الحوار المتمدن - موبايل



كل هذا العويل و الصراخ على كرونشتادت

مازن كم الماز

2017 / 11 / 19
ملف الذكرى المئوية لانطلاق ثورة أكتوبر الاشتراكية في روسيا


تروتسكي بالنسبة لنا , نحن الذين نعيش اليوم , تماما مثل محمد و يسوع و ماركس و باكونين , مجرد اسم .. المشكلة معه هي نفسها مع أي شخص آخر "يعيش" حاليا في القبر , هي الأشياء التي ترتكب أو يمكن أن ترتكب باسمه .. يفترض الذين ينتسبون لتروتسكي اليوم أنه شخص جيد و يعرف كل شيء , على الأقل يمكنه أن يعلمنا كيف نحرر أنفسنا , و يفترضون أن أخطاءه , إن وجدت , مبررة أو ضرورية و لهذا يدافعون عنه بشراسة , عن كل ما فعله , هو بالنسبة لهم "النبي" كما سماه دويتشر .. بالنسبة لهم , لا يمكننا أن نحرر أنفسنا دون الإيمان بتلك الجثة الهامدة لتروتسكي .. لقد دفن الرجل خلافا للينين لكنهم حنطوه بنفس الطريقة التي حنط بها تروتسكي و ستالين جثة لينين العجوز و كما جرى لجثة ستالين نفسها قبل أن تطيح بها صراعات السلطة في الكرملين .. هذا الميل للتحنيط الجسدي و الفكري هو جزء لا يتجزأ من تراث البلشفية ككل .. لكن البلاشفة رغم كل خلافاتهم يشتركون في أشياء أخرى أيضا , مثلا ينقل أشرف عمر عن رفاقه التروتسكيين دفاعا عن مجزرة كرونشتاد أن المؤرخين اليمنيين يشتركون مع منتقدي البلشفية اليساريين في انتقادهم للمجزرة , لكن هذه ليست حجة خاصة بمجزرة كرونشتاد , هذه لعبة ستالينية قديمة جديدة , بل لعبة سلطوية قديمة جديدة .. بالفعل ما الفرق بين أن تقتل بحارة كرونشتاد بدم بارد لأنهم "معادون للثورة" , "فلاحون" , "ليسوا بروليتاريين بما يكفي" أو "منحلون أخلاقيا" كما وصفهم تروتسكي في تبريره للمجزرة و بين أن تقتل كل من يفكر بشكل مستقل , كل من لا يرضخ لسطوتك أو لا يؤمن بفرادة الزعيم وحده لا شريك له و تسجن و تجوع الملايين حتى الموت لنفس السبب .. تقوم منظومة معسكرات العمل العبودي في الغولاغ بأكملها و كل ما يتصل بها من سجون على نفس الفكرة .. لكن الرفيق أشرف عمر ينقل عن رفاقه أن مجزرة كرونشتاد هي جزء لا يتجزأ من فترة الاشتراكية من أسفل في الثورة الروسية , لسبب واحد فقط : أن من نفذها أو شارك في تنفيذها تروتسكي .. الاشتراكية من أسفل التي يتحدث عنها رفاق أشرف عمر لا تتعلق بمن يعيش في الأسفل , لا بالناس أو السوفييتات و لا بالتأكيد ببحارة كرونشتاد , بل بكائن مجرد , ميت , يسمونه تروتسكي .. بل إن ما يسمونه اشتراكية من الأسفل تحتم قتل الناس الذين في الأسفل , عند الضرورة , و حسب مشيئة الأخ الأكبر .. ماذا يبقى بعد إذن من كل نقد تروتسكي للستالينية ؟ الصراع على السلطة فقط .. هناك نقطة مهمة جدا هنا , أن للعويل و الصراخ على كرونشتاد اليوم هدف واحد فقط ( إذا استثنينا الصراع على السلطة داخل التيار البلشفي ) : أن نمنع وقوع كرونشتادات أخرى .. لا يتمتع التروتسكيان نو و لووي ( في كتابهما الذي يحاول مصالحة التروتسكية مع التيارات التحررية ) بنفس راحة ضمير كاتب المقال الذي ترجمه أشرف عمر , إن المجزرة تثقل ضميرهم , لكنهما ينجحان في تبريرها في النهاية بضمير متصالح أخيرا مع ما فعله النبي - الزعيم .. فإذا لم تكن كرونشتادت معادية للثورة لكنها كانت ستفتح المجال أمام الثورة المضادة عدا عن تحدي بحارة كرونشتاد للسلطة المركزية , هذه هي جريمة الكرونشتاديين التي لا يشك فيها نو و لووي و هكذا فإن بحارة كرونشتاد استحقوا بشكل من الأشكال مصيرهم , في النهاية : الأنبياء لا يخطئون , الظروف قد تخطأ , و أيضا الضحايا .. لغير المعتادين على التصنيفات البلشفية المسبقة , يمكن شرح كلمة ثورة مضادة كما يستخدمها البلاشفة تماما بنفس طريقة غوبلز : كلما سمعت كلمة ثقافة تحسست مسدسي .. لكن هناك أيضا مشكلة حقيقية في كل هذا الصراخ و العويل على كرونشتادت و هو أنه يحاول نفي تهمة الثورة المضادة عن الكرونشتاديين و كأن من حق البلاشفة و جناحهم المسلح أي التشيكا أن يقتلوا كل روسي يعارضهم , أي إنسان يفكر بشكل مختلف , أن يسجنوا جميع الحالمين و المجانين فقط لأنهم لا يفكرون كما يأمرهم من هو في عرش السلطة .. احتفل الماركسيون , ستالينيون و لينينيون و تروتسكيون , بذكرى ثورة أكتوبر باستعادة مجازر قادتهم و الإصرار عليها , دون أدنى شعور بأي تأنيب ضمير في أكثر الأحوال و بضمير يمكن إسكاته في جميع الأحوال .. يزعم الماركسيون أنهم ينتسبون إلى الضحايا , إلى المهمشين , إلى المناضلين من أجل حريتهم , إلى العبيد الثائرين ليصبحوا سادة أنفسهم , لكن بحارة كرونشتادت ليسوا إلا بعض هؤلاء , و كذلك فلاحو أوكرانيا و عمال بتروغراد الجوعى الذين انتفض الكرونشتاديون دفاعا عن حقهم في لقمة خبز , في النهاية لا يمكنك أن تكون مع القاتل و مع الضحية في نفس الوقت , هذا هو جوهر التناقض الماركسي اليوم







اخر الافلام

.. قانون مصري يثير الجدل يمنح كبار ضبط الجيش حصانة غير مسبوقة


.. ليبيا: سرقة قطع أثرية نادرة من بنغازي


.. أطفال جزائريون يبيعون الخبز على مشارف العاصمة مع قدوم موسم ا




.. بريطانيا - الاتحاد الأوروبي: طلاق دون اتفاق؟


.. لطيفة العرفاوي: مطربة وممثلة تونسية