأخر المتمثل بالنقيض والضد النوعي أو ما يسمى بالعدو المبين، كان إبليس جزء من هذا التحدي والجزء الأخر هو الواقع الذي يجعلك في تماس وأحتكاك مع إبليس، وثالثا كانت التجربة الأهم في قضية المواجهة الأولى والثانية (كيفية أنتاج المعرفة) منهما لغرض تدعيم الموقف الإنساني، وترجيح ميزان آدم وأبنائه في مواجهة والتصدي بمعرفة لقضية المصير، كل التجربة إذا وما فيها وما عليها كانت تعني المصير بالنهاية وبالتفاصيل.
إذن المصير أو ما يعرفه البعض من أنه النتيجة الغائية لعلة الوجود والخلق كانت هي قيمة التجربة الإنسانية التي سعى لها آدم من أول وجوده كائنا عاقلا في الحياة، ولذا أرتبط المصير دوما بالعقل كقيمة صانعة ومدركة وخالقه له ومدبرة بوجه أخر، ومن لا يملك العقل لا يملك رؤية مصير ولا حتى يمكنه أن يدرك المعنى والقيمة الأساسية من تجربة تحديد وتقرير المصير, قدمنا بهذه الكلمات القليلة المفتاحية لكي ندخل إلى ساحة معرفية مهمة في ظل ما يواجهه الإنسان من تحديات إشكالية وجودية في عالم أختفت فيه العناوين الأساسية، وأنشغل في البحث فيها عن الظواهر العالقة والرؤى التي ترسم بقوة على إحساسة العقلي، قضايا ذات قيمة فرعية تغنيه عن مناقشة الأهم والأخطر وجوديا، من هذه الظواهر تحديدا قضية الصراع الدامي بين ما يعتبر خيرا وما يعتبر شرا دون الإلتفات إلى أن قضية الصراع هذه لها وجه أكبر وأطار أمل وهي قضية صنع التجربة.
في مثال حي وحقيقي ومعاش مثلا وتركيزا على راهنية هذا الحال العراق البلد والأمة والشعب الذي يبحث اليوم نخبته ومفكريه وفلاسفته عن سؤال مهم، يتلخص بأننا كمجتمع سائرون على طريق ما ولكن إلى أين؟ هذا السؤال تتبعه أسئلة فرعية وتنتابه الكثير من التوجعات والألم وكثيرا من التشاؤم، ونحن في وضع التيه الذي أمتد طويلا وكأنه تيه بني إسرائيل ولكن بلا ميعاد، إذن السؤال بمجمله لا يتعدى البحث عن المصير ولكن بعد أن فصلنا التجربة عن الهدف توهما، نجحنا أو فشلنا في إدراك ترابط الوعي مع شدة وقساوة التجربة وما صنعت لنا من وعي سيقودنا للبحث عن المصير، كان السؤال الأجدر طرحه والبحث عن حلول له هو ما هو المصير؟
إذن علينا كباحثين ومفكرين ودارسين للقضية الأجتماعية أن نبحث في المسارات الحادثة والمفترضة لا في الظواهر، وأن نبحث في الأسس القديمة قبل أن نبحث في الشرفات العالية عن تنظيرات تبريرية، الوجود الحياتي موجود مركب وممتد بروابط ومشاركات متعددة في كل التوجهات والأتجهات أي برؤية شمولية كلية، وعندما نريد أن نبني بناء متقنا ومتوازنا علينا أن نرسم أولا الصورة ببعديها الأفقي والطولي كي ننجح في تجسيد شكلية الصورة في الذهن، لا يكفي أننا نشيد قواعد فقط لنطمئن على ما ستفضي عملية البناء لأن القواعد مهما أمتدت أفقيا لا تبني شكلا هندسيا يمكن الإستفادة منه، وكذلك الحال الأعتماد على البناء الطولي من دون قواعد عريضة ومتينة ومتناسبة مع طولية وشاقولية البناء، سوف تكون مجرد محاولة فاشلة لا تصمد أمام القضية الهندسية السليمة.
إن عمليات بناء الرؤية الكونية وحتى المحدودة منها بمجتمع أو بزمان أو مكان مخصوص لا بد لها من فن وإمكانية وقدرة على التصميم والتنفيذ، وهي في الواقع عملية هندسية معقدة لمن لا يعرف فن التصميم والرسم الهندسي بمهارة وأحتراف، لأن الحياة برمتها مجرد بناء هندسي بشكل أو بأخر يضيف إلية الإنسان روحيته الخاصة وطعم ومميزة حينما يعيشها بشكلها الطبيعي، المصير إذن هو رؤية ترتبط بعوامل ثلاث حينما نريد رسمها والبحث عنها ولو ذهنيا تمهيدا لبسطها بين الناس وهي:
• علينا إدراك أن التجربة مرها وحلوها إيجابياتها وسلبياتها موقفنا منها وموقف الأخرين وعلى كل الصعد هي الأساس في رسم وتحديد وتقدير تقرير المصير، بناء على شكلية ومسارات وعناصر التجربة ذاتها، فرمي التجربة خارجا وأهمالها والبدء في البحث عن مصير أخر مختلف، هي كمن يرمي بالتأريخ كله في سلة المهملات وينتظر الوحي أن يرسم له خارطة طريق بشكل أعجازي وخارق لمفهوم تراكم المعرفة.
• الإيمان الحتمي بالتغيير كضرورة أو كنتيجة أساسية في حركة المجتمع هو جزء من عملية كينونة المصير، ولا يمكن الفصل أبدا بين حركة الزمن والمجتمع وعزلهما عن فكرة التجربة، وما يتبعها من أليات تتراكم لتصنع المعرفة الضرورية للتمييز بين التغيير وبين التطور الطبيعي، هذا التمييز هو الأهم في قضية المصير حينما يكون المصير محددا وواضحا وجليا ينتج من تراكم التطور، لأن مسارات السيرورة والصيرورة مسارات طبيعية فلا بد أن يكون التحديث هو السر في تجديد مفهوم المصير، أما في المجتمعات المتعثرة والفاشلة في تحديد حتى مساراتها الطبيعية هنا يلعب التغيير دورا محوريا وجذريا في بناء الرؤية، وفي بلورة صورة المصير ورسمه هدفا وليس كما في المجتمعات الأولى أستحقاقا أكيدا.
• قضية تحديد وتقرير المصير لا يمكن رسمه طبيعيا في مجتمع مأزوم وخارج من سلسلة خيبات وفشل مستدام، بل من يرسمه هو الفكر الحر الغير خاضع لتلك العوامل الفاشلة التي أصابت المجتمع وقيدت إرادته، بمعنى أن المشتغل في البحث عن مصير يجب أن لا يكون أصلا عنصرا فاشلا وهو نتاج ومنتج للفشل الأجتماعي، وهذا لا يعني أن المطلوب هو البحث عن أدوات خارجية المنشأ في العقلية التقريرية والتصورية، ولكن يجب البحث أولا في العنصر الوطني الذي لم يرضح ولم يشارك ولم يدع إلى تبني الخيارات المصيرية التي قادت للفشل السابق والمتكرر، وهنا يرتبط مفهوم التحرر بمفهوم تصور وتحديد المصير، ورسم الخطوات الفكرية الأساسية والبدوية له ومن إيجاد الأليات والمناهج المناسبة في عملية إعادة الوعي الكلي والجزئي والفردي، الذي سيساهم بصورة أو أخرى في الدعوى إلى تقرير المصير.
إن قضية البناء الجديد للذين يدعون للنضال والعمل السياسي والفكري والأجتماعي لا يمكن أن يغفلوا حقائق الواقع بكل ما فيه وما تعلق به، وأن لا يكونوا أيضا واقعيين بمعنى مجارين ومسايرين لأحكامه وقوانينه تحت سطوة العجز عن المواجهة أو أستحالة التغيير، بل عليهم أن ينزعوا نحو العمل الثوري فكريا ومن غير أن ينقلوا الثورة من أطارها العقلي المعرفي لتكون في المجتمع عامل أهتزاز وأضطراب غير مسيطر عليه، العمل الثوري العقلي يستوجب منا كنخبة ومفكرين وقادة عمل خلاق إلى أحداث هزات عميقة بالوعي، وتحريك السكون الفكري والثقافي والحضاري في وجه مهم من أوجه التغيير والعمل الأصيل، في البدء بسلسلة من الأعمال الأبداعية على المستوى الأفقي والفوقي في تحريك عقلية الناس نحو مجاراة التغيير الذاتي، وعدم أنتظار ما في الحلول الجاهزة والأعجازية.
علينا أن ننفي وبشكل عملي ورصين فكرة الهروب من المواجهة والتحدي مع العدو المبين والأخر الضاد النوعي والواقع بمجمله، لأننا لا نملك السلاح المناسب كعذر أو نتيجة، علينا كإنسان صاحب عقل وفكرة أن يتحول كل منا إلى مثال لآدم البشر الذي قبل التحدي وعمل تحت عناصر التجربة لغرض مواجهة المجهول، برغم من أنه كان لا يملك ما نملك اليوم من قاعدة بيانات لا محدودة ولا ممكن الإحاطة بها من تراكم التجربة البشرية، هذا الإحساس بأننا أمام مصير لا بد من صنعه والتشرف به كنتيجة لا بد منها، هو البداية للأنتفاض من عبودية وقلق الحاضر، وهزيمة مشروع الفشل والبدء بالتغيير الجذري الذي يقودنا لرؤية المصير وأتجاهاته ودعائمه لنكون على بينة من أمرنا وبينه من خطواتنا القادمة.
إذا القضية برمتها قضية تحدي العقل البشري للواقع بأركانها الثلاث التي واجهها آدم وسيبقى يواجهها جيلا بعد جيل، فالتجربة تتكرر في كل مرة وتتجدد بدوافع وأسباب وعلل متجددة أيضا تبعا لنتائج التجربة السابقة وما بني عليه، والواقع كلما تقدم خطوة سكن وتوقف لثقل حركته الطبيعية ويحتاج إلى أن يحركه فاعل أخر، فهو مدفوع دوما بقوة التغير وليس مندفعا بقوته الذاتية المجردة، ومن هنا لا بد أن يكون العقل في حركة دائمة أساسها عدم إيمانه بالنتيجة كنهائي في الغاية منه، حركة خالقة ومتجددة ومستمرة لا تتوقف مع الواقع حتى لا يتحد العقل بسكونية تجعل من حركته في الخطوة القابلة صعبة ولا تحدث إلا بوجود فاعل أخر فوق العقل، وهذا التوقف والسكون محال عقلي أن يقبل به المنطق العقلي السليم وأن ننتظر من يغيرنا في كل مرة، حتى النص الديني أشار لهذه الإشكالية بقوله (إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ ).
فمصير الإنسان لا يتوقف على إرادة من أوجده فقط أو يخضع لنفس الإعتبارات التي سبب وعللت وجوده، ولا بد من تدخل بشري في كل مرة نحتاج فيها إلى أجوبة ونحتاج فيها إلى فتح الطريق أمام المحاولة للأرتقاء والتحول، الله وإن سلمنا هو من بدأ في وضعنا على نقطة البداية، وزودنا بعقل وأوضح المهمة ولكنه غير مسؤول أن يختار لنا الطريق دائما، أو يأخذنا بيده على الطريق الواجب سلوكه فقد فعلها مرة وأنتهى إلى إيكالنا إلى العقل الرب الأخر الموجود فينا، ليس أنتقاصا من قدرة الرب ولكنها مسئولية البشر أمام الله بعد أن أوضح له السبل وحدد الغايات {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً }الإنسان3.
الخلاصة من كل ما تقدم أن الخطيئة الكبرى التي يتخبط بها الإنسان كونه الوريث الشرعي لآدم أنه حول القضية الفكرية الأعتبارية من درس إلى قصة للتسلية، ونسي أن القصص التي أوردها النص الديني ليست روايات لتنال أعجابك وتستهلك وقتك لتكون أداة ترفيه، إن كنا مؤمنين بالدين فلا بد لنا أن نتدبر القصص وإن كنا لا نؤمن به فعلينا أن نعتبر بما في القصة من حكمة، حتى لو كان النص ليس معنيا لنا بذاته الدينية ولكنه يبقى تجربة حسية قابلة للتطوير {وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَـكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ }الأعراف176.







اخر الافلام

.. أخبار خاصة | وزراء الخارجية #العرب يدينون التدخلات الايرانية


.. الأخبار بدقيقة 20-11-2017 | ابحاث دولية تكشف ان #القهوة تحد


.. جولة الصحافة 20-11-2017 | اكتشافُ #كوكبٍ قريب -قد يكونُ منا




.. لبنان: ماذا سيفعل الحريري بعد باريس؟


.. حفلات الأطفال.. كيف يمكن تنظيمها والإعداد لها؟