الحوار المتمدن - موبايل



عبد الحسين الشيخ موسى الخطيب ونداء الجراح(2)....

هاتف بشبوش

2017 / 12 / 1
الادب والفن



عبد الحسين الشيخ موسى الخطيب ونداء الجراح(2)....

الشاعر عبد الحسين كان عابراً للقومية والمذهبية الى عالم الوجدانيات ولم لا فالشاعر الحقيقي هو ذلك الذي يضحك مع الناس ويحزن معهم كما الشاعر الأسباني لوركا الشبح الذي وقف بوجه الدكتاتور الأسباني (فرانكو) حتى إعدم ولم ينثني عن طريقه الذي أصر على المضي قدما في سبيله . فماذا قال لنا عبدالحسين في بعض صرخاته الوطنية الممزوجة بالوجدانيات في نص (أناإنسان) 1952 :

أنا لا اعرف معنى لنظام الطبقات ليس في الشعب سواد وسراة وذوات
كلنا أنداد في الحق بأسباب الحياة انّ من أوجد هذا الفرق مغرور وغاشم
يستطيب السلب والنهب ليبتز المغانم
انا انسانيتي تكفر بالمستعمرين وبمن يمتص منهوما جهود الكادحين
انا من يستعبد الناس عدو لي مبين كل شعب ليكن بالذات في قطره حاكم
ليسود الأمن في الأرض وتجتث المظالم

أرى عبد الحسين الخطيب هنا عظيما بعظمة عقله وجنونه الإبداعي وحكمته وهو ضارب في النهر مجاديف العشق ، وهو يسلك النهار بفانوس ديوجين ، كل ماسطره من فيض عصفوريته الطائرة الحرة الكريمة التي كرهت مبدأ( إذا كانت القوة هي الحق فيتوجب عليّ أن لاأكون ضعيفا) وهذا الشعارالتي حاولت أمريكا أن تفرضه سابقا على الأمم لكنها اليوم لم تستطع بفضل بعض من شرفاء العالم الذين عرفوا اللعبة في إدارة هذا الكون الذي وصل الى أعلى مراحل الدمار.
ثم نجد الشاعر عبد الحسين معترفاً بتغييرالزمن وسيطرة التكنلوجيا بدلا من السيف والسلاح التقليدي فهو شاعر يؤمن بالديالكتيك فيقول بهذا الصدد من قصيدته ( حماية الأطفال 1953):

فلايجديك سيفك يابن امي ولاعدو الجياد الصافنات
ولاالرمح الطويل ولاالتغني بأيام الجدود الماضيات
تغنّ بأن تشاد بكل ربعٍ مدارس للبنين وللبنات

الشاعر هنا يوجه رسالة الى العرب كي يسايروا التقدم الحاصل لدى الغرب والا سيكون مصير شعوبنا الإنقراض مثلماالهنود الحمرالذين قاتلواأعداءهم بالريشة والنبال بينما عدوهم يحصد بهم بالرشاش والمدفع . ومهما يكن من أمر فالشاعر عبد الحسين ينبذ العنف فهو صاحب راية السلام إذ لانفع من السيف غير القتل وإزهاق النفس البريئة . حتى يستمر في نفس النص فيعطينا إنطباعا آخراً وانزياحاً جميلا عن حماية أطفالنا وبناء مجتمعاتنا بصورة أفضل :

وان حماية الاطفال فرض كفرض الصوم أمست والصلاة
وأنفعُ حاجة وأجل أمر وأقدس من جميع الواجبات
وأنبلُ خدمةُّ تسدي لنحمي بها أطفال دجلة والفرات

في الفلم الهندي الممتع ( الطفل الضائع ) ثمثيل سلمان خان والحسناء كارينا كابور نرى في الحدود الباكستانية الهندية قطارا تغفو فيه إمرأة قليلا فتتسلل طفلتها من حضنها وتنزل من القطار فتعبر من الحدود الباكستانية التي توقف فيها القطار الى الحدود الهندية ، تصحو الأم من غفوتها فلم تجد إبنتها وتحاول بشتى السبل أن تقنع شرطة الحدود عن عبور إبنتها فلم تفلح ولم تعثر على طفلتها نتيجة القوانين الحدودية القاهرة للبشر وتظل الأم في حسرتها المميتة على فلذة كبدها التي ضاعت منها دون أي إهتمام من قبل سلطات الحدود . فلابد من العناية بالطفل وشرعنة قوانين تحمي هذه البراءة التي لاحول لها ولاقوة ولانذهب الى القوانين الجائرة بحقهم كما في العراق اليوم وشرعنة قانون التفخيذ و زواج القاصرات .
الشاعرعبد الحسين كما معظم الشعراء لابد لهم في صفحة من الحياة أن يتحدثوا عن الوجود والخلق وتلك ألأسئلة التي حيرت العلماء والأدباء فهناك من وقف في صف الألحاد وهناك من آمن مثلما دارون وزوجته كل منهما اتخذ طريقاً خاصا به بين الإلحاد والإيمان بعد وفاة إبنتهما وهي في عمر الزهور .. فلنقرأ الشاعر عبد الحسين وهو يبوح أدناه في ثيمة (حكمة الوجود )1952 :

سوف لن تلق غير رأيٍ سديدٍ انّ للكون خالقا ومسيّرْ
أدركتهُ العقولُ جيلا فجيلا ببراهين أفلجت كل منكرْ
منذ ان كان آدم وتتالت بعده الرسلُ بين هادٍ ومنذرْ

نعود الى الأطفال مرة أخرى ومايتوجب علينا في تربيتهم . في إحدى المدارس الغربية طلبتِ المعلمةُ من الأطفال أن يوجِّهوا رسائل إلى الله في الكريسماس، يسألونه عن أحلامهم وأمنياتهم، أو يوجِّهون إليه أسئلةً يخفقُ الآباء والمعلِّمون في الإجابة عنها ، فكانت إحدى الرسائل من الطفل (جين) تقول :
عزيزي الله..
بدلاً من أن تجعل الناس يموتون، ثم تضطر لصناعة بشر جديدين، لماذا لا تحتفظ وحسب بهؤلاء الذين صنعتَهم بالفعل؟ ...
ثم الطفل ( لاكي) ...
عزيزي الله ....
هل أنت فعلاً غير مرئي، أم أن هذه حيلة أو لعبة؟ .....

الآيروتيك في قصائد الشاعر عبد الحسين ....
عبد الحسين هو الشاعر الذي ساهم في إنشاء مجتمع تسعى اليه المرأة بكل ما تشتهيه من عدالة ومساواة ، حيث يتبين هذا الشيء واضحا وجليا لمن يقرأ ديوان الشاعر دون أي لبس أو مراوغة .
المرأة عالم كوني سهل وصعب في نفس الوقت ، فهو سهل لو كنت تترفق في الإقدام على معرفتها وصعب للغاية ان كنت مفترسا لاتريد غير الجسد والفراش الوثير ، بل من نعم المرأة علينا هي الرومانسية و جسدها البض والترافة التي لايمكننا الإحساس بها الاّ من نعومة أجسادهن لكن كيف لنا أن نعرف السبيل اليهن وماهي التداعيات ؟؟ عندها يمكننا اللثم على مهل من فردوسها الخلاب ويوتوبياها التي أرغمت الشاعر عبد الحسين الخطيب في أن يقول فيهن الغزل والتشبيب الآتي :

وقد فتن الأوائل بالخصور الناحلات والقدود المائسات
وبالردف الثقيل وبالخدود النواضر كالورود الزاهيات

أبيات فيها رائحة (ريتسوس) الأب الشرعي للآيروتيك ، غزل لم اتوقعه من رجل عاش في ذلك الزمن الذي شهد الحروب والإنقسامات والتظاهرات . المرأة هدية السماء ولو لم تكن كذلك ما وجدنا هذا الكم الهائل من الغزليات والوصف المثير لجسدها على مر العصور ، فذاك يوصف النهدين وشاعرنا عبد الحسين يوصف الأرداف وآخرُ يوصف ماتحت الدواهي . لنذهب أدناه الى الشاعر عبد الحسين وعن العيون التي قتلننا ثم لم يحيين قتلانا في نص( جراح العيون 1949):

جراحات أشفار السيوف تطببت وجرح عيون الغيد تالله قاتل ُ
لها نظرات تذهل السيف حدة وسطوتها لاماسطتها الجحافلُ

(العيون الكواحل سبوني .... آه آه ... آه آه .. من حبايبي ...آه آه يارفاقي ساعدوني ) هذا ما كان يطربنا من فائزة أحمد في سالف الأزمان . أما العندليب الأسمر عبد الحليم يقول ( العيون السود رموشهم ليل ) . فلا يخلو شاعر أو مطرب من ذكر العيون . ولذلك الشاعر عبد الحسين يعطينا انطباعاً من انّ العراقي منذ ذلك الوقت عاطفي يميل الى الحب لا العنف ، يميل الى عشق النساء وطلب الحياة لا كما اليوم وكثرة الدواعش وحب النظر الى السيف لا للعيون وسحرها . اليوم لايمكنك حتى أن تستجدي الرحمة بشقيها الغزلي والإنساني بينما في ذلك الزمن الناعم كان يقول لها عبد الحسيين في فلقته الرائعة ( رحماكِ) 1953 :

رحماكِ لاتشكي ولاتغضبي والعتب لايّجدي فلاتعتبي
فليست الشكوى سوى جذوةٍ من نار قلبٍ بالهوى مُلهبِ
تقذفها آهاتٍ مفجوعةٍ أيتمها الدهرُ بحبِ صبي

هنا رومانسية العراق في ذلك الزمن العربي الفيّاض بالحب ، إذ يقول محمدعبد الوهاب ( مضناكَ ) .... في رائعة أغنيته( مضناكَ جفاهُ مرقدهُ.... وبكاهُ ورحّم عودهُ) ..
يذهب بناالشاعر من تلك الأنزياحية الهادئة في أغلب قصائده حتى يدخلنا في بياض عفافها ونيتها الخالصة في أن تكون تلك المرأة الإستثناء ، تلك المرأة التي تكون له بمثابة الحكمة المجنونة . فيضطر أن يقول في نصه المتمني (لولا تحكم اهلها ) :

عذراءُ قد سرق اللصوصُ عفافها من كل نذلٍ بالوعود مفرط
خدعت بمعسول الكلام فاسلمت ذاك العفاف لمجرمٍ متسلط
لولا تحكم أهلها بزواجها تالله في بحر الزنا لم تسقط

انا حين أطلق موضوعي لم أصر على أي من وجهات النظر الصحيحة او الخاطئة ... فما انا الا شاعر وسط هذا الكم الهائل من الشعراء يريد التغيير لشعوبنا التي ينخر بها المرض الإجتماعي والسياسي والأخلاقي الذي يؤدي بالنتيجة الى ظلم المرأة . فمنذ العهد الجاهلي وما قبله كانت المرأة في رأيي أفضل حال مما هي عليه الآن ، حتى جاءت القيود التي تكبلها بالحرام والحلال مما جعلها تعيش تحت قيود الرجل شاءت أم ابت وأول الغيث الذي لابد لها أن تخضع له هو الزواج الرسمي والذي يكون مرسوما في معظم الأحيان من قبل الأهل وهذا هوالدمار بعينه ومن ثم يكون زواجا كاثوليكيا رغما عنها حتى يفك عنها الرجل قيدها وأسرها من سلطته البغيضة .
ولذا كتب عبد الحسين النص أعلاه وكان نصا فيه من الدعوة لمؤاساة النساء ومايلقين من ظلم على أيدي رجال بلا ضمير ، فهو نص على غرار ماكان يكتبه نزار قباني عن المرأة في العديد من قصائده ومنها (قصيدة حبلى) . فهنا الشاعرعبدالحسين يعلن صرخته ضد هذا الزواج الذي فيه دمار للمرأة وجعلها تنجرف لحبائل الخطيئة .
الشاعر عبد الحسين فيه من الحب العظيم الذي جعله يكتب بشكل فاتن عن النساء . قصص الحب أغنت السينما بالكثير من السحر عن نساءٍ تركن بصمتهن المثالية حد التضحية والفداء في هذا المجال الروحي ، فهناك غادة الكاميليا وهناك هيلين والليدي شاترلي وليلى وسعاد تلك البنت الفياضة بالحب التي خنقها أخوها في حي العصافير في السماوة في التسعينيات بتهمة الشرف . وغيرهن من اللواتي حدثنا التأريخ عن آلآمهن وأوجاعهن من إكتواء الحب . ولذلك فلا غرابة أن نجد عبد الحسين يكتب بهذا الخصوص نصوصاً عفيفة تحز في سويداء الحشا ( هو الحب 1949) :

بليت بداء يسأم النصح أهله يحز سويداء القلوب وبقرحُ
هو الحب فارحم من بنيرانه اكتوى وداوي فؤاداّ كلما طاب يجرحُ
أجبني بما ترتاح أنت لوقعه فأني فيما ترتضيه لمفلحُ

الحب هذا الذي جاء من الأزل صوب الأبدية العراقية كان ولم يزل عنوان العراقي الأصيل حتى اصطدم بجدار العنف البعثي ثم الداعشي فتغيرت أحوال العراقي الى الإنحطاط . كما وانني أرى حقيقة الحب في قبضة اليد لافي قبضة الريح ، الحقيقة هي أنني أمارس حريتي دون أدنى ضغط من التقليد الإجتماعي أو الأكاديمي والمنهجي ، الحقيقة تتجلّى حين تتصرف ضد العقل الجمعي وأن تكون كما أنت ولاعليك بالآخرين لأنك لوكنت من الملائكة فستكرهك الشياطين ، الحقيقة التي قالها رمويو لجوليت ( أن نجوم السماء أخذت بريقها من عينيك ) لو قال العكس لأصبح القول تقليدي بعيدا عن الابداع الحقيقي و لايعني شيء على الاطلاق ولذلك أنا وجدت الشاعر عبد الحسين يكتب الهموم الحقيقية في الحب والبعيدة كل البعد عن النرجسية وأشكالها المختلفة .

يتبـــــــــــــــــــــــــــــــــــــع في الجــــــــــــــــــــــزء الثالـــــــث

هـــاتف بشبـــــوش /عراق/دنمارك







اخر الافلام

.. وزير الثقافة تفتتح الدورة الرابعة لملتقى القاهرة الدولي للخط


.. مقتل خاشقجي: هل تصمد الرواية السعودية أمام التشكيك الغربي؟ ب


.. -غاندي الصغير- رشح للأوسكار عن فئة الأفلام الوثائقية للمخرج




.. مهرجان باكو لموسيقى الجاز في أذربيجان


.. مراسل #الجزيرة: العنوان الكبير لخطاب #أردوغان أن الرواية الس