الحوار المتمدن - موبايل



النّداء الأخير

نادية خلوف

2017 / 11 / 14
الادب والفن


مهداة إلى قوس قزح
إلى الجمال في عيون طفل
إلى الفجر
إلى عاشق للحياة
وإلى مؤمن بأنّه مصدر الجمال
إلى الألم يحلّ ضيفاً
يطرده حبّ البقاء
إلى عيون تقدح شوقاً للحياة
إلى ابنتي. . . سيناء دباغ
. . .
أسرد حكاياتي دون توقّف
عن الأنس والجنّ
عن الحيوان والإنسان
من عالم الإنسان الجميل كلب أمّي
أعطى للمكان قيمة، وللزمان قدراً
بوجوده كان للأطفال حصّة من الفرح
عرفت قيمتي من خلاله
فلم يفته ولا مرّة أن يتابع تأملاتي
يسير خلفي
يرصد حركاتي
وبصمت بليغ يدلّني على طريق الحياة


أبو عَدُل
قصّة عتيقة تداولها القدماء. يخيفون بها الأولاد.
تقول الرّاوية: كان في قديم الزمان رجل يبدو درويشاً يحمل على ظهره كيساً من القنّب له خطّان أحمران، يدعى بلهجة أهل الدّيار "العدل"، وبما أنّ الرّجل يبدو درويشاً. كان النّاس يتصدّقون عليه ببقايا الطّعام، ويجلسونه في بيوتهم يشرب الشاي مع الليمون حيث لم تكن القهوة قد أصبحت مشروباً هاماً.
تقطع الرّاوية الحديث، وتتوجه إلى الحضور:
أحبّ الشّاي بالليمون والسكر. اصنعوا لي كوباً كي أستطيع الاستمرار في سرد الحكاية.
حسن. سوف أعود الآن وأشرب الشّاي وأنا أتحدّث.
لم يكن أبو عدل بشراً. كان من الجّن، لم يعرف أحد أن غرفته الترابية قرب التل البعيد يعيش فيها مختلف أنواع الجن. مرّ شخص من البلدة بالصّدفة من قرب غرفته، سمع هرجاً ومرجاً، وغناء، وأهازيج عرس. قرع الباب ليعطيه صدقة، لم يفتح الباب، واختفى الصوت ومن يومها، والشخص يراقبه. لم يكن الشخص مخابرات. كان يعمل عند نفسه.
يتغيّر أبو عدل خلال الليل، ويصبح شخصاً شريراً، عيناه حمراوان، وهيئته مخيفة. يحمل عدله على ظهره، يعبئ فيه الأطفال الصّغار الذين يخطفهم، يذهب بهم إلى بيته الترابي حيث يملك أراض فسيحة تحته يعمل الأطفال فيها، ويصبحون عبيداً عنده.
الشاي لذيذ. هل جلب أحدكم معه رغيف خبز سميك، وقطعة جبن، فالسهرة طويلة، وعصافير بطني تصدح.
شكراً لكم. تعرفون ما أحبّ، ولولاكم لمتّ من الجوع. هذه الكمية من الخبز والجبن تكفي عائلي ليوم غد. نعود إلى الحكاية:
تزوّج أبو عدل من امرأة أنسية لم تعرف أنّه جنّي، وأنجبا طفلاً، أسمياه عدل وعندما كبر عدل . أصبح أبوه يأخذه معه في جولات لجمع الصدقات. ثم بدأ يدرّبه على خطف الأطفال، وبما أنّ أمّ الطفل أنسيّة فإنّه تعلّم منها الخبث، أصبح يخادع في قصصه، لم يخطف الأطفال. كان يستعمل عدله لسرقة المال. أصبح أبو عدل الابن شاباً ، تزوّج امرأة تبدو غنيّة، وكان والدها يعمل في عسس السّلطان ،كان صهره عدل يشبهه في الطباع، وفي يوم من الأيّام. قال له يا بنيّ علينا أن نسرق هذا المكان، ونبني مملكة لي ولك، وفعلاً تم تأسيس المملكة، وأصبح اسمها "مملكة العدل" وكان الناس يتوافدون عليها طلباً للإنصاف، ونسي عدل أباه في مملكته الأولى وكان الرّجل الذي قرع الباب على أبي عدل الأب. يراقب حركاته، واكتشف السّر، وفي يوم من الأيّام وضع مصيدة فئران كبيرة صمّمها بنفسه، موّه الفخ بالتراب، فوقع أبو عدل الجنّي في المصيدة. أجبره على البوح بسرّه، وعرف أنّه متخصّص في استعباد الأطفال، وابنه في سرقة المال، وأصاب الحماس الابن، فهجم على المملكة، قتل رجالها وسبى نساءها، وامتلك الأرض والشجر، وكتب شعاراً لمملكته" العدل بحروف كبيرة"
. . .
طقوس عشق
للعشق طقوس هي من عاداتنا
أغنيّة للحبّ انتشرت بين ينتمون إلى سلالة الزّهور
كلمات الأغنية مكتوبة على جدران حديقتنا
تقول الأغنيّة:
ننثر حبّنا على الجهات
يرتمي بين ورود حديقتنا
لدينا أطفال بلون الورود
ووردة فتاة
سليلة ورود الحديقة المروّية بماء العيون
الحياة تفتّش عنها
وأنا ، وهي توءمان
نبدأ الحياة حيث ينتهي الزيف
أنا سليلة دوالي العنب، والنارنج
وهي سليلة الورود البيض
في فجر جميل نزل فيه مطر خفيف
ظهر البدر، وللبدر مراسيل
رسم للمولود لون البدر في ليلة صيف
في بداية صيف كانت خطواتها الأولى، وفي عام جديد نثرت علينا كلماتها الملونة بلثغة حروفها التي توحي بأنّ الزمن الجميل قادم .
لا أرغب أن أتحدّث عنها. أرغب أن أشاركها الحديث بينما ترسم الحلم.
سوف أدعو ما نفعله معاً:
طريق الحلم
البداية:
أحلم، وربما أرى كيف مررنا " بطواحين الهواء" ساخرتان
أردنا أن نحارب طاحونة تدور
نبتت السهول قمحاً وشعيراً وشقائق نعمان
سجلنا تاريخ الولادة الجديدة
بعد انتهاء الخوف
رأيتها تضيئ
كنتُ خائفة على مرّ السّنين
كبّلتها بخوفي
الأزمنة والأمكنة تفرد ضفائرها، وتتباهى بذاتها، فلا زال الجمال يغمرها، والحياة تستقبلنا، ونحن نحبو جهتها.
مولدها اليوم . يوم الحقيقة
الزّيف خلفها، ومراكب مزدانة ترحّب بها
ضفائرها تمرّ من أبواب الطفولة
تنسى نفسها بين البّوابات
محتارة كيف تستردّ ما فات
وللزمن في الحبّ حكايات
الزمن لا يموت، ولن ينتهي الحبّ
.. .


حكاية آدم
سوف أحدّثك بتلك القصّة. سمعتها من الرّاوية التي تحبّ الخبز والجبن، والشّاي بالسّكر. قالت:
قدّر لي أن ألتقي بهما في هذا العالم الجميل- أعني آدم وحوّاء- قالت لي حواء: هل صدّقتم كذبة آدم؟
-معذرة حواء! أنا لا أكفر بقصص السماء.
-نحن آدم وحواء قد لا نكون هما اللذان تتحدثين عنهما، وبذلك لا تكفرين. كان آدم أخي لا يفقه شيئاً ، صنعت ثروة، ثمّ مملكة وعندما كبرنا، بنيت مجداً. استقوى عليّ سرق مملكتي، وعندما تزوجت من آدم آخر ليس أخي. سرق أخي، استمر آدم يسرق حواء ثم يأتي زوجها آدم فيسرق آخاها آدم، وهكذا برزت كلّ حواء تبني ملكاً. وكلّ آدم يسرق ما بنته.
قام آدم الأوّل بالتّشهير بحواء الأولى، واتهمها أنّها أطعمته التّفاحة السحرية، صدّقه آدم الثّاني، وكتبوا تاريخ حواء، فكانت خاطئة.
كل حواء خاطئة إلى أن يثبت العكس. كيف يثبت العكس. لن يثبت طبعاً.
نعيد كتابة التّاريخ ، فلا التّفاحة ولا حواء لهما علاقة بالجشع، والجنس سرّ من الأسرار بين العاشقين جعله آدم علكة تلوكه االألسن ، ولم يكتفيا بوصف حواء الخاطئة. بل هي وأخواتها وبناتها، وجداتها مهما علوا وحفيداتها ها مهما نزلوا.
انتهت حكاية الرّاوية .
تعالي يا ابنتي نصنع التّاريخ
أحضرت تلك الخرق الباليّة
لو أحضرنا أرواح الأجداد
وجلسنا معهم نحدّثهم
قد يكون الأمر مسلّياً
امسكي الخيط والإبرة
-لا أحبّ الخياطة
-حسناً. سوف أصنع جدّتك أم علي
هذه قمطتها، وهذا فستانها، وهذا شعرها. من ترين أمامك؟
ما أجملها!
جدتي أم علي
في كل يوم سوف نصنع لعبة، ونقرأ حكايتها عن ظهر قلب.
قولي شيئاً عن اللعبة:
-أنت جدتي. أذهب إليك في القرية. أحبّ البستان، واللعب بالطين
أحب الخبز الذي تجففينه بالشمس من اجل كلبك بيوض.
جدتي! أحب بيوض كثيراً. في آخر مرة أتينا إليك. كان يقهقه معي. كان يقف خلفي ويدفعني.
متى سوف نذهب إلى جدتي؟
-في الصيف يا سما
تعالي الآن إلى حضني. سوف أغني لك أغنيّة.
-لا أرغب في النوم.
-إذن فلنحكِ حكاية.
ضعي رأسك على حضني، واسمعي الحكاية للنهاية. أرغب أن تعيديها لي:
كان هناك بنت صغيرة اسمها سما
تلعب ذات مرّة باللبن
قلبته على الأرض
وبدأت تعجنه بيديها
ولما رأت والدتها
لم تخف
قالت لها: إنه وحل!
نامت سما وهي تتمتّع بالسماع عن مغامراتها. لا زالت صغيرة جداً. فقط في الثانية من عمرها.
عندما تستيقظ. سوف أحكي لها حكاية جديدة. أرتبها الآن، وسوف تكون على النحو التالي:
في الثالثة والنصف من عمرها قدم إلى المنزل مولود جديد.
لا أعرف كيف تضع أم ثقتها بابنة الثالثة والنّصف من عمرها ، وتؤمّنها على طفل رضيع تغار من وجوده. هي ثقة عمياء ، لكنّها تبدو في محلّها فساعة الأم الداخلية تنبئها عن الأحداث.
على تلك الطّاولة الحديدية المرّبعة التي نقلناها من منزل إلى منزل، وضعت الأم المغريات.
-تعالي يا سماء. سوف أغيب ساعة فقط عن المنزل. لدي اجتماع. هذه الأطعمة اللذيذة على أربع جهات من الطاولة هي لك. هنا القضامة، وهنا طحين محمّص مع السّكر، وهنا علكة، وهنا برتقالة مقشّرة ومحزّزة. هل تستطيعين العناية بها- أعني أختك؟
-اذهبي ماما. لا تخافي. سوف أصنع لها الحليب، وأضعه في القنينة. هيا اذهبي.
-لقد حضّرت الحليب. إنّه هنا.
لا تفتحي الباب .
لم أكن خلال الاجتماع قلقة. كنت أعرف أنّني أعتمد على إنسان.
عدت إلى المنزل بعد ساعة وربغ.
-لماذا أتيت؟
-وهل سوف أبقى في الخارج؟
-أنزلتها من السرير، أهزّ لها على رجليّ كي تنام ثانية.
-إنها أضخم منك. كيف تهزينها على رجليك؟ اعطني إياها. سوف نعيدها إلى السرير. أمامها أكثر من ساعة لتستيقظ. أنت اعتقدت أنها استيقظت، فقط كانت تحلم. شكرا لك يا سما. أحبّك لأنّك كالسماء.
هذا ما حدث حقاَ. سوف أتحدّث لها به عندما تتناول الطّعام.
.. .
طفولة
-ماما. أرغب أن أذهب إلى المدرسة.
-لازلت صغيرة، ولكن يمكنني أن أصحبك اليوم معي .
أخطت لك صدرية باللون البيج.
تعالي أجدل ضفائرك
نحن جاهزتان الآن
خذي هذه اللعبة معك.
لا أعرف عمّن تتحدّث المعلمات. يتحدثن عن طفلة غريبة. رأيتهن يذهبن إلى باحة المدرسة . تبعتهنّ. صاحت المديرة : تعالي يا شاطرة. ما اسمك؟
-اسمي سما.
-هذه ابنتي. ليست في المدرسة. جلبتها اليوم معي. ضحكنا جميعاً. ثم بدأت المعلمات يسألنها: ماهي عاصمة سورية؟ . . دمشق
عاصمة العراق؟ . . . بغداد
لقد عرفت ابنتك كل العواصم . من علّمها ذلك؟
-ماما وبابا يلعبان معي لعبة العواصم كل يوم
سوف نذهب في زيارة، ولا زالت أختك صغيرة. انتبهي لها حتى ألبس ثيابي. حسن. انتهيت. سوف نضعها في عربيتها. نحن جاهزتان، سوف أقفل الباب فقط. لم أكمل الجملة إلا وكانت سيارة تمرّ. تسمّرت في مكاني، ولم أفتح عينيّ سوى على صوت سما. لم تدهسها السيارة. قفزتُ هكذا وسحبت مقبض العربية .
ما أجملك من سما! دعي خفقان قلبي يتوّقف ومن ثمّ أقبلك. لولاك يا سما لم يكن لحياتي طعم. أنت لا تفهمين ما أقول، لكنّني أنسى معك يومي، ولا أفكر بشيء إلا بك وبأختك. كأنّني أسير في اتجاه الغباء، فلم تتجدّد معلوماتي عن الحياة.
هل أنا على صواب؟ لماذا أشجع سما على مواقف البطولة والإنسانية سواء من أختها، أو من الآخرين. لا زالت صغيرة جداً، عليها أن تتمتّع بطفولتها، لكنها تتمتّع ، وعندما ذهبت اليوم إلى مدرسة جديدة بعد انتقالنا إلى مدينة جديدة. ذهبت معي، وكنت أنا معلّمة على الصّف الرّابع الذكور، وهي في الصف الثاني، عمرها سبع سنوات فقط، وعندما انتهى الدّوام بحثت عنها ولم أجدها. خفت كثيراً. كنت أسير جهة المنزل، وأخاف أن تكون ضاعت منّي إلى الأبد، لكنها لم تكن قد وصلت إلى البيت ، رأيتها تسير في الاتجاه الصحيح فتبعتها.
تتحدث عنها معلّمة الصّف لينا وعن أنّ جميع الطّلاب يحبونها.

. . .
رماد
في البيت ضجيج، ولعب
في بيتنا أطفال، وأصوات
أطفال الحيّ يسرحون، ويمرحون
في الغد عيد
يذهب الناس إلى القبور
اختفت سما، لم أكن أعلم أنها ذهبت معهم للقبور، أتت محمّلة بكعك العيد والسّكاكر
سألتها من أين جلبت هذا؟
-أجابت: من المقبرة.
-هل أنت بحاجة لصدقة؟
ذهبت مع أطفال الحيّ. انظري كم كيسي مرتب.
حسناً ضعيهم هنا
لا تضيعي بعد الآن

عندما ينقبض قلبي. أسير في طريق معزول، أتحدث بصوت عال مع الرّيح، نتحارب معاً، انكفئ على نفسي، وأجلس على صخرة مشرفة على لا شيء.
أجمّع بقايا روحي ، أعبئها في جسدي كي لا تتبدد في بين الفراغات.
أفكّر أن أندم على لحظات ضاعت، وأجد أن الوقت لا يتسع، فلو صرفت بعض اللحظات في الندم لخسرت هذه اللحظة الجميلة التي يداعب فيها النسيم وجنتيّ وشعري، فيأتي إلي بعض من روح الحياة .
لو لم يكن لدي أطفال لصرخت بأقصى صوتي
سوف أبكي بصمت
مراقبة أنا من ابنتي
جلست في حضني
مسحت دمعي بيديها الصغيرتين
لا تبكِ يا أمّي. أحبّك
ويصبح صمتي لغة، وابتسامتي أمل، سوف أحارب الدنيا من أجل عينين تبرقان كما عيني دوريّ
لو كان القدر قارئاً لنطق بأجمل ما أحمله من حبّ
أمامي خياران: العطاء إلى حدّ الموت، أو الموت من العطاء
الأمر سهل. يمكنك أن تنسى نفسك، اسمك، عمرك، ثم تضيعي بين دوائر المستحيل، وكلّما درت دورة اقتربت من التّوحد، بدأت أفقد تواصلي مع هذا العالم، وعندما أمشي أزيغ النظر عن البشر، أتجاهلهم، أتمتّع بالضّياع.
لا أشعر بالوحدة، .لديّ مهمة أنجزها ، وهي التمعّن في نفسي التّائهة، والاستمرار في الضياع.
هل أنا ضحيّة؟
نعم. إنني ضحية، لكن ألم يأن الأوان أن تصبح الضّحية إنساناً؟
عليّ البدء، والبدء ليس صعباً.
بماذا أبدأ؟
بدأت في قضم أظافري، ثم قرّرت النّجاح. كلمات عامة أحدث بها نفسي كي تساعدني على النّوم وبعدها أصبحت أتابع حظّك اليوم. كل الحظوظ كانت تنطبق عليّ.
. . .
لا أستطيع الدّخول في التّفاصيل، ولن أتذكّر ضحكتك التي كان يصفها الجيران.
انتهى مجدنا الذي كان معظمه مغطى بالدانتيل الشّفاف. تذكرت جميع الأشياء في استنبول، وفي مقهى مطلّ على البحر.
بكيت كل أيامنا، وحكاياتنا. كانت باهتة ، وكان ما كان، فلا السجن انتهى ولا نحن تعافينا، كنت أبكي كثيراً، وعندما لا أستطيع أن أتوقف. أخرج من المقهى، وأجلس بين النّخيل. كانت استانبول جميلة، لكن المرحلة كانت قاسية، فقد نفذ مالنا، وكما تعلمين أنّ الأشياء الرخيصة كان يمكن رتيها بالمال.
. . .
مسرحية
حضرت البارحة مسرحيّة تتحدّث عن الحبّ. تقول المسرحيّة أنّ الحبّ حالة جماليّة لكنه يشبه الثياب، فعندما يتقطع جوربك أو حذائك لابد من رميه. الحبّ يحتاج إلى وصيانة، وعندما لا يكون حبّاً ينطبق عليه مصطلح بازار، وفي البازار كل شيء للبيع، حتى الحمار يباع هناك على أنّه غزال.
لا أعرف إن كان كاتب المسرحيّة من أقاربنا الذين مرّوا على ذكرياتنا.
في المسرحية: تدفع أم ابنتها إلى أحضان رجل يبدو لطيفاً، وعندما يتمّ الأمر. تكتشف الفتاة أنّ حبيبها الذي قبلته تحت إقناع الأهل يحمل أنياب ثعلب، وأصبح الخلاص منه صعباً.
كان الممثل الثعلب يجيد دوره، فقد أقنع الجميع أنه حيوان نافع، وعندما وجد جيفة خطفها بأنيابه وفرّ.
لا أستطيع أن أتحدث عن المسرحية، فقلبي ينفطر من المسرحيات الواقعية .
هل عرفت يوماً مكان القدر
مختبئ فينا
ينتظر أن نلوم الحظ
يقولون عنه القدر لأنّه واقع حصل، وليس بعيداً عن النظر. نختار أقدارنا من
داخلنا، وداخلنا لا يخضع لإعلان الهزيمة.
نصنع أقدارنا، حياتنا ملكنا.
أحياناً تفرّ الحياة منّا، نتصارع معها كي نعيدها
لم نخلق للصراع
كان علينا أن ننتظر ليصفو الجوّ من الضباب
لكنّه وقع. أي حدث، هو ليس قدر
علينا أن نعترف أن ما حدث قد حدث، نحمل ورود الماضي نضيفها إلى رياحين الحاضر، وتصبح جنّة يضوع عطرها يوماً.
نبحث عن الخلود.
أفكر أنّه لو عشنا مئة عام شباباً، وكلما انتهت مئة أعدنا التجربة ثانية ، لأنضجتنا التّجارب، لكن العمر أقصر من أن يعطينا فرصة النضوج.
أتساءل: هل فعلاً علينا أن ننضج؟ وكيف؟
هل هناك مقياس للنضوج؟
أليس من حقنا أن نبتسم، ونبكي أيضاً؟
أليس من حقنا أن نعيش بطريقتنا في الحياة؟
الجميع ينضج بطريقته وأسلوبه، لكن إن أصبح هناك منهاج يؤهلنا لاجتياز اختبار النضوج فسوف نفعله.
خطيئة
يقول أني أخطأ بخقه. قد يكون الأمر صحيحاً، ولولا لم أقرأ خطوط كفّه لم أتجاوب مع خطأي. كانت خطوط كفّه تتواصل في النهاية. أخطأت بحق العالم كلّه يوم وضعت لنفسي صراطاً مستقيماً أسير عليه ، عندما أفكر بالصراط المستقيم يأتي لذهني حزام العفة، فالصراط المستقيم يتعلّق بذلك المكان المتدني من الجسد. الخط المستقيم الذي وضعته. لم أضع عليه خطوطاً حمراء، فضاق ، ثم ضاق إلى أن أصبح الخط المستقيم هو حزام العفة نفسه. لماذا وضعت الخط المستقيم؟
كنت أخاف من غدر الحياة، وأخاف عليها أن تلتقي برجل مؤذ. كنت أقوم بدور الحامي، والذي يلوح بالصراط المستقيم.
تحدثت إحدى الشّابات في السهرة: كانت توصي أمها أن تجلب لها الحليب لابنها الرضيع، وكانت أمها تجلب الحليب من تلقاء نفسها. سألتها: ماما. تجلبين تلك الأشياء الثمينة، وأنت لا تملكين المال الكافي. لا تجلبي كثيراً. يكفي حليب الطفل.
-أرغب أن أطعمك أنت وابنك، فزوجك غائب، ولا يجلب المال. هل تبقين دون طعام.
-لكنك تجلبين الثياب أيضاً.
-إخوتك طلاب، وليس عندهم مال، ويجب أن يظهروا بمظهر لائق.
أصبح في خزانة مطبخنا العسل، وفي ثلاجتنا أفضل أنواع السّمك.
بالصدفة فتحت دفترها بينما كان على الطاولة
قرأت في مذكراتها:
كان عليّ أن أفعل هذا. لا. ليس حراماً. لم أسرق بنكاً. سرقت الطّعام، ولكن ماذا لو سجنت؟ سوف أكون قد سجنت، ولن أهتم للأمر.
أمضيت عمري أرقّع الجوارب، وأصدّر القمصان، وأبحث في القمامة عن شيء له قيمة.
منذ عشرين عاماً لم أشتر الثياب.
وكلّما جمعت مبلغاً كي يكون لي عملي الخاص. تأتي مشكلة أستدين ضعفه كي أنتهي منها. يبدو أنّ القدر يقول لي. لا تتعبي نفسك. كل ما تفعلينه حرام.
. . .
مملكة الغيلان
كيف نتجاوز تلك المملكة
ليس كل الممالك فيها بنيان. هناك ممالك للغيلان
في مملكة للغيلان كان يعيش صنف من البشر وصل بالصدفة إلى هناك.
الأب كان صديق الغول. يجلسان معاً كل مساء.
والأمّ تحلّل، تضرب أخماسها بأسداسها. قد يكون زوجي طيب القلب لا يقصد أذيتنا عندما يأتي مع الغول إلى المنزل.
نداء:
-استيقظي أيتها الأم
اهربي، فالحياة نعيشها مرّة واحدة، ولا داعي للعيش في ظل رجل لا يحترم
المواثيق.
-الحق معك. أعطني درباً أسير علي، فيداي مكبلتان بإنقاذ الأطفال، وهذا الرجل قد يكون أحياناً مغلوباً على أمره. يذرف الدمع لأنه أخطأ بحقنا.
-لا تصدقي رجالاً يعاشرون الغيلان. هذا الدمع قد يكون نتيجة للدغة تلقاها، فأنت والأولاد آخر حساباته.
-أيها المجهول. ماذا أقول لأمّي؟ لأصدقائي، وللمجتمع؟
لو هربت لن أرى أولادي فالغيلان سوف يقولون أنّني كنت خائنة، وخاطئة. لا أستطيع عندها الذهاب إلى عائلتي. عائلتي ليست أفضل. عندما يغيب زوجي عن المنزل. أتحدث مع أولادي. هنا مملكتي.
-يا لك من غبيّة!
اهربي مع أولادك، وسوف تجوعين شهراً وتنقذي نفسك وتنقذينهم.
-يقول النداء ما يقوله قلبي
ضعيفة أنا
أحتاج لمن يفتح لي ثغرة في جدار
يقول النداء الحقيقة. هل أسمع له ثانيّة؟
لا. لن أسمع له. سوف أتصالح مع الواقع، وأصبر، فالصبر مفتاح الفرج.
-سمعتك أيّتها الغبيّة. هذه الحكم تافهة، من وضعها كان غولاً، لا تصدّقي. اهربي
اهربي كي تنقذي تلك النّفوس من الدّمار. اهربي كي تستطيعين النظر لنفسك في المرآة. لا تقضي على الجمال.
-لا أعرف بماذا أرد. انصحني أيها النّداء. هل إذا متّ سيكون أولادي بخير؟ أرغب أن أموت. كل ما تقوله صحيح، ولا أستطيع أن أقوم به. قريباً سوف تنفرج الأمور
،قريباً سوف يبلغ أولادي سنّ النضوج، قريباً ستزهر بساتيني.
سوف أرقص على نغمات المستقبل، وعندما أذهب إلى النوم مساء أحلم. أرى بستاناً، وجمالاً، ومملكة جديدة أسميها مملكة الزّهور.
-أيتها الرّاوية!
لطفاً. لا تكملي القصّة. لا أحد يستمع.
لا يرغبون بمعرفة الحقيقة. نام الجميع.
. . .
نهايات
كنت أمر من الغابة اعترضني الخريف
أراد أن يحدّثني عن النهايات الجميلة
قرأت كتابه الذي وضعه أمامي للنقاش
تحدث لي عن الجميلة والوحش، قال أنّ الوحش لم يتغيّر، فقط الجميلة هي من تغيّرت. لا يمكن أن أصدّق قصته. يقول: كانت تعيش هنا في الغابة امرأة وزوجها، ثم اختفت، ربما هربت منه. كل سكان الغابة يعتقدون ذلك. انظري إلى ذلك الكوخ المهجور. إنّه لهما.

حفر الوحش حفرة في القبو تحت الكوخ، ودفن فيه الجميلة، ثم باع الكوخ، لكنها لم تمت، كانت على آخر نفس، وخرجت من القبر لا تعرف من تكون، تتلمس جسدها، وترغب أن تفهم شيئاً.
أما الوحش، فقد أحسّ أن زوجته قد لا تكون قد ماتت تماماً، وأراد أن يتأكّد ، فحمل سكين المطبخ احتياطاً، وأصبح يحوم حول مكان الجريمة.
كانت هي تحوم حول الكوخ، تذكرت من هي، وتذكرت ماذا جرى معها، وقالت لنفسها. عليّ أن ألتقي به، وعندما التقته في الغابة، لم يلحظ وجودها، وعندما رآها خلف شجرة ، صوب السكين تجاه قلبها، لكن السكين ارتدت وأتت في قلبه، فسقط على الأرض. أراد أن يقوم لكنه لم يستطع، وحملت الريح نار سيجارته ، فاحترقت الأشواك قربه، وأحرقته.
-صحيح أنّك خريف. لم تتحدّث إلا عن السقوط والتساقط.
- بل تحدّثت بالحقيقة. أنا لست ربيعاً لألون الأزهار أنا أعرّي، وأقول الحقيقة. الوحش يبقى وحشاً والجميلة تبقى جميلة.
. . .
مملكة الحبّ، والخراب
أصبحنا ستّة ومرّ الزمن على شباب الرّوح
من أين آتي بالموارد؟
لا أدري
يمزّقني ذلك الليل
هل أطرد ضيوفي الذين أحبّهم؟
أنا لها!
وعندما يضرب أحد صدره، معنى ذلك أنه منذور للفداء، لكنّني لست مسيحاً.
ماذا سوف أصنع على العشاء؟
لديّ بواق من كل صنف. سوف أصنع منهم لحماً.
أستطيع أن أصنع اللحم دون أن أذبح الخرفان.
ويأتي الملك الذي عزل نفسه من منصبه، يمتدح تصنيعي، هو من تسبّب بإفلاس المملكة، لكنّه يريد أن يأكل، ولا بد من إعطائه الطّعام، فهو على الأقل الملك وليس غريباً.
أرغب أن يحدّثني شعب المملكة عن حل. لا أحد من الشعب يؤمن بالحل الديموقراطي هنا، فالمملكة تؤمن كلّ شيء، والملكة المتوّجة باعت آخر ما تملك من أحذية، واستعملت باقي ثيابها الرّثة وقوداً.
يأتي واحد من الشّعب:
لماذا شعرك مملوء بالشيب، وصالونات التجميل يذهب لها القاصي والداني؟
-هذا طبعي يا بني. لا أحب أن أكون إلا أنا كما خلقني الله.
يا لك من كاذبة يا أنا! كم مرّة بكيت من أجل إسوار من الذهب، وخاتم من الزمرّد، وعطر فرنسي، وفستان حرير، وكعب عال. لا لست حقيقيّة. ماذا أقول للشعب؟ اخرسوا. أنتم السبب.
من بين الشعب طفلة تشبه وردة زرعتها أمها في المملكة.
-كيف حالك يا صغيرتي؟
أنت في مملكة الحبّ، والخراب؟
-ماذا يعني الخراب أيتها الملكة؟
-اسألي أمّك يوم زرعت بياض ثلجها في مملكتنا.
-أحبّك أيتها الملكة.
- فقط أنا من يحبّك . سوف أحتفل اليوم أنا وأنت. نعمل عيد ميلاد.
-ماذا يعني؟
-انتظري قليلاً. اجلسي على الكرسي الصغير. هذه الطاولة جلبها لنا الملك. صحيح أنها من حديد، لكنّني أحبّها.
الخبز المقطع هنا. في الوسط الأرز، والبطاطا، وفوقهم شمعة تشعلينها بعد قليل.
هيّا . اطفئي الشّمعة.
غنّي معي وصفّقي.
سنة حلوة للحلوات.
هل فرحت يا صغيرتي؟
-سوف أحدّث أمّي عن هذا.
-احفظي هذه الكلمات إن استطعت:
أحبّك وإلى الأبد.
. .

ستّة أشخاص سوف يتناولون الطّعام. أحدهم غريب، لو استطعت أن أبتكر أكلة ترضي الجميع. سوف أتنازل عن حصتي في الطعام.
لقد أتوا، ولم أستطع أن أستحمّ. كنت مشغولة جداّ
-أيتها الملكة. ما هذه الثياب التي تلبسينها؟ لا تليق بمقامك.
-أيتها الملكة. لا يناسبك أن تطبخي. كان بإمكانك أن تطلبي أكلاً جاهزاً.
أتى الملك. سوف يصّف الصحون، ويشرب الويسكي. هي عادات الملوك
الملكة في غرفتها تنتحبّ. تمسح عينيها.
لن أشرح لهم ضيق ذات اليد. كلّها عام أو عامين وتنتهي أزمتنا المالية.
أشعر بالانكسار
كلّ شيء في مكانه
لم يعد أمامي خيار. هل سوف يستفيق شعبي يوماً؟ أرغب أن أعطيهم السلطة .
. .
درس في التنميّة الذاتية
احترام الذّات
امتحان القبول في الدورة لتقدير المستوى
المتقدمة للامتحان راغبة بنت راغب
تشرح اللجنة المطلوب:
-لدينا سؤال شفوي، وآخر كتابي
السؤال الشفهي. عبَري بالمشي كيف تحترمين ذاتك!
-لم أفهم ما قالوا. هل علي أن أمشي؟
الامتحان الشفوي كان في الطريق، وأنا خجولة لدرجة أنني أحب الاختباء، فكيف إذا كان أمامي كاميرا؟
كان أمامي بحصة. نقفتها بأصابع رجلي اليمنى، وأكملت طريقي إلى أن صاحوا في مكبر الصوت: توقفي!
-رأي اللجنة يقدمه أبو الفضل فاضل.
جميعكم رأيتم كيف تمشي راغبة. كان كتفها الأيمن متهدلاً، وكتفها الأيسر مجنّح، وأعطت لظهرها الحرّية في أن تدخل رأسها بين كتفيها، وكتفيها في خصرها.
الآنسة راغبة مصابة بالاكتئاب.
أحضرنا الممثلة البارعة أم أربع وأربعين كي تقدم لكم التمرين الصح.
حسنا. اسمي الحقيقي فطينة، وسميت نفسي باسم ام أربعة وأربعين، لأنّني أمثل في أربع وأربعين دائرة.
نبدأ الآن:
أنظر إلى الأمام منتصبة القامة، أتخيل أرجوحة السيرك، وأتخيل أنّني أمسكها بأسناني، وأسير هكذا.
تصفيق.
هل يمكن أن نلقاك آنسة فطينة. سوف نقدم لك عرضاً. الفكرة جميلة. سوف نفتح مدرسة نسميها مشية الثقة بالنّفس.
جاء الآن دور الفحص النظري
السّؤال: كيف تستمعين إلى محدّثك؟
ما هذا السؤال الصعب؟ لا يحدثني أحد سوى أمي. أحياناً لا أسمعها. سوف أكذب عليهم ربما يعطوني دورة مجانية.
الجواب: أنا لا أحبّ الحديث، لكنّني مهذّبة. أستمع إلى من يحدثني، وأبتسم معه بينما ذهني في مكان آخر. عندما كانت جارتنا تتحدث معي بدا عليها أنها فهمت حالتي. قالت لي أين أنت؟ قلت لها: أنا معك. أجابت: ما دمت معي أعيدي ما قلت. طبعاً ارتبكت، وعندما طلبت مني كأساً من زيت الزيتون عرفت أن أذني لا تسمع ما يرفضه عقلي.
. . .
محاكمة
لا زالت قضيتنا أمام القضاء. تفتقر إلى الشهود. لم تكن شهادة من أتى كافية. عندما سأل القاضي الشّاهد الأوّل: من المسؤول عن الجريمة؟ أجاب لا أحد مسؤول. يجب أن تسجل ضد مجهول، أمّا الشاهد الثاني فقد أسهب في حديثه دون أن يشهد. قال: المسؤول هو الاستعباد، والاستبداد.
-توقّف من فضلك. نحن لا نتحدث عن قضيّة سياسيّة. نتحدّث عن جريمة عادية.
-نعم، وأنا أتحدّث عن تلك الجريمة العادية. لو وضعت ثلاثة أشخاص في بئر مثلاً، وجلبت حارساً صنع غطاء للبئر، وجلس عليه. ماذا سوف يكون مصير الأشخاص داخل البئر. احتمال الموت وارد، واحتمال أنّ حبّ الحياة قد يدفع أحدهم ليسقط الحارس في البئر بعد أن ينجح بخطته، هذا هو الاستبداد العائلي. كانت تلك العائلة المنكوبة تعيش في بئر، ولم يملك أحد الشجاعة على الدّفاع عن حياته، صحيح أن بعض الأفراد نجوا من الموت، ولم ينجوا من الظلم.
-من هو المسؤول المباشر أيها الشاهد عن الجريمة؟
-الجميع مسؤول. لو قاوموا النزول إلى البئر ، وتمكّن أحدهم من الفرار لاستطاع إنقاذ البقيّة، فالحارس يحبّ المال. كان يمكن إغراؤه بالمال، والطعام والشّراب، وإخراجهم من البئر. لكن عمليّاً عاد الجميع طوعاً إلى البئر كونه المكان الوحيد الذي يحميهم من العالم الخارجي، فلم يتعرّفوا على العالم وأصبحوا ضحايا.
كان بإمكان أحدهم فعل ذلك، لكن لم يفعل أحد، وعندما عادوا لينزلوا البئر بكامل رضاهم. كانوا قد وقعوا عقداً غير مكتوب برغبتهم بعدم الخلاص.
-شهادة الشهود غير كافية. نطلب من المدّعي حلفان اليمين، او استبدال الشهود
-هل ترغب أن أخلق المعجزات كي أثبت أنّي ضحيّة. لا أستطيع جلب الشّهود، فأنا الشاهد الوحيد. يمكنك تسجيل الجرم باسمي، فقد كان عليّ إنقاذهم، وكلّما فكرت في الطريقة أكتشف سذاجتي، وبساطتي. ربما لم أكن أستطيع فعل الكثير، لكنّني لو كنت ذلك البطل، وأنقذت أحدهم فربما هو أنقذ الباقي، أعترف أنّه كان لدّي جزء من شجاعة الأبطال، فقد وهبت حياتي كي يبقى أبناء البئر على قيد الحياة. كنت وحيداً، كانوا يشتمونني من داخل البئر، وكنت أصرخ في وجههم، ثم أعاود التجربة من جديد، وها أنا أقف أمامك مرتجفاً من الحياة، والقهر. أنا هو المجرم
. . .
هزيمة
أتحدّث عن النّجاح الذي هو في الحقيقة هزيمة. عندما بدأت أسعى من أجل الحياة كنت قد تجاوزت الثلاثين. أحسست أنّني طفل رضيع يتيم، وسوف أقبل بنصيبي من الرّعاية، وقبلت.
اكتشفت سذاجتي مع كلّ خطوة، ومع كلّ كلمة. تعلّمت بشكل متأخر جداً بأنّ من لم يكن ذئباً أكلته الذّئاب.
أنا الذي أكلته الذئاب، وعليّ أن أتمرن على أن أكون ذئباً.
تلك البساطة إلى حد القرف تجعلني أبصق على نفسي، فأنا لن أكون ذئباً، ولا حتى قطّة بأظافر خلقت كي أكون ضحيّة.
تسألون من أنا؟
أنا منير ابن البيك أبو منير
والدي كان يلبس بذلة رسمية، لكنّه يتصور عارياً مع النساء، وينسى الصورة، فأمزقها كي لا تعرف أمّي.
أمّي غبية مثلي، وبسيطة. في إحدى المرات خبرّتها إحداهنّ عن أبي بأنّه بلا أخلاق. ثم حدثتها الثانية، ومن كثرة بساطتها التفت أبي إليها. قال هما واحدة، ومشى وهو يسخر منها. يعمل أبي زير نساء، وفتح مكتباً للدعارة، وفي إحدى المرات قال لي: إياك أن تأتي إلى المكتب.
في إحدى المرات فتحت دفتر مذكرات أمّي فإذ بها تعرف كلّ شيء.
لماذا لم تترك أبي؟
لا أقتنع أن بقاءها كان ذو فائدة، فلم تنجح إلا في زرع الخوف، والصراع بيننا.
. . .
أمي البائسة
ينهمر المطر كدموع أمّي
أرمي مظلّتي أركض
لا بد أن ألتقيها
أمّي تلك الشّقية
تبكي كل ليلة
أغادر دموعها
أبحث عن صديق أشكوه
يخذلني الجميع
أعود فارغة اليدين
وأحتمي بالأرض
ويأتي صدى صوتها
يلملم أجزائي
أعود أنا من جديد
. . .
أمّي الشّقية صاحبة قافية الندب في المآتم
تبكي الجميع، وتصغي لصوت ندبها
لا تستطيع البكاء إلا في حضرة السماء
عندما تمتزج دموعها بالمطر والدعاء
أصطاد حزنها في دائرة فارغة
تقتلني عندما تطلب إنصافي من السّماء
فما أحد ترحمه الدنيا سوى الأشرار
أبثّ أمّي عذاباتي، ترضخ كسجين تحت التعذيب
تجيب بصوت خافت
سوف تفرحين، وتنهضين
. . .
أمي تلك البائسة من وجع السنين
لا تعرف كيف تحضنني
في عينيها يسكن عتاب
وفي مهجتها حزن
أرمي هموم الدنيا عليها
تتلقاها ،تحملها
أنظر إليها
ذوقي أيتها المرأة من المرار
كأنّك خلقت له
دائرة من السلاسل الحديدية تكبلها
لم تستطع كسر دائرة واحدة
وكنت غائبة عنها
وعندما وجدتها
أرسلت أسراري لها
ازداد القيد قسوة
وصار الوجع صرخة
. . .
أسمع صوت حداء من بعيد
أنهض بعز الليل من الحلم
أفتش بين وسائد العمر
أمشي مثل سكران
واعود
لم أر شيئاً. ضاع ما أبحث عنه
مفقود. مفقود
. . .
عتاب
عتابا ودموع العين تسكب عِتابا
هاد الدهر رماني وعتى بي
تراني ناطر عبوابكم وأعتابا
وحدي أمشي على دروب العذاب
. . .
ما بدي يقيدني حلم، ولا فزع
تراه حلمي موجود
ما ضاع
بين الوسائد ما في أحلام
الأحلام فوق البيوت
حلمي هداك الليل ما كان حلم
كان كابوس

. . .
أفتّش على حلمي، وافرد جناحي، وطير
أغني على ليلي أنا
واسبح على وجه البحر
أرقص مع للمسا وللصبح
واتقلب على الموج
وعلى نسمة هوى أنام
وأفيق، والموج يغني لي
وأنا ألعب معو، وأحكيلو
تراه هاد الحلم، موغيرو
. . .
قالي نجم. لا تفتّش على حلمك
أنت الحلم
فتّش على قلبك، واترك وسائد عمرك
ارميها للبحر
واسبح بعكس الموج
وامشي على مهلك
تراه الموج يرفعك
ويعلّمك كيف تطير
. . .
لا تفتش على حلمك بالليالي
الحلم متل رغيف الخبز
بتزرعو مع القمح
وفي موسمه يصير جاهز للخبز
ما في حلم بهالدني
أنت الحلم
وعبابك كل العمر
يضحك متل طفل
والعمر لساه بأوّلو
. . .
شماتة
الحكايات المتفرقة التي تتحدث بها الرّاوية هي من صبيان أفكارها. هي من قال هذا.
تقول الرّاوية:
إيّاكم والشّماتة، فالشماتة من الناحية الشرعية على حد تعبير الشيخ أبو الهول الدعدعائي:
الشماتة سلوك شائن وخلق قبيح يدل على نفس غير سوية وقلب مدخول
وحقيقة الشماتة : إظهار الفرح والسرور بما ينزل بالآخرين من مصائب وما يحل بهم من كوارث وما يلحقهم من أقدار من مرض وموت
أعرف الشيخ أبو الهول منذ طفولته، وهو لم يتجاوز العشرين من عمره، وقد حضرت جلسة إيمانية معه، وبعد أن صلى وسلم، وتحدث كثيراً عن علاقة المرأة بالرجل، لأنّ من واجبه كشيخ أن يشرح ذلك، وبما أنّه لا حياء في الدّين فقد أسهب، وفيما بعد تحدث باقتضاب عن الشماتة، والمناسبة هو القبض على اللصوص في جمعية أبناء الله المؤمنين، وإيداعهم السّجن بعد أن استولى على الجمعية القائم بالله على أمور المسلمين. الدعدعائي رجل دين يصادق الجميع، ودعا لعدم الشماتة.
قام طفل من بين الحضور، وسأله. هل يجوز الشماتة في القلب، كون القلب لا يعرف التفكير.
قال له: اجلس يا بني. لا زلت صغيراً .
وقفت أمّ الطفل: أجبه يا شيخ. نرغب أن نعلّم أطفالنا أصول الدين. أنا لا أحب الشماتة، ولكن كما قال لك ابني شعرت أن قلبي يلامسه الفرح عندما قبضوا عليهم. صحيح أنّ الجميع متشابهون. لكنّنا شبعنا ظلماً منهم، ونعرف أنّ العدل لن يحلّ، لكن على الأقل يوجد من هو أظلم من الظالم يقتص منه. فماذا قلت؟
لا يمكنني منع قلبي من الفرح. هو ليس شماتة. لحظة نشوة وانتهت.
أجابها: أيتها المرأة! أنت مليئة بالحسد والشّر. سوف أتبرّع لك بجلسات مجانيّة لإزالة ذلك الجنّ الذي يسكنك.
وقفز الطفل إلى قرب منصّة الشّيخ، وأمسك بعمامته: قال له: حدّثني، ولا تحدّث أمّي. أميّ سيدة العالم كلّه، وأنت كاذب منافق.
حلّ الهرج والمرج بالمكان، وخرج الشيخ غاضباً، وتعثر بحذاء فسقط أرضاً وبقيت عمامته في المكان.
في اليوم التالي جلبت الرّاوية الطفل، وأجلسته على كرسيّ إلى جانبها. قالت له. سوف تساعدني على تسلية الناس، فتؤلف لي قصصاً من الخيال الواقعي، ولك أجراً عند الله.
-قال لها: موافق على أن يكون أجري نصف ما تحصلين عليه من مسرحك ، ولنترك موضوع الله
. . .
أفكار
كان اليوم الأخير من مسرح الرّاوية.
المسرح مظلم تماماً، أصوات عواء وحوش تأتي من خلف المسرح. تظهر الراوية، تتكوّم في زاوية المسرح وتصرخ اخرج أيها المارد. اخرج.
-تتعجبون أنّني كنت راوية عن قصص كثيرة، كنت تتفاعلون معي، وكلّما حاولت أن أروي قصّتي أتلعثم. يسكنني مارد يرغب في الصراخ، وسجّان يغلق فمه.
سوف أغني لكم عن الحبّ:
ذلك الحبّ الذي قدّمه لي جعلني تعيسة على مدى عمري
لم يكن حبّاً. كان استيلاء على روحي
-أكمل أيّها المارد. اخرج من داخلي. اخرج.
-سوف أبدأ بنقدك.
-توقّف إذن. لا تخرج. ماذا فعلت للعالم.
-أنت لم تفعلي. هم فعلوا، ولكن: كيف أدخلت ثلاثة غرباء إلى بيتك.
عاهرتان ولّص.
لم تكن حياتك مثاليّة، لكن فيها بعض الجمال. قبلت أن تدخليهم .
وضع الحرامي لك المخدر، ووضعت العاهرتان لكم السّم، لم تموتوا ، لكنكم لم تعيشوا.
-لكن ليس أنا من أدخل أولئك النسوة، وافقت على إدخال اللص دون أن أدري أنّه لصّاً. رسمت له صورة من صبيان أفكاري. صورة مثالية لصبيّ يمكن أن ينشأ على معايير الأمانة، وإذ بالأمر لا يتجاوز التربية الأولى. رباه والداه على أنّ اللصوصية ميزة الذكاء، والغدر هو الوفاء.
هناك البعض ممن له علاقة بذلك.، لكنّ تأثيرهم بسيط جداً.
-هل تدرين كم من الوقت نمتم؟
بعضكم نام عشر سنوات، والآخر عشرين، وعندما فتحتم أعينكم اكتشفتم ما جنته أيديكم.
-كفّ عن الحديث أيّها المارد. لم تعد مارداً. انظروا أصبح بالوناً مثقوباً. كنت قد عبّأته بالخوف على العائلة، من العار الاجتماعي، من المستقبل. الآن أفرغته. لا زلت أخاف، لكن ليس خوفاً يجعل في داخلي مارداً.
ينار المسرح
تظهر الرّاوية بثياب جميلة، وشعر ممشّط، وتصدح موسيقى ترقص عليها، وتعتلي كرسيها على المسرح:
سوف ألقي عليكم قصيدة مرتجلة، وأنهي الحديث.
الذي يخاف البعبع يظهر له
واللص لا يصبح إنساناً
والغدر صفة اللئيم
هذا ليس شعراً: هو حديث لذاتي.
سوف أبدأ:
حلمت بمنزل صغير، وطفل وحبيب
أن نجعل الكون لنا، نعمّر الحياة
أغراني لصّ بأنّه أمين
وعدني أن يصنع المعجزات
أمّنته على الحلم
سرقه في ليلة ظلماء
ماذا أقول له؟ هل أقول له تعال؟
بالطبع لا
فكيف تدعو لصاً سرقك ثانية
محال
. . .
المرّ
بطلت أذوق المر. طعمه ما يعجبني
ما ذوق العسل، ولا اللبن
ولا حتى البلح والتمر
متعودة ع خبز أمي
ذوقك تراه ما يطبق على ذوقي
ما فيك تغريني بصحن أكل
من مبارح نايمة ع لحم بطني
ومن الصّبح أضحك للشّمس
نورها يضرب على عيني
الشمس صارت تراقبني
قلبي حاسس بالدفا
مسافر على بلاد الوفا
وأنت موأنا
فضها سيرة بقا
وخود المر والحلو معك
تراه الجوع ما فيه يغلبني
وياما قبرتو حتى لما كنت معك
. . .
أنا اللي زرعت الدني خيوط ملونة
وطرزت حكايات ع مدّ النظر
أنا الأيام جاية تودع ها لسنة
أرقص على أطرافها
على اكتافها. أنحني
وقلها: يا سنة غيبي
الفرح جايّ
الأيام الجاية إلي
أكيد هيي إلي
غيبي يا سنة
كنت كتير مبهدلة
. . .
النّداء الأخير

أمرّ بين البيوت، يتهادى الثلج على رأسي، ويركض الناس مستعجلين، بينما أسير ببطْ، ويأتيني النّداء. لا أعرف إن كان من السماء، أو الثلج، أحياناً تحدثني السماء، تقول لي: أنا لست سقفاً يسكن أحد فوقه. أنا فضاء، ترفعني إلى ما بعد الغيوم، أرى من أعلى كلّ شيء، لكن من يحدثني اليوم ليست هي: قد يكون الثلج.
-ماذا تريد منّي أيها الصوت؟
-أريد أن تودّعي الشتاء، وقد لبست لون الفرح. يمكنك العبور إلى الجمال، فالأمر يتغيّر دائماً من حال إلى حال.
عندما تجلسين إلى طاولتك تحتسين القهوة. انظري جهة النّافذة المطلّة على الشتاء، حيث يطيب الدفء، وتطيب السماء، وبعد أن تشبعي من النظر. غنّي وارقصي دون بطر.
-يا لسخرية القدر! تطلب منّي الفرح، وقد بقيت عمراً أبحث عنه.
الفرح قادم. جزء منه محتبس فيك ينتظر من يفتح له الطريق.
سوف أقول لك آخر حكاياتي عن القدر. هو ينتظر قرب الباب، عليك ترّقب الباب، وعندما يفتح ادخلي إليه على الفور، وحتى تري ذلك الباب. انسي كل المتاهات.
-النداء يجعلني أحلم بالجمال، بخبر سار يبدّد ما ألمّ بي من وجع.
سوف أنتظر قرب الباب، وعندما يفتح. سوف أدخل، ولن أكتفي بالدخول.
صمتت السماء، وصمت الثلج، وذهبت في حلم طويل. شربت الشاي، شعرت بدفء يغمرني، وحياة .
سوف يحلّ الفرح، وننسى الذكريات.







اخر الافلام

.. عمرو يوسف وكندة علوش ووفاء عامر وصبا مبارك فى افتتاح مهرجان


.. فساتين مثيرة للنجمات غادة عادل وهنا شيحة وسلاف فواخرجي فى اف


.. إطلالة أنيقة للنجمات مى عمر ودينا وايتن عامر وروجينا فى افت




.. شرح الجزء الثاني من -شباب تسامي للعلا وكهول- في مادة اللغة ا


.. نجوم الفن على السجادة الحمراء فى افتتاح مهرجان القاهرة السين