الحوار المتمدن - موبايل



التصادي والمشتركات المعرفية والأنثروبولوجية...

شكيب كاظم

2017 / 11 / 30
الادب والفن


تشغلني مسألة التصادي، أو وقوع الحافر على الحافر، او مقولة (الذئب خراف مهضومة) التي ينسبها بعضهم إلى المفكر الفرنسي بول فاليري، مع أني قرأت أنها للكاتب الأرجنتيني خورخي لويس بورخس، أي أن تطلق قولةً ما أو فكرة، لتجد أنها قيلت منذ أزمان، وفي أماكن أخرى من المعمورة من دون أن يعرف أحدهما بالآخر –غالباً- أو يسمع به، أو يقرأ له، مما يؤكد المشترك الإنساني في التفكير والتصور والتوصل، ولقد قرأت رأياً طريفاً لعالم الأنثروبولوجيا المصري الدكتور أحمد أبو زيد الذي أهتم بثقافات الشعوب المنقطعة، مفاده : (اهتمامي بتلك المجتمعات كشف لي أشياء غريبة جداً، أولاً: وحدة الجنس البشري، بمعنى أن ليس هناك فارق فالأفكار الموجودة عند الأنسان المتقدم، لها مثيل لدى الأنسان الذي يقولون عنه، بدائي، لديه قيم إنسانية عليا).
وهذا هو ما أصفه بالمشترك الحياتي والمعيشي، فمهما باعدت بين الناس المسافات أو الأزمان أو طرق الحياة ومناهجها، تجد هذه المشتركات، التي تؤكد وحدة الجنس البشري، أو المشترك الإنساني.
فلقد سمعنا في المأثور الشعبي وقرأناه كذلك، تلك القصة الطريفة الموحية، التي تشير إلى حب الحياة والعمل على ديمومتها واستمرارها، وضرورة أن تقدم الأجيال الحالية ما يساعد على مواصلة حياة الأجيال القادمة، عرفاناً بجميل ما قدمته الأجيال السالفة إلينا، في إشارة ذكية إلى تواصل الأجيال والحياة، القصة البسيطة تشير إلى أن ملكاً مَرَّ على رجل طاعن في السن، وهو يزرع نخلة، والنخلة تحتاج إلى سنوات طويلة كي تثمر، مما لا تسعفه، سنواته الباقية من حياة هذا الشيخ الطاعن في السن على جني ثمار ما زرع، يعجب الملك من فعلته، فيجيبه الزارع الشيخ.
- زرعوا فأكلنا ونزرع فيأكلون.
هذه المأثورة الشعبية وجدت لها تصادياً، وأنا أقرأ رواية (زوربا) للكاتب اليوناني الشهير نيكوس كازانتزاكي (1885-1957) والصادرة طبعتها الثالثة عن دار الآداب ببيروت عام 1978 يقول الماسيدوني الكسي زوربا مخاطباً صاحبه، مستثمر المنجم، الذي يطلق عليه أسم الرئيس.
- أنا لست أدري أيها الرئيس. لكل حالة وضعها الخاص. هناك حالات لا يستطيع حتى سليمان الحكيم... فمثلاً، كنت ماراً، ذات يوم، في قرية صغيرة، كان ثمة جد هرم في التسعين يغرس شجرة لوز، فقلت له: (إيه أيها الأب الصغير، أتزرع شجرة لوز؟ فألتفت اليَّ وهو محني كما كان وقال: إنني أتصرف يابني، وكأنني لن أموت أبداً، فأجبته: ((وأنا أتصرف وكأنني سأموت في كل لحظة)). من كان منا المحق، أيها الرئيس؟.
ونظر إليَّ بانتصار وقال:
- ها هنا أنتظرك.
وصمتُ. كان ثمة ممران صاعدان وجريئان يمكن أن يؤديا الى القمة أن نتصرف وكأن الموت غير موجود، وأن نتصرف ونحن نفكر بالموت في كل لحظة...)) ص41.
في القرآن الكريم يرد نص قرآني ((وما تدري نفس ماذا تكسب غداً، وما تدري نفس بأي أرض تموت..)) الآية 34 من سورة لقمان31.
وعلى ضوء هذه الآية الكريمة ينسج المأثور الشعبي، قصة مفادها أن المَلَكْ الموكل بقطف أرواح البشر يجد أن الشخص الموكل بأخذ روحه، يسكن بعيداً عن المكان المعين لأخذها فيه، لكنه ليلة موته يحلم حلماً يفزعه، فيرجو سيده، أن يأذن له بمغادرة مكان سكناه الحالي ومكان عمله، مزرعة ذلك الرجل، نحو مكان آخر، هو مسقط رأسه الذي عاش فيه زمناً، كي يتخلص من كابوس ذلك الحلم المخيف، فيجيب صاحب المزرعة طلبه ولشد ما يفزعه أن يواجهه ملك الموت في هذا المكان الذي أنتقل إليه!!.
لكني أجد صدى لهذا النص ولهذا المأثور في كتاب لليهودي الأرجنتيني البرتومانغويل، الموسوم بـ(يوميات القراءة، تأملات قارئ شغوف في عام من القراءة) الصادر عن (دار المدى) للثقافة والنشر عام 2008، بترجمة المترجم العراقي عباس المفرجي، راجياً من الدار إصداره بطبعة ثانية خالية من الهنوات النحوية، وأنا على استعداد لتقديم ذلك مجاناً!!.
أقول أجد صدى لذلك في هذا الكتاب، مما يشير الى التلاقح المعرفي بين الشعوب، ووصول النص الديني وما بنيَّ عليه الى أصقاع نائية، والى لغات أخرى، هي الإسبانية، أو الفرنسية التي كتب بها جان كوكتو قصته موضوع بحثنا (الفارق الكبير).. ((هناك أشياء معينة، ينويها القدر بعناد، ومن العبث أن تدافع الحكمة والفضيلة والواجب وكل شيء مقدس، عن نفسها ضده، أشياء تحدث وتبدو ملائمة للقدر وليس لنا، وهكذا يفرض القدر نفسه علينا مهما كانت خياراتنا (...) ما هذا القدر الذي هو أكثر حكمة من أبطال الروايات؟
إنه ليس القدر (في هيئة الموت) في قصة (الفارق الكبير) لجان كوكتو الذي يكون عاجزاً مثلُه، مثَل ضحاياه عن معرفة ما يخبئه المستقبل. قال البستانيَ الشابُ لأميره: ((أنقذني أيها الأمير! فلقد التقيت الموت في الحديقة هذا الصباح، فرأيت نظرات تهديد في عينيه. أتمنى بمعجزة أن أكون الليلة، في أصفهان)).
أعاره الأميرُ حصاناً من أكثر خيوله سرعةً. وفي الظهيرة وهو سائر في الحديقة، ألتقى الأميرُ وجهاً لوجه مع الموت. ((لماذا؟. سأله الأمير لماذا رمقت البستانيَ بنظرة تهديد، هذا الصباح؟ (( أنها لم تكون نظرة تهديد "أجاب الموت" كانت نظرة مفاجئة. لقد رأيته هذا الصباح وهو بعيد عن أصفهان. فقررت أنه يجب أن يكون في أصفهان هذه الليلة..)) ص111.ص112.
يوم أنشب السرطان الوبيل مخالبه في جسد الأديب المسرحي السوري سعد الله ونوس (1941- الأربعاء 14/من مايس/1997)، زاد نشاط ونوس وأبداعه، الأمر الذي يذكرني بالمفكر إدوارد سعيد، الذي أخبره الطبيب أنه مصاب باللوكيميا فأنتج لنا خالدته؛ سيرته الذاتية (خارج المكان) التي أصدرتها دار الآداب مترجمة عام 2000، فنشر العديد من إبداعاته ومسرحياته، مطلقاً نبال الكلمة في مواجهة الموت متشبثاً بالحضور الحياتي والأبداعي ومنها كتابه (ذاكرة النبوءات) وفيه إرهاصات النفس المتقدة إحساساً إزاء برودة الطب ومشاعره الحيادية، هل أقول بلادته؟!! إزاء المرض الوبيل الذي أستمكن حنجرة ونوس وكبده، إنها خلجات بينها وبين الموت ألف آصرة وآصرة، بل هي إبحار نحو تخوم الموت، إذ قال سعد الله ونوس واصفاً حالته وهو ممدد على سرير المرض والعلاج المكثف يكاد يزهق منه الروح: ((كانت المشاعر تخصني قليلاً وتعبرني سريعاً، ثم يطفو ذلك المزاج التهكمي اللامبالي (...) أصغي الى الوشوشة الرتيبة، أتصور حلقةً من الصبايا يرددن، وهن يقطعن شتلات الحشيش، ترنيمات رتيبة وبعيدة (...) لا أدري أن كنت أغيب عن الوعي فترات قصيرة ثم أصحو (...) لم تكن هناك أنفاق في نهاياتها تشعشع أضواء سماوية، ولم تكن هناك مروج خضراء (الصحيح: خضر) بل حلكة وفراغ (...) تحت وطأة الخجل والألم يبدو أني غبت طويلاً)).
أي وصف للموت هذا؟ أي نعت لمقاربة مفارقة الروح الجسد والعودة إليه، هذا الذي يقدمه ونوس لقراء أدبه؟ إنها لتجربة فريدة قلما يمر بها أنسان صاغها قلم المبدع الكبير سعد الله ونوس-تراجع ص140- من كتابي (مطارحات في الثقافة. حين تجسد الكتابةُ علاقةً) الصادر عن دار الشؤون الثقافية العامة ببغداد سنة 2007). هذا النص الذي قرأته لسعد الله ونوس واصفاً تسلل الموت الى جسده، قرأت صدى له عند الروائي الأمريكي الزنجي (جون شتاينبك) -1902-1968- والحائز على جائزة نوبل للأداب عام 1962-أو العكس- في روايته (كأس من ذهب) الصادرة عن دار المدى سنة 2003 بترجمة المترجم العراقي الراحل سليم عبد الأمير حمدان، هذه التهويمات التي سطرها شتاينبك لتصوير احتضار بطل روايته القرصان هنري مورغان، لترتبط بأكثر من وشيجة بتهويمات ونوس أزاء تسلل الموت الى جسده، يكتب شتاينبك: ((كان الطبيب قد عاد الى الغرفة، فأعلن الصوت المدوي:
-أنه فاقد الوعي. أظنني سأفصده مرةً أخرى.
أحس هنري مورغان المبضع يجرح في ذراعه. كان يرجو أن يجرحه مرةً أخرى وأخرى، ولكن الوهم كان مناقضاً. فبدل ان يحس الدم يغادره، أحس دفئاً غريباً ينساب خلال جسده. استشعر وخزاً خفيفاً في صدره وذراعيه، كما لو ان نبيذاً عتيقاً قوياً كان يغني في عروقه.
بدأ تغيير غريب يحدث الأن. وجد أن بمقدوره أن يرى من خلال جفونه، يمكنه أن يرى ما حوله بدون أن يحرك رأسه. كان الطبيب وزوجته والكاهن، وحتى الغرفة تنزلق، مبتعدين عنه، فكر: أنهم يتحركون. أنا لا أتحرك. كانت نغمته خفيضة، عذبة، تتدفق الى وعيه، نغمة أرغن ثرية عارمة النشاط ملأته، بدا إنها تنبعث من ذهنه لتغمر جسده، ومنه تمور على العالم، كان يتمدد في كهف معتم كان لا يزال متمدداً، وكان الكهف الطويل ينزلق عبره، فجأة توقفت الحركة. كان محوطاً بكائنات غريبة لها أجساد أطفال ورؤوس ثقيلة، ولكن لا وجوه لهم (...) كانت هذه المخلوقات تتكلم وتهذر بأشياء خشنة جافة، كان هنري مورغان متحيراً، كيف يمكنها أن تتكلم بلا أفواه.
ببطء تكونت عنده معرفة ان هذه كانت أفعاله وأفكاره التي كانت تعيش مع الأخ الموت، كانت كل واحدة منها قد مضت مباشرة لتعيش مع الأخ الموت. ص306.ص307.
فأذا كان سعد الله ونوس يصور التهويمات، والغشاوة التي تكتنف العقل والجسد وهو يبحر نحو تخوم الموت ويعود منها، فيما تشبه صحوة الموت، استعداداً لولوج معارجه وتضاريسه لأنه قد عاناها وعاشها وكابدها، فكيف استطاع شتاينبك تصوير إرهاصات الموت وهي ترمي شباكها مقتنصة الروح والجسد، الذي يحاول منها فكاكا، لكن انى له فقد حُمَّ القضاء وحانت المنية؟ وهو لم يعانها مثل ما عاناها سعد الله ونوس مما يؤكد قدراته الإبداعية ومواهبه التصويرية متقمصا خلجات الإنسان المبحر نحو تخوم الموت الذي لا عودة منه، وتلك هي قمة الإبداع من جهة وقمة مأساة الإنسان الفاني من جهة أخرى







اخر الافلام

.. انتوني كوين وعمره 85 يعود لرقصة زوربا مع الموسيقار العظيم مي


.. اللحوم الحمراء تساعد على توازن عملية التمثيل الغذائي


.. هذا الصباح -مهرجان الفيلم اللبناني يكرم المرأة




.. عبد الحكيم قطيفان – فنان سوري – أنا من هناك


.. عمرو يوسف : أطمح بتقديم عمل سينمائي يرتقي للتطعات الجمهور