الحوار المتمدن - موبايل



رقم 32

رولا حسينات

2017 / 12 / 5
الادب والفن


رقم 32
كانت للتو قد أنهت إزالة ذلك الشعر الأسود من فوق ساقيها بعجينتها السكرية، حين دخل زوجها سيد خليل عبد المجيد الشقة، برطمة قوية للباب، بعصبية لم تكن قد اعتادتها من رجل يمكن تسميته بالمسالم، وهو اللقب الذي استطاع أن ينتزعه من كل سكان الحي الجديد السكني الذي تعيش فيه كل أصناف البشر، الذين لا يفرقون عن باقي الأحياء الشعبية بشيء، بل على العكس ففي هذا الحي الكثير من المشاهد لأناس لا يمكن إيجادهم سوى في هذا المكان، الذي يضج بالحياة بعيدا عن معالم المدينة، دون الزهور بين فواصل الرصيف بالأشكال الدائرية أو المربعة في المساحات الرفيعة الممتدة على جانبي الطريق الذي يلف الحي من أوله إلى آخره كدودة شريطية رفيعة؛ حيث تتراكم البيوت المعلقة بسلال من أوساخ وقذارة، والمتلاصقة مع بعضها البعض على جانبي الطريق المحشوة بأوراق تباينت بين اللون الأحمر والأخضر؛ وهي التي يكثر استخدامها في مطعم منجا المشهور بالفول والطعمية، وتلك القدور النحاسية الكبيرة وضمة البقدونس الخضراء، والكراسي الخشبية التي تكاد ترتطم بتلك القدر النحاسية الكبيرة... الكثير من مرتاديه يبقون واقفين دون أن تكون لهم فرص للتذوق، سوى القبض على رائحة الفول المعشقة برائحة الكمون وقبضة البقدونس والكزبرة والقليل من الزيت، وقد لاصق دكان مانجا دكان ميخائيل اليوناني ذي القبعة الزرقاء الداكنة ذات المقدمة المقوسة، وفي منتصفها بضع خيوط ناهضة، وتغطي قبعته أغلب شعره الذي لم يقدر لأحد رؤيته منذ أن فتح دكانه التي افتتحها بعرس بلدي جمع القاصي والداني، وفرقة حسن المولى البلدي بطبولها النحاسية، وقد قدم وقتها مشروبات للجميع على حسابه من مقهى المعلم سيد العجمي؛ الذي اشتهر بلقب العجمي للذة الشاي الذي يقدمه... ويروى أن كل من كان حاضرا في الحفل قد اشترى من دكان اليوناني ميخائيل تعويذة فضية اللون في منتصفها عين زرقاء، وقد علق هو واحدة كبيرة على باب محله للأنتيكات، ومن ذلك الوقت لم يدخل أحد محله أو ربما قلة قليلة من السياح الذين يأتون للفرجة وإمتاع نظرهم بالحي الجديد؛ الذي لم يكن سوى امتداد للأحياء القديمة وامتداد للدودة الشريطية؛ التي تنتهي بفم واسع مطل على شارع إسفلتي عريض خال من الحفر، وهو ربما الذي يميّز حيهم، وما أكسبه صفة الجدة...
عند كل محل عدد كبير من المتسولين الذين امتهنوا مهنة الجلوس دون مد اليد، حالتهم التي يرثى لها كانت تقطع القلوب، وبخاصة قلب المكوجي زينهم؛ الذي كان يتصدق عليهم بأوراق نقدية تثير حفيظة أهل الحي، وتفتح أعينهم ثم سرعان ما تنقلب إلى أحاديث جانبية، الهمس واللمز والقصص والتأويل شغل الحي الممتد ببيوته المتراصة، وزينهم أحد هذه الحكايات؛ فبعد أن تنتهي الجارات من إلقاء التحية الصباحية، ورمي شباكهن للطالع والنازل من درج العمارة التي يسكنها، حتى تبدأ الحياة التي يقدر أن تكون في السادسة صباحا؛ بعد ثلاث إلى أربع ساعات من الهدوء، وبعد الصخب الذي يقوم به أولاد الحي بعجلاتهم الدائرية التي يثبتون فيها سلكا معدنيا طويلا يمسكونه بأيديهم، وينتهي بحلقة دائرية تدور مع القطعة المعدنية المقوسة لتصدر بدورانها صريرا عاليا، وقرقعة تثير شتيمة النائمين للتو، فيطلون بسبابهم ولعناتهم والتي لا تنتهي إلا بنزول أحد ساكني العمارات من شقته في هذه الساعة مرتديا سرواله؛ إما مقلوبا أو إلى الخلف بخيطين يتبادلان القفز فوق مؤخرة نافرة، بخلاف الشعر الأسود المتراكم فوق الصدر، وقد يتصل في كثير من الأحيان إلى ما تحت الإبطين، جميع ساكني العمارات يتعوذون من هذه الساعة، والنهاية الحتمية أن يضرب الأولاد على أقفيتهم ليبتعدوا عنها، وليذهبوا إلى طريق آخر، وهو المنعطف الذي ينتهي على جانبه العمارة التي يسكنها سيد خليل عبد المجيد وزوجته سنية واللذين لم يرزقا بأولاد، غير أنه كان مسالما حتى في نومه؛ فلم يكن يصيح بالصغار، ولم يكن أحد من العمارة لينزل لتوبيخهم، غير أن زوجته سنية كانت ترمي عليهم الكثير من الشباشب، التي في الصباح الباكر ينزل لجمعها قبل أن يفقدها ثم يصعد الأدراج مسرعا قبل أن يلمحه أحد من الجيران...
هو لا يحب أن يرى بغير ملابسه الرسمية وهي التي يقوم بكيها عند المكوجي زينهم، الذي يسمعه أحاديث طويلة طويلة عن الحي، ومشاكله، ويعرج على تلك الأحداث الغريبة التي تحدث في الساعة التي تغيب فيها مشاهد الحياة عن الشارع، ساعة واحدة كفيلة بأن تسرق البيوت وتسلب من أثاثها، ويبقى النائمون فوق أرضية باردة... ساعة واحدة كفيلة بسرقة الأطفال الصغار من أحضان أمهاتهم، حتى قدر الفول النحاسية الكبيرة عند الفوال منجا أيضا اختفت. القلائد ذات العيون الزرقاء بقيت وبقيت معها أشياء كثيرة في محلات مجاورة.
الكثير من الأمور الغريبة تحدث، وسوء الطالع يصادفه، لذلك يحاول جاهدا أن يسير بمحاذاة الجدران دون أن يكون ملاصقا لأيٍّ من المحال، ورغم احتفاظه بتلك التعويذة التي أخذها يوم افتتاح محل الأنتيكات لليوناني ميخائيل، لكن تعويذة زوجته سنية لم تجد نفعا، بل زادت الأمر سوءا وقد زادت من غضبها وسوء أخلاقها، وعصبيتها التي كان يتجنب ثورانها، أصبحت الدوامة التي يعيش فيها ليل نهار دون أن يقدر له أن يرتاح، فورقته الخريفية بدأت بالتمزق دون أن ترحمها الريح فتهوي بها إلى أرض لينة.
المجارير التي طفحت في شقتهم والتي حاولت جاهدة أن تزيل منها الأوساخ وكتل الشعر الطويلة مستخدمة الأمونيا والكثير من الصودا الكاوية، وقد دخلت إلى ما تحت كفي البلاستيك اللذين ارتدتهما، ولم تفق سوى على ألم شديد و حرق كبير في الجلد، وكادت أن تفقد أظافرها لم تكتشف ذلك إلا بعد تنظيف الشقة، وغسلها، وصراخها يشق هدوئها، وهو لا يلوي على شيء سوى إطاعتها بكل أمر والذي زاد الطينة بلة؛ فقدانها للكثير من ملابسها وبخاصة تلك القطع الغالية على قلبها، والتي تهتم بغسلها ووضعها بشكل علني للفت انتباه جاراتها، اللواتي يمددن شفاههن ويزممنها، رغم أنه لم يعد قادرا على تلبية ما تريده، ليس لضعف منه، بل لقتل لنفسيته لم يعد راغبا بشيء...
السكون والسلام هو ما يريده، وهو الذي لم يجده في أي مكان، حتى أسفل السلم حيت ولدت كلبة شاردة جرائها وأقامت هناك باستمرار... لم يعد آمنا... لم تفكر سنية وهي تقلب بيوت العمارة بيتا بيتا أن ملابسها الداخلية كانت قد ولدت عليها الكلبة جرائها، عندما أعيتها قدماها كانت نظرة واحدة منها كفيلة بتمييز الألوان التي بدت بالية، استشاطت حينها غضبا عند رؤيتها تحت تلك الكلبة الملعونة... لم تأبه لعواء الكلبة، ونباحها والزبد الذي يخرج من بين شقي فمها معركة قامت بينهما بالمكنسة وبالنباح، ولكنها كانت المنتصرة، انتصرت سنية بمعركة الكلبة وبير السلم، وأخذت ملابسها ووضعتها في كيس أسود وألقتها في القمامة، وهي تكفكف دموعها وصوت نحيبها يصل للشقق المجاورة، وولولتها على حالها... السؤال الذي يدور في رحى عقلها: من أين خرجت هذه القطع الغالية؟ لقد كانت تنشرها ثم تسارع لتخبئتها في حقيبة خاصة كانت قد اشترتها منذ الثلاثة عشر بعد زواجها من سيد خليل عبد المجيد عند قضائهما لشهر العسل أو على وجه الدقة، يومي العسل كانت عند أهله في البلد، وفي الغيطان، وفي غرفة طينية، مع الكثير من الذباب والناموس والحر الشديد... لم تكن تلك السعادة التي تبحث عنها أي عروس راغبة بالذهاب للبحر لنعمة اسمها الحرية على قيد رجل...
رغم أنها لن ترتدي قطعتي الملابس الضيقة، بل لتدلي قدميها في ملوحة البحر، والتعرق تحت شمسه اللطيفة... والصور التي ستلتقطها لها و لسيد خليل عبد المجيد، ولكن الصور لم تلتقط لها حتى في البلد، وفي الغيطان، لقد رجعت دون أن تقطف حلمها، وبقي الحصرم عالقا حتى اليوم. القليل من الحظ تريده لتعيش كأي امرأة دون أي وعود رغم عدم وجودها...
فالسيد خليل عبد المجيد رغم رقته ومسالمته لم يؤذها بشيء، بل هي تتعمد إيذائه لتغير من طبعه، لكنها رغم ما فعلته طيلة هذه السنوات الكبيسة لم تغير فيه شيئا، مجرد خيال مارق وهي مجرد الحزينة على مرآتها المزركشة بخيوط ذهبية، ملتصق حولها كإطار، هي تحبه ربما لبساطته، وقدمه...
عدم إنجابهما للأولاد ربما هو سبب عصبيتها المتزايدة، وسوء خلقها،؛ فهي لم تجد طبيبا يراهن على قدرتها على الإنجاب... العقم والفقر والحرمان هي ما تدور في فلكه، دون أن تنال أملا من أحدها... بأن يتغير مثلا، ولكنها ستستيقظ ذات يوم على صوت طفل يكاغي، ويقول لها: ماما...
هي لم تخبر سيد خليل عبد المجيد بسرها بل حافظت عليه في عقلها، ربما يعرف وربما لا يعرف لكنه صمت ووافق بصمته...وبقي حلما في داخلها، حتى الجارات اللواتي يطعنها في الظهر...أقفلت باب شقتها أمام آذانهن المرهفة، وبقيت محافظة على جمالها، وجمال جسدها وعودها الممشوق، وصدرها النافخ المغري... لكنه لم يكن مغريا لسيد خليل عبد المجيد، لقد كان باردا، عمله يقض مضجعه؛ فالمدير الجديد للشركة يريد إقالته وإحالته إلى التقاعد أو ربما طرده، وهو لا يعرف أي تعويذة يقرأ ليبعد عنه هذا الهاجس الذي لا يجعله يراوح مكانه... فكرة طرده لأنه...لأنه فقد زرا ذهبيا هذا اليوم، رغم أن مديره الجديد لم يكن بينهما شعور ود أو محبة من أي نوع... الزر الذهبي الذي فقده من معطفه الذي يرتديه في وردية الحراسة المتصلة ليل نهار، غير الساعات القليلة التي يقضيها في البيت، ما بين التنظيف والنوم، ليستلم صديقه فوزي مكانه ثلاثة أيام لفوزي، وأربعة أيام له... قضيا عمرا على ذلك، ولكن وفاة فوزي في حادث سيارة مروع قضى على أيامه أو سنواته المتبقية، بمجرد أن قطع الطريق كانت بضع أمتار فقط... ليصل للطرف الآخر من الطريق، ولكنه لم يلتقط حياته ليفعل ذلك، سيارة متهورة قد داسته تحت عجلاتها، ونثرت دماءه، وتركته كقطعة ممزقة ومضت بعيدا تخفيها الطرقات الجانبية، لم يستطع التقاط رقمها كاملا...فقط رقمان...كانا 32... هما فقط ما استطاع أن يعرفه، لونها الأسود وذات دفع رباعي، ولكنه عندما أبلغ الشرطة لم تأبه بما قاله واعتبرته في حالة انهيار، لا يدري إن كان جنونا ما يتفوه به؟
وبقيت القضية ضد مجهول، ولم تدفع الشركة تعويضا لعائلة فوزي؛ لأنه لم يقض بحادث داخل الشركة، ولذا لم يكن متوجبا عليها دفع أي تعويض، بل أثبت المدير المالي أن فوزي عليه الكثير من الديون لتسديدها؛ فقد كان يأخذ فوق راتبه على أمل السداد، وبقيت عائلته هي التي تدفع للشركة، دون أن تستلم أي تعويض... المتر والنصف خارج حرم الشركة كانت كفيلة بأن تحرم فوزي من كل شيء حتى من حياته، ليس هو وحسب بل عائلته أيضا... الظلم الذي يدوي في أذنه ولا يستطيع نسيانه... شبح فوزي... دماؤه... رقم 32 ...والسيارة السوداء... وبؤس عائلة فوزي... وأمه السيدة العجوز التي لم تكن تأكل إلا من يده، ماتت هي الأخرى بعد يومين أو ثلاثة من موته، وبقيت زوجته، وكومة من اللحم تسعى في الطرقات من أجل أن تجمع المال ثم تعطي الشركة ثلثيه، وتبقي على ثلثه ليغطي مصاريف العيال؛ من مأكل، ومشرب، وأجرة للبيت، ومدارس، والكثير الكثير من متطلبات الحياة التي علقت بسنارة وهم يلهثون ورائها دون جدوى... هذه الأشباح التي بدت مثل الكوابيس التي يراها، والتي زاد من سعيرها مجيء سعيد بديلا لفوزي، وهو شاب قوي البنية بشاربين كثين، ووجه داكن، وعينين يتطاير منها الشرر. الخوف الذي دب في عروقه من فنون المعاملة السيئة، كل ما يفعله ينوي به إغاظته أو تلفيق تهمة له، ومن سيسمعه حينها... ستذهب صرخاته وهو يحاول لملمة الدماء المبعثرة في منتصف الطريق ...كما كان مع فوزي...الفقر هو الخطيئة التي تثقل كاهل البؤساء والمعوزين...
كل شيء يمكن أن يتحمله... كل شيء جعله يضيق ذرعا بكل شيء ...حتى جنون سنية بدا مألوفا، ومحببا لديه... يجعله على صلة بالواقع المخيف الذي يعيشه، واقعه في حديقة المجانين في حيه، تجعله يهيم على وجهه دون أن يبصر شيئا، من مساحة الحياة التي يفترض أن يشارك بها الآخرين، وكل شيء ممكن... ولكن شبح رقم 32 أصبح تلك اللعنة؛ التي يراها كل يوم، في الصباح والمساء، لا بل ويفتح البوابة لصاحبها، ويقف مسندا ظهره، وواقفا كالألف رغم ألم الساقين من تلك العروق المتشابكة فوقهما بزرقة داكنة، وعرق النسا الذي بدأ يضرب أسفل ظهره، وحذائه الذي خرم من أسفله على شكل دائرة بحجم مليم، بخلاف الغيار الداخلي المربوط بمطاط من النوع الرديء والذي يترك خطا عميقا أحمر اللون يكويه كلما تحرك... كل المآسي التي يمكن أن تهدم حجارة صموده تجعله واقفا كالألف، دون أن يتمكن من تمرير أنّة أو آهة خوفا من أن يفقد عمله، وتلك القدمان تدوسان على كل ما يعانيه بحذائها الرخامي، والرائحة العطرية النفاثة التي تزيد من حالة الربو لديه، وذلك البخاخ يداعب جيبه، ولكن عليه أن يصمد أمام عجزه، أمام الرقم 32... ويصمت ويصمت... يقدر له أن يصمت وحسب، وهو يجمع ما تبقى ممن هزاله، وعينا ذلك النزق ترمقه وكأنه يتحين الفرصة لينقض عليه، لينهيه وينتهي من أمره...
مر يومه كالمعتاد، حتى جاءت لحظة خلعه لمعطفه...وهي العقدة التي سجنته...مصيبة وقعت على رأسه أو وقع في حفرتها...تبقى مصيبة والتي فقد فيها زر المعطف الذهبي والمرسوم عليه شعار الشركة المميز بسنبلتين متعانقتين ...الحزن الذي يجره معه لم يعد مدفونا في قلبه بل أصبح مبذورا في بطن أرضه، تتصعد منه رؤوس الشياطين...
وضع رأسه بين كفيه وراح يفكر...
في حين أن سنية أطالت المكوث وهي تلملم أغراضها، وتغسل جسدها بعطر الياسمين الذي تصنعه على يدها، تلك الهواية التي ورثتها من جدتها الكبرى فطيمة - أم الياسمين- التي اشتهرت بعطر الياسمين الذي ترشه على ملابسها وتحت قدمي زوجها الذي يقال أنه: مات من حبها... وكانت ولادة لا تتوقف عن الإنجاب ويقال أيضا أنها : أنجبت بطونا كثيرة من فرط حب زوجها لها، وما عرفته من هذه الحرفة؛ أن تأتي بورد الياسمين الأبيض والأصفر وتنقعه في ماء الورد لمدة ثلاثين يوما... ثم تأتي بالزيت وثلاث عشرة نقطة من العسل الأبيض، وتخلط معا ثم تعيد حفظه عشرة أيام أخرى... وبعد ذلك تصفيه بحيث تفصل ورد الياسمين الذي لم تتبق منه سوى كتل صغيرة رقيقة، وتضعه في زجاجات صغيرة تغتسل منها، وتتعطر، ولكنها تختلف عن جدتها الكبرى في أنها لا ترشه تحت قدمي زوجها، رغم أنها في قرارة نفسها تحبه من أعماقها وتتمنى أن يتغير حالهما إلى الأفضل، ولكن انقباض قلبها وتفكيرها باختفاء الأشياء من عندها، وبخاصة ملابسها الغالية على قلبها، التعويذة تخلصت منها منذ أمد بعد أن كادت تفقد يدها...
اهتمامها الكبير في حرصها على إغلاق كل المنافذ، وتفقدت كل الشقوق التي يمكن للجن أن يدخل منها، أغلقت كل شيء بالجبس دون أن تترك شقا رفيعا، وأدارت شريط القرآن لترجع صداه الجدران ف الشقة الصغيرة بعد أن أغلقت النوافذ بإحكام...كي يموت كل شيء. شخصيتها القوية كانت هي التي تعينها في كل أمورها؛ إذ أن سيد مسالم لدرجة أنه لا يقوى على القيام بشيء...
عندما جهزت نفسها مرت أمامه ذهابا وإيابا بقبقابها الخشبي دون أن يحرك ساكنا، دون أن توقظه رائحة الياسمين، دون أن يحصل شيء من أي شيء؛ أي إثارة كانت... ظنته قد مات تقدمت منه بهدوء، ولمست بيدها المرتجفة يده المتقوسة وهي تحتضن رأسه الرفيع، وقد جعلت علامة الفراغات فوق جبينه، الأصابع الطويلة وعقدها رسمت خطوطا متباينة، وقد برزت تفاصيل وجهه، فقد بدا وكأنه شبح... دب الرعب في قلبها بمجرد أن رفع رأسه ببطء، وارتمى بجسده إلى الخلف مستندا إلى الكنبة الخضراء ذات العروق الذهبية الكبيرة فيها، لقد كانت سنية أمام السيد الذي يلفظ أنفاسه... أمضت وقتا طويلا وهي تهدئه...
- استهدي بالله يا سي السيد، ربنا بيفرجها كل ما داقت حتفرج... ربك يسهلها.
- أصلها نهايتي يا سنية...
- نهايتك ليه يا حبيبي بعد الشر؟
وبدأ يحكي لها عن قصة فقدانه للزر الذهبي، وقد لمعت في ذهنه أنه قد ترك معطفه لثوان في غرفة الغفير، وقد جاءه سعيد على عجل يطلب منه أن يأتي حالا للمدير، كان اضطرابه بين أن يعيد ارتداء المعطف ثانية وبين أن يتركه، لكن إلحاح سعيد...جعله يتركه، ويذهب... ولكن سعيد بقي معه طيلة مسيرهما إلى الممر، إلى قسم الإدارة حين طردا بعنف من هناك وبقي سعيد...يردد: ربما تشابه أسماء...
وافترقا عند أخذه للمعطف... كل ما يذكره أنه أتمّ طيه بعناية ووضعه في الكيس الورقي والعودة إلى الشقة، ولكن إن لم يكن هذا الشقي من فعلها، فلعلها كانت مؤامرة عليه! ما الذي سيفعله النهار؟! غير أنه سيطلع ثانية فوق جثته!
كان يكمل حديثه مع نفسه حين نهضت سنية إلى غرفة النوم، وقد علا صوت الأدراج وهي تفتح وتغلق، حتى عادت وتعلو وجهها ابتسامة انتصار...
وقالت بثقة: مش قلتلك ربك يفرجها.
وبدأت تقص عليه حكاية أبيها الذي ترك وظيفة الغفير في الشركة لكبر عمره وعدم قدرته على البقاء منتصبا كما كان في أيام الشباب... وقد استلمها منه السيد... هو يذكر ذلك لكن كيف نسيه الآن؟!
وكيف أنها وجدت زرا ذهبيا قد سقط من معطفه الذي ورثته أمها وباعته بعد ذلك بثمن كبير. الزر الذهبي الذي أعجبها ولم تخبر أمها عن عثورها عليه، وقررت الاحتفاظ به...لأن الله يحب السيد... جعلت تخيطه على معطفه، وقد كان يبدو جديدا مثل باقي الأزرار...
الدموع التي طفرت من عينيه جعلته يحضن سنية لصدره، وهو يقول: الحمد له الحمد لله...
عندها ابتسمت سنية من قلبها، وهي تشعر كم هي مشتاقة إليه ...
الشمس التي بزغت ذلك اليوم كانت مختلفة فقد استيقظت العمارة بل الشارع بأكمله على خبط عنيف على باب شقتهم، أيقظه وسنية مفزوعين، وألف حكاية تخيط نسيج حبكتها في رأسيهما... آخر ما كانا يتوقعانه وقوف عبود بائع الجورنال أمام شقتهما والدهشة قد فتحت عينيه الدائريتين على مصراعيهما، وقد بدا وجهه أحمرا رغم سمرته، نطقه وتداخل الكلمات، علقت الرؤوس الناعسة ببلاهة وهم ينظرون في وجوه بعضهم دون أن يفهموا ما يدور حولهم... كان عبدو بائع الجورنال يتلعثم في كلماته وهو يشير إلى صورة سيد خليل عبد المجيد في الجورنال، لم تستطع سنية أن تتمالك طولها، فقد سقطت على الأرض، عندما تلقاها السيد وهو يمسك بالجورنال، وينظر لصورته، لم يستطع أن يتمالك طوله فجلس إلى الأرض، وقد أراح رأسها على فخذه وهو ينطق الحروف، والكلمات متداخلة مع بعضها البعض...
لقد كان الخبر الذي تناقله الحي من أوله إلى آخره بجميع بيوته والحوانيت:" أن سيد خليل عبد المجيد قد ورث ثروة كبيرة من أحد أفراد عائلته... وأقرباءه في الغربة قد أذاعوا ذلك الخبر ونشروا صورته في الجورنال، بعد أن فقدت طرق التواصل معه، والتي انتهت بموت آخر أبناء عمومته كان ذلك قبل بضع سنوات، فلم يهتم بمشاركتهم العزاء أو مطالبتهم بشيء؛ لأنه يعلم أن والده قد باع كل شيء لهم... لكن أن يظهر له قريب في الغربة فهذا شيء لم يكن في الحسبان. كان هذا الخبر كفيلا بأن تتغير معاملة أهل الحي لسيد خليل عبد المجيد، وأن يفرشوا الأرض تحته بالورد، ولكنه شيئا لم يكن يغيره فهو هو... حتى سنية تغيرت فقد أخذت تبحث عن شقة جديدة وأثاث جديد، وعن ألبسة جديدة تغير فيها كل حياتها...رغم استغرابها وهي ترى عدم تغير السيد... بل أنه لم يفرح، لقد أصبح ناسكا بين يوم وليلة، فهو يقضي ليله بالصلاة والدعاء وهو يرتدي ثوبه وهو يردد: يا رب يا رب ...
بدأت حكاية استيقاظ الحارة على الحكايات الغريبة، وحكايات الفقدان، الأمر أصبح جنونيا فقد فقد اليوناني ميخائيل كل محتويات محله للأنتيكات دون أن يكون هناك خلع لباب المحل أو أثر لثقب في الجدار، يبدو أن شبحا أو جنيا قد مر من خرم الباب الضيق وابتلع كل شيء ومضى، لم تكن المحلات من فقدت كل ما فيها، ولكن شقة سيد خليل عبد المجيد أيضا كانت ضمن لائحة البيوت التي فقدت خلافا لملابس سنية صورة الجورنال، لقد اختفت الصورة نفسها من الجورنال دون أن يعرف أحد كيف ولماذا؟
الصورة لم تختف من نسخة سيد خليل عبد المجيد فقط، بل من جميع النسخ التي تحمل ذلك الخبر، فقدت منها صورة الخبر بأكمله، لم يعد هناك أصل للخبر أساسا... مجرد مربع أبيض فارغ، لم يجد أحد شيئا ليبرره، ولم يتمكن أحد من عزاءه...
الشيء المنطقي أن هناك الكثير من الجن الذين يلعبون لعبة الغميضة، والأسوأ من ذلك؛ أن السيد نفسه لم تعد له وثائق تذكر في الشركة التي يعمل فيها، والتي يرى شبح سيارة المدير السوداء ورقم 32 والتي طرد منها لعدم وجود ما يثبت أنه موجود...
أهل الحي أنكروه بعد أن أعلنوا أن اسمه سوف يطلق على دودتهم الشريطية.
لقد بدا أمره سيئا فلم يعد قادرا على معرفة إن كان موجودا أم لا؟!
سنية والمرآة هما ما يطمئنانه إلى أنهما لم يتغيرا... حتى أفاق في صبيحة يوم الأربعاء على فقدانه ليديه ورجليه، بل جميع أطرافه... وكذلك رأسه...
ببساطة لم يستطع أن يرى نفسه...في المرآة... لقد اختفى.
انتظر سنية طويلا لتستيقظ، لكنها لم تفعل بقيت نائمة إلى وقت متأخر، طاف فيه شوارع الحي دون أن يعثر عليه أحد، دون أن يتعثر به أحد... لقد كان غير مرئي تماما... أما متى وكيف؟ فهو لا يعرف .
عندما عاد إلى سنية كانت تلملم حاجياته في كيس أسود ووضعتها عند الباب ليأتي أحدهم ويأخذها، لم تترك له فردة جوارب واحدة، وبقيت تبكي وهي تلبس السواد، وقد علقت صورة له في مثلثها العلوي شريط أسود... لأول مرة يرى صورته معلقة...
لم تأخرت سنية طويلا لتفعل ذلك؟
بقي إلى جانبها ينظر إلى صورته حتى اختفت هي الأخرى، وسنية وجدت نفسها تنظر إلى الفراغ... وهي تستعيذ بالله وضعتها في الكيس عند الباب، وغابت في ظلمة غرفتها موصدة صدت بابها...
لم يعرف ما الذي يحدث؟
قرر الخروج إلى الحي... ليرى العالم ثانية، لم يكن هناك أحد، لكنه كان يسمع الكثير من الأصوات... وكثير ممن يضربونه وهم يتضاحكون: وأخيرا أتيت أصبحت واحدا منا نحن المسالمين...وهو يرى زينهم يوزع عليهم الكثير من الأوراق النقية في مطبعة النقود المزورة في دكان الكي خاصته .







اخر الافلام

.. الفنان الكبير سعدي الحلي و أغنية لا يولدي


.. اغنية يصبرني للفنان الكبير أحمد نعمة


.. تعلم اللغة في بلاد اللجوء بداية الطريق نحو الاستقرار




.. بتحلى الحياة – الفنانة كارلا رميا


.. #بروح_رياضية.. لاعب #تنس يفاجئ زوجته و يطلب من الجماهير الغن