الحوار المتمدن - موبايل



لا زالت العلمانية على قارعة الطريق رغم كل شيء

حكمت حمزة

2017 / 11 / 14
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


لدى مراجعة تاريخ الأمم والحضارات في العصر الحديث، نجد أن العلمانية هي أفضل ما أنجبته عقول بني البشر، إذ أن العلمانية غدت بمثابة العلاج الوحيد للسرطان الفكري المستشري في أدمغة الشعوب العالقة في المستنقع الديني والإثني والطائفي. فقد مثلت العلمانية المخرج الوحيد لكل الأزمات الفكرية والسياسية، و لا بد لكل أمة عاقلة وشعب حكيم، باتخاذ العلمانية كخارطة طريق للخروج من الصراعات الإيديولوجية بين ابنائها، لعل العقل يحدث بعد ذلك أمرا.
وكما رأينا ولاحظنا في مسارات العديد من الدول، فقد لاقت الدول التي اتخذت من العلمانية مسلكا لها في الحكم، نجاحا باهرا، على جميع الأصعدةن سواء الصعيد السياسي، الاقتصادي، الاجتماعي، حتى على الصعيد الشخصي لكل فرد، فقد أضحت ابحياة افضل، فيها مرونة أكثر، عقد وعقبات أقل، وبات واضحا لكل ذي لب رشيد، أن العلمانية هي الحل الأمثل للجميع.
إلى هنا رائع، كلام جميل، ولكن من المفترض أن فكرة واتجاها كالاتجاه العلماني، بهذه الروعة والجمال، ألا يتعرض إلى ضغوط أو حروب أو ممانعة من قبل الغير، وللأسف فإن العلمانية أصبحت فيي مجتمعاتنا العربية بعبعا يخيف الجميع، وفزاعة تبعد الغربان الوطيور عن محصولنا الانساني، حتى أن تنظيم القاعدة ينشر فيي الطرقات العديد من الشعارات عن العلمانية بأنها كفر، والعلماني مرتد، ومن يريد حكما بغير شريعة الاسلام فهو كافر...الى ماهنالك من المفرزات الصدئة الناتجة عن الفكر القاعدي المتشدد المتهالك. وبما أن العلمانية بهذه الروعة، فلماذا لا زالت على قارعة الطريق في مجتمعنا، لماذا يراها الناس شيئا سيئا وخطرا على المجتمع، شيئا يجب تلافي الوقوع في شركه، والابتعاد عنه بأي وسيلة كانت؟
في الحقيقة فإن عامة الشعب لا تلام بسبب هذه النظرة، لأن العلمانية بالنسبة للعامة شيء جديد وغير مطروق، وكل ما سمعه الناس عنها صادرعن شيوخ الفتنة والقتل وبول البعير والدولار، لم يعرف الناس بعد العلمانية على حقيقتها، أو لنقل لم يعرفوا عنها سوى اسمها، وكل معلوماتهم المقتضبة عنها، مستقاة من ثلة من البشر، يكرهون العلمانية ولا يريدونها أن تصل إلينا بأي شكل، والطامة الكبرى أن رجال الدين لا زالوا ممسكين بزمام الأمور حتى الآن، و يشكلون وكالة الأنباء الأصدق بالنسبة للكثيرين من الناس. وهنا لا أود الدخول في تفاصيل وأسباب محاربة رجال الدين للعلمانية أو للإلحاد، فقد تحدثت عنها في مقال سابق في هذا الموقع، ولكن باختصار وصول العلمانية سيؤدي إلى زوال رجال الدين عن ساحات الوجود العقلي، وسيصبح رجل الدين مثله مثل أي شخص عادي لا حول ولا قوة ولا سيطرة، لذا فإنهم يستميتون في محاولة ابعاد شبح العلماانية عن المنطقة.
لكن على الجانب الآخر، يقع الكثير من اللوم على العلمانيين والملحدين (باختلاف تسمياتهم)، ويتحملون قسما لا بأس به من أسباب تأخر العلمانية عن الالتحاق بقطار الحكم، صحيح أنهم كانوا الشرارة الأولى في طريق التنوير، وحملوا على عاتقهم اضاءة هذا المشعل والسير به إلى ما شاء العقل، ولكن ليس كل من أضاء مشعلا أَدرك كيفية إضائته، ولا كل من حمله عرف كيف يحمله بالشكل الصحيح. إذ يطرح تيار المتنورين العلمانية كحل بديل للحكم الاستبدادي بشقيه، الديني، والمدني المعتمد على الديني في احكام قبضته على الشعوب. ولكننا لحد الآن لا زلنا غير قادرين على تحويل العلمانية إلى مركز جذب لاستقطاب الجميع، فلكي تنجح في جعل الشعب يتبنى فكرة ما، عليك أن توصل هذه الفكرة لجميع الفئات على اختلاف سوياتها الاجتماعية والثقافية. وعلى الرغم من أن نسبة التيار العلماني في بلادنا العربية قليلة بالمقارنة مع الآخرين، إلا أنها ليست حديثة العهد، وهي من القدم بمكان، وليست وليدة اليوم، رغم ذلك نرى أن استراتيجياتها في افساح المجال للتنور لم تأت بنتيجة تذكر، فهل الخطأ يكمن في تركيبة الشعب نفسه، أم في الاستراتيجية التي هي بالفعل غير نافعة وتحتاج إلى تعديل.
تبدأ المشكلة من المعتقد الديني، إذ أن العوام يظنون بأن العلمانية هي إقصاء للدين ونفيه غلى القمر، بمعنى آخر، يظنون أن العلمانية ستمنع الناس عن دينهم، أو ربما ستجبرهم على القيام بممارسات تنافي مبادئهم و أعرافهم الدينية، وهذا هو الخطأ بعينه، فالعلماينة لا تعني ابدا إجبار الناس على التخلي عن معتقداتهم، ويمكن تلخيص مفهوم العلمانية بعبارة ألأستاذ أنطوان سعادة: (الدين لله والوطن للجميع). ولكن ما تشهده الساحة الفكرية حاليىا، هو طغيان الصبغة الالحادية على العلمانية، و أصبح اصطياد أخطاء الدين وثغراته وتخاريفه الشغل الشاغل للشباب الملحد هذه الأيام، وهذا في الحقيقة عامل منفر للناس، وفي الواقع لن نستطيع أبدا إلغاء الدين من قاموس البش، فرغم آلاف السنين التي شهدت العديد من التطورات الفكرية، لا زال الدين في المرتبة الأولى بالنسبة لعامة الناس، ولو اجتمع كل مفكري العالم، فإنهم سيعجزون عن اجتثاث الدين من جذوره، لذا فلا بد من التخلي عن هذه الاستراتيجية، والتحول من هدم الدين إلى تشذيبنه وإظهاره بمظهر ملائم للقرن الحادي والعشرين، بدل إجهاد النفس بحرب دونكيشوتية لا تسمن ولا تغني من جوع، فكما قلنا سابقا، ليس الهدف إلغاء الدين، إنما فصل الدين عن السياسة والحكم.
هناك أيصا نوع من الاستخفاف بالمفكرين الاسلاميين الجدد، ممن هم ذوي الأفكار المعتدلة، أولئك ايضا يتعرضون لنوع من الصدمات الفكرية التي تزيدهم بغضا بالعلمانيين، وهو اتهامهم بالإتيان بدين جديد، ومخالفة الدين الحقيقي، و (لي عنق النصوص الدينية)، وذلكمن العوامل التي تزيد الأمر سوءا. فبغض النظر عن حقيقة الأديان التي نعلمها جميعا، لا يجب أن نهتم إن كان أولئك المجددون، يأتون بدين جديد، أو يبتدعون أشياء غير واقعية، أو يلوون عنق النصوص، ما يهم في النهاية هو نتيجة هذا الفعل، لأأن كل الوقائع والأحداث الماضية تشير إلى أن التغيير لا يأتي من الخارج، وإن أتى فهوسيفشل لا محالة، وبما أننا نريد النتيجة الأفضل، فلا بد لنا من تقوية نواة التغيير من الداخل الديني، ندعم تلك التيارات المجددة، ونرحب بها ونضع يدنا بيدها للوقوف في وجه الاستبداد الأصولي الديني. و لا ننسى ابدا أن أوربا التي كانت غارقة في الجهل والظلام في العصور الوسطى بسبب الكنيسة وممارساتها وتسلطها على الشعوب، اندلعت فيها شرارة التغيير الأولى على أيدي المسيحيين أنفسهم، وبما أن المجتهد هو الذي يتعلم من تجارب غيره، فيجب ألا ننسى التجربة الأوربية، ونجعلها نموذجا نحتذي به في الطريق الفكري الشائك الذي يجب علينا سلوكه قبل الوصول إلى الهدف المنشود.
والأهم من كل ما سبق، هو القيام بنشرات توعية، سواء كانت مقروءة أو مسموعة أو مرئية، نوضح فيها المفهوم الأساسي للعلمانية، مالها وماعليها، نوضح ميزاتها والحال الذي سنؤول عليه في حال تحولنا للعلمانية، و تبيان بطلان الديماغوجيا التي يمارسها رجال الدين عنها، بكل بساطة علينا أن نفهم الشعب أن العلمانية ليست بعبعا ولن تلتهمهم، وإنما هي سفينة نوح التي ستنجينا وذريتنا من الطوفان







اخر الافلام

.. قالوا| عن اقتسام السلطة مع جماعة الإخوان المسلمين واعتبارهم


.. عباس شومان: شيخ الأزهر سيزور قريبا مسلمي الروهينجا محملا بمس


.. بي_بي_سي_ترندينغ : رجل يسامح قتلة حفيدته #الكنيسة_البطرسية




.. فرنسا.. بلدية كليشي والجمعيات الإسلامية تتوصل إلى إيجاد أماك


.. جون سوليفان: إلتزام الخرطوم بحماية حقوق الإنسان والحريات الد