الحوار المتمدن - موبايل



لماذا تخلف المسلمون

رياض محمد سعيد

2017 / 11 / 14
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


لماذا تخلف المسلمون ؟.
هذا التساؤل يتداول في مواقع التواصل الاجتماعي من قبل المهتمين به في حوارات ثقافية و فلسفية واحيانا عادية نمطية وكلها تدور حول ما يشغل بال الشباب المتابعين للتقدم الحضاري العلمي والصناعي وتطور البحوث العلمية و التقدم التكنلوجي ، يطرحون هذا السؤال بدوافع رفضهم للواقع المتخلف عن ركب الحضارة العالمي .
ونقول "المسلمون" لأن العروبة و الاسلام لا يمكن فصلهما ، وغالبا ما تتفق اطراف النقاش الشبابية في حواراتها ان السبب الرئيس للتخلف هو القوالب الدينية الموروثة عبر مئات السنين والتي يحرص رجال الدين والناس عموما على عدم تغييرها والمساس بها حتى باتت كالطوق تحاصر الفكر العربي وكأنها جدران واقية تمنع الافكار و التطورات الفلسفية من الوصول و التأثير في المجتمعات الاسلامية ، وصارت الموروثات كأنها جدار عازل بين الثقافات و الحضارات وهي التي نتج عنها او بسببها تعسكر غربي و شرقي و اممي مقابل تعسكر اسلامي عربي وادى ذلك الى الانعزال والى فرض صفة او عادة عدم الاهتمام بكل ما هو خارج جدران العقيدة الدينية من العلوم الاخرى واصبحت كلمة علوم تعني بديهيا علوم اسلامية و فقه و شريعة ، والاكثر من ذلك هو عدم السماح بمناقشة العقيدة نفسها لأنها محكومة بالنص القرءاني وكلما تظهر فكرة ما لتأخذ مكانها في الحوار و النقاش تنتهي بصدام مع العقيدة والدين وتكّفر فتتراجع امام تلك الجدران الصلبة . مع اننا نجد مجالات علمية متاحة في التعليم للمراحل الدراسية المختلفة في العلوم الصرفة. ولا يسمح بالحوار في العقيدة والفقه و الشرع وفق منظور التجديد و التحديث في العلوم الحديثة ولا حتى في المنظور المادي او الافتراضي للعلوم الصرفة خوفا من اضعاف قدسية العقيدة حسب اعتقادهم .
واذا كان وجود هذا التعصب الديني حسب تبريرهم هو اسلوب للحماية و الوقاية من المؤثرات الخارجية السلبية و الدخيلة وفق نظرية العداء و التأمر على الاسلام الا ان هذه الجدران العازلة تعمل عمل الحاجز المانع الواقي لأي فكر فلسفي حضاري له علاقة بالعقائد الدينية ، الا ان كل تلك المبررات لم تكن من القوة لتكون المبرر المقبول المعقول المبني على المنطق و العقل وانما كلها كانت مبررات تصب في الاعتقاد بأن فقدان قدسيتها سيؤدي الى إضعاف الايمان بها وبالتالي الى تفتت المجتمع بفقدانه عامل اساس لوحدته في العبادة ، وتدور بقية المبررات في حلقة ضعيفة وهشة امام حوار العقل و المنطق ، ذلك لأن الحقيقة انها توفر مكاسب مادية و سلطوية وتحقق فوائد و مصالح شخصية لرجال الدين اي انهم يتاجرون بالدين (شوهد الكثير من ابناء رجال الدين ينعمون بالثروة في اوربا). والنقاش في هذه المواضيع مبتور بنهايات مبهمة مثلها مثل ما يطرح عن وجود من عدم وجود حياة ما بعد الموت إذ لا يمكن لأحد الاجابة عن ذلك بحزم وثقة الا اذا نقل واعتمد النصوص السماوية المتوارثة والتي اعتمدتها العقائد الدينية الروحية ولا يملك احد اسس مادية لأثباتها.
ونعود مرة ثانية الى جدران العقيدة الدينية المقدسة وشرائعها ، والتي فرضت على المجتمع العربي ، و قَبِلَ بها كمُسَلَمات (لعدم جود بديل عنها) بينما تركت المجتمعات الاخرى الامور اللاهوتية لأهلها والمهتمين بها ، وانفصلت اهتمامات كل منهما ، واتجهت اهتمامات المجتمع الى (الثورة الصناعية) الى البحوث و العلوم والاكتشاف لتتقدم وتنتصر في كثير من التحديات العلمية وفك الالغاز وتسخير الانجازات العلمية لخدمة المجتمع و الانسانية ، مما ادى بالمجتمع العربي الى ان يصبح مستورد و مستهلك (بعد الثورة الصناعية في اوربا) للمنتجات الصناعية دون القدرة على فهم علومها التطبيقية مما ابقى المجتمع العربي جاهلا متخلفا ، وكان ذلك واضحا عندما صحى العرب على اصوات مدافع الغرب التي دكت المواقع الدفاعية على الاراض العربية في الحرب العالمية الاولى ثم الحرب العالمية الثانية ، تلك الصحوة جاءت بعد الفترة المضلمة التي دامت لأكثر من 750 عام منذ سقوط الدولة الاسلامية على يد الامبراطورية العثمانية و انهيار الاندلس ، حقق الغرب خلال تلك السنين خرق علمي كبير قياسا بالواقع العربي الذي كان يحبو بخطوات ثقيلة حتى وصل الى حافة الانهيار. حصل ذلك التراجع العربي بالرغم من وجود الكثير من المفكرين والعلماء والفلاسفة العرب و الاسلاميين الذين رافقو تلك الاحداث وسجلو وكتبو لمواكبة النهضة الفكرية التي عمت العالم الغربي ووقفو بوجه الفساد و الانحلال الذي اصاب دولة العرب حينها دون جدوى اذ لم تنفع نظرتهم الاستباقية في كتبهم من تنبيه وتحذير لأثارة الصحوة حول الانهيار المتوقع نتيجة الفساد والضعف ، وقد كان هناك الكثير من الفلاسفة علينا ان نذكر اسماءهم وفاءا لهم ويشهد العالم الغربي على فضلهم على الثقافة و النهضة الفكرية ومنهم (ابن زيدون، الحسن المراكيشي ، ابن البيطار ، ابن رشد ، ابن زهر ، الادريسي ، ابن الزرقالي ، ابو عبيد البكري ، ابن حزم ، ابو القاسم الزهراوي ، مسلمة المحريطي ، ابن فرناس ، زرياب .. وغيرهم الكثير من العلماء والأعلام يضيق المجال بذكرهم). والمؤسف حقا ان ان الفساد والانهيار ادى الى انشقاقات فكرية خطيرة في العقائد الدينية رغم انها بالمجمل متفقة في اولوياتها الهادفة الى التعصب والانطواء و الالتصاق بالماضي مؤمنين ان ذلك يحافظ على الدين و الشريعة ويحميها من الافكار الدخيلة و المعادية للاسلام بالوقت الذي اثبتت كثير من الوقائع ان سبب الانطواء هو في الحقيقة لخدمة وحماية مصالح رجال الدين ومن اجل الاستحواذ والاستبداد والتمسك بالسلطة (والشعب قانع و مقتنع بذلك) فقد حظي الخطاب الديني بقناعة عامة للمجتمع على لسان الخطباء في دعوة الناس دوما بالعودة الى الدين (وكلمة العودة تعنى الرجوع للماضي المنقذ من تأمرات ومأسي الحاضر) واستمر ذلك الحال حتى اصبح الاستبداد امرا مسلما به وكلما ظهر أداء جديد (فكر جديد يهدف الى تنشيط الافكار الفلسفية) كان الجواب حاضرا وجاهزا وذلك باعلاء الخطاب الديني و الدعوة الى العودة للدين (الماضي) ، حتى صار الاستبداد ينتج الاستعباد وتعود الناس على ان يكون الامل معقودا بالقائد المتسلط القوي ذو البأس الشديد القادر على محاربة الاستبداد بالاستبداد ونصرة الضعفاء المستعبدين بان يستعبدهم بلباس جديد .
لقد شهد العرب في القرنين الماضيين حركات تحررية وثورية عديدة في الوطن العربي قادها اعلام الفكر التحرري وحملة الافكار التجددية الثورية و الفكرية و منها ايضا الاسلامية المعتدلة و كان لها ترحاب ورفض في وقت واحد ادت الى صراعات دموية عنيفة ، تلك الحركات كانت نتيجة الصحوة التي اثارتها دوي ودخان المدافع والحرائق والدمار وضجيج قعقعة الاسلحة و غبار الياته الحربية التي جاء بها الغرب مع الاستعمار الحديث في الحرب العالمية الاولى ثم الثانية. ولازال الصراع الى وقتنا هذا قائما بين الانفتاح على الغرب او رفض التعامل معه و الانغلاق على ما تأقلم عليه العرب في ان الخلاص هو العودة الى الماضي ، وكما قلنا فان العودة الى الماضي تعني اللجوء الى الخطاب الديني و النص القرءاني المنحصر بين جدران العقيدة و الشريعة و الفقه والتي صنعها رجال الدين لتحمي الدين من الضعف و الانهيار في الوقت الذي يفترض ان تكون تلك العقائد الدينية منتجة في صناعة القوانين وليس الى بناء جدران تعيق التقدم الحضاري للشعب في تعاملاتهم وحقوقهم في ان تتحرر العقول لتشارك العالم الحضاري حقول المعرفة والعمل و الدراسة والبحث لبناء الحضارة الانسانية . الا ان ذلك تعسر كثيرا بل اصبح عسيرا جدا لأنه سينهي سلطة رجال الدين و استبدادهم في استعباد الناس وجعلهم رعية مرتبطين بالماضي وهذا ما لا تسمح به القوى الفاعلة في الشارع العربي.
القوى الاولى داخلية تحافظ على وجودها باستمرار الضعف من اجل استمرارها بالسلطة ولا تعتبر نفسها متخلفة بل تدعي الديمقراطية و بشعارات زائفة . والثانية قوى خارجية تراقب وتدعم و تساعد الفئة الاولى للحفاظ على وجودها وبقاءها لتستفيد من استمرار ضعف وانشغال المجتمع بالموروث المسموم والخرافات . والثالثة هي الفئة المنغلقة التى من بديهياتها رفض الاصلاح و التجديد وقد تعودت على الاستعباد ولا هم لها الا الالتصاق بالماضي والمحافظة على موروثاتها . وفي ما بين تلك الفئات يضيع المجتمع العربي و تفقد الاجيال فرص اثبات وجودها في الحياة و مشاركتها للبناء الحضاري ، ولا زال العرب يتسائلون لماذا تخلفنا عن الركب الحضاري ، وبالتالي تجد ان هناك من الشباب ومن ذوي الخبرات والاهتمامات العلمية ممن يعي انه غارق او سيغرق في وحل التخلف والجهل يضطر الى ان يهاجر طلبا للامن و الامان اولا ثم للحصول على فرص المشاركة في الابداع البشري و بناء الحضارة الانسانية. الموضوع مهم و خطير و بحاجة الى اسهاب وتنظير وتحليل واجراءات قد تستغرق زمنا طويلا ولأجيال متعاقبة .







اخر الافلام

.. قالوا| عن اقتسام السلطة مع جماعة الإخوان المسلمين واعتبارهم


.. عباس شومان: شيخ الأزهر سيزور قريبا مسلمي الروهينجا محملا بمس


.. بي_بي_سي_ترندينغ : رجل يسامح قتلة حفيدته #الكنيسة_البطرسية




.. فرنسا.. بلدية كليشي والجمعيات الإسلامية تتوصل إلى إيجاد أماك


.. جون سوليفان: إلتزام الخرطوم بحماية حقوق الإنسان والحريات الد