الحوار المتمدن - موبايل



علم من مدينتي، الشاعر بدران أحمد بريگع الهيتي

قحطان محمد صالح الهيتي

2017 / 11 / 17
سيرة ذاتية


قلت في قصيدتي دار سعدى:
-
بدرانُ في بلدي والأرضُ واحدُها
بدرٌ فيا تيـه ْلا تُغْري بنـا الحَسَدا
-
قلتُ هذا، لأنه كان صوت الحق المعبر عن معاناة أجدادنا وآبائنا ، والناطق باسمهم في المحافل الرسمية والشعبية. وعليّ أن أقول فيه، وأكتب عنه أكثر من هذا، لأنه رجل كريم، وشاعر كبير. وكيف لا أقول به الكثير وهو القائل:" يضحك لو لفاه الضيف فنجانه". ولابد إن أقول: إنْ أبْدَر في سماء الأرض بدر واحد، فقد أبدرَ في سماء هيت بدران.
-
أسمه ونسبه:
ـــــــــــــــــــ
هو أبو عبـد ، بدران أحـمد حسين عـلي بريگع إسماعيل صادق فؤاد احمد قوام الدين الغساني. وقد عرفت هذه العائلة الكريمة في هيت ببيت بريگع وذاع صيتها في الأنبار وفي بغداد؛ فقد أنجبت من الأعلام ما يحق لنا أن نفتخر بهم. هم من الرجال المعروفين بكرمهم وطيبهم، فكان لكل من محمد وأخيه ناصر بريگع ديوان عرف بديوان آل بريگع، وكانت تحل فيهما الكثير من المشاكل الاجتماعية لما لهما من راي صائب وكلمة مسموعة عند الناس.
-
ولادته:
ـــــــــــ
ولد في مدينة هيت - محافظة الأنبار فــي عام 1890، وتعلم القراءة والكتابة في الكتاتيب. ومن خلال قراءته القران والأحاديث، ومجالســته المتعلمين من أبناء المدينة تطورت مداركه الفكرية ؛ فنظم الشعر الشعبي وهو في سن الثانية عشرة. وضاع الكثير من شعره كونه كان يقول الشعر ارتجالا.
-
ولأنه ولد ونشأ وترعرع قريبا من نهر الفرات، وكان له على ضفافه بستان تعلم فيه الزراعة، ومنها عرف هموم الفلاحين ومعاناتهم. ومن عمله على جرفه في صناعة العسابي (الكايات) التي كانت تنقل القير من هيت الى مدن الفرات الأوسط والجنوب، ومن ثم في صناعة (الشخاتير) التي كانت وسيلة نقل البضائع بين هيت والحلة، عرف أوجاع العمال وحاجاتهم.
-
ولما كبر واشتد عوده طاف فيه (ملاحا) و(ربانا) و(نوخذه ) فقد وجد فيه عشقه، ولكن هذا العشق سرعان ما ينقلب الى (كراهية) قاتلة حين يفيض الفرات، ويدمر الزرع ويهلك الضرع . وهــذا مــا نلمسه بشعره؛ فقد نظم أكثر من ثمان قصائد في وصف طغيان الفرات.
-
شعره
ــــــــــ
ضم ديوانه الذي جمعه السيدان عبد الغفور عبد الكريم عليوي وجمعة عليوي بريگع أكثر من 100 قصيدة. نظمها في جميع أغراض الشـعر؛ فقـد نظم في المديح والهجاء والرثاء والوصف والغزل. وبالرغم من أنه نظم الشـعر مبكــرا إلا أن أول قصيدة مدونة في ديوانه ترجع الى العام 1927. وقد نظمها في وصف فيضان نهر الفرات وما جلبه من ويلات لأبناء المناطق التي تضررت من جراءه.
-
ويبدو ان الفرات بفيضاناته كان همّا للشاعر؛ فقد خلّدَ جميع الفيضانات التي مرَّت بها مدينة هيت؛ فشرحها مفصلا ورسم في قصائده صور معاناة الفلاحين وأصحاب الزرع، وكيف تشردوا، وكيف كان طغيانه مدمرا.
-
ويصف فيضان عام 1927 بقصيدة مطلعها:
-
آه يـــا ربــــي ولانــــه
منـــك نريـــد الإعــانة
من حضرتك سيل جانه
غــرّگت كــل النبـــات
-
وختمها:
والمناخ بهيــت صايـــر
من الخوضه الى بصاير
گام صــاعد ع المنايـــر
هـاذي كلهــا معجــزات
-
ويصف طغيان الفرات في عام 1969 قائلا:
-
عفــوْك يا إلـه العــرشْ يـا ديّـــان
من شط الفرات شلونْ بيه طغيان
-
وبشعره عن الفيضانات خلّد َذكر أول قائم مقام لقضاء هيت، وهو أمير صالح زكي صاحبقران؛ فقال فيه في قصيدة له عن فيضان 1968:
-
للقائم مقـام انصب ألـف رايـه
حافظ ع السداد ونجى الولايه
-
مخلص للحكومة ويبـذل الهمه
نايم ع التـراب السـهر ما يهمـه
حـاوي المرجله والكـرم والذمه
مصلح بالبـلد ما إلـه كـل غايـه
-
هكذا كان المسؤول من وجهة نظر الشاعر،باذلا،مخلصا، ساهرا، رجلا، كريما حافظا للذمة.
-
أمـا هيــت حافظهــا أبو هـاڨال
نشكر همته قام بجميع أشـغال
مثل الأسد بيده ينخى بالعمال
ينگل ع الســداد تراب ويـانه
-
بدران نصير المرأة والثقافة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ما يتميز به الشاعر بدران ، هــو أنـه كـان ابـن مجتمعه ، وابن أهله؛ فلـم يبعده عنهم طـول السفر، ولا بعد المسافات بين عمله ومدينته، فقد كان قريبا منهم، ولم يترك مناسبة تخصهم الا وكان مشـاركا فاعـلا فيها، فتـجده فـي معارض مدارســها، واســتعراضاتهم الرياضية ، مُشيدا بعملهم وبإبداعهم.
-
وكان نصيرا للمرأة مشجعا على تعليمها، داعما نشاطها الفني والرياضي، وله في هذا الشأن أكثر من قصيدة. فقد قال في مدرسة زبيدة الابتدائية للبنات بعد فوزهــا بالمركـز الأول فــي المعرض السـنوي لمدارس القضاء في عام 1968:
-
نشْــكرْ أبطال الزبيده
مدرســــة أم الأمـيـن
فِتــتْ بيهــا وخبلتني
وفَرّحَت قلبي الحزين
-
وبها يمدح مديرتها آنذاك، السيدة آمنة عبد الجليل القاضي قائلا:
-
والأســاس مـن المديره
اســتاذه ما الها نظـــيْر
ع المدارس كلهـا فازت
بنـــت عالمنــا القديــر
-
ومثلما قال في مدرسة الزبيدة ، قال في العام نفسه مهنئا مدرسـة خديجة الكبـرى للبنات ؛ بمناسبة فوزها بالمركــز الأول بالاســـتعراض الرياضي لمدارس القضاء:
-
هاذي مدرسـة خديجه
ع المدارس كلهـا راس
شــاطره بيهــا مديــره
عــدها عفه والها باس
-
ويرمز بالعفة الى الست عفيفة حميد مديرة المدرسة آنذاك.
-
وله قصيدة ألقاها في حفل الخطابة والشعر في ثانوية هيت في يوم 2 / 3 /1968يبدأها بشكره للقائم مقام أمير صاحبقران ويدعو للرئيس عبد الرحمن عارف ومنها:
-
رايه بيضه لكل معلم
تنصب براس المناره
بيها نكـتب اسـم الله
بالمسچ أوضح عباره
-
قصائده ومدائحه النبوية
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المعروف عن الشاعر أنه كان من مريدي الطريقة القادرية، وكان (استاذه) في هـذه الطريقة هـو السيد محمد رمضان الحلاب، وقد بيّن ذلك في قصيدة له في عام 1942:
-
حاضر أستاذي محمد الحلاب
أنسي ولا جني يصـل يم بابـي
-
ولما توفى استاذه محمد الحلاب في عام 1974 رثاه بقصيدة مطلعها:
-
راح شيخي وحزنوا الأحبابِ
عزّ المُريد الصاح ْيا حــلابِ
-
وله في المدائح النبوية (الأذكار) أكثر من قصيدة كانت تنشد في حلقات الذكر في تكية السيد الحلاب، وفي غيرها من التكايا. ومنها قصيدة في عام 1942:
-
اصبــر لحكــم الواحـد الديـاني
الله عظيــم الشــأن مـاله ثانـي
اصبر لحكمه واشـتغل بالطاعـه
والروح عنــدك يا فقـير وداعــه
ولوذ بمحمــد في قيام الســاعة
حاضر أبـو القاسـم على الميزان
-
ويقول في قصيدة أخرى وفي العام نفسه:
-
يا حيــدر الكرار أريــد أناخـكم
ما خاب كلمن يحتمي بحماكم
رجواي بالمحشر هناك الكاكم
يا آل احمـد انتو صيروا ظلالي
-
المدح في شعر بدران
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لقد كان بدران وطنيا، عراقيا ساهم بالكثير من الأنشطة الوطنية، وأبرزها أنه كان واحدا من الشباب الذين انزلوا العلم البريطاني من على سراي الحكومة في هيت بعد رفعه عليه بثلاثة أيام بعد ان احتل الإنكليز هيت وانزلوا العلم العثماني ورفعوا علمهم عوضا عنه.
-
ولا يخفى على من عاش الزمن مع بدران الشاعر والإنسان، أنه كان صوتا للحق وللفقراء؛ فقد كان معبرا عن معاناة أهل مدينته، وكان ذا حس طبقي معبر عن تطلعات الكادحين.
-
ومن أجل أن يوصل صوت أبناء مدينته الى المسؤولين في الدولة، فقد مدح الملوك والرؤساء الذين عاصرهم، لا طمعا بالجاه ولا بالمال، بل من أجل تحقيق المطالب المشروعة لمدينته ولأهلها؛ فقد طالب بجسر لها في أكثر من قصيدة، وطالب بتعويضهم عن الضرر الذي لحق بهم من جراء طغيان الفرات في أكثر من مره، ومدح بعضهم من أجل تحقيق ما كان يراه حلما عربيا في تحرير فلسطين، وفي وحدة العرب. كما انتقد المسؤولين المقصرين.
-
فلم يكن مدحه المسؤولين حبا لهم، أو تأييدا لمبادئهم، بل كان من أجل مصلحة أهله ووطنه، ومما قاله في هذا الغرض الشعري، نورد الآتي:
-
قال في الملك فيصل الثاني في عام (1946) بمناسبة غلاء الأسعار:
-
فـي آخـر كلامي اندعـي آنـي
من ربي الكريم وعالـي الشـأن
تحفظ شبل غازي فيصل الثاني
وبعز الوصـي تنطيــه مطلوبـه
-
وحيّا الملك والوصي في عام 1953 قائلا:
أهــلا بالخــال وبالثانــي
ملوك ومن نسل العدنان ِ
-
وقال في نوري السعيد في عام 1956 في قصيدة عن فلسطين طالبا منه السعي الى نصرتها وتحريرها:
-
نوري السعيد بكل وكت أدعيله
بطول العمـر يا ربي گوي حيله
-
وبعد ثورة 14 تموز/1958 كان له موقفا مؤيدا للزعيم عبد الكريم قاسم ولنائبه عبد السلام محمد عارف:
-
ولعبـد الكريـم أعـلام منصـوبه
خط خطه شريفه بعزم محبوبه
-
وقال بمناسبة الوحدة العربية في جمال عبد الناصر ولعبد السلام بعد انقلاب 18/تشرين/ 1964:
-
تحييّ وتنـدعيله لريـس الوحـده
لابن ناصـر الحارب كل عـدو رده
نهض عبد الســلام وللوكر هــده
كسر حـزب الخيانـه ناس وحشيه
-
وبعد فيضان عام 1967 قال مخاطبا الرئيس عبد الرحمن محمد عارف:
-
لابن عارف الريس إحنـا نشـكيله
الله يحفظــه ويشــد عـزم حيلــه
-
وفي عام 1969 قال في قصيدته الخاصة بفيضان نهر الفرات:
للريس البكر كل وكت أدعيله
ينطيه النصر ويشد عزم حيله
-
وقال فيه:
للريس احمد نندعي بكل ساعه
أسس الثـورة بحكمـته وذراعــه
-
وفي قصيدة له في عام 1972 طالب بها بإنشاء جسر لمدينة هيت قال في نائب الرئيس صدام:
-
نترجى الإعانة من البطل صدام
نايـب الريس مـن حَمُـولَه كـْرام
منصـور ببراءة وســورة الأنعـام
وبآيـة الكـرسي وبالسـبع آيــات
-
الحب عند بدران
ـــــــــــــــــــــــــــ
في قصيدة له نظمها في عام 1936 يصف فيها خيّاطة، ويبدو أنها من أهل هيت واسمها سليمه قال:
-
أبقي وحدي بأرض هيمه
واجلــب لنفسي الجريمـه
كفـّـي عنّــي يا سـَـليمـه
واســمحي وكـوني حنـينه
-
ولكنها تقول له:
-
يا ابن احمد روح غادي
أبــــد ْ لاتگــرب ودادي
الناس تدري سند عادي
أنت مـو صاحب خزينه
-
وفي عام 1940تمنى أن تكون قرينته مثقفة ومحبوبة:
-
بنفسي قرينه مثقفه وحبــوبه
بلجي بأمر الله إلـى مكتــوبـه
قـادر يا ربــي تكــدر تسـويها
تغير فكـرها لعبـدك تخليـهـا
أنــذر نـذر يـوم الإلي تهديهـا
ليل ونهار اسجد وصيح التوبه
-
ويتعهد بان يسجد لله بكل ساعة وأن يبقى في قاعة الصلاة، وان يصبح حارسا لها ليلا ونهارا، ويصف من تمناها:
-
حلــوه الگصايــب نازلـه لحزامـه
يشتعل خدها والوسـط بيه شامه
لا خطــت ورده امشـكله بالهامـه
تسبي الخلگ فوگ الشعر مذبوبه
-
تذبح جميع الشاف طولـه ولونـه
الثـغر حلقـه ولظـم ليلو سـنونـه
عليـك لــو دحگ فشگ بعيــونـه
خوف وخطر كل من يمر بصوبـه
-
وتمنى ان تزف له
غالي عليَّ ودوم اطلــب شــوفه
خلوه بوسط جزره بحـر محفوفه
قادر يجي ويوم وإلــي مزفــوفه
تسوه الملك من عنه لي بعگوبه
-
ويعلنها أبو عبد بعد أن يصف المحبوبة صراحة دون خوف من أم عبد فيقول:
-
دره وعلى ساحل بحر ملگوحه
لـو شــافها مثلي تمـزق روحــه
بدران مُغـرم حيــل زايـد نوحـه
والدنيـا ويــاه بالعـكس مگلوبـه
-
ويتعهد لو انه حضيَّ بها أن يكتب لها سندا ويشهد عليه الشهود ويتوب على يدها:
-
اكتب سند وامضي لها بإبهامي
بالمحكمه وشــهود أحط علامي
تايب على يَـدها وصـح ْإسـلامي
إنْ وافقــت محبوبتي المهيـوبه
-
ويختم قصيدته قائلا:
-
هــاذي العليــها السـالفه مبـنيه
ماكـــو مثلهـــا بالنســا قطـــعية
شـــعاع خــدها يوصــل لسوريه
لو نسفت البرگع على الچرچوبه
-
لقد كان الحب عند بدران حبا من نوع خاص، تجسد في حبه لزوجته ام عبد، والتي يبدو انه أحبها قبل الزواج(واحنا زغار) حين وصف وحشة الدار بعدما غادرته مسافرة في 10 / أذار / 1967 في زيارة لابنتها:
-
توحش مظلمه من عگب عيناها
چبدي انفطــر مــا يصبر بلياهــا
ارجع ولد من اگــعد أنـى وياهــا
هاي المحبه من گبل واحنا زغـار
-
ويقول
-
دموع عيني على الأرض مصبوبة
ما شفت راحة من وراء المحبوبة
-
اشــلون اصـبر والصـبر مليته
من شــانها جان وانسـس مليتـه
گولولهــا بدران عــايــف بيتـه
عن الأهل بالگهوه صاير أفرار
-
ويختمها قائلا:
-
اتگول آنـي بهالشـــغل مجبــوره
مـا خلي بنتي بالغرب محصــوره
بـدران خلـّي ينطمــرلــه بجــوره
لو يمشي سايح يسكن بتل سنجار
-
گلت الها عيني روحي امشي ابكيفچ
خايـف يجيني صواب من حـد سيفچ
بســياحتــي لازم أمــــر وانضـــيفـچ
عــود اجعليهــا ضيـف عنـدك خطار
-
ويصف بُعدَه عنها في قصيدة أخرى في عام 1953 فيقول:
-
مــا هنالي زاد عگبــك يا الحبيــب
أنت روحي ومهجتي وأنت الطبيب
ما أضــل يومين عنــي من تغـيب
لكن النوبــة علـيّ صــارت غصـب
-
وانتــلاگــه بخيــر نفــرح بالتـلاق
نقابـل أيام المضـت وقت الفـراق
وانتشـــابگ وانتعـــانگ باشـتياق
نوبـه اضــرب نوبـه أنـى انضـرب
-
الهجاء في شعر بدران
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في عام 1936 زار ملا عبود الكرخي مدن المنطقة الغربية، ولم تذكر المصادر سبب زيارته. ولكنه حين عاد منها راجعا الى بغداد كتب قصيدة يهجو بها أبناء تلك المدن ويصفهم بالفقر. ومن خلال قوله: " ما بيهم رجل من يملك الآنه" يثبت لنا بأنه جاء مستجديا باحثا عمن يُعطيه، وحين لم يجد عند من زارهم طلبه، لأنه عندهم غيرُ ذي شأن، ولا يستحق التكريم، قال فيهم:
-
جيــت لعانــه وراوه ولألــوس
لهيت وحديثه وارجعت مأيوس
يوجـد جنب جـبه قريـه بروانـه
يســموها أهلــها الكــلْ هلكانه
ما بيهم رجــل مـن يملك الآنه
لا وحياة من ساكن بأراضي الطوس
-
فرد عليه الشاعر بدران معارضا بقصيدة من نفس الوزن والقافية، ذكر فيها مناقب ومكارم أهل المدن التي ذكرها هذا الشاعر(الهلگلگ) كما وصفه أبو عبد؛ فكان بحق رادا يُشفي الغليل.
-
وهذه هي حقيقة قصيدة شاعرنا بدران، وليس كما يرويها البعض من أنها كانت ردا على الشاعر ملا عبود الكرخي لأنه قال:" يا رايح لهيت لا تستبيت...." هذه جملة بائسة، قيلت في أبناء هيت، وهي في حقيقتها ليست بيتا من قصيدة قالها هذا الشاعر أو غيره ،كما يقول البعض أنها للرصافي. وحتى لو ثبت قول هذه المقولة؛ فقد قيلت في زمن سبق زمن الشاعرين بكثير، عندما كانت المدينة مسوّرة محاطة بخندق.
-
شــجابك علحديثة وراوه ولعانة
وهيت واهل جبة وشفت بروانه
-
هذوله أهل الكرم والطيب والناموس
كلهــم بالشــجاعة يـرفعــون الـروس
انزلهـــم عفيــف ويفهــم القامــوس
والمثلك ســـنة يركـض علــى الآنــه
-
ويذكر فيها أعلام هذه المدن ورجالاتها الكرام ويفتخر بهم فيقول:.
-
بيهم شيخ محسن صاحب الأسرار
وأبـو مسلم يهــلي لولفه الخــطار
الهـي بجـاه طــه وحيــدر الكـــرار
كل شــاعر هلكَلكَ تقطـع لـــسانه
-
فـي هيت العذية يوجــد ابن ذياب
وأخو ميثه حمد بشبه ليث الغاب
للآن وبعـــــد مـا عمـــر ردوا بـاب
لكـــن حضــرتك وهمـــان ويــانه
-
اسأل مـن مديـر الناحيه المشهور
أبو إبراهيــم مـا يلفـظ كـلام الزور
خلاله مضيف وحـط عليه ناطـور
يضحـك لو لفاه الضيف فنجــانه
-
ولأنه صوت المدينة، فلم يسكت عن تصرف تجارها في أثناء ارتفاع الأسعار في عام 1946. فقد ذكر في قصيدة له جميع تجار المدينة الذين احتكروا الحنطة وغشوا بها، وهجاهم، ووصفهم بأقبح الأوصاف:
-
نزلـت الحنـطة يالعــراقي اتبشـر
صارت الوزنة بأبو عشــرة وأكثـر
-
الله يغضــب علـى الـذي رقـوهــا
بمهجمــات بيوتــــهم ضمــوها
ما تنجرع من كل شكل خلطوها
ينظـر بعينــه المشتري ويتحسر
-
ولم يستثنٍ منهم سوى الحاج عاشور فقال فيه:
عاشـور ما نكـدر نجيبـه بلاشـه
يطلـع على التجار هـو الباشـا
تلكى الحريم بعلوته محتاشـه
نفسـه وطيه ولا أظــن يتكبـر
-
وفي قصيدة أخرى وصف حال أبناء المدينة في سنة الغلاء تلك فقال:
-
من باب البحـر ولهـيت ولعانــه
كلها تستغيث الناس جوعــانـه
تجار القمـح لعــبوا على الحـانا
مثل ما تلعب الصبيان بالطوبه
-
بعدها يخاطب المتصرف مبينا حال أهل المدينة قائلا:
-
إلْمتصرف اللواء اليوم نشكي الحال
عن والي الأمـر الله بكلامــه أشــكال
انظر ع العجي العامل وعنده عيال
كولـــي يشـــتغل ومبگـره جيــوبه
-
كولي يشــتغل يوميتــه معلومــه
ما اتقيته ولا يگدـر على هدومــه
وأم البـيت تمسي بحاله مهمومه
تهـدي أطفالها وتنـــام منكــوبـه
-
مزاحه
ـــــــــــــــ
كان أبو عبد محبا لأصدقائه وفيا لهم، وكثيرا ما كان يمازحهم، ويكتب عنهم أبياتا وقصائد، وله في هذا الشأن مواقف عده، فضلا عن أنه كان مولعا بتربية الدجاج محبا له؛ فقد رثى ديكهن ورثى دجاجته السوداء:
-
يالسـوده منـو ألآذاچ
بطلاگـه ونعـل موتاچ
محــرم ينقبل مــداچ
عليــچ الروح لافنيهـا
-
ديكها المسكين يسمع
عافها وانهــزم يضــلع
هالعـرب من گوم تبـع
والربّــا كثـــران بيهـــا
-
ومن جميل شعره ما قاله في عام 1935 على لسان أم البنت:
-
أنطـي بنتي الوحيــده
ليريدهـــــا ولتــريـده
دارت بســنه جديــده
عگالك عگال الشيطان
-
كل معـگل مــا يـراد
لولا يملك جنة عاد
لو معلــم لو أسـتاد
صاحب وظيفه وبرهان
-
وله في النقد والوصف بعض القصائد منها ما قاله في(المختاريه):
بشر يا لتطلب جنسيه
فتح سـوگ المختاريه
-
إسماعيل وسحاب أمضوها
لياسين رشــيد عافــوهـــا
-
كما اشتكى من قارئ المقياس قائلا:
-
أبــو المقيـاس هالمثبـور
بأي مدرسه قاري سطور
بحوش بصاير لو بالسور
لو يــم (ســحاب الدلال)
-
الرثاء في شعر بدران
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
للرثاء في ديوان الشاعر بعض القصائد؛ فقد رثى صديقه المقرب اليه الحاج يعقوب الحاج علي. كما رثى الشيخ ضياء الدين الخطيب بقصيدتين، قال في الأولى:
-
يا ضيـــــاء الديــــن
يـا حلـــو الصـــفات
مسكنك وياالصحابه
فـي قصور مشيدات
-
ووصفه في الثانية قائلا:
-
بالكرم حاتم الطائي
احلـف برب الأنـــام
لليتامــى والأرامــل
سوريا والـــد هشـام
-
التاجر بدران
ـــــــــــــــــــــــــ
بعد ان جرب حظه في العمل بمقلع الحجر بمحطة الدبس وعانى هناك :
-
اشو ياهو التلزمه يگول آني فـلان
ريس عالمعامل چنت فــي ألمان
وانچبت الســله بس علـى بـدران
حافـي من ورا الحجـار شـگ ثوبه
-
وبعد ان انقلبت السلة عليه، وسار حافيا عريانا، أراد ان يجرب حظه بالتجارة، ولم يجد أفضل من التجارة بالكرب، فتاجر به مع ولده عبد، وكانت وجهتهم الحقلانية:
-
لا تسأل علـى بدران
تاجـر صايـر بحقـلان
نوري جـاب نـامــونـه
كرب منشوط بسنونه
مـا حسَّبْ يدگـرونــه
يرْدون الألفْ بقرانْ
-
وطال به المقام وتجارته بائرة وتمنى (لو يسلم على الحذيان):
مـا أدرى حسـبتي تطــول
والشــاعـر علــيّ يگـــول
عفت الطمع والمحصول
لو اســــلم على الحذيـان
-
وكانت النتيجة:( الكرب مضروب دبه):
.
شلون أسوي يا أخواني
وبالكــرب الله بـلانــي
-
يا عبــد يـا بنــي تأبــهْ
والـــدك محَّــْد يحـــبّهْ
والكـرب مضـروب دبـه
يشــهد الشيخ وحساني
-
أبو عبد الوطني
ـــــــــــــــــــــــــ
لقد كان أبو عبد وطنيا ذا فكر عروبي جسد ذلك في أكثر قصائده؛ فقد استنكر وشجب الاحتلال الصهيوني لفلسطين كان مناديا بحق الفلسطينيين بالعودة:
-
اختمها بصلاتي ع النبي المحبوب
ينصــر جيشـنا ويحصل المطلوب
يفنـون اليهودي الكافـر المذهوب
جونــا من الأجانــب نـاس عدايـه
-
جونا من الأجانــب جابهـم بلفـور
ملــه فاسـده وأنطاهم الدســتور
فرســـان العرب نــده قريبـه تثور
وجيـوش العرب بالكـون گصـــايه
-
توفي بدران في يوم السبت 9 / 11 / 1974، عن عمر ناهز الرابعة والثمانين سنة.كان في خلالها علما من أعلام مدينتنا، فكانت حياته قصة. إنها قصة علم من مدينتي،عاش ومات رجلا بكل ما تعنيه كلمة الرجولة. عاصرته، وعرفته ، وأعجبت بوقاره، وسمعت بعض قصائده. لقد كان قامة شعرية، وشخصية مهابة لها مكانتها في هيت، وفي عموم مدن محافظة الأنبار، ولم يكن في سماء مدينتي بدرا بل كان (بدران).







اخر الافلام

.. معلومات طريفة ومثيرة للدهشة لم تسمع بها من قبل معلومة


.. خلافات ترمب مع خصومه وصلت إلى مواجهة مع زوج مستشارته


.. ماي تعلن .... بريطانيا لن تغادر الاتحاد الأوروبي في الموعد ا




.. إعصار إداي يسبب كارثة كبرى في زيمبابوي وموزمبيق


.. خامنئي وروحاني يعترفان بأزمات إقتصادية في إيران