الحوار المتمدن - موبايل



واقع الإسلام وواقع المسلمين

عباس علي العلي

2017 / 11 / 14
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


نبدأ في البحث هنا من انطلاقة محددة بتساؤل تقليدي طالما تم طرحه وأختلفت الإجابات وتمذهبت حول جوانب تركت قيمة السؤال, هل يمكن فصل الإسلام عن واقع المسلمين دون أن تتغير الرؤية الفكرية له, أم أن الإسلام يقرأ من عنوان رئيسي وهو ما يمكن تطبيقه واقعا؟, أظن أن الجواب سيكون متشعبا متفرعا ومتداخل في بعض الجوانب خاصة عندما يقول البعض لا يمكننا أن نفصل وأقع الإسلام عن ممن يؤمن به أو من ينتسب له أو ممن يتخذ منه شعارا وهوية، وعادة ما يردون أو يرددون مقولة أن الإسلام هو المسلمين حينما يقول قائل أن الفئة الفلانية المسماة أسلامية لا تمثل الإسلام، وهذه الأصناف الثلاث (المؤمن والمنتمي والزاعم) كل له رؤية وقراءة يتم تطبيقها على أنها الصورة الفضلى إن لم يزعم البعض أنها الإسلام بعينه.
المشكلة أن واقع المسلمين اليوم يمتد من عرض الإيمان العقيدي به إلى طرفه الأخر دون أن تكون هناك معيارية واقعية للتعريف بالإسلام, غمن أقصى اليمين الراديكالي إلى أقصى اليسار الليبرالي الكل يدعي التمثيل التمامي له، دون أن تنجح وسطية الإسلام أن تتمثل بنقطة جامعة لها القدرة على أعطاء صورة لواقع يمكن أن يوصف بمقاربة ما على أنه التجسيد المناسب ولو بدرجة ما عن الإسلام الرسالة, اليمين المتطرف الذي يضيق القراءات بصورة كهنوتية سوداوية يفرض واقعا متشنجا مشدودا للماضي غير قابل للتفاعل مع حركة الزمن وتجدد الحاجات الفكرية والمادية للإنسان، ويرى الخلاص برفض الواقع الحالي والعودة إلى نقطة الصفر عصر الرسالة بكل شكليتها الخرجية فقط, هذه القراءة لا يرفضها الأخر فقط بل الإسلام ذاته يرفض أن يكون مسجونا بقراءة حصرية ومحدودة الأبعاد، وأن أصحاب هذه القراءة يسيرون بالإسلام نحو الفناء الحتمي بنية أو بلا وعي منهم بالنتيجة الحتمية لهذا الموقف .
في الطرف الأخر الليبرالي يقرأ الإسلام من خارج مفاهيم الواقع أيضا معتمدا على نقل نفس التجربة الأوربية في صراعها مع الكنيسة، دون أن يلاحظ الفرق الجوهري بين القراءة الأوربية التي أعتمدت العقل الفلسفي في مواجهة كهنوتية كنسية متمردة على الكتاب وليس قراءة ضيقة له, إذا الفرق في أساس التجربة وطريقة التعاطي بها وليس في طريقة التعامل اليومي التعبدي, التجربة الأوربية في صراعها ضد الواقع لم تناقش كيف تقرأ الكنيسة مادة الإيمان وتحاكم هذه القراءة، لأنه أكتشف أن المادة المطروحة كواقع ديني لا تنتمي أصلا للمسيحية ولا يقبل العقل أن توصف على أنها دين، مثال أن السيد المسيح أبن لله وهذه البنوة لا يمكن أن تكون حصرية له دون أن تتكرر، لأن الممكن من قواعده التكرار وهذا جانب لإعطاء صورة عن أساس التناقض بين الفلسفة وبين الدين في التجربة الأوربية.
التجربة الإسلامية لا تعاني من هذه المشكلة البنائية للدين كفكرة ورسالة، بل تتعلق بالصورة التي ترسمها العقلية المتشيخة والمتشنجة على فكرة يتفق كل المسلمون على أنها واحدة لا تتجزأ وهو النص الواحد, التيار الليبرالي يريد أن يفرض حل مختلف على مشكلة مختلفة بقياس غريب ولا وجود له في أصل المشكلة، فيأتي ليطالب مثلا بتشذيب بعض الأحكام والمعتقدات الإسلامية الأصلية وتعطيل البعض الأخر، أي تقسيم الفكرة الدينية لأجزاء لأن التعامل بها بالطريقة التي سار عليها المسلمون لم تنجح في الأتيان بالنتيجة المفترضة أصلا بالقصدية من النص والفكرة، أو لأنها لا تتلاءم مع الواقع الراهن ومتطلباته بعيدا عن جوهر الفكرة وليس لأنها كذلك، ولكن لأن التعاطي معها واقعا أفرز هذه الصورة المختلة والمحبطة لحاجات الإنسان وأهدافه, فهو يخلط بين الإسلام وبين الواقع الإسلامي على أنهما واحد لا يتجزأ وأن كل منهم يمثل الأخر ويعبر عنه.
بين الرفض المبني على التنكر لكل شيء دون فرز ما هو أصيل ومطابق لروح الرسالة، وإعادة قراءة المضمون الإيماني للحكم الديني بروح ليبرالية موافقة تماما لليبرالية القرآن الكريم، وبين القراءة المتشحة بالغيبيات والتفسيرات التي لا تغادر زمنها وإن أرتسمت ملامح الواقع الإسلامي اليوم، وأصبح عرضة للتنازع ليس في عرض الرسالة فقط بل أمتدت النزاعات وهو أخطر ما في النتائج إلى ما في طول الرسالة، وأصبح موضوع الإيمان ذاته محل تشكيك ورفض وتخصيص، وهنا خرجت علينا أفكار التكفير والرفض ورمي الأخر بكل ما هو مباعد عن هدف الرسالة، ونسفت مبادئ لا إكراه في الدين التي يرى البعض فيها مجرد نصيحة، في حين يعتبرها القرآن الكريم من المحرمات اتساقا مع منهج التحريم مثلا ( لا تقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق ) .
لم ينجح المسلمون في تأريخهم الطويل أن يتبنوا نظرية فكرية تترجم القراءة الصحيحة للقرآن الكريم بأعتبار ما فيه يمثل المنهج الإيماني الكامل المطلق، بعيدا عن الخصوصيات التأريخية والجغرافية وحالات القرب والبعد عن مفاهيم ومنطق لغة القرآن, فتحول الواقع الإسلامي من واقع يسعى من حيث أصل الفكرة إلى الوحدة والتوحد مع الهدف والمقدمة، إلى مجتمعات متناحرة ومتفرقة متقاتلة ومتناقضة جدا لسبب من النظر لزاوية الرؤية ومنهج القراءة الأعتباطي، وهذا العيب ليس في المادة المقروءة بل بمتطلبات الصراع السياسي والفكري الممنج لهدف ذاتي، وأستحكامات الأنا المتضايقة بواقعها، عندما أنتزع المفهوم الرسالي من صورة الفكرة المجردة إلى الفكرة المخصوصة بما جعل أول مبادئ التقسيم تقوم على العنصرية ثم الفئوية داخل العنصرية لتتوسع قوميا وحضاريا، ويكون الواقع اليوم لا ينتمي أصلا إلى الهدف المحددة في نقطة الصفر الأولى.
من هذا العرض يمكنني أن أقول جوابا على التساؤل الأول أن من السهولة بمكان أن نفصل بين المسلمين كواقع وبين الإسلام كفكر مسير للواقع، لكنه غير قادر على تصحيح السيرورة فيه لأن أدوات التمكين غائبة وهو العقل المتناسق مع مراد الرسالة من جهة وفروض الإنسان المتدين به من جهة أخرى, الواقع بفرض شروطا خاصة تميل إلى الأنحياز للأنا البشرية المجردة التي تتسم بالفوضوية أو على الأقل بالتحرر من الالتزامات الخالية من دوافع القصر والإكراه، وتلجأ في ذلك إلى التسويف وهذا ما لا يمكن أن يتقبله الإيمان الذي يخير بين التمسك به أولا بالخيار الحر أو رفضه، لكن في الخيار الأول هناك التزامات وضوابط الهدف منها ليس القسر للقسر ولكن لتنظيم الأمر الاجتماعي البيني وفق مصلحة الشراكة، وهذا ما يناقض الأس الأناني في الطبع البشري, أذن الدين ليس مسؤلا عن واقع مزيف شعاره ديني خيري مثالي وواقعه مادي أنحرافي تسويفي.
الهدف من الفصل بين الإسلام كفكر حامل ومحوري والواقع الإسلامي مجازا وهو واقع المسلمين يسمح للناقد التأريخي أن يدرس الظاهرة الإسلامية من خلال التناقض والتطابق بين الأصل الفكري والنتيجة المعتمدة واقعا، ومعللا الأسباب التي تخص الإنحراف كما يبين الأسباب والعلل التي أدت إلى هذا التناقض، ومن ثم العمل على نقد السلوك المتسبب أولا في عدم تقيد التجربة البشرية بالركائز الإيمانية إن كانت صالحة طبيعيا، أو أن المشكلة في الدين وركائزه التي لا يمكن بسطها بمثالية على الواقع المادي, هذا النقد والدراسة التاريخية هي التي يمكنها الإجابة على السؤال المزمن عند المسلمين, لماذا تأخرنا عن حركة العالم وتطوره برغم عدم وجود الموانع المادية والروحية الدافعة؟ وما هو الحل الذي يتناسب مع طموح المسلم وحيرته وتردده بين رفض الإسلام أو رفض المستقبل، هذه الإشكالية التي تجد لها صدى واسعا اليوم في أساليب ومنطويات التفكير الليبرالي وحتى المعتدل الإسلامي.
يبقى الواقع الإسلامي أي واقع المسلمين عصيا على التغيير ولا تناسبه لا الحلول الراديكالية ولا الليبرالية ما لم يتخلص أولا من فكرة التفوق، وفكرة أنهم خير أمة وعلى العالم أن يتغير لجهتهم وكأنهم قبلة الإنسانية وهم أصلا لم يتفقوا على مشتركات مبدئية تتعلق بمفهوم الإنسان أولا، والنظرة له وكيفية التعبير عن أحترام المجتمع الإسلامي له وحقه في الوجود كما هو حقه في الاعتناق العقائدي، وبذلك يتخلص من أهم أمراض الشذوذ الديني المتمثل بفهم الدين كقيد على حرية الإنسان وليس دعوة حقيقية للتحرر, الله لم يطلب من الناس أن يكونوا عبيد في مملكته ولا يرضى لهم الذل وهو الذي كرمهم على كثير من مخلوقاته، بل يريد منهم أن يكونوا عبادا صالحين بمعنى أن يكون الخيار الرئيسي للإنسان هو الصلاح والإصلاح والتصليح، وهذا ما ينافي أصلا صورة الله والدين في الواقع الإسلامي الآن, إنها تناقض الفكرة مع التطبيق تناقض المبدأ مع الممارسة, حتى تتطابق الصورتان يمكن للواقع الإسلامي أن يتحرك وأن يختار بحرية أي الطرق المنهجية قادرة على الوصول به للهدف.
إزاء هذه الأستحالة يكابر الكثير من المسلمين على نجاح خياراتهم الغير مؤهلة أصلا بعد التجارب المريرة والدامية بين الفرق المتنازعة، دون أن يتفهم المتنازعون من التجربة أن الإنفراد برسم الحلول عملية عقيمة لا يمكنها أن تثمر إلا عن المزيد من الشقاق والاختلاف, ولابد من الجلوس على طاولة الحوار المعرفي والنقدي لتدارس أولا النقاط المشتركة والبناء على المشتركات العقائدية والفكرية، دون أن نعتبر أنجاز فقرة من فقرات الحوار انتصار لفريق لأن فكرة المنتصر والخاسر هي الأساس الذي أسس منهج الافتراق وأحدى المفاهيم التي نسفت الوحدة المجتمعية الإسلامية، يوم تنازع المسلمون مهاجرين وأنصار على أظهار فائز وخاسر وما جر ذلك مما دار بالسقيفة على المسلمين بالتوظيف السياسي التجاري للدين، وإهمال كلمة التوحيد لصالح كلمة الأنا الفائزة بالمكسب والخاسرة للمعتقد، وهذا الكلام يشمل كل الفرقاء المسلمين دون أن نخل أحد المسؤولية منفردا, من دعا لأمير منا وأمير منكم هو شريك لمن دعا بأفضلية المهاجرين هلى الأنصار والشريك الأكبر لهم من جيرها لصالح قريش ونسى أن لا عصبية قبلية في الإسلام.
على المسلمين اليوم إذا أرادوا أن يصححوا من واقعهم المزري ويبتكروا طريقا فاعلا وناضجا قد يعوضهم الفترات السوداء من التأريخ، أن يتخلوا عن الحنين للماضي كصورة يراد لها البقاء في الذهن دون أن نستمد من جماليتها العلة التي جعلتها جميلة, وأن تتحرر عقلياتهم من الانتساب للعظمة الفارغة وأن يعيشوا الإسلام روحا قبل أن يتعبدوا به نصوصا، وأن تختفي من مناهجهم فكرة أن الدين هو قانون الحياة، لأن الدين قانون العقل والعقل الحر هو من يبتكر قوانين للحياة .
الله لم يجعل الدين مركب جامع فيه الصالح والطالح بل جعل من الدين خارطة طريق للعقل وخاطبه بالذات وجعله مسئولا تأريخيا عن خياراته وعن هدفية الوجود، لذا لم يمنح الإنسان كمادة أي قدرة على الإدراك إلا من خلال هذا العقل، وعلى المسلم ان يتبع منهج الله في البحث عن واقع أفضل وينتمي له على أنه الخيار الذي لا بد منه للإصلاح, الله لم يكلف أبطالا خارقين ولا جبابرة لتبليغ رسالاته بل أختار أكثرهم قدرة عقلية وصدق وأمانه ليكونوا رسله للناس, وعلى المسلم أن لا ينحاز إلا لنفس هذه المعايير حتى ينجوا ويستدرك ما فات من أمر الدنيا.
لقد أصبح الواقع الإسلامي اليوم بما فيه من إشكاليات ومشاكل لها جذور قوية وتنازع حول أهم أساب الوجود، أضحى من الحتم ان تقوم فيه حركة ترددية بمعنى الاهتزاز الترددي الذي يولد زلزالا فكريا يحطم كل الآلهة التي صنعها المسلمون، كلا على ما يشتهي ويريد وغطوا فيها وجه الله الواحد الأحد، ومن ثم تنظيف الواقع هذا من أساسيات التشرذم وهو احتكار الوكالة عن الله وادعاء الربوبية المؤقتة التي يتوارثها الطغاة بينهم، ليخلصوا النص الديني وجوهر الرسالة من التزييف والكذب على الله بمسميات الاجتهاد والعلم الديني.
هذا كله متعلق بشيء أساسي وهو تحرير العقل المسلم من حدي الخوف والقداسة، والخروج على طغمانية الصفوة والنخبة نحو مساحة الإنسان المجرد إلا من إنساتيته المطلقة، الإنسان ذلك الرسول والمرسل إليه ومحل الرسالة ومحورها الدائم, عندها يمكننا ان نتصور أن تعود للإسلام حرية الحركة في واقع يقبله دين للحياة وليس دين الموت وما بعد الموت, الحياة في الإسلام أولى من الممات وما بعد الممات لأنك إذا أردت أن تعبر للضفة الأخرى من النهر يلزمك جسر متين وممهد وقابل لأن ينقلك بسلام, فليس من العقل أن تهمل هذه الشروط وأنت عازم كما تظن أنك لا بد عابر حيث هدفك النهائي.







التعليقات


1 - خوف وقدسية
محمد البدري ( 2017 / 11 / 14 - 13:13 )
يشكل النص بنية وطرق تفكير العقل الحامل له والمؤمن به. وبكلمات ادق يقوم النص بالردم علي ما لدي العقل من منطقية في التفكير. فما بالنا إذا ما كان النص يدفع للخوف ويشكل قداسة؟ هذا مجرد تعليق بسيط علي ما ورد بنهاية المقال عن تحرير العقل المسلم من حدي الخوف والقداسة. ببساطة يكمن الحل في افراغ العقل مما لدي النص واعادة البحث فيه باعتباره وافدا من خارج الوجود المنطقي والمادي العقلاني. تحياتي واتحترامي

اخر الافلام

.. ما أهمية إطلاق الدول لأقمار صناعية خاصة بها؟


.. نشرة الإشارة الأولى 2017/11/18


.. مباشر.. الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يستقبل سعد الحريري في




.. علي بابا في عيد العازبين


.. ما هو مستقبل الروبوتات؟