الحوار المتمدن - موبايل



اَلْغَفْلَة ..!

فيصل عوض حسن

2017 / 11 / 27
مواضيع وابحاث سياسية



شَهِدَت السَّاحةُ السُّودانيُّةُ خلال الفترةِ الماضيةِ أحداثاً عديدة، دار حولها الكثير من الجدل ولا يزال، لعلَّ أبرزها زيارة نائب وزير الخارجيَّة الأمريكي واجتماعاته (المُغلقة)، و(طَلباته/أوامره) المُتدثِّرة بالحُرِّيات وحقوق الإنسان، كإلغاء المواد القانونيَّة المُتعلِّقة بالرِدَّة والكُفر والأعمال الفاضحة، وتعديل مواد رعاية الطفل والميراث! ومُؤخَّراً زيارة البشير لروسيا و(انبطاحه) المُفاجئ و(المُتقاطع) مع تحالفُاته الخليجيَّة التي بلغت حدود (الارتزاق)، ومُحاولاته لاسترضاء أمريكا التي هاجمها خلال الزيارة و(استجدى) حمايته منها كما يزعم!
لتفسير هذه الأحداث والوصول لاستنتاجاتٍ منطقيَّةٍ أقرب للدقَّة، من الأهميَّة تشبيكها مع بعض المُعطيات الأُخرى ذات العلاقة. وفي هذا الإطار، وعلى غير العادة، تَحاشَى البشير وعصابته الإسْلَامَوِيَّة، الحديث عن اجتماعات الأمريكي الزَّائر ومَطَالِبه (الصَّارخة)، وتركوا الأمر لبعض أزلامهم الذين انقسموا لثلاثة آراء رئيسيَّة! حيث قال رئيس ما يُسمَّى مَجْمَع الفقه بأنَّهم سيدرسون المَطَالِبَ الأمريكيَّةِ، بالتعاوُن مع ما يُعرَف بهيئة العُلماء التي أبدى رئيسها غضباً (ظاهرياً)، ورفض مَطالِب الأمريكان ووصفها بـ(الإملاءات)! في ما أَيَّد أحد مُتأسلمي المُؤتمر الشعبي تلك المَطَالِب بدون تحفُّظ! وعلى الصعيد الشعبي، انقسمت الآراء – بصفةٍ عامَّة – إلى قسمين، القسمُ الأوَّلُ أيَّدَ مَطَالِب الأمريكان، سواء بحِجَّة الحُرِّيَّات أو نِكَايةً في المُتأسلمين. والقسمُ الثاني لم يَتَعَدَّ الشَمَاتَة/السُخرية، من تَغَيُّر مواقف المُتأسلمين وانبطاحاتهم المُتوالية! وسواء كان هؤلاء أو أولئك، لم يتطرَّق الجميع لـ(دَوَافِع) الأمريكان من تلك المَطَالِب، وهذا هو الأهم والأخطر، لأنَّ أمريكا لا تفعل شيئاً دون حسابٍ أو مُقابل!
والمُتأمِّل للعداء الأمريكي، يجده اشتدَّ عقب (سَطْوْ) البشير وعصابته على السُلطة عام 1989، تبعاً لخطابهم العدائي (المقصود) آنذاك، وتَصَاعَدَ العداءُ بتأييد المُتأسلمين لغزو العراق للكُويت، وتَطَوَّر أكثر بإدخال السُّودان لقائمة الدول الرَّاعية للإرهاب عام 1993، لاحتضان البشير وعصابته للجماعات الإسْلَامَوِيَّة المنبوذة عالمياً وإقليمياً. ثُمَّ قامت أمريكا بتشديد حصارها الاقتصادي عام 1997، وقَصَفَت مصنع الشفاء عام 1998 وخَفَّضَت تمثيلها الديبلوماسي، وصَنَّفَت السُّودان ضمن الدول التي يُمكن مُحاصرتها اقتصادياً عقب أحداث 11 سبتمبر 2001. ووفقاً لهذا العرض المُختصر، فإنَّ البشير وجماعته هم سبب العداء/الحصار الأمريكي، لكنهم لم يتأثَّروا به، حيث تَوَاصَلَ تعاوُنهم مع الأمريكان وبإشراف البشير شخصياً، طِبقاً لإقرارات الطرفين. كما تحتضن الخرطوم أكبر سفارة لأمريكا بأفريقيا والشرق الأوسط، ويستحوذ رؤوس الفجور الإسْلَامَوِي وأُسرهم على جوازاتٍ أمريكيَّة، وبعضهم استقرَّ هناك بشكلٍ دائم! وبعبارةٍ أدَق، صَنَعَ المُتأسلمون العَداء بالتنسيق مع الأمريكان، تحقيقاً لهدفين (مُستَتَرَيْن)، أوَّلهما الأوَّل نهب وتدمير مُقدَّراتنا الوطنيَّة/السياديَّة (الناجحة)، وثانيهما تفتيت وتمزيق السُّودان! فبحِجَّةِ الحصار، تَمَّ تدمير ونهب الخطوط الجويَّة والبحريَّة والسكك الحديديَّة والنقل النهري، ومشروع الجزيرة ومُنشآت السياحة والاتصالات، حتَّى ميناءنا الرئيسي لم يسلم من النهب والتدمير! وشَكَّلَت ورقةُ الحصارِ (الحافز) الرئيسي لانفصال الجنوب، وفقاً لإقرار المُتأسلمين والأمريكان والمُغامرين أيضاً، الذين أكَّدوا أنَّ أمريكا استخدمت (جَزَرَة) رفع العُقوبات للتوقيع على اتفاقيَّة نيفاشا، وهذا ما يسعون لتنفيذه الآن بالمنطقتين ودارفور، ودونكم الاشتراطات الأمريكيَّة المُتلاحقة على نحو ما عُرِفَ اصطلاحاً بخطَّة المساراتِ الخمسة، ومَطالِبهم الأخيرة التي أشرنا إليها في بداية هذه المقالة، وتناغُمها مع مَطالِب المُتاجرين بقضايانا (السابقة والمُتوقَّعة) في مُقبل الأيَّام، والتي بدأت نُذرها (قبل وعقب) الزيارة الأمريكيَّة (الملغومة)!
بالنسبة للحَدث الأبرز الآخر، وهو زيارة البشير (المُريبة) لروسيا و(استجدائه) حمايته من الأمريكان، فهي أيضاً تحتاج لقراءاتٍ أكثر عُمقاً وموضوعيَّة لبعض المُعطيات، والتي من أبرزها وأكثرها ريبة (عَلَانِيَّة) طَرْحِ البشير (لاستجداءاته)، بصورةٍ لا تتماشى مع المعمول به في العلاقات الدوليَّة والثُنائيَّة، ولم نألفها في روسيا المعروفة بالحرص والدِقَّة في الأقوال والأفعال، إذ لم نعهد (نشر) لقاءات رئيسهم ومُباحثاته و(تفاصيلها)، بالصورة التي رأيناها وسمعناها في المقاطع التي انتشرت عقب سويعات من لقائه بالبشير! وهنا قد يتَعَلَّلَ البعضُ بـ(غباء) البشير، وهذا غير صحيح لأنَّه واعي تماماً لما يفعله، ومع هذا نقول أنَّ الرُّوس بإمكانهم إخفاء الصوت والإبقاء على الصورة فقط، خاصةً مع (حساسيَّة) استجداءات البشير، مما يجعلنا نتساءل عن (المغزى) أو الرسالة من نشرها؟ ونضيف لذلك، لَهْث البشير وعصابته خلف الأمريكان حتَّى آخر لحظة، ودونكم تصريحات غندور قبل وعقب العودة، وتلافيه ذكر (أمريكا) واستبدلها بعبارة (دول غربيَّة)، وتأكيداته بأنَّهم مُلتزمون بعلاقاتهم وتعهُّداتهم مع الأمريكان وحُلفائهم بالخليج! ولو قال البعض بأنَّ البشير يئس من التطبيع مع الأمريكان، الذين يرفضون مُجرَّد اجتماع مُوفديهم به، أقول بأنَّ البشير (أجبن) من أن يُفكر في مُخالفة الأمريكان إلا بالـ(تنسيق) معهم، أي بمُوافقتهم/أوامر منهم، لعلمه بأنَّهم قادرين عليه وباستطاعتهم (حَسْمَه) في ثوانٍ معدودة! وبخلاف (حُبَّ) البشير لذاته وسلامته الشخصيَّة، فهو يعشق المال حَدَّ الهَوَس ولأجله يفعل أي شيء، فكيف يُدافع عن سوريا وإيران بعكس (هَوَى) وإرادة ورغبة كلٍ من الإمارات والسعوديَّة، اللَّتان تُنعمان عليه بالمال وتحتضنان أرصدته واستثماراته هو وعصابته؟!
الرَّاجح أنَّ أمريكا آثَرَت التَدَخُّل (المُباشر) لاستكمال مُخطَّط تقسيم السُّودان، بعدما فشل البشير وعصابته في (استكماله)، رغم اجتهادهم الكبير في بلوغ ذلك الهدف، الذي اصطدم بـ(صلابة) و(صبر) أهلنا في المناطق المُرشَّحة للتقسيم خاصةً دارفور والمنطقتين، وتَحَمَّلوا ببسالة الإجرام المُتزايد عليهم، في الأطراف وفي المُدُن الأُخرى بما فيها العاصمة، والشواهد أمامنا ولا يسع المجال لتفصيلها. وتَدَخُّلات الأمريكان (المُباشرة)، بدأت عقب نجاح حملة العصيان المدني أواخر العام الماضي، حيث بادرت أمريكا وبصورةٍ مُدهشة/مُفاجئة بالحديث عن رفع عقوباتها الاقتصاديَّة على السُّودان، رغم وجود أسباب تلك العقوبات و(ازديادها)! فقد بلغ الإجرام الإسْلَامَوِي حدوداً غير مسبوقة، ليس فقط داخل السُّودان، وإنَّما قاموا بتصدير إجرامهم بالارتزاق في اليمن، وساهموا في قتل المئات هناك، تارةً بحجَّة الدفاع عن الحرمين، وأُخرى لاسترجاع الشرعيَّة التي يفتقدونها هم أنفسهم! والأمريكان يعلمون هذه الحقيقة، ولكنَّهم بادروا بالإعلان عن رفع العقوبات، لصرف أنظار السُّودانيين وتشتيتهم عن اقتلاع البشير وعصابته، ليستكملوا تقسيم بلادنا بتكتيكاتٍ/سيناريوهات أُخرى، وفق ما يجري الآن. فطلباتُ الأمريكان ظاهرها فيه الرحمة وباطنها يحمل الخُبث والشرور، ولو كانوا حريصين على الشعب السُّوداني فعلاً، ما تعاملوا مع البشير وعصابته، ودَرَّبوا مُجرمي أمنه، وصَمَتوا على إجرامهم الظَّاهر وغير المسبوق، ولا يوجد عاقل يُصدِّق (جَهْلَ) الأمريكان بذلك، أو (عَجْزَهم) عن حَسْمَ البشير والقبض عليه وإخضاعه للمُحاكمة الدوليَّة، عقب إقراره صوت وصورة بسفك دماء الآلاف من أهلنا بدارفور وغيرها.
وبالنسبة لزيارة روسيا و(انبطاح) البشير المُوثَّق أمام رئيسها، فهو بأوامر الأمريكان وعِلْمِ الرُّوس، لـ(شَرْعَنَة) الوجود الرُّوسي بالشرق السُّوداني مُستقبلاً، في إطار صفقات تقسيم (كيكة) السُّودان، على نحو ما حدث في أماكن أُخرى بالمنطقة، وهو ما ألمحَ إليه البشير صراحةً عقب عودته، حول المفاعل النووي والقواعد وغيرها من الأكاذيب والإلهاءات! ولو لم يكن الأمريكان راضون عَمَّا فعله البشير بروسيا، لما تركوه يعود للسُّودان بعدما قاله بحقهم، خاصةً مع بيان الاتحاد الأوروبي 23 نوفمبر 2017، المُتضمِّن المُطالبة بالقبض على البشير استجابةً لقرارات المحكمة الجنائيَّة الدوليَّة! وفي مُقبل الأيَّام، ستَتَوالَى (الخَيَانَاتِ) باسم (النِّضالِ) و(الحُرِّيَّة) و(حقوق) الإنسان من بقيَّة (الخَوَنَة)، بعدما (مَهَّدت) طلبات نائب وزير الخارجيَّة الأمريكيَّة الطريق! وبعبارةٍ أُخرى، سيفرضون علينا واقع (التقسيم) الذي قطع البشير وعصابته شوطاً كبيراً فيه، حيث تَخَلَّصوا بدايةً من الجنوب، وتركوا أقصى الشمال للمصريين الذين التهموا جميع العُمُوديَّات النُّوبيَّة شمال وادي حلفا، وتَوغَّلوا فعلياً في شمال دارفور بجانب حلايب، وها هو الشرق سيمضي بالتخلُّص من الميناء، وبيع أجزاء واسعة منه للسعوديين وترك الباقي لإثيوبيا، وتبقَّى فعلياً المنطقتين ودارفور ويسعون الآن للتخلُّص منهما (رغماً) عنا، وهذا ما ألمَحَ إليه البشير في لقائه ببوتين، وأعرب عنه هو وعصابته سابقاً في أكثر من مُناسبة، لعلَّ أبرزها (مُثلَّث حمدي) الذي حَصَرَ السُّودان في محور (دنقلا، الأُبيض وسِنَّار)، واستبعد بقيَّة المناطق خارج هذا المحور، وهي أقصى الشمال والشرق ودارفور والمنطقتين!
قد يكون حديثي هذا قاسياً، لكنه الحقيقة التي عمل البشير وعصابته لتحقيقها وتنفيذها، ولن يتوقَّفوا إلا باقتلاعهم قبل استكمالها، وعلينا ألا ننخدع بمَطَالِبِ الأمريكان، ولنتذكَّر كيف كُنَّا نحيا في وُدٍّ وتآلفٍ قبل الكيزان! لم نشهد هَدْماً لكنيسة أو اعتقالاً لراهبٍ أو دَّاعية، ولم تكن بيننا عُنصُريَّة أو جَهَوِيَّة، وكُنَّا نتقاسم ونتشارك الطَعام والشراب والأفراح والأتراح، ولم تتعكَّر حياتنا إلا بمَقْدَم البشير وعصابته المأفونة! وواهمٌ من يعتقد بأنَّ مشاكلنا ستنتهي بتغيير مادَّة قانونيَّة أو اثنين أو أكثر، فالقوانين الآن موجودة لكنها لا تُطَبَّق على المُتجاوِزين! وواهمٌ أيضاً، من يُصدِّق الأمريكان ويأمن جانبهم، فتجاربنا (المَريرة) معهم لا تحتاج لفراسة وعبقريَّة لفهم أطماعهم المُتزايدة، ومُمارستهم لجميع المُحرَّمات لإشباعها، بدءاً بالتضليل ونشر (الفِتَن) والضغائن والاقتتال وشراء الذِمَم وتسخير العُملاء، وانتهاءً بالغزو والاحتلال والإبادة بالقنابل والصواريخ، والأمثلة عديدة ولا تحتاج تفصيل! وهم ولا يُنكرون (ابتزازاتهم) الدوليَّة والإقليميَّة ويُمارسونها بكلٍ جُرأةٍ ووقاحة، وهو ما أكَّده الزَّائر الأمريكي حينما ذكر وبالنص: أنَّ بلاده تبني علاقاتها الخارجيَّة على أُسُسٍ مُهمَّة للغاية!
فليتَّسع طموحنا لاقتلاع المُتأسلمين (من الجذور)، بدلاً عن الاحتفاء والتهليل لتغيير بعض المواد القانونيَّة، أو السُخريَّة من انبطاحاتهم، أو إثبات كذبهم الذي لا يُنكرونه ولا يستحون منه! فالكيزان أساس كل أزمة/كارثة طَالَت السُّودان وأهله، ولا يحترمون القوانين والتشريعات بما فيها الإلهيَّة، بدءاً بالبشير وأسرته وانتهاءً بأصغر مُنتسب لهذه العصابة المأفونة! وبالنسبة للتعايُش السلمي واحترام الأديان، فقد كان هذا سائداً بيننا دون (وصاية) الأمريكان وغيرهم! ولقد آن الأوان لنفيق من (غفلتنا) ونتلافى الفِخَاخ الأمريكيَّة/الإسْلَامَوِيَّة، ولا ننشغل بأكاذيبهم المُتزايدة والمُتلاحقة، ونستنزف طاقاتنا وأوقاتنا في السُخريَّةِ منها أو إثبات عدم صِحَّتها، ولنُركَّز في توحيد أنفسنا وتنظيم صفوفنا، والإسراع باقتلاعهم اعتماداً على ذواتنا، واللحاق ونلحق بما تبقَّى من بلادنا قبل فوات الأوان.







اخر الافلام

.. ما هي ألعاب الطفولة المفضلة لديكم؟ | سوريا بالقلب


.. أنوسة كوتة..أفضل مدربة أسود عربية عالمياً


.. مرا?ة الصحافة الثانية 2018/9/23




.. وزارة الدفاع الروسية تكشف معلومات مفصلة حول كارثة الطائرة -إ


.. تعليق موسى الشريفي حول الهجوم المسلح على العرض العسكرى في ال