الحوار المتمدن - موبايل



نحو فهم أعمق لخلفيات العداء الأجنبى للمنطقة العربية

محمد رؤوف حامد

2017 / 11 / 14
مواضيع وابحاث سياسية


نحو فهم أعمق لخلفيات العداء الأجنبى للمنطقة العربية
دكتور محمد رؤوف حامد
على مدى زمنى طويل, لحظة فى أعقاب أخرى,.. وعام تلو عام,.. وعقد وراء عقد,.. وجيل بعد آخر, يتأكد للمحلل المدقق أن معظم (بل وتكاد تكون كافة) الحركيات (والتوجهات) الإنتفاضية (أو التى تأتى مفاجئة) داخل البلدان العربية, وبينها وبعضها, وأحيانا بين بعضها وجيران إقليميين, تنتهى الى سلبيات ضخمة تعطل مسارات التقدم المحلى والإقليمى, بأكثر مما يشوبها بالفعل من تأخر.
إنها وضعية تحافظ على إستدامة التدهور فى كافة المسارات الحياتية فى عموم المنطقة.
فى ملامح إستدامة التدهور العربى:
وهكذا, يمكن القول - مثلا- بأنه مع كل النوايا الحسنة, الحقيقية والممكنة والمحتملة, ومع كل الإحترام لكافة الخبرات الوطنية, فمن الثابت أن المد الوحدوى العربى الناصرى قد أصيب بتعثر إستراتيجى فى أعقاب يونيو 1967.
وأيضا يمكن القول بأن القفزة التاريخية للمصريين, بعكس آمال وتوقعات الإسرائيليين, فى حرب الإستنزاف وحرب أكتوبر 1973, قد إبتليت بعدها بما سمى "الإنفتاح الإقتصادى", والذى أجهز على العزيمة الإستنهاضية الممكنة كإمتداد للإنتصار, وكذلك على معظم المكتسبات التنموية لنظام ثورة يوليو 1952.
بنفس المنوال ونوعية التداعيات تعاقبت أحداث ونتائج الحرب العراقية الإيرانية, ثم عملية دخول العراق على الكويت, وما تلى ذلك من مصائب أمريكية/غربية بشأن العراق (الدولة والوطن والشعب).
أيضا, فى نفس الإتجاه, أصيب الربيع العربى بتتابعات دولية وإقليمية ومحلية سببت تداعيات سلبية هائلة طويلة المدى, خاصة فى حالات ليبيا واليمن وسوريا.
الإحتراس الغائب .. قبل وأثناء وبعد الإنتفاضة السعودية:
هذا المسار التدهورى العربى المتواصل يدفع الى دق ناقوس الإنتباه, والإحتراس, والحث على شحذ الفكر , عندما تظهر فى الأفق حركيات إنتفاضية (أو تغييرية) مفاجئة, مهما بدت واعدة.
فى هذا الخصوص يأتى المثال الأحدث, والذى يتمثل فى إنتفاضة سعودية (حادة و مفاجئة) تأخذ شكل مجابهة الفساد.
ومع الحرص هنا على التأكيد بأننا لسنا أبدا فى مقام تقييم إنتفاضة الأمير بن سالمان, فإننا فى المقابل نؤكد على أن الطرح الحالى يختص بالمسار العربى بمجمله على المدى الزمنى الطوبل, فى الماضى والحاضر والمستقبل.
القيادات العربية كعامل مساعد للتدخلات الأجنبية:
إنه طرح يستهدف الكشف عما يمكن وصفه ب "سر" الإزمانية (أو ال Chronicity ) التى يتميز بها المسار الإهدارى العربى, على العكس من مسارات تقدمية فى مناطق ودول أخرى فى العالم.
فى هذا الخصوص, وبإيجاز شديد, نجذب الإنتباه الى مايلى:
1- أن قادة الحركات التغييرية العربية, على المستويين الوطنى و/أو الإقليمى, درج كل منهم (مهما بدا من تقدميته) على أن يقود شعبه - أساسا – من منظور رؤاه الشخصية, وليس من منظور رؤى وحوارات جماعية, حرة ومتواصلة, فى المستويات التنظيمية القيادية لهذه الحركيات.
ومع إعتذارنا عن الإشارة الى أن هذا الإعتبار يمكن تطبيقه على قيادات تاريخية مثل جمال عبد الناصر, وصدام حسين, ومعمر القذافى, فإن لذلك دلالاته على ماصاحب الحركيات التغييرية من سلطوية, برغم ما كان قد بدا فيها من نقاء.
ومع السلطوية إنتعش التزييف فى الشارع السياسى, من خلال طبول التملق والإسترزاق من جانب الأتباع والإتباعيين, فضلا عن إغتيال الديمقراطية فى مواجهة أصحاب الرؤى المختلفة و/أو المعارضة.
2- ولقد أدى تقويض الحريات - تلقائيا - الى تقويض الإبداع, والذى بطبيعته يتضائل فى غياب حد أدنى معقول من درجات الحرية.
3- وبرغم عمق الإنتمائية الوطنية للشعوب, وإستعدادها لبذل الغالى من الأنفس والأموال فى سبيل نصرة الأوطان, وكذلك برغم نجاح حقيقى للشعوب فى تخطى وتصحيح نكسات تسببت فيها قياداتها, كما حدث فى حربى الإستنزاف و أكتوبر (1967 – 1973), إلا أن الإنغلاق الديمقراطى يظل هو الأكثر تأثيرا فى "جرجرة" الإمكانيات الوطنية الى الوراء. من الأمثلة على ذلك ما حدث من جراء الإنفتاح الإقتصادى (1974), والذى أدى الى تجريف ما كان قد بدأ من تنمية فى مصر.
4- نفس الإعتبار السابق يمكن تطبيقه على كثير من البلدان العربية الأخرى, نفطية أو غير نفطية (ليبيا – العراق – السعودية – السودان ... الخ), الأمر الذى أدى الى التصاعد المتواصل لتناقضات بين الشعوب وأنظمة الحكم, وإعاقة التنمية الأمثل, وفرار الكثير من الكوادر الى خارج البلاد.
5- هذا, وغنى عن البيان أن زعامة القادة, طبقا للسياق المذكور أعلاه, والذى يتميز بالفردانية, و/أو الجهل بالأساليب الرشيدة للقيادة, تكون منزلقا مساعدا على إحداث تداعيين جسيمى الخطورة.
التداعى الأول يتمثل فى تنامى التغريب بين الشعب و القائد والوطن, وأما التداعى الثانى فيتمثل فى قدرات الآخر الأجنبى (والذى يمكن أن يكون معاديا) على لف الحبال حول مخططات الزعيم (حالة القذافى), أو حول رقبته (حالة صدام حسين), رحمهما الله.
6- وهكذا, فى ظل إنغلاق الديمقراطية, ومايصاحب ذلك من غياب للشارع السياسى وتدهور للإبداع, لايصبح لدى الشعوب عندما يبلغ اليأس مداه, إلا "رد الفعل".
وعندم يأتى رد الفعل فى شكل إنتفاضة جماعية, كما حدث فى تونس ومصر, فإن رد الفعل يكون (بالفعل) ثورة (بشأن السلوك النفسى الإجتماعى عند جماهير الإنسان العادى). غير أن فعل الثورة هذا يظل مقصورا على حدود رد الفعل (لفترة يمكن أن تطول).
السر الأجنبى وراء إزمانية التدهور العربى:
ربما تساهم النقاط الست السابقة فى الكشف عن جانب رئيسى بشأن السر (أو الأسباب) بخصوص الإزمانية ( أو ال Chronicity) فى التدهور العربى, ... غير أن السر المكمل, والأكثر تأثيرا – حتى الآن – من وجهة نظرنا, يأتى من خارج المنطقة العربية. مصدر هذا السر يأتى من مايمكن أن نطلق عليه هنا (ولو مؤقتا) الغرب الإستعمارى.
فى هذا الشأن يمكن الأخذ فى الإعتبار لما يلى:
أ‌) أن "سايكس- بيكو", والتى فتت العالم العربى الى دويلات, لم يلجأ الغرب المعادى اليها بسبب رغبته فى السيطرة على النفط أو الغاز ... الخ, حيث لم تكن مسألة النفط قد تجلت.
ب‌) أن الغرب الإستعمارى لايحاول تفتيت المناطق والدول الأخرى الغنية بمصاد للنفط والغاز ...الخ.
ج) أن معظم (إن لم يكن كل) طلبات كيانات الغرب الإستعمارى فى المنطقة العربية مستجابة دوما, سواء هى تتعلق بالنفط أو الغاز, أو حتى القواعد العسكرية.
وهكذا إذن, يتبين أن الأطماع فى النفط (وخلافه) لاتقوى أن تكون فى مرتبة السبب الذى يدفع الغرب الإستعمارى الى العداء الشرس, والذكى, لإمكانيات التقدم الإقليمى العربى على مدى أجيال وأجيال, فماذا يمكن أن يكون عليه السبب, أو السر ؟
السبب فى تقديرنا أن الغرب الإستعمارى يعى - بإمتياز- السر الأعظم الكامن فى المنطقة العربية, والذى يجعلها من أكثر (أو بالفعل أكثر) مناطق العالم تميزا فى خلفيات تاريخية إنسانية إستنهاضية أصيله, حيث هى تتفرد بالجمع بين أمرين:
أولا: مهد الحضارات.
ثانيا: مهبط الديانات.
هذه إذن المسألة, أن خصوصية المنطقة العربية (وشعوبها) تجعلها على الدوام الأكثر تأهلا لأن تتحول الى مارد إنسانى إستنهاضى كبير (متى تهيأت لها الظروف), الأمر الذى يخشاه الغرب الإستعمارى, ولايريده, ويعاديه بشكل مطلق.
عداء الغرب الإستعمارى للمفهوم المطروح (عن تمتع المنطقة العربية بخصوصية متفردة) يهدف الى شل العزم الممكن لهذه الخصوصية. إنه لايمارس هذا العداء بالأقوال, أو الشعارات, أو الحروب (كما جرى - "زمان" - فى الحروب الصليبية), بل يتجه بإستمرار الى الفهم, والعلم, وتجهيز واعى لسيناريوهات مستقبلية, متتابعة ومرنة, ودائمة التحديث.
فى هذا الخصوص يستوجب الأمر إدراك مايلى:
- أن الغرب الإستعمارى يبذل على الدوام كل ما فى وسعه من دراسات علمية, وإستراتيجية, وإستخبارات, حتى يفهمنا من حيث التنوعات الثقافية والأنثروبولوجية, والتباينات فى العادات والأفكار ... الخ.
- أن هذا الفهم يجعله (الغرب الإستعمارى) قادرا, بأساليب مباشرة وغير مباشرة, أن يحرضنا ضد بعضنا, ويزرع بيننا نار الفتن بإستمرار.
- أيضا, هذا الفهم يمكنه من الإستعداد على الدوام بالسيناريوهات المناسبة للتدخل فى أى وقت لركوب أية أحداث تصنع له الفرصة لإضعافنا, و/أو للسيطرة علينا, و/أو لدفعنا للإنحراف (مثلما حدث بين العراق وإيران,.. ثم العراق والكويت,.. ثم فى بعض جزئيات وأبعاد الربيع العربى). ذلك فضلا عن مساهمته فى صنع أحداث ومواقف يمكن "ركوبها".
- أن سيناريوهات الغرب الإستعمارى تتضمن على الدوام التحسب, والإستعداد العملى لأكثر من خطوتين قادمتين, فضلا عن التهييىء الخططى لمسارات طويلة المدى (عقود وأجيال).
التساؤل المستقبلى :
ختاما, يمكن القول أنه إزاء ماجرت الإشارة اليه أعلاه, من أخطاء ومخاطر للسلطوية ولغياب الديمقراطية فى البلاد العربية, وكذلك من وعى عند الغرب الإستعمارى لما يكمن فى المنطقة العربية من إمكانات متفردة للتقدم, وإتخاذه لكل السبل المباشرة وغير المباشرة لحجب العرب عن الإستنهاض, فإن التساؤل المستقبلى - وربما - الأهم (والأكثر جدة) يكون عن المداخل الممكنة لإحداث إستنهاض عربى أصيل (؟!).
التعامل مع هذا التساؤل أمر واجب على عموم العرب المهمومين فكريا بالشأن العربى, الأمر الذى يحتاج الى طرح قائم بذاته.







اخر الافلام

.. الحزب الحاكم في زيمبابوي يتعهد بعزل موغابي


.. برلين من منطلق القوة تسمي الأشياء بأسمائها


.. الإمارات.. حالة رعب استثماري




.. فلسطين وقودا لمعارك العروش


.. إسرائيل والخجل السعودي