الحوار المتمدن - موبايل



رسائل الوداع -2-

إبراهيم الوراق

2017 / 12 / 3
سيرة ذاتية


رسائل الوداع

-2-

يتبع

أجل، يحق لي أن أنحني بين يدي ذا، أو ذاك، ولو فعلته في إحدى طرقي التي سلكتها باحتكاك، لوجدت له تسويغا بين أغاليط عقلي، وأراجيف سبيلي، لأنني كما تعلمت من الشيء الذي لا يقبل القسمة بالجدل، فإني قد استفدت كثيرا مما يقبلها بالاشتراك في القصد المبتذل، لا بالتنافي في الأسباب المستترة، والوسائل المستعرة، وهو مكان النزاع في صلة الانتساب إلى النِّسب، ومقام الالتحام حول قدسية المعنى المكنون في الجلب، ومعاد كمال ذاته في المخبر، ومنال جمال وصفه في المنظر. ولذا، يجوز لي ببرهان العقل أن أستدل على هذه الوقفة التي أرمق فيها جسمي متهدلا بانكسار، ومتورما بانحسار، لأني وإن أجبرت ذاتي على قبول ما عورضت به من تشويه، فإني لم أتجرأ على أن أثبت ذلك فيما أبنيه من تنويه، إذ عملية التكرار التي تواطأ عليها اللسان القادح، لم أسايره إلا بسير الزمن المتباطئ بين الفوادح، لكي أهدم ما تبنيه فتوحات الأسطورة، وهي لا تبرح دائرة الاغترار بالأماني الأسيرة. ولو فعلتها، وأتيت باب جريرتها، لما عدوت ما يركبه غيري من سفن النجاة، وينتضي سهامه من كنانة الأباة، وهو يرى بقاء صيرورته فيما يدونه من معاني العلاقات، وموارد الرغبات. لكن، قد تأبت علي نفس متعبة بجراح السنين أن أتذلل في شيء لم يهبه الله لنا جميعا، إلا لأنه يريدنا أن نحفظه بما يجعله فيما بيننا نفعا، وانتفاعا، وننجزه في عقود الذمة التي أنيط بنا ذمامها بوفاء، ونسير به إلى تمامه بكل ما نضحي بنفَسه بين أفانين الفداء، إذ لو كان متمحض النسبة لأحدنا، ونحن لسنا فيه إلا أزلاما لغيرنا، لأرغمت هذا الحظ التعس على تعفير وجهه، لئلا تبقى معه غرة مقرورة في وجاهة جاهه، لكنه غير مقدر إلا لكلية الإنسان المحددة بكده، والمقيدة بما يغازل به الحقيقة من وكده؛ وهو كل فضل اجتمعنا على صناعة لحنه، وكل نبل اعتلينا بصياغة لسانه، وكل كرم نتمايل طربا بصوته الناطق بمجده، والطالب لرشده، والراغب في صون مكانته، ورعي مقاماته. فأين عهد الضمير الذي يقيد جنوح جحودنا، ويكبح جماح صدودنا، لئلا يحاسبنا التاريخ على ما ضيعناه من زمن رديء في تزييف صورتنا، وتحريف حقيقتنا. فيقول لذا كلاما، لن يطيق إنكاره في غرور الأرياش، ويقول لذاك كلاما، لن يقدر على تذكره إلا عند نماء شجرة الحظوظ بين واحات الأعراش.

كلا، سيعرف أولئك الذين دمروا قلعتي بما كانوا سببا لحوله، وأعانهم القدر على طوله، أنني كنت جاريا على سنن رسمتها بحبر باهت الألوان، وما حِدت عنها قِيد أنملة فيما رسمه الخط من نقوش العناء على خمائل الإيوان، ولو أجبرني الزمن على قبح إخفائها، وأقهرني العدو على كتمان ما كمن فيها من ضوع متدفق بخفائها. وهي عهدي مع الإنسان الذي أنا إحدى تجليات صوره، وغرره، وعشقي لكل من يعيش على وجه الأرض بنقاء تلاوين صدره، وظهره، وهو يبحث عن أفياء الأمن، وصدور الأمان. لن يكون هذا القول غريبا إلا عند من يتاجر بالقضية التي تشوفت إليها أعين تقي دير الذات بريش الطهرانية، وهو يرتجي في مغالطته أن يؤكد صحة نسبه بما يبدي من حرص على السكينة الروحية، لأن هذا الطين الذي وجدت من حزونته، هو حاحي في رسم ولادته، ومزالي في مشجر نسبته، وسملالي في أصل سلالته. لكن قلبه كان ممدود العشق مع المدى المتراقص على البحر الهادر، وبصره كان مفتوحا على البواخر التي تمخر عباب الشفق الساطع على حصون موكادور، وهي تحمل فوق ألواحها رايات الالتحام، وتنزف من صواريها أضواء الالتئام. فما أجمل رفرفة نوارس هذه الأحلام على بسائطها، وما أكمل أنغام هذه الأماني على شرائطها، وكأنها لا تعلمنا بأشباحها الفارعة، إلا كيف نخب إلى النجاة بين أمواج الحياة الخادعة.!

إنني وعلى رغم تنائي الديار بين أحراش الكيان الذي دفعه المكان، وبين الذات التي عجنتها أجران الزمان؛ وابن الفقيه لا قرار له بين هدوء الأكنان، إذ لا تتجمع لديه ذكريات مع صفي الخلان، إلا ورماها التجوال برماح الهوان، ونصال النسيان؛ وعلى رغم ما ناله من ألم فيما جاراه من أقدار جدباء، نازلها بين قفار تفرقت جزئياتها مع أصداء ذكرياته العذراء، فإنه سيبقى متشبثا بكل ذرة رمل من رماله التي لعبت عليها تأملاته، وترنحت عليها تشكلاته. فبحره، وصحراءه، هو ما يمنحه حقيقة النسبة السديدة إلى شجره، ومدره، ولو أقام بالحي اللاتيني الناعم الأطوار، واستضاء بأضواء المدينة الطافحة بالأنوار، وعاشر الصمت الذي يخفي ضجيج النفوس الذاهلة، وصخب العقول الذابلة، وضجر القلوب الحسيرة، وملل الأرواح الكسيرة، إذ لن يقبل الترابُ إلا ما كان مجانسا له في الأعيان، وهو لم يولد إلا بين أزيز الجنادب الزافرة بحرارة القيظ على شجرة الأركان، ولم تغزه نشوة استلهام عناصره من معدن ترابه، إلا لأنه أيس من قريب أو بعيد يواصله في نشر ألقابه. إذن، لن نزايد بالانتماء إلى طين المولد، إلا حين نكتب زمنا ليس لقولنا فيه مورد، وندون حرفا لم نجاهد في أن يرشح نظره من قنن جبالنا، وينزف خبره على قمم تلالنا، إذ لو كان للمتعاركين بخيول الحظ تاريخ حقيقي بمحض الصفة، لما كثر المتساقطون على أبواب الثقافة، والفكر، والمعرفة. أجل، لو تأملنا في هيئة ما يحدث، وهو لا يقع في دائرة كل واحد منا بالعبث، فإنه سيحملنا إلى مناطق عدة في رسم ظلال الصورة الباهتة، لكي نحبر في آخر سطورها الخافتة، وندبج بين تجاعيد جفانها، ونذيل بين ضمائر جنانها؛ هكذا نودع تاريخا مضى زمنه، وعمرا انصرم أوانه، وذكريات نضجت بما انبعج فيها من انكسار، وانهزم فيها من انتصار.

أجل، هكذا عجنا على ما توطناه من جناب، لئلا نضل السبيل في قرع باب الطلب.لكن، ما استروح جهده، وأستريح إلى كده، لن يحرجني حتى أستجدي أولئك الذين أخرجوا قلمي من قعر بيت كان مرقدا لحيرتي، لكي أدفن في خطوتي الأخيرة إلى عتبته كثيرا من زمن أسرتي، وزمنٍ شرد حلمي، وحرَّف مرامي، ومزق فراش رقدتي، ومهيع وقدتي، لأنني قد أحسست في عمقي بأنني لن أكون ذلك الصوت الرخيم، ولا ذلك الصمت القديم، إذ ما يجوز لي أن أنطق بطلاوة ألفاظه، قد قلته فيما اجتررت مرارة ألحاظه. وماذا تبقى لي من قول سيكون محل الإثارة، وقد انصرف حظ العين عنه بما جرفنا من إغارة.؟ فلا حرج إذا قبلت بما شهده غيري من سقطتي، ولو لم يكن وفيا لزمن أبعدني عن فتوتي، لأنني رأيت الحرج فيمن أرادني بلا عيب، وأنا لست إلا كائنا بشريا في دنو السبب. ولا عجب إذا زلت الصولة عند إحدى منعرجات الغوائل، وانثنت المشية عن الطريقة التي عبدها خبث الدخائل.أو فيمن أدرك نقصي بنظر آخر، فلم يستوعب حدوده بثاقب النظر، إلا حين انخطف الضوء عنه، فخاله مسود الجبين في عرينه، ومعرى الجبهة في توجهه، وهو في فتور الهمم، وخمود الذمم، لم يفقد في سِربه بهاء وجهه، إلا لأنه خال ما يفعله تصحيحا لخطأ درب سار عليه زمنا بلا دليل، ثم امتلأ المكان بجلبة الصهيل، فاحتاج إلى مرشد يعرفه بين المارة المجتازين لجسر الحياة المثقلة بندوب السنين، والمثخنة بضروب الأنين. ذلك السناء، هو موجود في كل واحد منا بلا استخذاء، لكنه ينخسف في لحظات لزجة، فيكون الاعتراف به احتمالا قويا يستيقنه العاقل الذي يقبل ما يخزه من إبر الضمائر الزنجة، إذ حين يحصل كسوف شموس الدعة بين مجهول الساعات، يغدو النظر إلى بدور السماء برهانا يستدل به المجتاح إلى نجاة الفلوات.

فلو قيل لي بأن قوله تعالى "وفي السماء رزقكم"، هو محض خرافة، فإني لن أقتفي إلا أثرها حتى توردني ظلمات قبر محشو بالسنان الرهيفة، ولن أنزل عن برج مطارحة فكري، ومشاغبة نظري، إلا لمن بيده ما لا أدبر غيبه إلا بقضائه، ولا أطلب فيه إلا ما يعن لي من سمو فضائه، ما دمت قد تخذت جراب التائهين وعاء لتعبي، وجرابا لوصبي، ورغبت في أن أكون ضحية تفدي أسحار الذين ينزون على الضريح المرمري الرواق، ويموجون حول رمة وثن صادح الأبواق، أو تبدي أحلام الذين ينتظرون بعيون ذاهلة ما سيغني به غراب الخوف بين قلوب مكسوة بالآمال المخذولة، ويرقبون ما سيجود به عراب المين بين دروب منتشية بالأماني المغلولة. فلم سأبكي على شيء لم يكن بيد غيري، إلا حين أفتقر إليه عند انكسار سري، وهو في حرصه على ما يحتويه من تعدد النصيب، لم يدرك أن غيره مشارك له فيه بالفرض، أو بالتعصيب.؟

ربما من سوء الحظ أن بداية هذه العلاقة التي ربطتني بما أكتبه من مذكرات الحزن، لم تكن قائمة على قواعدها التي تتأسس عليها موجبات القسمة العادلة في الوزن، لأنها كانت كما قدر لها في الصياغة، والصناعة، ولم يكن المغفل فيها إلا من خال دوران المصالح بين الأيدي غير مستلزم للمشاححة، والمصانعة.! فمن هذا المغفل الذي نسي أحد أطراف القضية، وتناسى أن وعاء الزمن يحمل بين طياته مكنون المفاجآت الغضة بفواتك البلية.؟ قد أكون غافلا عن هذا الذي تؤول إليه القضايا حين تتعدد الأقيسة بين العقول المتدافعة، وقد يكون غيري هو الذي عمَّى عن عيوبه بالمقاصد المتصارعة، لكنني أقررت بأنني لست سبعا فاشيا، ولا ثعلبا ساديا، يبحث عن فريسته بين آجام العهود المعتقة، والبنود الموثقة، بل كنت لابسا لخشن الوبر على جسد خفيف، وكنه نحيف، ورجلي لا تطيق ما فرض عليها من هوي، وعيني لا تجيد النشر بعد الطي، ولا عُصيَّة أتوكأ على قوة رأيها،ولا كوة أستضيء بشدة حكيها، ولا سند لي إلا ما احتفظت عليه مؤامرة العقل التي أذهبت نضارة الوجه، وسلبت من الأمل غضارة المنتزه، وأغرقت الفكر في يم الوجع،وذم الربع، وأضاعت القلب بين أدواء الرجف، وأوشاب السخف، وأعمت العين في المدى الحالك بالانتظار، والساهم بالانحسار.

وهذا من شؤم نالني، أو من عين أرادت أن تراني قلقا في أمني، وتتمتع بي كئيبا، وتنتشي بها سليبا. قد تكون تلك العين آدمية في كثير من مقالبها التي عراها ما آلت إليه النتيجة، وانتهت إليه الحاجة؛ وها هي جذلانة بما سمعته من أفول نجم بين سماء المنافع، وانهزام هرم بين نوائب الفواجع، وقد تكون عين الله التي رأت ما لم أره بنظر كان مصيره السقوط، ومداره الهبوط، ومهما تكلف العقل في مقارعة الشامتين، وتجلد البدن في منازلة الطاعنين، وتمسك الرجاء بخيط رقيق من الأمل المشتمل على سوْرة الزمن الذي ابتدأت دقاته بالإخفاق، فأجرت النواميس بما تقتضيه طبيعة انتهاء الأشياء بلا أخلاق. إلا أن ما يجعلني مشفقا على ذاتي عند استذكار الذكريات التي أودعها بشلل في القدم، وغموض في التقدم، وهو الذي يسلي همي، وينفس عن غمي، ما أحس به من نشوة في التخلص من متاعب أقلقت جانحي، وأتعبت جارحي، لا لأنها لا تحمل نفَسي، ولا روح نفْسي، بل لأنها كانت معنى لطيفا في حرف حررته للتعبير عن أزمة الإنسان حين يصاب بمعنى الكدر، ويُنال منه قدرُه المجبر عليه في النظر، فيهجم الزمن عليه بعناد الرفاق، وتوحش الزقاق، ثم يستحيل المعنى المخلد في الذهن محلا لقوة المضارع الذي يؤكد تعذر ولاء المناصرة، إذا فقد عقده سمة النبل في حروب المعاصرة. وإذ ذاك، يغدو التشبث بمشهده كمدا، ويصير تسلق مرقاته نكدا. لكن أين أصدقائي الذين يقولون بحشرجة تخفيها الصدور، وتخوف تبديه السطور: تمسك بخيط الهوان، لكي تكون موجودا بين ألوان الصورة ببهاء الألوان.؟

أجل، لو ذقتم من مر ما تذوقته، أو تألمتم لما يجوس حولي بسيف فكرته، لما عتبتم علي خرطي لما تبقى من هذه الشجرة التي لم أجد ظلها ظليلا حين كنت نعتا في باب الصفات، وهي بعماء الفكرة لم تنحلني ما في عمقي من مكنون اللذات، فكيف لاسمي أن يقيم فيها بلا مسمى، وأن يرمي بعزمته بين أتونها بدون مرمى.؟ سأعذر جهلكم بمكامن التسمية في حد الأزل، ولو تواطأ الفدام على رسم خط ذلها في الأجل، لا لكونكم لم تحسوا بفراق صديق شفيق، وعطوف رقيق، كان مشاكسا في ذوق، ومواسيا في شوق، ومعاندا في رفق، ومجافيا في عشق، إذ قصارى ما يملكه في صريح الجَنان، أنه لا يخفي في قلبه مضمرات الكراهية لأحد من بني الإنسان، بل لأنكم تريدون أن أتجاوز اللحظة بدون أن أعترف بهزيمتي، وأتوشح وشاح نكستي، وهي قائمة في واقعي بلا التواء، وبادية على ملامحي بلا انطواء. تلك هي محطة الافتراق بين رأيي، ورأيكم، لكن، لا أعاتب أحدا على ما قال، أو ما يقول، أو ما سيقوله في غيبة خذلت سر حضوري بينكم، لأن نهاية ما يمكن أن يتصوره العقل الكليل من هذه اللفتة الدانية، أن شبحا ما قد سقط في جب الهاوية، وانتهى دوره، وانقضى طوره، وآب إلى باب المدينة التي دخلها مسلِّما، لكي يخرج منه متكتما. فالذين كانت أيديهم ملطخة بدماء حلمي، وملوثة بصديد ورمي، سيتنافسون على ما خلفت فيه صوت أزماتي، وصراخ نكباتي، والذين كنت في لسانهم رشفة عسل، أو همسة خجل، وقد تذوقوها حين كان الجو طريا، والعقل نقيا، سيغزوهم شيء من الظلمة التي تكتسح العين حين تذهل الأنظار عن الرؤية الحادة، وتندهش الأفئدة لما يباغت من صفع القوارع الحاصدة. ولا محالة ستتبدد الوحشة مع مرور الحدثان، وتعاقب الأخبثان، وستبلى بين الحوادث التي ننتظر ما فيها من إقدام، ونستهدي بما تخبئه من إحجام. وهؤلاء لهم في حشاشة قلبي محبة، ولهم في خلدي أوبة، ولن ننسى لحظات قضيناها برغبة، واستوحشنا ما فيها من رهبة، ما لم ينس الإنسان أن في سويداء فؤاده مساحة لأصدقاء يود رقيهم، ويرقب سموهم. لكن، سينسون مع نزو الأشباه على أعواد المعاهد الخابية، أن جرما مَّا قد كان في زمن سِقطا جاثما على أعينهم الكابية، وهو يلاطف ما يشعرون به من هوان في معاينة الطيف السارح خزيه بين حنايا الجوانح الدامعة، والجباه الخاضعة. وحينها ستبقى عصارة الذكرى جارية بين نياط أذهانهم، ثم تستمر الصور التي غرستها اللحظات في همسات أعماقهم.

أجل، ستكون ذكرى تذكرني بوأد ما تبقى من عمر المدينة البارزة، ويا لها من فاجعة ألمت بالأعراض الناشزة، فغرَّبت الذات عن اغترابها، وصيرت الحظ ممزقا بين أسلابها، وهي حقيقة تضمنت صورة إنسان ظهرت بوضوح مدة ستة عشر سنة، وانطوت على رمز ما يحترق في جونها من أزمنة، لم أعش فيها إلا أزمة مثقف حائر بين قلبه، وقاعه، وخائر بين جسده، وواقعه، لاسيما، وقد أدرك بعض خيوط العقول التي غفلت عن رأب الصدع، ولم شتات المهيع، لكي يستوي المناخ لوازع الإبداع، والتأمل لمنبت السر عند موارد السطوع. وإن لم يتعرف على كيفية ربطها لما في الخَلد بما في الواقع من شكوك، ولم يختبر سبل ما تفتت بين الأكباد من سموم السلوك، لكنها كانت في استيحاش الرفيق ريحا، ثم صارت مع الغياب المبدد لبرقع الزمن رمحا. تلك الأزمة يعرفها عدوي، وربما يلومني عليها صديقي الذي لم يع احتراق الإحساس بين زاوية تحتوي انكسار صحوي، وضياع ما في الروح من صفاء، وفقدان ما في المواقع من وفاء، لاسيما وما مر من صعود المنى بين الدرجات، وما جاء من هبوط النصيب بين الدركات، لم يكن صفة بارزة على ذات اختفت وراء الإشاعة المغرضة، ولا خلقا يغرد به بلبل الرغب بين دياجير الإرادات المبغضة، بل ما يرشح به مخاضي من عسر الاندماج في بؤرة شربت منها النفس الهزيلة صديدا قبل أن تتهذب بسليم الأذواق، وقويم الأوراق، هو المتحدث عن حزانتي باختصار، والمتحكم في حوزتي بلا اختيار، ولو لم يقرأه من ارتحل معي على معراج الحرف المدوِّن لأوتار قيثارة الحزن، وكمان الحنان. شيء فقدته قديما حين كنت طفلا عاش لحظته الأولى باكيا، وهو متعب لي حين صرت طاويا، وقد وجدته هنا بلا امتنان، وهو قائم في أغواري بالتحنان، لو لم يصوح على رميمه غراب البين، ولو لم تبكه العين التي عزفت عن سؤر المين، لكي يصير تحمل شقاء صوته ألما، وتأمل صمته سأما. ولولاه، لما كنت منذ زمن طويل أنحني لعاصفة كنت أقيس مسافاتها بأنفاس مكتومة، وأنظار مختومة، وهي تقترب مني في الميعاد، وتبتعد عني في المعاد.

وحقا، قد أخطأت في الحساب الذي لم أتقن درسه، ولم أكن إلا ضحية كبسه، لأنني تعاليت عليه بكل ما يقي من تعريضي، ولو اقتضى بعضا من فصول تمريضي، واتهام عقلي بالخطل، وإدانة سيري بالخلل. وتلك سبة كانت غصة في حلق السيوطي، ثم صار الجهل به حقيقةً مفجعة لما أفتله من هشيش سياطي، إذ ما كان نتيجة حاصلة بإحدى الوجوه التي أرادها الله سبحانه وتعالى، قد كنت أفرغت لها مساحة بين العناوين المثلى، وهو ضئيل جدا في جسد اعترفت خلاصته بأنه كان ريشة بين مهب الرياح الغادرة، وصيحة متهالكة بين الوديان الماكرة. لكنه فاجأني حين سابقته فسبقني بسرعة طعنته في بلوغ هدفه، ووصول ما يرغبه من تمزيق الماهية بين صدفه، وتشتيت الكيان في سجفه، وتجريد الهوية بين كنفه. فهنيئا له حين صرعني قبل أن أقف على ضفة الحلم الوردي، وهو لدى لبده تخليص لرحلي بأقل ما يجوز له أن يسمى خسارة في الصوغ العددي، ثم أقول له وداعا، وإياك إياك أن تسيء الظن بما ندبره التياعا، فإننا ما زلنا أرواحا تستعلم، وذوات تستفهم. إذ لا محالة سنلتقي في درب من الدروب، أو نتصادف بين آجام غابة الكروب، فلا تصرم الود بين المعالم، ولا تخفر العهد بين الملاحم، ودع ما بيننا قائما بصوره الجميلة، وأصواته الرخيمة، فإننا لم نفترق على البضاعة، إلا لأننا نريد أن يسعد كل واحد منا بما امتلكه بالكسب، أو بالهبة، أو بالوراثة، أو بالكياسة، أو بالرقاعة. كان هذا ما رسمته في خيالي المترع بأفانين الأرزاء، والمتخم بضروب الحوباء، وقد علم به كل من لمس سر كموني عن الظهور، ولغز اختفائي عن الحضور. لكن تلك الربوة التي سأعتليها في ذلك الزمن المقدر عندي، والمتصرف في خلجان وردي، وهو غير مراد لله عز وجل، وحق له أن يدبرنا كما كتب في الأزل، قد أراد القدر أن أجتازها بما قضى من أمر، ودبر من فِكر، فبددها في المسار الذي انتهت به ورقة امتحانات بنتي، ورقصتهما في صالة الفنون الحربية بأمل طفولي، وحولها إلى حبات رمل تذروها الرياح بين الأبعاد، وتسفها العواصف بين مدار الإبعاد. وها هي قد تحدثت فينا بالصفاء، واتحدت معنا بوفاء، والتزمت حد اللياقة في الفعل، وانتحت نِحو الصدق في القول، لأنها ما كانت تبحث فيما تلبسه الذات إلا عن وصفة النقاء، وجبة السناء.

أجل، قد تتقن ألسننا ترداد هذه المعاني التي ما ركب صهوتها أحد، إلا وادعى أنه يمتلكها بالكبد.لكن، لو أقمنا مأدبة في فضاء خارجي عن التي، واللتيا، وتحدث كل واحد منا عن طريقة صياغته للمثل العليا، وعن وسيلته في نوال غايات المسالك الدنيا الدنية، لاتفقنا على الحد الذي يضمن لكل واحد منا حق كرامته الطرية، وينشئ له مهادا آمنة بين سويعات راحته، وفجوات ارتياحه. وهل اتفقنا على الحدود، لكي نحصر الآخر في دائرة القيود.؟ لو انتظرنا قليلا، واخترنا سبيلا، وتخلينا عن مآدب الذل التي نستجدي بها عطف العوام، ووفرة الإدام، ثم جلسنا على محامل صفاتنا، وتحاور صغيرنا مع كبيرنا، أو تقاطعنا على حد معلوم في القطيعة، ورسم معقول في الوقيعة، لكان ما أجلس عليه من فروة تلاشى ما فيها من لين، ورطوبة، وتوارى ما طفح عليها من رفق، وعذوبة، لن يساوي إلا هزالة مرتبتي، وسلامة مقولتي. لكن ضاع العقل من تعاظم الكبار، فكيف بمن أنتمي إليهم من مغفلي الصغار، أن يكونوا أقرب إلى النضج في معرفة مراسيم الحيل، و مخازي الانتحال. فلم يلومني الصديق، ويلحاني المفارق، وهم ما تجاوزوا حدود الأشخاص المفرغة من محتواها في تصوير دائرة الإخفاق، وسبر غور ما فيها من إملاق.؟ قد كان حريا بنا أن نفكر في شأن الصفة التي تغطي عيوبنا البشرية، وتخفي ما تراكم عليها من أوضار ردية، وأن ننظر في كيفيات ظهورها بأكمل ما على وجهها من بسمات، وأجمل ما يهمس فيها من نفحات. لكن ما طرأ من غلو في ادعاء استقامة الطريق الذي نمشي على سكك كلمته سواء، وإن كنا قد اختلفنا في المبتدئ والخبر اختلافا جرنا إلى سبة حرب شعواء، لا يبشر بأننا كنا معنى مخلدا في تاريخ الألفة، ولا آثارا في غايات الإضافة، بل كنا خيالا في عقل يدبر المكيدة، ويقدسها بما يلتزمه من أمان عنيدة، وهو يتنفس برئتنا، وينطق بألسننا. هذه هي الحقيقة التي أرغب في أن يعرفها أبنائي، ويدركها أصدقائي، لأني وإن قامرت بما أملكه من عمر تبقى، ولا أدري ما تحتقنه ساعات ما نتوقى، فإن ما أردت الحفاظ على مرافقته، وما كابدت المحن في مراعاته، هو ذلك الشيء العظيم في عيني، والكبير في ظني. وهو هذا الجسد الذي أرهقه تعب الفكر عن وجود مخرج للروح من أغلالها، وحدوث مسلك للذات الضجرة بأصلالها، لكي تمشي بين الشروق والغروب حرة، وهادئة، وتنتهي إلى مقام سكونها بالمنن الفطرية، البريئة.

فسواء هؤلاء، وهؤلاء، سيكون وداعهم عسيرا على ذات استحلت الألم حين صار حرفا مبدعا، وغدا نوءا ساطعا، يكتب الأنفاس بدموع الأنات، وزفير الهنات، لأنهم ومهما زرعوا في طريقي شوكا، وورما، وأسقوني صابا، وعلقما، قد كانوا مرحين في المحاربة، ومشوقين في المضاربة، إذ لولاهم لما قرأت الوجه الآخر للحياة التي تختفي وراء أسمال من يتاجر بالمطلقات، وهو لا يدري كيف يفي لحاسته الإنسانية في النسبيات، حين تتعارض مع مصلحته التي يحميها بالحرص على طراوة شخصه، وجمالية خرصه، ولو اقتضى المكان أن يرشح بالتحريف، ويهتاج بالتزييف. أشياء كثيرة تعلمتها من جلوسهم، واختطفتها من كلامهم، والتقطتها من صدقهم، وابتهلتها من كذبهم، وهي عندي دروس هامة في صياغة النضج الذي دونته بين طيات أربعة عشر مخطوطا، لم ينشر منه إلا بعض كان وهجه مربوطا، وما تبقى من عصير شربت مرارته بين الآصال، سيكون له مذاق آخر حين أستعيد ذكراه التي كانت غايتها ما أحس به من ضوء يرد على أعماقي من كوة الأزل، وأستحضر كيف أنتج الألم المعنى بين ساعات غاض الحصول فيها على نعمائها، وآلائها، وإن كنت لم أعبأ بما تنفست من لأوائها، وبأسائها. قد يكون هذا مجرد حرف كتب على بحر الأحداث، وهو لن يكون أكمل مما كتبه غيري من أبحاث، لكنه سويعة انصرمت، ووقفة انجدلت، وقد عصرت من قاعي سؤالا مربكا في نظره، قد أجبت عنه حين قال من خلد التاريخ ذكره: العجز عن درك الإدراك إدراك، والكد في مقام المُحال إنهاك. هذه الإجابة كانت بداية للتشظي بين متاهة جعلت ذاتي سجينة، ونهاية أيقنت فيها بآيات اليقين الثمينة. وذلك ما أبرزه القدر حين كان عقلا، لا سخفا يطيش به مغرور سفها، وخبالا، إذ ما تراءى لي في الطريق الذي خضت وحله بذهول، هو القصد الذي انتهيت إليه عند المحول، والحظ الذي شربت مدامته على شاطئ الزمن، والحرف الذي روجته عند صيارفة البيان. فلا غرابة إذا جلست على هذا المقعد، لكي أتنفس الصعداء بين أنظار الامتداد.

أجل، قد عجزت عن حصر كنه ما أنا فيه من معرة، ما دمت لم أعثر على ما توارى في جوهرة الذات من مسرة، وهي كثيرا ما تبحث عن لطف الزمان، وصون المكان. لكنني جعلت المأساة سببا لولادة العشق بين حضن يعيش فيه غيري لئيم النكهة، وهو سؤال اليومي حين يتعرى من رطانة الفهاهة، ويستسلم لدهشة الفلسفة، لكي يستبصر ببصيرتها طرق حقول المعرفة. وحقا سأفقد جزءا من ذاكرتي التي لا يمكن لها أن لا تساير حقيقة الأعين الغائرة الأفكار، والأنظار، إلا بقراءة كل واحد منا لما تنطق به الأعماق من أسرار، وأطوار، لأن من يرافقني في السير على الدرب المضني الأنحاء، والمعدي الأرجاء، ومهما كرهوا جرأتي على الصدع بما يظنونه جديرا بالاختباء، وقمينا بالاختفاء، قد أحبوا كثيرا من رسوم عقلي الذي أثبتت كساد لسان الصدق في الأنسام، لأنهم قد جزموا باستحالة وضع هذا الأنف على الرغام، إلا إذا دهم من عشوائية الأشياء ما ليس في المقدور، وأنجز في كوميديا الحياة ما لا يطاق من قضاء مسطور. أجل، كل ذلك كان مخبوءا، وصار مع تعاقب النكبات انطواء، ولو أبرز الزمن ما يسترون في الكوامن من كمائن، وأظهر ما يحررون في القاع من ضغائن، لأنهم من كثرة ما يتظاهرون بالصفح عني، لكي يرسلوا إلى غيري ما تلغزه إشارات غبني، فإن ما في الكلمات من سم زعاف تسري به الإحن، لا يستقبله العقل المفتت بين اللت، والعجن، إلا لكي يقرأ من التباسه قصة تفاهتي، وضخامة من ابتلينا بتطاول مكره على دائرتي. ولكن، ومهما كان ذلك مضحكا فيما يعكسه على مرآتي من ألوان التبرم، والإخفاق، ويصوره من صور الدمار الذي تعانيه الأنفس حين تشرأب إلى ما ليس لها بالإرث، والاستحقاق، فإنهم قد استحالوا محل أمان في النصح الذي رضيت بما يحتويه من حيرة تعبر بالضد عن فحواها، ومقاما للرقي بالذات إلى الحدود العليا التي نجاريها في معناها، إذ لا يمكن أن تقرأ جماع فكر الإنسان إلا فيما يحرص على قوله، أو فيما يذم فعله، أو فيما يمدح به فتوة ذاته، وينفي عنه عيب شيخوخته. فما أروعهم حين توسعوا في البحث على لبس أبهى الحلل، ولم يتعرفوا على ما وراءها من مأساة الإنسان المجلل بالعلل، ومعاناة الذات من غارات زمن أوجد عذرها وحيدا، ثم نماه لكي يكون فيما يرشه به الغدر فريدا. كلا، هو ذلك الإنسان الجاثم على جدب الرمضاء، والسائر بين حطام الأحلام البلهاء، لكي يتأمل كيف يكون العقل سببا للتحرر من أوضاع وجعه، وأغراض وضعه، وكيف يكون العلم هداية إلى التنور في سبيل الحقيقة الباهرة، والتوقد في مجال الطبيعة الكاسرة. وما دمنا لم نصل إلى مرتبةٍ يعترف فيها بعضنا ببعض عند الاختلاف، ونأخذ بيده إن كان تائها بين مصارع الخلاف، ونعلمه كيف يكون صيادا ماهرا بنظره المتنائي، لا برميته التي يقذفها بين موانئ اليم المسجور المرائي، وهو موقن في بلادته بأنه مليء بالحيتان، وإن لم يختر مكانا لائقا بصيدٍ يبعده عن خشية الحيران، فإننا لن نصنع إلا الضغائن بين الموارد التي التبس فيها حق العبد بحق الله عز وجل، والتوى فيها الحظ الماكر على تمام الحصة بما تكتنزه السيرة من اعتلال.

وإذا كنت في غمرة البكاء الذي لم تستوعبه شؤون عيني، ولا أحشاء حضني، لأنها ما بكت على ما فات وهجه، وانتهى هرجه، بل لكونها أدركت معنى المجهول الذي غردت به فيما كانت تكتبه عبارات الأحزان، وتدونه مغريات الفتن في خطوات الأبدان، فإني لا أريد أن أكون مخادعا لذاتي، ولا مجازفا في لذاتي، إذ أجزم بأنني كنت حريصا على عدوي قبل صديقي، وعلى مفارقي قبل رفيقي، لأني ما عاركت في جر هذه الشعرة القائمة بيننا بطرق تطلب نول الخلاص، ولو بالفداء القائم في زلزلة الذات بما يبرمه الإنكار، والإنقاص، وخلخلة موازينها بما يطلبه مني وضعها في الاحترام، والاعتبار، ويستوجبه محيطها في صوغ مفردات التبجيل، والاقتدار، وإن لم تكن تتصور أنها ستنهدم عليها البيت في يوم من الأيام، فيتلاشى ما ادخره المرام من مدام، ثم يضيع حلم الكتب التي أدخلت حياة الجاحظ إلى غيابات الفناء، فلم يجد له مسعفا إلا جوف العراء، إلا لأنني أيقنت بأننا لا نتعامل إلا بالصفات المنهوبة، ولا نتكالب إلا على ما تدنيه إلينا من جموم اللحظات الموهوبة، ولا نستأسد إلا بما نزفر به من خوف على فوات ما فيها من رتب، وزوال ما تضمره فينا من سراب، إذ لو بدا كل واحد منا بطبعه البائس، وانصهر بين ملامح ماهيته التي لا يشاركه فيها غيره بالقياس، لكان زمننا سانحا بمناخ قابل لولادة سنبلة العشق بين أهداب القلوب، وأساليب الحروب. لكن، أنى لذلك المثل الأفلاطوني العنيد أن يستدل بوضعه على مثاليته، وهو لا يزداد إلا غلوا في الاعتداد بهوج مشاعر ثباته، والإجهاض لأحاسيس من عن له أن يكون صوتا، لا نوبة يتعاظم بها من أضمر قصدا بائتا، وهو يلتمس في خبيئة الزمن سقطات الغافلين، لكي يغدو بها سيد الفاعلين.؟
قد كان ما كان، وهو لن يكون حرفا إلا بما يسافر به الإنسان بين الزمان، والمكان، لأنه حاصل بالتصريح على الصورة الكاملة للمشهد الذي أطوي عليه لواء ما نشرته، وأقبض فيه على هدب ما بسطته، وسواء المنتصر فينا بالخدعة، أو المنهزم منا في السرعة، فكلانا قد التوى اليوم على ما كان يبحث عنه من قميص، ولو لم يدل الحال على ذلك بالتنصيص، وانطوى على سر ما أضمر، وسبة ما أظهر، لأننا لم نجتز غيرنا إلا برصيد يكتبه التاريخ بما في قلب كل واحد منا من مسحة، أو بحصيد يدل على ما حزناه في الحقيقة من مساحة، إذ لا تتضايق بنا المجامع، إلا إذا أردنا أن كهانا في رصد أنواء المطالع، ولولا ذلك المنفوش فينا سعار خطبه، لما كان لكل واحد منا ركن قصي في طلبه. فأنا ما بحثت هناك عن شيء أريد أن أستدل عليه بالبرهان الرشدي، أو بالشك الديكارتي، إلا ما تأكد في قلبي من سريان ألم الحلاج بين شرايين كل عاشق لبساطة الحياة الدنيا، وهي في غرورها مآل لما يفاجئ من قواصي الرزايا، إذ خداعها لمن عفر وجهه بأوحالها، هو الذي سجن ركضنا على أزبالها، ثم نبتت فيها نبتة النفاق، ولم نراع في ذلك ما يطالبنا به حق الرفاق. وذلك، هو ما اشتمل عليه سؤالي الذي وجدت الإجابة عنه فيما اعترض سبيل الحلم، وزفر به الصدر عند اشتداد الألم، ففصل بين الذات وذاكرتها المستفيضة بالشوق الأبهر، ومايزت بين العقل وكلِمه المكتوب بالحرف الأزهر، وعاندت بين الروح وعشقه للمسافات الطويلة، والمواقف الظليلة، لكي تكون صلادة العبث آصارا على الكيان، وغضارة الحزن غصة في البيان، ثم ينتهي فصل من المأساة بموت البطل، ويبتدئ الفصل الآخر بما سيبرز حيال الأفق من نجم كان حظه الأفول، ثم يكون ذلك العهد تحريرا للكيان السخيف من لوثة المثال الكوني، وتسويغا للوعة تدمر في الذات المستعرة بنزوة الحظوة كل خصائص قيم الواقع الإنساني.

هنا يكون توديع كتبي بدموع مدرارة، هو الرمس الذي حفرته للذاكرة المخزونة بين طيات أوراقي المتناثرة، لكي تنفصل بين الضغوطات النفسية عن جزء مما تركب فيها من أحزان، وتلاءم عليها من أدران، وتنعزل عن المكان الذي صارت ملزمة بالوفاء لظهوره، والاعتبار لحضوره. لكن، لا يمكن لي أن أتخيل الأمر كما هو جار في عالم الغيب، ولا أن أسيء الظن بما سيطل علينا من أرب، لأنه الملاذ الذي نجده حين يغدر بنا الخلان، والميناء الذي ترسو عليه سفننا بأمان، فهو قائم فينا بما تجري عليه سنن الحقيقة الإلهية، ونواميس الإرادة الأزلية. وما انفصل عنه في التقسيم، والتركيب، وهو مرتبط بي عند القدرة على الترتيب، ولي به صلة التكليف، ولو لم يستظهر في كثير من مراماته مبدأ التخفيف، فلا بد له أن يكون طاقة النور في طالعتي، ومادة الأمل فيما سيحدث من واقعي، لأنه ومهما ذابت مادتها بين أعين عطشانة إلى هذا الحدث الذي هدم ربوتي المستحر حربها في قاعي، فهي تمشي بأمر الأبدية في يراعي. وما أنا في سديم رؤيتها إلا فقاعة على سطحها، وصرخة في سارحها. ولا محالة، ستهتاج الأمواج برياح عاتية، لكي تصيرني شخصية أخرى بلا ألوان خابية، وربما قد يكون ذلك في مهد آخر لا أعرفه، وربما قد أملكه بمقتضى ما أرتجيه من حرية في خوفه، وقد أعيشه كما هو في علاقاته مع ظاهرة الوجود، ومقتضى الحياة في رسم خط العودة إلى الخلود. والله أسأل أن ينهي المحن، ما دامت لا تأتي إلا بالفتن. فلم إذن سأهون، وقد انطوى القلب على هذا الكلام الأبين، وهو سبيل كل من أراد أن يكون مريحا، وابتغى أن يوجد في سنة أخرى مرتاحا.؟







اخر الافلام

.. إيغوري لاجئ: نساؤنا يغتصبون في المعسكرات القسرية


.. الجبير: لن نسلم مواطنينا إلى تركيا


.. القمة الخليجية.. التصدي لعدائية إيران وخطر الإرهاب




.. السترات الصفراء.. خيارات باريس والكلفة الباهظة


.. اليمن.. حوار السلم وقناصة الميليشيات