الحوار المتمدن - موبايل



الدّْينُ التَسَلُّطي

زكريا كردي

2017 / 11 / 15
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


على خلاف ما ذهب إليه عالم النفس الطبيب فرويد ( 1856- 1939) فى كتابه الشهير: "مُستقبَلُ وَهْم" منْ أنّ الدّين هو حال عصاب جماعي، قائم على عجز الإنسان، وفشل عقله في مواجهة قوى الطبيعة خارجه، والقوى الغريزية داخله ، حيث وجد الإنسان نفسه في حالة صراع وعجز لا مناص من كبتها ، فاضطره الامر للتغلّب عليها ، باستخدام "العواطف المضادة " والقوى الوجدانية ، التي وظيفتها الكبت و التحكم في كل ما عجز العقل عنه أو التعامل معه ، وهو ما يؤدي إلى نشوء هذا الوهم ..
فقد أعتبر عالم النفس الاجتماعي إريك فروم (1900-1980) في كتابه : "الدّين والتحليل النفسي " أن الدّين هو إحدى أهم ركائز الدعم في مسيرة التحرر الإنساني ، وبالتالي لم يوافق فروم كثيراً من المُفكرين الحداثيين من معاصريه ، ممن رأوا حينها ، أنّ حال السير في منحى الحداثة والتطور العلمي يقتضي بالضرورة التخلص تماماً من الدّين أو من هذا الوهم ..
ولكن في المقابل ، فقد رأى فروم أن الدّين الإنساني الحق يجب أنْ يتأسّس في جوهره على حرية الإنسان ودعم استقلاله ، وأنْ يُوفّر للذات الإنسانية المؤمنة به ، أفقًاً رحيباً لدعم حريّة الجانب الإنساني فيها ، عبر إنمائها المُسْتمر ، و هذا الإنماء الإنساني - بحسب فروم - هو الهدف الرئيس والمعنى الجوهري و الحقيقي لحياة الإنسان ..
من هنا أمكن لنا أن نفهم ، أن فروم في كتابه المذكور أعلاه قد ميّز بين نوعين من الدّين : الدّين التسلطي (authoritarian)، والدّين الإنساني (humanistic).
حيث وضّحَ لنا موقفه واعتراضه ، ليس على الدّين بشكل عام وكلّي ، بل على الدّين التسلطى فقط ، الذي وصفه بأنه دين متعالٍ ، يشي فقط باعتراف الإنسان بقوة عليا غير منظورة أو مُدْرَكة ، تتحكّم فى مصيرهِ ، ولها عليه حق الطاعة والسيادة والتبجيل ودوام العبادة ..
وبيّنَ أنّ العنصر الجوهرى فى الدّين التسلّطى يكون في الاستسلام التام لقوة تعلو على الإنسان ، حيث الفضيلة فيه هى الطاعة العمياء أو المُطلقة في النُسْكِ والمَحْيا ، والخطيئةُ الكبرى فيه هى العصيان والتمرّد على بعض تعاليمه المغلقة والمسيطرة على كل تفاصيل الحياة.
في حين أنّ هدف الإنسان فى الدين الإنسانى هو ان يحقق أكبر قدر من القوة لا أكبر قدر من العجز والفضيلة هى تحقيق الذات ، لا الطاعة. لأن الايمان - بحسب تعبير فروم - هو يقين الاقتناع المُؤسّس على تجربة المرء فى مجال الفكر والشعور ، لا على تصديق قضايا وفقاً لذمة المُتقدم بها ، والمزاج السائد فيها هو الفرح ، على حين أن المزاج السائد فى الدّين التسلّطى هو الحزن والشعور بالذنب .! حيث تتغذى في الإنسان روح الحقد والتعصّب فى الدين التسلطى، لكونها نتيجة حتمية وتعويض أكيد عن حالة الخضوع القاسية ..! لإلهٍ قاسٍ شديد العقاب لا يغفر ولا يرحم ،على عكس الدّين الإنسانى تماماً ، حيث الإله الرحيم المُحب الودود ، مُحرّر الإنسان من الغموض والجهل والخوف ، و هذا الإله اللامسمى ، هو فى الدّين الإنسانى صورة لذات الإنسان العليا الخيّرة ، ورمز سامٍ على ما يُمكن أن يكون الإنسان عليه ، أو ما ينبغى أن يؤول اليه ..على حد تعبير فروم ..
وفي رأي ، وحسب ما فهمت من بعض الفلاسفة الانسانيين وفي مقدمتهم أريك فروم ، فإنّ خطر الأديان التسلّطية يكمن أيضاً في أنّها تصرف اهتمام الانسان تماماً عن العالم المعلوم ، وتوجّه فعالياته الذهنية والسلوكية إلى عالم آخر بعيد موهوم ..
لهذا هي تقف على النقيض من الفلسفة التي تسعى لأن تصالحه مع هذا العالم الواقعي ، من خلال دعم محاولة فهمه واستيعاب أثر العقل فيه ، وبثّ الرَغبة العارمة في جعله معقولاً بالتمام ..
و الأديان التسلطية – في إعتقادي - هي الأديان التي تُطْبقُ على حياة مُعتنقيها بمغاليق طقوس وشعائر صلدة ، وتهيمن بفقهها الهائل على كل شاردة وواردة في سلوك الإنسان وتفكيره ، وهي جاهزة دائماً كي تقدم للبُسَطاء ركاماً هائلاً من الأجوبة المُتناسلة ، إلى درجةٍ لا تُتيح لأزاهير الفهم أن تنمو أو تشرئب ، فمن طبيعتها الجوهرية ، ألا تسمح لأية فكرة مُغايرة أن تدعم نماء الحياة المعرفية الإنسانية المُتجددة بفعل التطور ، لذا هي تسعى دوماً ، لأن تُكبل كل إمكانات الإنسان المنتجة ، والساعية لأن تعيش العقول بشكل أفضل مما عليه أو تعرفه ..
ولذا تراها تفعل ما بوسعها كي تقتلَ بذور الأفكار المُغايرة لها ، وتحرص بشدة، على تبديد الانبثاقات الأولى لنور الدهشة وسد أبواب الذرائع التي قد تأتي بها ، بوصفها – أي الدهشة - أولى مراحل التفكير الفلسفي وتسبق أي تساؤل ..
والدهشة – كما نعلم جميعاً - هي جوهر الفكرة الأصيلة ، و الجذر المشترك في الفن والفلسفة ، المُختلفان تماماً عن الدوغمائيات الدّْينية ، المملوءة بتلالٍ مُتراكمة من المأثورات والتفسيرات ، والمستحوذة على بَراح واسع من غبار التأويلات المركبة على أي فكر قديم غامض ..
ولذلك كثيراً ما نجد الأديان التسلطية ، بشكلٍ عام ، مُتخمَة بكميات هائلة من ركام الإجابات المُهينة للعقل وقوانينه ، وهي تشترك على الإجمال بمقت الأسئلة الشديد ، ولهذا تجد أولياؤها وأصحاب المصالح في استمرار وجودها ، يسارعون بحماسة في وأد ملامح الإدهاش قبل أن تتفشى أو تتمكن من بنية أي عقل متفتح أو ذكي ..
أخيراً وليس آخراً ، ومما كشفت عنه أحداث الصقيع العربي ، فقد أصبح من غير المشكوك فيه – لدي على الأقل - أن العقائد المُتسلّطة تقوّي بشكل كبير الجانب العدواني والعنف التدميري في الإنسان ، وخاصة فيمن كان مؤمناً بها عن جهالة تامة ، ولهذا رأينا كيف جعلته يرتكب الفظائع بحق وطنه ومجتمعه ، ويسحقُ المُخالفين له بكل رضى وورع ..دون أي إدراك أو وعي منه ، أنّ ما يدفعه لفعل ذلك ، هو الوهم الذي لا مستقبل له ..
للحديث بقية ..







اخر الافلام

.. الضفة الغربية.. إجراءات أمنية مشددة خلال الأعياد اليهودية


.. وكيل الأزهر: نأمل القضاء على شلل الأطفال فى الدول الإسلامية


.. العروسة المنقبة.. -العب يالا بما لا يخالف شرع الله.. وبـ50 ج




.. الهلال يعانق الصليب.. مسلمون يشاركون فى بناء كنيسة مارجرجس ب


.. قطر تبتاعُ رضى اليهود في الولاياتِ المتحدة