الحوار المتمدن - موبايل



دعونا نفهم فكرة الإله(2)

حكمت حمزة

2017 / 12 / 6
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


تحدثت في مقال سابق عن الإله، و تطرقنا بشكل مبسط إلى قضية الله وخلق الكون، وكيف أن التصورات التي يمكن أن نضعها عن كيفية الخلق لا يمكن ولا بأي شكل من الأشكال أن تتطابق مع العقل والمنطق، وهناك نقطة هامة وجب توضيحها قبل الاسترسال في هذه السلسلة:
يحدثني البعض من الزملاء المؤمنين، ممن يعلمون حقيقة أفكاري وتوجهاتي اللادينية، بشيء من اللوم والعتب، لأنني (كما هم غيري من الملحدين و اللادينيين) نتحدث بشكل دائم عم الاله الابراهيمي وأديانه، بشكل خاص الاسلام، ويسوقون الاتهامات بأننا جاهلون وقليلو الثقافة، وحاقدون ناقمون على الاسلام وعلى الله، لذا أحب أن أوجه لهم من هذا المنبر ردي على هذه الاتهامات:
- المشكلة عندنا ليست الله كذات أو فكرة، أو الدين بحد ذاته، إنما أهم نقطة عندنا هي محاربة التسلط الديني بجميع أشكاله، بهدف تنوير الشعوب وتوعيتها للوصول إلى العلمانية.
- نحن بمعظمنا خرجنا من أوساط تؤمن بإحدى الديانات الابراهيمية، وبما أن أغلب المشاكل الفكرية والحياتية التي نواجهها، بسبب هذه الأديان الابراهيمية. ولا ننسى أيضا بأن كل ما نكتبه موجه للشعوب العربية بشكل خاص، وكل قارئ للغة العربية بشكل عام.
- تلك الأوساط المستهدفة بهذه الكتابات التنويرية، تؤمن بإحدى الديانات الابراهيمية، فليس من المعقول أن نكتب في نقد الهندوسية مثلا، في مجتمع وبلد لا يوجد فيه هندوسي واحد.
- معظم الكتاب لا يعرفون عن الديانات الأخرى غير الابراهيمية، سوى ما تتناقله الكتب، ولذا فهم محكومون بما بين دفتي كل كتاب، بعكس الأديان الابراهيمية والتي يعيشون وسطها ويتعاملون معها كل يوم، ويعرفون حق المعرفة تأثيرها على المجتمع، وامتداداتها وإسقاطاتها الفكرية على الساحة الحياتية.
أعتذر عن الإطالة ولنذهب مباشرة إلى موضوعنا
.
.
كما رأينا في المقال السابق، فإن فهم كيفية الخلق ومتى وأين حدث هذا الفعل، صعب جدا، فلا يمكن لأحد مهما كانت مخيلته واسعة، أن يتخيل ذلك الأمر أو جزءا يسيرا منه.
وهنا يقفز المؤمنون ليقولوا لنا بأنه من المستحيل ربط الله بالعقل والمنطق، لأنه إله وفي مستوى أعلى بكثير من قدراتنا، ولا يمكن أن تطبق عليه شروط النظرية من المشاهدة والتجربة والتكرار بغرض التحقق من صحتها...ومن جهة أخرى يحاولون بل يؤكدون على قدرتهم على إثبات وجود الله بأدلة عقلية، ولا أدري إن كان هناك فرق بين العلم والعقل، فكل العلوم نشأت وتطورت بفضل العقل ولا شيء غير العقل، وبما أن الله خارج حدود العقل، فالأجدر بهم عدم الجري وراء إثبات الله بالأدلة العقلية لأنهما خطان متوازيان لا يلتقيان.
بشكل عام فإن كل الأدلة المقدمة على وجود الله هي أدلة فلسفية، و لكن الفلسفة بحر واسع، يحوي الغث والسمين أولا، ويمكن بواسطة الفلسفة الاستدلال على وجود خالق للكون، بنفس الأسلوب الذي يمكن عبره الاستدلال على عدم خالق لهذا الكون، ويكمن دور العلم التجريبي في هذه المسائل كدور القاضي، فهو الذي يبت بصحة الأدلة المطروحة أو بزيفها، لذلك تبقى فكرة الخالق من ناحية فلسفية، مجرد فكرة مطروحة لا أكثر ولا أقل، يضاف إلى ذلك أنه حتى لو ثبت عن طريق الفلسفة أو العلم أن هناك خالقا للكون، فذلك لا يضفي عليه صفة الألوهية، ولا يوجب علينا عبادته والتقرب إليه بالأعمال والقرابين.
لنفترض جزافا أن احتمال وجود خالق لهذا الكون يساوي احتمال عدم وجوده (50:50)، فلماذا يجب أن يكون هذا الخالق (وفقا للأديان) خارج حدود العلم والعقل؟ لماذا يجب أن يكون هذا الخالق، هو واللحظة و الطريقة التي وجد بها الكون خارج حدود العلم والعقل، وكل شيء تلا هذين الشيئين ضمن العلم؟ طبعا وفق تحليلي الشخصي فإن جواب هذا السؤال متعلق بالحقب الزمنية، الشق الأول يعود لحقبة الأنبياء، والشق الثاني يعود للحقبة الحالية، بالرغم من أن شقي الاجابة متشابهان، إلا أن الغايات تختلف تبعا للأشخاص الذين يتبنون الخوض في هذا المجال
بالنسبة لحقبة الأنبياء، فمن الطبيعي لكل من يدعي النبوة، أن يصف هذا الخالق بصفات لا يمكن أن يتصورها أو يحيط بها عقل بشري، فلو كانت صفات الخالق ضمن محيط الإدراك البشري، لما كان الخالق خالقا، و كانت تلك الكذبة المسماة نبوة ودين، كشفت بسهولة ويسر، وبأقل من لمح البصر، وبالتالي ستفقد كذبته قيمتها، أو ستفرغ فلسفته الشخصية من معناها، كون الأديان بنظري مجرد فلسفة شخصية طرحها مدعو النبوة لا أكثر ولا أقل.
أما الشق الثاني والمتعلق بالحقبة الحالية، فهو يعود للمدافعين عن الأديان في عصرنا هذا، لأنهم ألقموا الأديان كما يلتقمون الطعام، ودون أن يجهدوا أنفسهم بالتفكير في صحة المعقدات التي فرضت عليهم في الساعات الأولى لولادتهم، وبسبب عدم قدرتهم على التحقق منها، فلا بد لهم أن ينهجوا نهج الأنبياء في هذا الموضوع، لأنهم لو ادعوا أن الخالق يندرج تحت بند العلم، لسقطت الألوهية عنه أيضا، وبان زيف معتقداتهم، وسقطت العبادات والفروض والواجبات، إذ أنهم يدافعون دفاعا أعمى عن اديانهم، ولا سبيل لديهم سوى النقل، من الكتب التي تلتحف الغبار لشدة قدمها، ومن أقوال فلان وأقوال علان، كل مجالات العلوم الحديثة تنظر إلى الأمام في تقدمها، أما متبعو الأديان فقد أصيبوا بداء انقراص فقرات الرقبة، لأنهم منذ وعيهم لحياتهم ملتفتون إلى الوراء ولا ينظرون في اتجاه آخر... وللأمانة فإني أشعر بالحزن والأسى على المؤمنين في أيامنا هذه، لأنهم تحملوا عبئا ثقيلا وتركة ترهق الكاهل من حملها، ولم ينج منهم غلا من فهم أن الدين هو علاقة خاصة بين الشخص والرب، ولا علاقة له بمحيطه ولا لمحيطه به.
من جهة أخرى لا يجب علينا تجاهل مهمة الخلق نفسها، فهل الخالق كان له يد في اللحظة الأولى التي وجد فيها الكون ثم ترك الأمور تجري لمستقر لها؟ أم أنه استمر بالعمل حتى وصل الكون إلى النقطة التي وجد فيها الانسان الأول؟ بكلا الحالتين فإن مهمة الله كخالق انتهت، لأن الخالق لم يعد له أي عمل أو فائدة بعد حد معين من العمل، فما هي المهمة المسندة له في الوقت الحالي؟ هل هي جعل الأرض تتحرك، أم جعل مجرة درب التبانة تدور حول مركزها؟ فلا خلق جديد، ولا شيء جديد تمت ملاحظته على كوكبنا باستثناء الأمور المنطقية التي تحدث نتيجة الأنشطة البشرية على هذا الكوكب، وإن قلت – عزيزي المؤمن- بأننا نجهل ما إذا كان الخالق لا زال يخلق ويعمل في أماكن أخرى في هذا الكون، فإن ذلك ضرب من الاستخفاف بعقولنا، لأننا لا زلنا غير قادرين على رصد حياة أخرى في مكان آخر في الكون، و ضمن مدى قدرات البشر العلمية والراصدة، فماذا يخلق أو يعمل في مكان آخر؟ هل يخلق كواكب أم نيازك أم نجوم أم ماذا؟ فإن كان يخلق هذه الأشياء، فما الفائدة من عمله هذا، باستثناء أنه يسلي نفسه بخلق الأحجار ريثما تقوم الساعة، لذا فمن العبث إطلاق إجابات ارتجالية، لأنها ستكون متبوعة بسيل من الأسئلة التي لا تنتهي.
لننتقل إلى الأمر الآخر، والذي يأتي في المرتبة الثانية بعد مشكلة خلق الكون، وهي الغائية، أي الغاية من خلق هذا الكون، التي تحيلنا بشكل أو بآخر إلى الغاية من خلقنا. وفقا للأدبيات الدينية، فإن ذاك الخالق أوجدنا كي نعبده، ونشكر نعمه التي أنعمها علينا. أي أن الغاية من وجودنا هي العبادة فقط، وتجميع النقاط التي تؤهلنا للدخول إلى الجنة التي يتراكض نحوها المؤمنون طمعا في النعيم والخلود، وليس حبا بالله كما يدعون
تبدأ حكايتنا من آدم وحواء، إحدى قلائل القصص التي تتفق عليها الأديان الثلاثة، وهي معلومة للجميع، من عملية خلق آدم التي تشكل بدايتها إلى خلق حواء وزواجهما وعيشهما في الجنة، ثم دخول الشيطان وجعلهما يأكلان من الشجرة المحرمة، ليعاقبا على فعلتهما هذه بالنزول إلى الأرض، ثم تبدأ عملية التكاثر وإنجاب الأفراد وهكذا حتى يومنا هذا.
نفس الغائية المنشودة من المتدينين، تخلق مشكلة في الفهم بالنسبة للعقل، لأن الخالق كما هو معروف مطلق العلم، والقضاء والقدر يعتبران من أهم ركائز الايمان، فمن المؤكد أن الله يعلم مسبقا بما سيحدث لآدم وحواء، وما سيحدث لنا طبعا، فما الغاية من إيجاد البشر؟ مثلا، عندما يعلم الشخص فينا أن إشعال البارود سيؤدي إلى انفجار، فإنه لا يقوم بذلك إلا إذا كان شغوفا بالتفجيرات، وعندما يقوم بزيادة نسبة الدهون في طعامه رغم أنه يعلم مسبقا أن الدهون الكثيرة مضرة بالصحة والقلب، فإن المبرر الوحيد لفعلته هذه هو شغفه بالدهون. لا أحد بشكل عام يقدم على فعل شيء ما إلا لهدفين، الأول هو قيامه بفعل شيء ما، رغم معرفته المسبقة بنتائج فعلته، وبالتالي يكون الدافع هو شغفا بالفعل نفسه، أو أنه يجهل نتائج فعله هذا، وبالتالي فإن هدفه من فعل هذا الشيء هو معرفة ما سيحدث نتيجة فعله.
إذا استخدمنا نفس المقياس هذا على الخالق فإننا سنصل إلى استنتاجين، إما أن الخالق يعرف مسبقا نتائج قيامه بخلق البشر، وهو بالتالي مولع بعبادة البشر وتقديسهم له، شأنه شأن أي ملك متجبر، يحب التملق و (تمسيح الجوخ له)، بشكل أو بآخر فهو مولع إما بتعذيب البشر، أو بجعل البشر يتنعمون في يوم القيامة، بتعذيب البشر إذا أخذنا بعين الاعتبار وجهة نظر التيارات الدينية المتشددة والتي تدعي بأن معظم البشر سيعذبون يوم القيامة، وجعل البشر يتنعمون إذا أخذنا بعين الاعتبار وجهة نظر التيارات الأخرى...فإذا كان البشر سيعيشون أجمل وأرفه أنواع الحياة في الآخرة، فإن عملية الخلق بما فيها الكون والبشرية، ستصبح لهوا ولعبا ليس إلا، لأن الخالق لم يكن بحاجة لأن يفعل كل هذا وينزل آدم وحواء يعيشون على الأرض و و و ...الخ، ولا داعي لجعلنا نتعذب ونكافح كل مشاق الحياة لكي يثبت لنا أنه متسامح، بإمكانه تجنيب نفسه وتجنيبنا هذا العناء، أي أن غاية الخلق هنا ستفقد معناها. أما إذا كان معظم البشر سيعذبون يوم القيامة فإن هذا الإله قاسي ومتسلط ويستمتع بتعذيب البشر، وبالتالي فإن مفهوم الأديان عنه بأنه رحيم ومتسامح و...الخ هو مفهوم خاطئ، وهذا الخالق لا يستحق العبادة.
أما إذا كان هذا الخالق أوجدنا، وهو يجهل ما ستؤول إليه الأمور، فإن صفة العلم المطلق سقطت عنه، وسقطت معها أحد أهم ركائز الايمان سقوطا مدويا، ولا حاجة لنقاش هذه الفكرة فهي واضحة وضوح الشمس. وأود هنا أن أنوه إلى فكرة معينة، صحيح أن جهل الله بنتائج خلقه لنا هي إسقاط لأحد أهم مفاهيم الأديان، لكنها بنفس الوقت ستشكل من جهة أخرى قيمة مضافة لفكرة الأديان نفسها، إذ أنها ستصبح ذات معنى وقيمة في حالة جهل الخالق بنتائج خلقه، فهي ستكون رسائل يجب أن تصل للبشر، لتوضيح الحقيقة لهم، أما معرفة الله بنتائج خلقه، ستفقد الأديان نصف معناها، لعلمه المسبق بالنتائج.
إذا بشكل عام أوجدنا الله لنعبده و نأتمر بأمره وننتهي عما نهانا عنه، وكما يقال فإن تطبيق هذه الأمور هي نقاط تسجل لنا وليست له، ولا أدري إن كان الله يتذرع بهذا الشيء للضحك علينا أم للضحك على نفسه، هناك ملايين الأمور الجيدة التي يمكن عبر القيام بها تحقيق فوائد أكثر بمليون مرة من عبادتنا له مثلا، لا يكفي الانسان أن يكون صالحا ولا يؤذي أحد، فهذه الأمر لا تساوي شيئا دون الاعتراف بالله كخالق، وعبادته، وفقا للأديان، فإن الملحدين سيدخلون النار لكونهم ملحدين، ولن يشفع لهم تعاملهم الجيد مع الناس، ومساعدة المحتاجين، لأنهم يرفضون الاعتراف بسلطته فلا مهرب لهم من العذاب، أنا لا أقول هنا بأن كل الملحدين على درجة عالية من الأخلاق ومحبة ومساعدة الغير، ولكن المهم هو عذابهم الأبدي فقط لرفضهم سلطة الله، ولا شيء غير ذلك، وهذه إحدى الأمور التي تدعم بأن الله الذي تضوره لنا الأديان ليس سوى ديكتاتور ظالم، وفاشل.
أما النواهي والمحرمات فهي أشياء أخرى يعجب لها العقل، أن تتناول المشروبات الروحية فأنت مذنب، ان تتعامل بالفوائد المالية فأنت مذنب، أن تمارس الجنس بحرية، أن ترفض ظلم والديك وتمييزهم بين أخوتك وبينك فأنت مذنب...تلك القائمة تطول جدا، ولا مجال لذكرها جميعا هنا، لكن الملاحظ أن الله يدني مستواه بشكل مزري، ليتدخل في هذه التفاصيل التافهة والتي تعود في الكثير منها إلى الغرائز البشرية، فلا يكفي الله أن يحرقك لتعدم اعترافك به، بل يتدخل حتى في أتفه تفاصيل حياتك، فإما أن تعيش حياتك كما يشتهي مزاج الله المتقلب، أو أن تلقى مصيرك بين كومة الشواء تلك.
وفي نهاية هذا المقال، أود الاشارة إلى أن كل ما ذكرته فيها ليس قناعة نهائية غير قابلة للتغير، إنما مجرد أسئلة يطرحها عقلي علي ولم أجد إجابات منطقية لها سوى ما ذكرت، فمن كان لديه إجابة منطقية مدعمة بالأدلة ومخالفة لما أعتقد، أنا بانتظاره







اخر الافلام

.. كل يوم - لتشجيع السياحة الدينية .. افتتاح المرحلة الأولى لتط


.. كل يوم - عمرو اديب لـ كل المصريين: هناك خطر واضح الفترة القا


.. مسلمون ومسيحيون يقبلون علي شراء هدايا الكريسماس في أسيوط




.. خارج النص- البشري.. ما تسكت عنه الكنيسة والدولة المصرية


.. حرب سلفية على مومياوات مصر الفرعونية