الحوار المتمدن - موبايل



( نشأة الدين الوهابى فى نجد وانتشاره فى مصر ) الكتاب كاملا

أحمد صبحى منصور

2017 / 12 / 7
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني



هذا هو الجزء الثانى من كتاب : نشأة وتطور أديان المسلمين الأرضية .
( نشأة الدين الوهابى فى نجد وانتشاره فى مصر ) الكتاب كاملا
هذا الكتاب
الكتاب السابق عن تأسيس وتطور الديانات الأرضية فى تاريخ المسلمين كان الفصل الأخير منه عن الوهابية . وقد رأيت أن أتوسع فيه ليكون كتابا كاملا ، فكان هذا الكتاب الذى يقع فى ثلاثة أبواب تتضمن تسعة فصول ، تتخصص فى تأسيس الوهابية فى نجد فى أواخر العصر العثمانى ثم إنتقالها وانتشارها فى مصر فى القرن العشرين .
الفهرس
هذا الكتاب
مقدمة
الباب الأول : ظهور الوهابية فى العصر العثمانى بديلا للتصوف السنى
الفصل الأول : وحشية الوهابية تقلب المعادلة فى أواخر العصر العثمانى ( القضية الأولى :كيف ولماذ تغيرت المعادلة من الخضوع لوحشية الحاكم باسم الدين الى وحشية الرعية باسم الدين : نناقش هذا هنا : لماذا احتكر الحاكم المملوكى الظلم واستحلّ القتل ؟. القضية الثانية : التوحش الوهابى بإستحلال الدم وجعله دينا : جذور التوحش الوهابى : ابن تيمية والحكم بقتل الناس جميعا . المؤرخ الجبرتى شاهدا على إنحلال المحكوم ووحشية العسكر العثمانى الحاكم ـ الجبرتى شاهدا على الانحلال الخلقى فى مصر طبقا لدين التصوف السنى ـ الجبرتى شاهدا على وحشية الحاكم ــ الجبرتى شاهدا ـ رغم أنفه ــ على توحش الوهابية . الخطاب الدينى الدعائى المنافق للشيخ محمد بن عبد الوهاب . الدين العملى لابن عبد الوهاب هو حرب الله جل وعلا ورسوله )
الفصل الثانى : قراءة فى كتاب :( عنوان المجد فى تاريخ نجد ) للمؤرخ الوهابى عثمان بن بشر
( مقدمة ـ فى الديانة الوهابية :الدين الملّاكى لابن عبد الوهاب: ملامح من كتاب ابن بشر ـ من وقائع الوحشية الوهابية : إستئصال الناس قتلا فى الدولة السعودية الأولى . أولا : الجهاد الوهابى إعتداء على من لم يعتد عليهم : ثانيا : الاستئصال قتلا : ( لا وجود للاسر والأسرى ) إستئصال بالتجويع ـ استئصال الأجنّة فى البطون : إجهاض الحوامل . من وحشية وهابيى الدولة السعودية الأولى : قتل مع إجلاء قسرى وتخريب .أولا : التهجير القسرى ـ ثانيا : التخريب والهدم والتحريق وقطع الأشجار ــ ثالثا : هدم المشاهد الدينية .وهابيو الدولة السعودية الأولى كانوا يقاتلون فى سبيل الشيطان وليس فى سبيل الرحمن. أولا : فى كل الأحوال : السلب مرادف للقتل والقتال :ثانيا : ملاحظات منهجية على المؤرخ ابن بشر فى موضوع الغنائم : ثالثا : سلبهم الأموال الضخمة والكنوز وتخميسها : الخمس لابن سعود والباقى للمحاربين .فى دولتهم الأولى : السعوديون حرامية الإبل والغنم : جهادهم فى سبيل الابل والغنم .فى دولتهم الأولى: السعوديون حرامية القوافل والأطعمة والأمتعة ــ آل سعود حرامية الطعام والزاد ( الأزواد ) ــ القوافل . صلاة الوهابية للشيطان وليس للرحمن .أولا : الصلاة من معالم القتال الوهابى فى الدولة السعودية الأولى : ثانيا : الصلاة من معالم القتال الوهابى فى تأسيس الدولة السعودية الراهنة : دين الوهابية : إما أن نحكمكم ونتحكّم فيكم وإما نقتلكم وندخلكم جهنم .الإكراه فى الدين والسياسة فى الدين الوهابى .الإكراه فى الدين والمبايعة على الدخول فى دين ابن عبد الوهاب . الردة عن دين الوهابية )
الباب الثانى : الدولة السعودية الراهنة تنشر الوهابية فى مصر
الفصل الأول : دور رشيد رضا : ( لمحة عن وحشية الوهابية فى تأسيس الدولة السعودية الراهنة ( مقدمة ـ مذبحة تربة وخرمة ـ مذبحة الطائف ( الثانية ) ـ السعوديون وقتل الاطفال والنساء ). نشر الوهابية فى مصر بين عبد العزيز آل سعود و رشيد رضا . ( مقدمة ــ حاجة عبد العزيز لإنشاء ( إخوان مصريين ) بديلا عن (الاخوان النجديين ) ــ العوامل التى كانت تحتم على ( عبد العزيز ) تحييد مصر أو كسبها الى جانبه ــ رشيد رضا الذى خان أستاذه الإمام محمد عبده ) .رشيد رضا : شخصيته بين النفاق والتعصب : ( مقدمة ـ لمحة عن حياة رشيد رضا ــ تعصب رشيد رضا . ).رشيد رضا عميلا لانجلترة : بين رشيد رضا وأسمهان : ( بالذكاء الانجليزى تأسّست الامبراطورية البريطانية واستمرت قرونا ـ بين الذكاء البريطانى والامام محمد عبده ــ رشيد رضا عميلا لانجلترة ــ الأدلّة على أن رشيد رضا كان عميلا للإنجليز ــ أنجلترة تشدُّ أُذُن الشيخ رشيد رضا ــ أخيرا . رشيد رضا والشريف حسين حاكم الحجاز : (مقدمة ــ بأوامر بريطانية : رشيد رضا ( الوهابى ) يتحالف مع الشريف حسين عدو الوهابية الأكبر ــ رشيد رضا ( الوهابى ) يرفض تأييد الشريف حسين فى أن يكون خليفة المسلمين ــ العلاقة بين الشريف حسين ورشيد رضا من الفتورالى الخصومة ).رشيد رضا خادما لعبد العزيز قبل أن يقابل عبد العزيز ( وهابية رشيد رضا تظهر فى حياة محمد عبده ــ دفاع رشيد عن عبد العزيز قبل إستيلائه على الحجاز ــ إنحياز رشيد الى عبد العزيز فى صراعه مع الشريف حسين ــ رشيد رضا بوقا دعائيا لعبد العزيز قبل أن يلتقى عبد العزيز ــ أخيرا ). لماذا كان عبد العزيز محتاجا لرشيد رضا ؟ ( مقدمة ـ عن الحجاز ــ بين الأسرة السعودية ومصر: من القرن التاسع عشر الى إحتلال عبد العزيز للحجاز ــ بين عبد العزيز والملك فؤاد الأول ــ أخيرا : حاجة عبد العزيز لرشيد رضا ).علاقة رشيد رضا بعبد العزيز : ( إتصالات رشيد بعبد العزيز قبل مؤتمر الحجاز 1925ـ التحالف العلنى بين رشيد رضا وعبد العزيز ــ رشيد رضا يهاجم الأزهر بسبب كراهية الأزهر وقتها للوهابيةــ إخلاص الى آخر العمر).تحالف عبد العزيز آل سعود مع رشيد رضا : والحاجة الى المال : ( مقدمة ــ مصر الليبرالية : حرية بلا عدل ــ إخلاص رشيد رضا فى نشر الوهابية فى مصر ).تحالف عبد العزيز آل سعود مع رشيد رضا هل كان سببا فى إكتشاف البترول ؟ ( عبد العزيز يجد الحل فى ( البترول ) ـ الوهابية وكراهية الاجانب المستثمرين ــ إنهاء معرضة الاخوان وعلمائهم والسيطرة المطلقة لعبد العزيزــ التنقيب على البترول ــ البترول ونشر الوهابية فى مصر . مؤتمر الحجاز 1925 والتأثير الوهابى على مصر .)
الفصل الثانى : دور حافظ وهبة
( مقدمة : أولا : دور حافظ وهبة فى تلافى آثار حادث المحمل : ( المحمل والأزمة مع مصر ـ المحمل والأزمة مع إخوان عبد العزيز ( الإخوان النجديين ) . الصحفى المغمور الذى استقدمه حافظ وهبة ، ورحلته وكتابه : ( إستقبالات رائعة لصحفى مصرى مغمور فى ضيافة عبد العزيز ــ أولا : من هو الصحفى محمد شفيق مصطفى ــ رسائل بعث بها عبد العزيز للمصريين عبر الصحفى المصرى المغمور ــ اللقاء الأول بالملك عبد العزيز ـ حضور الصحفى المغمور مجلس عبد العزيز مع مستشاريه ـ الصحفى المصرى المغمور يحاور الملك عبد العزيز ــ الصحفى المصرى يقوم بالدعاية لعبد العزيز ـ حافظ وهبة هو المؤلف الحقيقى لكتاب ( فى قلب نجد والحجاز ) . أخيرا: حافظ وهبة ودولة عبد العزيز .)
الفصل الثالث : محب الدين الخطيب ناشرا للوهابية فى مصر
فهرس الفصل الثالث : ( فكرة عامة عنه ـ محب الدين الخطيب ينشر الوهابية فى مصر ــ محب الدين الخطيب يتكلم عن نفسه فى مذكراته ــ صلته المبكرة بعمودى الوهابية عبد العزيز إبن سعود ورشيد رضا ــ محب الدين الخطيب فى مذكراته يتكلم عن تأسيسه جمعية الشبان المسلمين )
الباب الثالث : الاخوان المسلمون
الفصل الأول : الاخوان المسلمون صناعة سعودية وهابية
( أولا : حسن البنا والسعودية
بداية صلة حسن البنا بعملاء السعودية : صلته برشيد رضا : صلة حسن البنا بالشيخ محب الدين الخطيب و حافظ وهبة . حسن البنا يقابل الملك عبد العزيز . سياسة عبد العزيز مع حسن البنا والاخوان المسلمين . الاخوان المسلمون يتقربون لعبد العزيز بقتل إمام اليمن . علاقة الملك عبد العزيز بإمام اليمن : علاقة الاخوان المسلمن باليمن وتفجيرهم ثورة الميثاق . البنا يشيد بدور الإخوان في الإنقلاب .)

الفصل الثانى : الطلاق السياسى بين السعودية والاخوان المسلمين
( أولا : أثر ثورة الميثاق فى نفور الملك عبد العزيز من الاخوان المسلمين . ثانيا : هجرة الاخوان المسلمين الى السعودية بعد موت عبد العزيز . أصل الاختلاف بين السعودية والاخوان المسلمين : بالنسبة للسعودية الوهابية : بالنسبة للإخوان المسلمين الوهابيين ـ درجة الخطورة بين الوهابيين السعوديين والوهابيين الاخوان المصريين ــ جيل حسن البنا ( الجيل المحروم الساخط الناقم )
الفصل الثالث : الاخوان المسلمون يطبقون شريعتهم الوهابية فى مصر الليبرالية
( أولا : الاعتدال المزعوم للإخوان المسلمين . ثانيا : اشهر الغزوات الاخوانية الوهابية فى مصر الليبرالية قبل 1952 ـ إغتيال أحمد ماهر ـ تفجيرات متنوعة ــ السيارة الجيب ـ إغتيال القاضي أحمد الخازندار . اغتيال اللواء سليم ذكي حكمدار القاهرة ، إغتيال النقراشى ـ العصف بالاخوان فى وزارة عبد الهادى وتبرؤ البنا من أتباعه . الاخوان هم قتلة حسن البنا . وهابية الاخوان المسلمين والحكم العسكرى فى مصر : مقدمة ـ أولا : الاخوان والعسكر . ثانيا : التحالف بين الاخوان والسادات وإستمرار الاخوان فى شريعتهم الوهابية .)
الفصل الرابع : السلفية الوهابية فى مصر
( أولا : بين الاخوان والسلفيين . بين الاخوان والسلفيين . : بعد سقوط مبارك ) ( الجمعيات السلفية فى مصر : الجمعية الشرعية : أنصار السُّنّة مسجد العزيز بالله، ود . جميل غازى : جماعة دعوة الحق ود سيد رزق الطويل .).




الباب الأول : ظهور الوهابية فى العصر العثمانى بديلا للتصوف السنى
الفصل الأول : وحشية الوهابية تقلب المعادلة فى أواخر العصر العثمانى

فهرس الفصل الأول : ( القضية الأولى :كيف ولماذ تغيرت المعادلة من الخضوع لوحشية الحاكم باسم الدين الى وحشية الرعية باسم الدين : نناقش هذا هنا : لماذا احتكر الحاكم المملوكى الظلم واستحلّ القتل ؟
القضية الثانية : التوحش الوهابى بإستحلال الدم وجعله دينا : جذور التوحش الوهابى : ابن تيمية والحكم بقتل الناس جميعا .
المؤرخ الجبرتى شاهدا على إنحلال المحكوم ووحشية العسكر العثمانى الحاكم ـ الجبرتى شاهدا على الانحلال الخلقى فى مصر طبقا لدين التصوف السنى ـ الجبرتى شاهدا على وحشية الحاكم ــ الجبرتى شاهدا ـ رغم أنفه ــ على توحش الوهابية .
الخطاب الدينى الدعائى المنافق للشيخ محمد بن عبد الوهاب . الدين العملى لابن عبد الوهاب هو حرب الله جل وعلا ورسوله )

الفصل الأول
وحشية الوهابية تقلب المعادلة فى أواخر العصر العثمانى

القضية الأولى :
كيف ولماذ تغيرت المعادلة من الخضوع لوحشية الحاكم باسم الدين الى وحشية الرعية باسم الدين : نناقش هذا هنا :

لماذا احتكر الحاكم المملوكى الظلم واستحلّ القتل ؟

نشر التصوف فى العصر المملوكى قيما إجتماعية جعلها دينا ، هى عدم الاعتراض وعدم الانكار، وأدى هذا الى الخضوع والخنوع لظلم الحاكم وطغيانه وقسوته بل نفاقه وإعتبار قسوته عقابا إلاهيا على ذنوبهم ، وبالتالى صار الحاكم يمارس ظلمه على أنه ( دين ) . ونعطى بعض التفصيلات :
عدم الاعتراض والانكار
1 ــ الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر قيمة إسلامية عُظمى يقوم بها المجتمع المسلم كله ، يتواصى بالحق والصبر ، ولا تتخصص فيه طائفة بعينها ، وهو مجرد التناصح القولى دون إكراه فى الدين ، وإذا أصر الشخص معاندا فالله جل وعلا يقول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (105) المائدة ) ، وفى كل الأحوال يكون التبرؤ من العمل المستوجب للإنكار وليس من الشخص نفسه ، يقول جل وعلا لخاتم المرسلين (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ (214) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ (215) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (216) الشعراء ).
2 ــ تطرف السنيون في الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فجعلوا أنفسهم متخصصين ومُخولين بالتسلط على الآخرين فى تغيير ما يعتبرونه (المنكر) بالقوة وبالإكراه فى الدين والى درجة قتل المخالف لهم ، ووضعوا أحاديث وفتاوى بهذا الشأن . ولأنه واجه الانكار والاعتراض فقد تطرف التصوف فى الناحية العكسية ، يدعو الى عدم الاعتراض وعدم الانكار . ثم بعد تقرير التصوف السنى تحول الانكار ليكون على المتطرفين الصوفية أصحاب الإعلان عن وحدة الوجود والحلول والاتحاد والمتطرفين فى الانحلال الخلقى . وقد تعرضنا لذلك بالتفصيل فى كتاب ( الحياة الدينية فى مصر المملوكية بين الاسلام والتصوف) فى الجزء الأول والجزء الثالث . نتوقف هنا مع (عدم الاعتراض) التى نشرها فى مصر المملوكية .
أقـــوال الصوفية في عدم الاعتراض والإنكار
إهتم المتصوفة في العصر المملوكى بمبدئهم فى عدم الاعتراض ، فدعوا للتسليم لهم بحالهم ، وزادوا في ذلك إلى عدم الانكار على العصاة منهم ، وتوسعوا فدعوا الى عدم الانكار على غيرهم من العصاة الآخرين ، ثم شملوا أهل الكتاب برعايتهم فأوصوا بعدم الاعتراض عليهم أيضا .ونعطى بعض التفصيل :
1ــ ممنوع على المريد أن يعترض على شيخه ، وصار من الأمثال الشعبية المصرية الصوفية الأصل ( من إعترض فقد انطرد). وإحدى مقامات الطريق (حفظ خاطر المشايخ وعدم الاعتراض عليهم ) وأوصى الشعراني المريدين بالتسليم للأولياء والتصديق لهم في كل ما يخبرون به في حق الوجود ) واعتبر أبوعلي الدقاق أن من دخل في صحبة الشيخ ثم اعترض عليه فقد نقض عهد الصحبة ) واعتبر الدشطوطي أن كثرة الاعتراض( بُعدا عن حضرة الله ) ولا غرو فإن( من صفات المريد الصادق ترك الاعتراض على الشيخ في الظاهر والباطن في ليل او نهار او غيبة او حضور ) ..
2ــ ومن المريدين التفتوا للآخرين فدعوهم لعدم الانكار علي الأولياء ،وحذروهم بالقول واللعن والخواص دعا (لعدم الانكار على الولى ) او على (أرباب الأحوال (أى المجاذيب ) خوف الهلاك والمقت ) ، وقال أبو عثمان (لعن الله من انكر على هذا الطريق ، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل : لعنة الله عليه) . وحذّر أبو المواهب الشاذلي من ينكر على الأولياء بأنه (لا يفلح أبدا) ذلك ان أبا المواهب الشاذلى إشتهر بكثرة مزاعمه بأنه يرى الرسول فى المنام ، فأنكروا عليه ذلك ، فزعم أن الرسول قال له في المنام : (وعزة الله وعظمته من لم يؤمن بها أوكذّبك فيها لا يموت الا يهوديا أو نصرانيا او مجوسيا )
3 ــ والشعراني يجعل من نفسه مثلا يدعو الآخرين للاحتذاء به، فهو يفتخر بكثرة أدبه وتعظيمه لكل من لبس زى الفقراء ( أى الصوفية ) وخوفه من فعل أي شيء يغيّر قلوبهم عليه حتى لا تحبط اعماله وان كانت مثل الجبال. وأوصى بحسن الظن في الفقراء وحسن التأويل لأحوالهم ) وهكذا تطرف الشعرانى فجعل الاعتراض على الأولياء جريمة تُحبط العمل الصالح ، مثل جريمة الشرك بالله جل وعلا. كل ذلك لحماية الأولياء الصوفية ...
4ــ وارتبط ذلك بالدعوة للتقليد وتجريم مناقشة المريد لشيخه ، مع إعطاء الشيخ منزلة الله جل وعلا. يتضح هذا من قول الشعرانى : ( فإذا قال المريد لشيخه (لِمَ) لا يفلح في الطريق بإجماع المشايخ وهي إساءة أدب في حق الله ..؟ ) . وبهذا أصبح التقليد دينا صوفيا يلتزم به أكابر الأولياء ، قال الشعراني : (لا يخرج أحد من الكمّل عن التقليد ، لأن التقليد هو الأصل ) واذا كان هذا حال (الكمّل) فكيف بالآخرين .؟؟ . والشعراني يقول عن عن نفسه أنه يصدق كل ما يروى عن الصالحين( وان إحالة العقل ) أي مهما نسبوا لأنفسهم او نسب غيرهم اليهم كرامات او منامات ينكرها العقل فهو يؤمن بها.
5 ـ وابن الحاج كفقيه سُنّى انكر تقليد الناس للبدع الصوفية البعيدة عن السنة المتوارثة ، وقال عنهم ( فإن طالبته بالدليل الحق لم يقدر على ذلك ، إلا انه يقول : نشأت على هذا ، أو كان والدي وشيخي وجدي وكل من اعرفه على هذا المنهج ) . كان هذا فى القرن الثامن الهجرى . وفي عصر الشعراني فى القرن العاشر تم الانقلاب وصار التقليد هو السنة المتبعة المرعية حتى أنه يقول : ( يجب على الأخ ألاّ يقر اخاه على بدعه وإلا يتركه خوفا على نفسه ) فالإنكار عليهم أصبح في نظره بدعة خرجت عن مألوف العصر تستوجب الحذر والخوف، ففى عصر الشعرانى أصبح التصوف هو الأصل وأصبح الاعتراض عليه هو الخروج على سنة العصر ومفهومه فانقلبت المفاهيم . والشعرانى كمدافع عن الصوفية ودارس للفقه استخدم مصطلحات الفقهاء في حربه للفقهاء المنكرين عليه ، ومن ذلك أن عباراته صيغت بحيث لا يعترض عليها أحد من حيث المبدأ خاصة إذا فصلت عن السياق، مع أنه يقصد بها الدفاع عن الصوفية . .
6 ــ واستخدم الصوفية الحرب النفسية بتهديد المعترضين بكراماتهم ، واستغلوا اعتقاد العصر في كراماتهم ، كما إستغلوا ما كان يتكرر فى العصر المملوكى كل عام تقريبا من العزل والقتل والسجن والتعذيب ، واستغلوا الأحوال العادية من المرض والموت ــ وأوهموا الناس ان ذلك حدث بسبب اعتراض المصاب عليهم . ولا تكاد تخلو كتب المناقب والمزارات من سبك وصناعة كرامات فعلت الأعاجيب بالمنكرين . ومن الطريف أن احد المنكرين على ابن الفارض مات في طريق الحج ــ وهذا شيء عادي جدا ــ إلا انهم صوروا موته على انه (بسبب كلامه في ابن الفارض ) . وقال الشاذلي مهددا من يعترض على ( أحوال الصوفية ) : ( من اعترض على أحوال الرجال فلا بد ان يموت قبل اجله ثلاث موتات ، موت بالذل ، وموت بالفقر ، وموت بالحاجة الى الناس ، ثم لا يرحمه منهم ) . وهذا القول يعكس حدة غضبهم على المعترضين ، والشعور بالتأليه . وقال الشعراني (ما رأينا أحد قط أذى الصالحين وأنكر عليهم بغمر طريق ومات على نعت الاستقامة ) والصالحون في عرف الشعراني هم الصوفية .وإيذاؤهم هو الاعتراض عليهم .
6ــ وتطورت الدعوة من عدم الاعتراض على الأولياء الصوفية الى دعوة الصوفية إلى عدم الاعتراض على المسلمين العاديين ، أو ( آحاد المسلمين ) فدعا الشعرانى الى عدم الاعتراض على (آحاد المسلمين أسوة بالمشايخ ،ولاحتمال أن يكون أحدهم وليا مستورا) .وليس مهما ان يكون الفرد عاصيا ، فقد افتخر الشعراني بانه لا ينكر على أي عاص ( أدبا مع الله ) ، وهذا نابع من عقيدة الصوفية فى ( وحدة الفاعل ) والتى عرضنا لها فى كتاب ( العقائد الدينية ) ووحدة الفاعل عندهم تنسب المعصية لله جل وعلا ، وليس للشخص العاصى. وبهذا يرفض الشعرانى الاعتراض على الشخص العاصى أدبا مع الله ، لأن الشعرانى يؤمن أن العصيان وقع من ( الله ) وليس من الشخص . تعالى الله جل وعلا عن ذلك علوا كبيرا.
7 ـ ثم يتطور الأمر الى التحذير من الاعتراض على اليهود والنصاري، واحتال لذلك بدعوى انه اعترض على يهودي فأصبح مثله يهوديا (من عصر يوم الجمعة إلى ثاني يوم الظهر ) وقال إن هذا وقع لبعض العارفين ( ومكث على الكفر سنين ...) وقال (أن أحمد الزاهد اعترض على نصراني فتحول نصرانيا (حتى ندم وانتحب فرجع الى عقيدته) ..
8 ــ وأمتدت حمايتهم الى أصحاب الشذوذ الايجابى والسلبى ، فدعوا إلى عدم الانكار علي (محبي الغلمان ملاح الوجوه وعدم سوء الظن بهم ) على حد قول الشعراني الذي يفخر بأنه لا يعترض على (المخنثين لأنهم أصحاب امراض فربما ازدراهم أحد فابتلاه الله بمثل ما ابتلاهم به )
وتحذير الصوفية من الاعتراض( على آحاد المسلمين أسوة بالمشايخ ولاحتمال أحدهم وليا مستورا ) لم يكن ذلك حبا في آحاد المسلمين او رفقا باليهود والنصارى ، وإنما كان حماية لانحرافات طوائف الصوفية الذين اشتهروا في هذا المجال ، مثل الأحمدية والبرهامية الدسوقية والمطاوعة والقلندرية . ويتضح ذلك فيما يرويه الشعراني عن نفسه فقد انكر (على ما يفعله القلندرية في زاويتهم) يقول بزعمه (فإذا بشخص متربع في الهواء يقول لي: تنكر على القلندرية وأنا منهم .؟ فتركت الانكار).
وقيل في أولاد الشيخ أحمد المعلوف أنهم كانوا على غير نعت الاستقامة ) ومع ذلك أشاعوا أن انتقام البدوي حل على من ينكر عليهم ، وكان الخواص أكثر صراحة حين دعا على عدم الطعن في ولاية من لم تظهر عنه اعمال صالحه ) وعدم الاعتراض على الولى الصوفى الذي (يأخذ من الظلمة مالا )
9 ـ ومن الطبيعي ألا يستجيب لذلك الفقهاء السنيون الحنابلة المنكرون على صوفية عصرهم ، فابن تيمية نعى عليهم دعوتهم إلى عدم الانكار على الأولياء العُصاة الواقعين فى الكبائر ، يقول ابن تيمية : (رغم تركهم الصلاة المفروضة وأكلهم الخبائث وفعلهم الفواحش وظلم الناس وقتل النفس بغير حق والشرك بالله ) .
10 ــ وبعد ذلك يحق لنا ان نتشكك في جدية طريقة الصوفية لإزالة المنكر والتي هي (الإنكار القلبي والتوجه إلى الله تعالى في إزالته ، فتلك طريقة العارفين او على حد قول المتبولي (تغيير المنكر باليد للولاة، وتغييره باللسان للعلماء وتغييره بالقلب للفقراء ) .... فذلك الإنكار القلبي ــ حتى مع التسليم بوجوده فعلا ــ لا يتناسب مع مكانة الصوفية ونفوذهم في العصر كما لا يتناسب مع دعوتهم الجدية لعدم الاعتراض ولو بالقلب . وأجدى ان نضع في الاعتبار كثرة انحرافات طوائفهم وخشية المحققين منهم على سلامة الطريق الصوفي وتحصينه من إنكار خصومهم الفقهاء..وحقيقة إنكارهم القلبي تظهر في قول أبى المواهب الشاذلي (ان كان ولابد للمريد من إزالة المنكر فليتوجه إلى الله بقلبه ) ونتمعن قوله )ان كان ولابد للمريد ....) ذلك ان من شان المريد في رأي أبى المواهب (ألا يتصدر قط لإزالة منكر ) .
11 ــ على أن بعض الكبار من الصوفية استخدم نفس الأساليب الصوفية للتحذير من إزالة المنكر ، كالمنامات التي يؤمن بها المريدون ، فيروي ان إبن على وفا ــ مثلا ــ قد همَّ بالإنكار على عاص فسمع هاتفا يقول له (نحن خلقناهم وشددنا أسرهم) ، أما أبوه ( على وفا ) فقد اعتبر الساعي في إزالة المنكر معترضا على الله في احكامه ، طبقا لعقيدتهم فى ( وحدة الفاعل ). واستخدم البعض سلطته في حماية المنكر فروى أن مريدا من أتباع الشيخ مدين كسر جرة خمر فأخرجه الشيخ مدين من الزاوية ..
11 ــ ولم يضع جهد الصوفية عبثا ، فقد انبهر الرحالة والوافدون الى مصر من الحرية السائدة فى الشارع المصرى المملوكى ، فيقول الرحالة ابن ظهيرة أن من محاسن مصر (عدم الاعتراض على الناس فلا ينكرون هم ولا يحسدونهم بل يسلمون لكل أحد حاله ، العالم مشغول بعلمه والعابد بعبادته والعاصي بمعصيته ، وكل ذي صنعة بصنعته ، ولا يلتفت احد إلى احد ، ولا يلومه بسبب وقوعه في معصية أو نقيصة ) . وابن خلدون تعجب هو الآخر من احوال مصر حين أتى اليها ، يقول المقريزى عن المصريين: ( ومن اخلاقهم الانهماك في الشهوات والامعان في الملاذ وكثرة الاستهتار وعدم المبالاة. قال لي شيخنا عبد الرحمن بن خلدون : اهل مصر كأنما فرغوا من الحساب) ويقول عن القاهرة والصوفية بها ( والفقير المجرد فيها مستريح من جهة رخص الخبز وكثرته ، ووجود السماعات والفُرج ( أى المنتزهات ) في ظواهرها ودواخلها، وقلة الاعتراض عليه فيما تذهب إليه نفسه، يحكم فيها كيف يريد من رقص في السوق وتجريد او سُكر من حشيشه أو غيرها او صحبة مردان ( أى شذوذ جنسى مع الصبيان ) وما أشبه بخلاف غيرها من بلاد المغرب).. ، (ولا يُنكر فيها إظهار اواني الخمر ولا آلات الطرب ذات الأوتار ولا تبرج النساء العواهر وغير ذلك مما ينكر في غيرها من بلاد المغرب ، وقد دخلت في الخليج الذي بين القاهرة ومصر .... ورأيت من العجائب، وربما يقع فيه قتل بسبب السكر وهو ضيق ، عليه في الجهتين مناظر كثيرة بعالم طرب والتهكم والمخالفة ) والنّص ليس بحاجة إلى التعليق....
الخضوع والخمول والتذلل :ــ
1 ــ بالتصوف عرف العصر المملوكي الخضوع والتسليم للأولياء الصوفية والحكام ،ويكفي اطلاق (الفقر) على صوفية العصر المملوكي وافتخارهم بهذا اللقب مع ما فى الفقر من ذلة وانكسار واحتياج للأخرين ، وتأليفهم و نشرهم حديثا يعبر عن الذلة والمسكنة هو ( اللهم أحينى مسكينا وأمتني مسكينًا واحشُرني في زُمْرَةِ المساكين) وصاغوا على منواله حديثا آخر يقول (اللهمَّ أحيني فقيرًا وأمتني فقيرًا واحشُرني في زُمْرَةِ الفقراء ) .
2 ــ إنّ عزة المسلم الحقيقى في طاعته ربه وإيمانه به جل وعلا الاها لا شريك له ، بحيث لا يذل نفسه لسواه ، وفى نفس الوقت فهو لا يتكبر على بشر مثله ولا يتكبر على الضعاف بل يتطامن لهم ويتواضع . والإسلام دين العقل المتفتح، والمؤمن فيه ليس امّعه يقلد الآخرين ويعيش خاملا، بل هو فعال للخير يتعاون على البر والتقوى .إن الله جل وعلا جعل الذلة والمسكنة قرينة بغضبه على العُصاة من بنى اسرائيل وأهل الكتاب ، فقال جل وعلا:(وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ)(61) البقرة ) ( ضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلاَّ بِحَبْلٍ مِنْ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنْ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الْمَسْكَنَةُ ) (112) آل عمران )، بينما جعل العزة من نصيب المؤمنين مرتبطة بعزة الله جل وعلا ورسوله ، ولكن المنافقين لا يعلمون: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ (8) المنافقون ). إن الايمان بالله جل وحده إلاها لا إله غيره يعنى أن يكون الفرد عبدا للخالق وحده ، وليس عبدا لمخلوق مثله ، وهذا فى حد ذاته فخر للمؤمن وعزّ له . والوقوع فى الشرك وتقديس البشر يؤسس الوضاعة والذلة والمسكنة داخل الفرد المُصاب بهذا الدين الأرضى . ومن هذا التذلل الدينى يمتد التذلل ( الاجتماعى ) ليصبح قيمة اجتماعية بسيطرة هذا الدين الأرضى ، فالذى يركع أمام رجل الدين الأرضى لا يجد غضاضة فى سجوده للمستبد وأصحاب السلطان . وهذا ما ساد فى العصر المملوكى .
3 ـ والشعراني كان أكبر داعية للرضى بالظلم المملوكى ، وهو ــ كالعهد به ــ خير من يمثل دين التصوف المملوكي. وفي كتاباته يخلط بين الدعوة للخضوع للظلمة مع الخضوع للأخرين والتسليم وما ينتج عن ذلك كله من خمول، و يحتال لذلك بالمنطق المعوج مع التحذير والتخويف، كقوله :( اخذ علينا العهود ان نعلم إخواننا طريق الخلاص إذا قام عليهم قائم يؤذيهم ، وذلك بأن نأمرهم أن يحسنوا الى من قام عليهم بالدنيا والخلق والخدمة وليس هذا من الأمور المحرمة .. فمن عقل العاقل ان يذل ويخضع ويحسن الى من يشوش عليه ، ولو لم يكن بيده إلا لقمة واحدة دفعها إليه ، وذلك لأن جوع الانسان مع هدوء السر أحسن من شبعه مع النكد ، والذي حرّك النكد هو الذي بيده تسكينه، فهو أولى بالإعطاء من الحاكم الذي يريد ذلك المظلوم ان يحتمى به . ويقع للكثير من ضعفاء العقول أنهم يحرمون الخصم ويطعمون الحكام ، ولو انهم قد أعطوا الخصم بعض ما اعطوه للحاكم لربما سد باب الأذى ) . وبالمنطق نفسه يستدل الشعراني برأي الخواص في تفصيل العبد القن على العبد المُكاتب الساعى لشراء حريته من سيده ، يقول: (لأن المُكاتب ساع في خروجه من رقّ سيّده ودخوله في رق نفسه وشهوته ، والعبد يُحمل إليه رزقه وهو في رق سيد واحد ، والمُكاتب يسعى في طلب رزقة ثلاثة : سيده ودينه ونفسه ) .
4 ــ والواقع ان علامة الصوفى ــ قبل الشعراني ــ تمثلت في قدرته على تحمل الأذى من القول بالغا ما بلغ ، فى نظير بلوغه هدفه. وقد لفت ذلك نظر ابن الحاج المغربي حيث سجل أن عادة الصوفية في الرباطات استقبال الضيف بالشتم والإيذاء ، فاذا تحمّل وتجلّد عرفوا صدق صوفيته، فادخلوه..)
الخـــمــــول : ــ
1 ـ ومن الطبيعي ان يكون داعية التواكل هو داعية الخمول، فابن عطاء يقول في حكمه المأثورة ( ادفن وجودك في أرض الخمول ) .. وفي نطاق دعوة الشعراني خلط بين التواكل الخمول ، وتمسح بالدين كعادته ، فجعل من أخلاق من أسماهم بالسلف الصالح (تقديمهم السلامة على الغنيمة ، من حيث رفض الدنيا وفراغ يدهم منها، فكانوا يقدمون فراغ يدهم من الدنيا على جمعها وانفاقها في سبيل الله تعالى خوفا ان يُنعوا منها حقها ) ..والشعرانى لا يقصد بالسلف ( الصالح ) الصحابة والتابعين فى القرن الأول الهجرى ، ولكن يقصد السلف (الصالح) من شيوخه رواد التصوف . ومصطلح ( السلف الصالح ) على أى حال كذبة كبرى ، إعتاد الناس إبتلاعها دون التفكر فيها ، شأن أساطير كثيرة فى الأديان الأرضية تعيش متمتعة بالتصديق والتقديس لأنها فى مأمن من النقد والتمحيص .
2 ـ ونعود للشعرانى ، وهو يخلط التذلل بالدعوة للخمول في قوله : (أخذ علينا العهود أن تشهد مقامنا الحقيقي دائما كأنه دون مقام كل مؤمن ، فكأنه في التمثيل بالمحسوسات هو التراب الذي تطؤه الاقدام وتتبول عليه الكلاب ، ولا ترفع رؤوسنا عن الأرض ساعة من ليل او نهار . ومن فوائد هذا العمل ان صاحبه اذا وقع لا ينكسر ، لأنه جالس على الأرض بخلاف من رفع نفسه فوقها فإنه ربما ينكسر اذا وقع بقدر ما رفع نفسه . ) واستشهد بوصية أحمد الرفاعي لأتباعه : ( كونوا ذنبا ( ذيلا ) ولا تكونوا رأسا فإن الضربة اول ما تقع في الرأس) وبقوله للحاضرين (انظروا الى هذه النخلة لما قامت بصدرها جعل الله ثقل حملها عليها ولو حملت ما حملت لا يساعدها احد بخلاف شجرة اليقطين (القرع) لما مدت خدها على الأرض جعل الله ثقل حملها على غيرها ولو حملت مهما حملت لا تحس به ) ..
3 ـ ويرى باحث ان الشعراني لا يميل للحض على الأعمال الإيجابية التي تستلزم جهودا في نضال البقاء ، بل اعتبر الكثير منها خروجا على الطريق كالشجاعة والاقدام ومقاومة الظلم، ويرى أن الأخلاق التي روج لها بين مريديه هي اخلاق العبيد ..
4 ــ وخمول التاريخ المصري في القرن التاسع وبداية العاشر يكاد يظهر في كل صفحة من تاريخ ابن اياس المعبر عن الرأي العام الشعبي ، والباحث فى تاريخ ابن اياس لا يرى حدثا هاما ، ويصطدم بتكرار قوله ( وأشيع بين الناس ) ، اى سريان الاشاعات فى شعب لا نشاط له سوى النميمة وتبادل الأقاويل . وسارت الأحوال على هذا النمط الرتيب البطىء الى أن جاء الاصطدام من الخارج بدخول السلطان الغورى فى العراك بين اسماعيل الصفوى وسليم العثمانى ، وما ترتب عليه أخيرا من فتح العثمانيين لمصر وتحولها الى ولاية عثمانية . ولم يحمل الفتح العثمانى جديدا يغير مسيرة المجتمع المصرى فى العصر العثمانى ـ بدليل أن العثمانيين أنفسهم إعتنقوا التصوف السنى على أنه الاسلام ، وحملوه شعارا فى غزوهم لأوربا، وأن أساطين التصوف المصرى ظل نفوذهم ممتدا بعد الاحتلال العثمانى ، وأبرزهم الشعرانى المخضرم الذى عاش أواخر العصر المملوكى وعايش العصر العثمانى ، وكتب معظم مؤلفاته فى هذا العصر العثمانى ومنها عن القيم الصوفية كالتواكل والخمول .
5 ــ لذا أثرت كتابات الشعراني في تشكيل نفسية الشعب في العصر العثماني مع كثافة التصوف والجهل ، ولفت ذلك نظر كلوت بك الباحث الأجنبي فقرر أنه (لو تُرك المصريون وشانهم أخلدوا إلى البطالة والكسل وتراموا في أحضان الدعة والخمول ، أي انه اذا لم تستفزهم إلى العمل إرادة فعالة وهمة نشيطة آثروا قضاء حيلتهم في البطالة التامة ، فالنظر إلى المستقبل لا يمتد عندهم إلى أبعد من الغد ) .أي انهم استجابوا لدعوة الشعراني ، وعبر عنهم وآثر الراحة لنفسه ولهم . فالقيم الايجابية ترهق الداعي لها كما ترهق عصره .
المعادلة الأولى للتصوف هى تلك القيم التى جعلت المحكوم مطية طيّعة للحاكم ، تعززها المعادلة التالية وهى حق الحاكم فى إحتكار الظلم للمحكوم وممارسته هذا الظلم كشعيرة دينية،وهذا هو موضوعنا التالى.





بالتصوف الذى نشر الخنوع : إحتكر الحاكم الظلم ومارسه كشعيرة دينية
بين (التصوف المملوكي) (والظلم المملوكي)
1 ـ يلفت النظر ما يلاحظه الباحث في العصر المملوكي من ازدهار مضطرد لظاهرتين هما التصوف والظلم ، ويلفت النظر أيضاً انعدام الثورة المصرية على ذلك العسف المملوكي الذي يتزايد بتزايد الوقت وبازدياد عدد الداخلين في التصوف مما يجعل أصابع الاتهام تشير إلى رجالات التصوف المملوكي بحكم نفوذهم على المظلومين وتعاونهم مع الظالمين .. العصر المملوكي قد مر بدون ثورة تستحق الذكر مع ما تحمله المصريون من عسف تلك الطبقة المملوكية الغريبة ، فالمنطق يحتم أن يكون الدين في هذا العصر مؤثراً في ذلك السكوت المريب على الظلم. وقد كان التصوف زبدة الشعور الديني السائد في ذلك العصر. ولكن التصوف شيء والإسلام شيء آخر؛ فالإسلام حرم الظلم والرضي به والاستكانة له مع القدرة على مواجهته .
2 ـ ولكن أولياء التصوف طبقوا دينهم الصوفى ، فقاموا بدور خطير في إخماد الثورات المصرية ببث الخنوع والنفاق في نفسية الشعب ، واستخدموا الدين نفسه في إخضاع الرقاب للظلمة، ولماذا يثور الناس وهم يعتقدون أن ظلم الحكام هو كله من عند الله وأن الحاكم هو مجرد سوط يعذب به الله الناس ، كما علمهم صوفية ذلك العصر ..!.
الظلم في العصر المملوكي : ــ
1 ـ والظلم في العصر المملوكي نتيجة واقعية لحكم عسكري غريب عن الشعب ومتحكم فيه اعتماداً على طائفة صوفية استحوذت على اعتقاد الشعب وتقديسه ــ وهذا في حد ذاته غريب عن عقائد الإسلام ــ فجني الفريقان ـ المماليك والصوفية ـ الغُنم ودفع الشعب الغُرم في الدنيا والآخرة معاً..
2- وقد تفنن المؤرخون للعصر المملوكي في وصف أنواع الظلم وطوائف الظلمة .
فالأمير أرغون شاه وصفه أبو المحاسن بأنه من (الظلمة الغشمة الفسقة عارف بفنون المباشرة وتنويع المظالم ) ، أتى أنه خلط بين المباشرة والمظالم ووصف الأمير المملوكي بالخبرة في الظلم. ومع ذلك فإن المؤرخ أبا المحاسن وهو مؤرخ من أصل مملوكي يدافع عن السلطان المؤيد شيخ بأن للسلطان أن يقتل من اختار قتله ،
أما ابن إياس وقد كان رشيق الثقافة فقد مدح السلطان أينال بأنه لم يسفك دماً قط في أيام سلطنته " بغير وجه شرعي " وقال (وهذه من النوادر الغريبة ) ، وقوله ( بدون وجه شرعى ) مضحك ، لأن الشرع الشائع وقتها يجعل من حق السلطان قتل من يشاء . هذا علاوة على قيام السلاطين بتسخير القضاة لمآربهم وإعدام خصومهم .
3- ولا تكاد تخلو ترجمة لمملوك من الإشارة لظلمه وقسوته. ويكفى أن يراجع المرء بضع ورقات من أي حولية مملوكية ليسمع أنات المظلومين . أما الجند العاديون ممن حرموا الترجمة المستقلة في كتب الحوليات فقد وجدوا في الفتن وسيلة لنهب الناس وإرتكاب الفسق بالنساء والصبيان والقتل . وليس ذلك بالشيء الهين، فالفتن المملوكية كانت مستمرة خاصة في أوقات مرض السلطان واحتضاره أو في غيبته . وابن إياس كمؤرخ شعبي خير من يمثل هذا الحال ، يقول في حوادث سنة 872 يصف الأحوال وقت احتضار خشقدم ( ... هذا كله جرى والسلطان (خشقدم) في التلف والإشاعة قائمة بموته والقاهرة في اضطراب ليلاً ونهاراً .. والمشاعلية تنادى بطول الليل بالأمان والاطمئنان وأن أحداً لا يخرج من داره من بعد العشاء ، وكان كل من رآه يمشى من بعد العشاء تقطع أذنيه ومنخاره أو يضربه بالمقارع، فاستمر الحال على ذلك نحو من عشرين يوماً والناس في اضطراب) . وعد ابن إياس (من جملة ألطاف الله تعالى أن في غيبة السلطان (قايتباي في الشام 882 ) لم يقع الخلاف بين الأمراء بل كان الأمان والاطمئنان في القاهرة وجميع ضواحيها حتى عد ذلك من النوادر) .
4- والمصادرات من أبرز مظاهر الظلم يقول المقريزي في حوادث سنة 814 (وفيه شنعت المصادرات بالقاهرة وفحُش أخذ الأموال من الناس ، حتى خاف البريء وتوقع كل أحد أن يحل به البلاء) وأصبحت المصادرات حقاً عرفياً للسلطان يعاقب به من يشاء، فصادر برقوق ميراث أحد التجار وحرم الورثة منه ( فكان هذا أول شيء حدث من المظالم العظيمة من برقوق، واستمر يفتح من أبواب المظالم شيئاً بعد شيء) . وقُبض على ناظر الخاص ابن البقري وهو واقف في الخدمة لأن نساءه اجتمعن في داره لفرح وعليهن من اللؤلؤ والجواهر والذهب والحرير ما يجل قيمته فصادر برقوق ذلك كله فبلغ نحواً من مائتي ألف دينار .. وضرب ابن البقري بالمقارع وأخذ منه ما يقارن الثلثمائة دينار .
ويقول ابن إياس عن حوادث سنة 875 (وفيه وقعت فيه نادرة غريبة وهي أن السلطان (قايتباي) أعاد إلى جماعة ما كان أخذه منهم من المال ما صادرهم) وقال ( ولكن فعل بعد ذلك بالمصادرات وأخذ الأموال ما يعجز عنه الواصفون). وعدّ ابن إياس من النوادر أيضاً أن قايتباي أعطى ورثة نجار فقير مائة دينار لأنه سقط فمات أثناء عمله بالقلعة وأن السلطان شمَّت كاتب السر حين عطس .ومع ذلك فإن قايتباي كان من خيرة السلاطين المماليك .
5 ـ والظلم مؤذن بالخراب وقد بلغ عدد الحائكين في عهد برسباي ثمانمائة بالإسكندرية بعد أن كانوا أربعة عشر ألفاً. يقول أبو المحاسن ( فانظر إلى هذا التفاوت في هذه السنين القليلة ، وذلك لظلم ولاة الأمور وسوء سيرتهم وعدم معرفتهم كونهم يطعمون في النزر اليسير بالظلم فيفوتهم أموال كثيرة مع العدل .والفرق بين العامر والخراب ظاهر) . وبعد أن ذكر المقريزي أنواع المكوس والمظالم في عهده قال: ( ولعمري لقد سمعت عجائز أهلنا وأنا صغير يقلن: أنه ليأتي على الناس زمان يترحمون فيه على فرعون)(ولقد وقع ما أنذرنا به من قبل ولله عاقبة الأمور) ..
6 ـ والظلم في القرى كان أشد إيلاماً ولكن قلما تتعرض له المصادر التاريخية التى تركز على السلطان وحاشيته والقاهرة . وتردد في كتاب( هز القحوف) قصص عن خوف الفلاحين من انكسار مال السلطان . وفي حوادث سنة 817 (أظهر الأستادار المظالم في البلاد حتى شتت الفلاحين وأخرب البلاد وجبى الأموال بالعسف وسار به للسلطان) .
7 ــ وبسبب ذلك الظلم الفادح كان الكثير من الفلاحين يهربون من قُراهم . وسُنَّت لذلك عقوبات صارمة توقع على الهاربين ، ومع ذلك فإن كثيراً منهم نجح في الهرب وصار من الصوفية فاستفاد بهم التصوف وضم كثيراً منهم ، ففي مناقب الحنفي أخبارهم ومعاناتهم في القرى قبل تصوفهم . ووجد آخرون في أروقة القاهرة وحاراتها ملجأ للهرب حتى أنه نودي في القاهرة بخروجهم إلى بلادهم (فلم يعمل بذلك) .
8 ـ والأمثال الشعبية في العصر المملوكي تصور يأس الشعب من كل حاكم مهما أعلن عن عزمه على العدل فسينحو نحو من سبقه . وفي المستظرف(لا تفرح عمن يروح حتى تنظر من يجئ) .!!
وفي الأمثال اللاحقة للعصر المملوكي تفصيلات أكثر عن الظلم : ( اضرب البريء لما يقر المتهوم) (حاميها حراميها) (سيف السلطنة طويل). وترسب في الضمير معنى لكلمة (الستر) (واللي سترها في الأول يسترها في التاني) .ولا تزال الأم الريفية تدعو لابنها (الله يكفيك شر الحاكم الظالم).

دور أولياء التصوف في إرساء الظلم:

وضح هذا الدور في الكتابات الصوفية في الدولة البرجية حيث عم التصوف المملوكي والظلم معا إلى درجة صرحت معها المصادر الصوفية بما يصح وصفه بسياسة الصوفية في مساندة الظلم والظلمة .ويمكن أن تتبين ملامح هذا التأييد في خطين متوازيين: الأول :مناصرة الظلمة ونفاقهم . الثاني: دعوة المظلومين للرضا والخنوع ثم دعوتهم لنفاق الظلمة وصبغ ذلك كله بالدين وهو منهم برئ ...
وسنعرض لذلك بالتفصيل : ـ
أولا : ـ مناصرة الظلمة ونفاقهم :ـ
1 ـ وقد حرص المماليك في وثائق الوقف على المؤسسات الصوفية على إلزام الصوفية المعينين فيها بالدعاء لهم والاستغفار من أجلهم ليمارسوا الظلم وهم آمنون من غضب الله حسبما يعتقدون .
2 ــ وتمتعوا مع ذلك برضا أعوانهم من أولياء التصوف وحمايتهم في الدنيا والآخرة بزعمهم. وقد صرح أحدهم بالمغفرة للوالي مع ظلمه واعتاد آخرون أكل طعام الظلمة ، واجتهد الشعراني في تلمس الأعذار لهم وعدم الاعتراض عليهم .
وتطوع المتبولي بصحبة الولاة(والأخذ بأيديهم في الشدائد دون مقابل)كما يروى الشعراني الذي يذكر أن العهود أخذت عليه بأن(نحوط جميع الولاة على اختلاف مراتبهم صباحا ومساءاً.. حتى لا ينزل عليهم بلاء) وافتخر بأنه موضع سر الولاة وأنه(لا يفشي سر من صحبه من الولاة إذا قربه وشاوره في أموره) وافتخر بمولاته (لمن والى الإمام الأعظم) .
3 ــ واستند الظلمة من ناحيتهم لمشاهير الصوفية المملوكيين فورد في مناقب الحنفي أن "ابن التمار هو من الظلمة المباشرين كان مستندا للفقراء البسطامية ولهم شيخ مبارك يعرف بالبسطامي)
4 ـ واتخذ الظلمة من هذا التحالف ذريعة لزيادة الظلم واعترف الشعراني بهذا فيقول(أكثر الحكام يظلم وينهب ويجور ويبلص ويهلك الحرث والنسل ويقول ما دام الشيخ طيباً علىَّ ما أخاف) .
وهكذا تقربوا لأولئك الأولياء (ولسان حالهم يقول ما دام سيدي الشيخ يدعو لنا وهو حامل حملتنا لا نبالي ولو ظلمنا العباد والبلاد) .
5 ـ ومن الطبيعي أن ينجو حلفاء الظالمين من ظلم الحكام ، فالشعراني نفسه الذي شهدنا رفقه بولاة الأمور وموالاته لهم يفخر ( بحماية أوقاف زاويته من الظلمة) في وقت اشتد فيه الظلم على كاهل الآخرين .
6 ـ وهكذا لم ير الظلمة من المماليك تعارضاً بين الظلم والدين، حيث أن ممثلي الدين في نظرهم يباركون ظلمهم للناس ، فلم يعد غريباً أن نقرأ في ترجمة الأمير تمراز أنه كان (يظهر التدين ويقرأ القرآن وبه بطش وظلم وجبروت وكان يعاقب العقوبة الشديدة المؤلمة على الذنب الصغير)
أما يلبغا السالمي فكان يضرب المظلوم (..ثم يصلي ثمان ركعات مع إطالة ركوعها وسجودها ولا يجسر أحد أن يترك الضرب دون فراغه)
ويصور الشاعر الحراتي هذه الحالة الفريدة في أبياته
قد بلينا بأمير ظلم الناس وسبح
فهو كالجزار فينا يذكر الله ويذبح
وتقول الأمثال الشعبية في العصر المملوكي (فم يسبح وقلب يدبح)
7 ـ (ا ) ومن ناحية أخرى قام بعضهم بنفاق الظلمة فالبوصيري الشاعر الصوفي المشهور تغالي في مدح المماليك وهجاء العرب ومدح الشجاعي أحد مشاهير الظلمة .
( ب) وتأثر مؤرخو العصر بالتصوف السائد ودانوا به فألفوا كتبا ملأوها نفاقا للسلاطين مثل الروض الزاهر للعيني والدر الفاخر لابن أيبك وتاريخ قايتباي للسيوطي وسيرة قلاوون والألطاف الخفية وغيرها .
( ج) ووضع أولياء التصوف لأنفسهم قواعد لنفاق الظلمة . فالخواص مثلاً كان إذا بلغه أن أمير عزم على زيارته يبادر بالذهاب للأمير ليخفف عنه المشقة ،ويلوم الخواص المظلومين وينافق الظلمة حين يقول (والله لو تولى الخضر عليه السلام أو القطب شيئاً من ولايات هذا الزمان لما قدر أن يفعل مع الناس إلا ما يستحقونه بأعمالهم ... إنما هي أعمالكم ترد عليكم) وكفى بهذا تحريضاً على الظلم . وأمر الشعراني الصوفية إذا اجتمعوا بسلطان أو أمير أو كبير:(أن نسأله أن يدعو لنا ولو كان غير صالح فإن الله تعالى يستحي أن يرد دعاء هؤلاء الأكابر بين قومهم ورعيتهم) وعد من المنن تأدبه مع الأمير الذي للشعراني عليه أيادي (فإنه أتم نظر منه ولذلك ولاه الله البلاد والرقاب) وإذا دخل على أمير لا يذكر له حديث الأمير الذي كان قبله بخير خوفاً من إثارة نفسه حيث يكره أصدقاء الأمير السابق وإن من المنن حسن سياسته للأمراء ويكتب لهم الكلام الحسن ويؤول ذلك في نفسه يقول (وهذا دأبي دائماً في سياسة الولاة إذا علمت أن أحداً منهم ظلم إنساناً لا أجعل ذلك الظلم على علمه وإنما أقول بلغنا أن جماعتك ظلموا فلاناً من غير علمك . وكثيراً ما أقول السلام على الأخ العزيز العبد الصالح فلان ، وأقصد بذلك صلاحه لأحد الدارين الجنة أو النار) .. ونفاق الشعراني للسلطان وأولى الأمر وصل إلى درجة ادعائه المرض وامتناعه عن الأكل والنوم والضحك والجماع إذا ألمّ عارض بالظلمة مواساة لهم ، وقد كان هذا شان شيوخه .
ثانياً : التأثير على المظلومين للرضا بالظلم :
ومن ناحية أخرى حرص الصوفية على دعوة المظلومين للرضا بالظلم والخنوع بل ونفاق المظلومين للظلمة :
1ـ إما بالتخويف : ـ
فأوجب المتبولي على كل من لا يقدر على حماية نفسه من ظلم الولاة ألا يتعرض لإزالة منكراتهم خوفاً من إيذائهم . وأسهب الشعراني في بيان العقوبات التي واجهها من حاول إزالة ظلم الولاة .
2ـ وإما باستغلال الوازع الديني والمنطق المعكوس : ـ
فالشعراني جعل من أخلاق السلف الصالح كثرة الصبر على جور الحكام لأنهم يعتقدون استحقاقهم الظلم نظير ما ارتكبوه من ذنوب ،ويجب أن يتأسى الآخرون بهم (ومن استحق أن يحرق بالنار فصولح بالرماد لا ينبغي له أن يتكدر وأيضاً فإن الظالمين ما ظلمونا حتى ظلمنا أنفسنا أو غيرنا ومن تأمل حال الظالمين في هذه الدار وجدهم من حيث الأداة كزبانية جهنم) وقال الخواص (الحاكم ظل والرعية شاخص فإن كان الشاخص أعوج كان ظله أعوج... فكل من شكا لنا من عوج أميره عرفنا عوجه هو) ،بل إن السلطان الجائر ـ في رأى الخواص ـ (يدخل ضمن قول الرسول عليه السلام: لا تنازعوا الأمر أهله إذ لولا استحقاق الخلق له ما ولاه الحق عليهم). وأوصي الخواص الشعراني ألا يعترض على( من ولاه الله على الناس فإن المولِي له هو الله وألا يتكلم في حق الولاة الظالمين لأن ذلك يسقط أجر الصبر علي ظلمهم) .
3 ـ وأكد الصوفية على تحاشي الدعاء على الظلمة لأن جورهم لم يصدر حقيقة عنهم وإنما صدر عن المظلوم إذ لا يصح أن المظلوم يظلِم حتى يُظلم والحكام إنما مسلطون بحسب الأعمال .
4 ـ فالظالم حكمه حكم السوط الذي يضرب به ومع أن الحق تعالى يقول( لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظُلم.. النساء 148) إلا أن الشعراني جعل من الآداب عدم سب الولاة الظالمين وإن جاروا .
5 ـ بل ومنعوا اغتياب الظلمة : ـ (بعدم الجلوس في مجالس القيل و القال والطعن فيمن ولاه الولاة)( وعدم ذكر مساوئ أكابر الدولة في المجالس واحتمال آذاهم )( وألا يكثروا من اللغو وجرّ قوافي الولاة وغيرهم) .. إلى هذا الحد لم يسمحوا للمظلوم بأي متنفس ..
6ـ وفي الوقت نفسه أوجبوا على المظلومين طاعة الظلمة بما يفرضون عليهم من مظالم ، فالمتبولي كان يوصي التجار بإعطاء(جباة الظلم)(عاداتهم وإلا حصل لكم الضرر أشد ما بخلتم به عليهم) (وكان يقول للتجار الذين يجيئون من الشام إلى مصر أعطوا الظلمة عادتهم) ،وقد أخذت العهود على الشعراني بالمبادرة إلى إعطاء المغارم للظلمة وعدم التشفع في ردها لأن ذلك حماية من الله وسترة للمظلوم. ويقول :( وكان هذا خلق على الخواص الذي كان يزن المغارم كآحاد الناس ويقول إن الله يكره العبد المتميز عن أخيه) ، وتلك دعوة ليتأسى بها المظلومون.
7 ـ ثم أوجبوا تعظيم الظَلَمة وتكريمهم : ـ (أدباً مع الله الذي ولّاهم وحكمّهم فينا) بل أوجبوا تقبيل أيديهم وأرجلهم والقيام لهم في الطريق (إعطاء للمراتب حقها أو دفعاً لشرهم)، وكان الخواص يقول مراراً ( مذهبي القيام للأمراء) . وقد قبّل الخواص قدم المحتسب (أدباً مع الله الذي ولاه) رغم إنكار بعض الفقهاء عليه ذلك . ولنا وقفة مع الفقهاء فيما بعد ..
8 ـ ثم دعا الشعراني المظلومين إلى نفاق الظَلمة وقعّد لذلك القواعد وربطها بالدين الصوفى كعادته .
أ) فيقول :"أخذ علينا العهود أن ندور مع أهل زماننا ونخدع لهم .. ونتلون لهم كما يتلونون لنا .. وأن نأمر إخواننا بأن يدوروا مع الزمان وأهله كيف داروا ولا يزدرون قط من رفعه الله عليهم ولو في أمور الدنيا وولايتها كل ذلك أدباً مع الله عز وجل الذي رفعهم فإنه ما يرفع أحداً إلا لحكمة ."
ب) (ولا ترفع الشفاعة لحاكم إذا كان منحرف المزاج من المشفوع له ولا يقام مولد في أيام نكد السلطان إلا أن يقصد صاحب المولد الدعاء للسلطان بالنصر وإهدائه ما يقرأ في المولد من قرآن .
ج) وألا يمكن أحداً من الأكابر حضور الموالد للأولياء ( فإن ذلك من سوء الأدب ومن أين لأمثالنا من الضعفاء أن يستحق مشي الأكابر إلى داره) .
د) وإذا حبس صديق أو قريب فتؤمر جماعته وإخوانه بعدم كثرة زيارته في الحبس وعدم كثرة إرسال الأطعمة له بل منعهم من ذلك أصلا إن أمكن (وذلك لأن المحبوس كلما ضاقت عليه كلما قصرت مدة حبسه) وليس ذلك في حاجة لتعليق..
هـ)وأخيراً فإن هذا النفاق للحاكم مقصور على أيام حكمه، فإن عزل من ولايته فلا تعظيم ولا نفاق
(لأن التعظيم حقيقة إنما هو للرتب لا للذوات، فمن عظّم أميراً أو صاحب جهة في أيام عزله كما كان أيام ولايته أخطأ وجه الحكمة ونقص مقامه بقدر ما رفع ذلك المعزول) ...
ومع الأسف فإن البيئة الشعبية انقادت لهذه التعليمات بحكم اعتقاها في أولئك الصوفية . وقد ترددت أمثال شعبية في العصر المملوكي تعبر عن هذه الروح الوضيعة التي يأباها الله ودينه ومع ذلك فقد صبغت بمنطق معكوس يسير على النهج السابق لأولئك الصوفية المملوكيين .. ومن تلك الأمثال(الخضوع عند الحاجة رجولية)(الناس أتباع لمن غلب) (سلطان غشوم خير من فتنة تدوم) .
وبعد العصر المملوكي حكيت أمثال أخرى على نفس النمط ( ضرب الحاكم شرف) (علقة تفوت ولا حد يموت)(طاطي لما تفوت)(ما حد يقول يا جندي غطي دقنك).
وكل ذلك للحفاظ على حياة ذليلة ، فإن خسر تلك الحياة ظلماً ـ وكثيرا ما يحدث هذا ـ يقول له المثل حينئذ ـ (المخوزق يشتم السلطان) . وألفاظ الملق والنفاق كثيرة في اللغة الشعبية يلمح فيها أثر الصوفية مثل (در مع الأيام إذا دارت)(إن دخلت بلد تعبد عجل حش وأطعمه)(اللي ما تقدر تواقعه نافقه) (اللي ما تقدر عليه فارقه وإلا بوس أيديه)( الأيد اللي ما تقدر تقطعها بوسها)( بوس الأيادي ضحك على الدقون)(إن كان لك عند الكلب حاجة قول له يا سِيد) ..
وأغلب تلك الأمثلة متأثرة كما يبدو بكتابات الشعراني إلا أن بعضها خرج عن تعليماته بالمثل القائل (السلطان مع هيبته ينشتم في غيبته) فقد منع الشعراني من شتم الظَلَمة واغتيابهم ..

القضية الثانية : التوحش الوهابى بإستحلال الدم وجعله دينا :

جذور التوحش الوهابى : ابن تيمية والحكم بقتل الناس جميعا
مقدمة :
1 ـ قلنا أن التصوف فى العصر المملوكى نشر قيما إجتماعية جعلها دينا ،هى عدم الاعتراض وعدم الانكار، مع الخضوع والخنوع لظلم الحاكم وطغيانه وقسوته بل نفاقه وإعتبار قسوته عقابا إلاهيا على ذنوبهم ، وبالتالى صار الحاكم يمارس ظلمه على أنه ( دين ) .
2 ـ إستمر هذا ساريا حتى ظهور الوهابية فى أواخر العصر العثمانى ، فتغيرت المعادلة ، وحلّ التمرد بين الناس محلّ الخنوع ، وحلّ تغيير المنكر باليد وبالسلاح محل عدم الاعتراض وعدم الانكار ، ولم يصبح الحاكم وحده محتكرا للظلم واستحلال الدماء والأموال والاغتصاب بل صار هذا مُتاحا لم يملك القوة أو يسعى لامتلاك القوة . واصبحت هذه المعادلة الوهابية الجديدة دينا . وصارت الآن اشهر دين أرضى للمحمديين ينشرون به حمامات الدم فى أنحاء المعمورة.
3 ـ على أن هذه المعادلة الوهابية لم تأت من فراغ . كان لها جذور فى حركة ابن تيمية نعرض لها فى الآتى :.
أولا :
إضطهاد ابن تيمية جعل فتاوية تستحل دماء الجميع
1 ـ إنفرد ابن تيمية فى عصره بكونه فقيها حنبليا يبادر بالانكار على ما يراه منكرا ويسعى الى تغييره ، وتكونت حوله مدرسة من أتباعه تواجه متطرفى الصوفية واصنامهم ، وقد حاز بأتباعه شُهرة فى الشام التابع للدولة المملوكية . وبهذه الشهرة أصبح رقما فى المعادلة السياسية المملوكية . وعرضنا لحركته وموقفه من السلطان المملوكى بيبرس الجاشنكير مغتصب الحكم من السلطان ( الشرعى ) الناصر محمد بن قلاوون . وقد رفض ابن تيمية وهو فى سجن بيبرس الجاشنكير الاعتراف بسلطته ، وبعد سقوط الجاشنكير وعودة الناصر محمد ابن قلاوون للحكم تمتع ابن تيمية بالحظوة قليلا ، ومارس نفوذه متسلطا مفتئتا على سُلطة الممليك فأخاف الناصر محمد بن قلاوون . وقد اصبح ابن قلاوون بعد كل ما تعرض له من تسلط أعوانه عليه فى السابق أكثر حساسية ورغبة فى الاستبداد بالحكم . لذا كان سهلا أن يصدق وشاية الصوفية أعداء ابن تيمية عن طموحات ابن تيمية السياسية . .وبهذا فإن الصوفية ــ الذين تخلوا من قبل عن السلطان الناصر محمد بن قلاوون ورقصوا لأعدائه الذين سلبوه سلطته من قبل ــ ما لبث أن رقصوا للناصر محمد بن قلاوون فى دولته بعد عودته ، ورأى الناصر محمد أن سلطته فى إستقرار بوجود الصوفية ، وهى فى خطر مع وجود ابن تيمية ، لذا تخلى ابن قلاوون عن صديقه ابن تيمية ووضعه فى السجن فلبث فيه الى أن مات .
2 ـ كانت هذه هى المحنة الأخيرة فى حياة ابن تيمية فمات فى السجن بعد حياة حافلة بالتمرد والاضطهاد . وانعكس هذا الاضطهاد علي فكر ابن تيمية فكان اكثر حدة في التكفير لخصومه واكثر جرأة في الافتاء بقتلهم .
3 ـ شريعة الاسلام تحصر تشريع القتل فى القصاص فقط مع كون الدية مانعا للقتل قصاصا ( البقرة (178) وهو نفس الحال فى القتال الدفاعى فى الاسلام ، (البقرة 194 ). والله جل وعلا جعلها قاعدة تشريعية تكررت ثلاث مرات تؤكد على حُرمة قتل النفس البريئة التى لم تقع فى جريمة القتل . ( الانعام : 151 )( الاسراء 33 )( الفرقان : 68 ). ولكن شريعة ابن تيميه تستحل دماء الجميع . ونعطى عنها لمحة سريعة :
ثانيا :
فتاوى ابن تيمية فى قتل الصوفية جميعا
1 ـ من الغريب أن ابن تيمية يُحسن الظّن برواد التصوف الأوائل ، بل ويعتقد فى الكرامة الصوفية وشفاعة الأولياء الصوفية . ويعتقد في ولايتهم وكراماتهم وشفاعاتهم يقول ابن تيمية (ان الصوفية مجتهدون في طاعة الله) ويقول عن الجنيد احد ائمة التصوف السابقين (فإن الجنيد قدس الله روحه كان من ائمة الهدى ..)غاية ما هناك ان ابن تيمية يري ان طوائف من اهل البدع قد انتسبوا للتصوف وليسوا منهم كالحلاج . ويعتقد ابن تيمية في كرامات الاولياء حتي فيمن يعتبرهم من أولياء الشيطان .وقد تعرضنا لهذا فى مواضع كثيرة فى موسوعة التصوف .ولكنه فى فتاوية الحانقة يفتى بقتل كل معاصريه من الصوفية ، وبالتالى ينطبق هذا الحكم على المستقبل لدى من يؤمن بأن فتاوى ابن تيميه هى ( الشرع الشريف ) . والوهابيون يؤمنون بأن فتاوى ابن تيمية هى الشرع الشريف .!
2 ـ وبالتالى : هل انت من الصوفية المتطرفين ؟، هل تناصرهم ؟ هل تعتذر عنهم ؟ هل تتعاون معهم ؟ هل تتكاسل عن مواجهتهم ؟ يوجب ابن تيمية عقوبتك بل وقتلك وعدم قبول توبتك . عن الصوفية القائلين بالاتحاد بالله جل وعلا ، يقول ابن تيمية : (وهكذا هؤلاء الاتحادية‏:‏ فرؤوسهم هم أئمة كفر يجب قتلهم، ولا تقبل توبة أحد منهم، إذا أخذ قبل التوبة، فإنه من أعظم الزنادقة، الذين يظهرون الإسلام،ويبطنون أعظم الكفر، ..، ويجب عقوبة كل من انتسب إليهم، أو ذب عنهم، أو أثنى عليهم، أو عظم كتبهم، أو عرف بمساعدتهم ومعاونتهم، أو كره الكلام فيهم، أو أخذ يعتذر لهم بأن هذا الكلام لا يدرى ما هو،أو‏:‏ من قال‏:‏ إنه صنف هذا الكتاب، وأمثال هذه المعاذير، التي لا يقولها إلاجاهل، أو منافق، بل تجب عقوبة كل من عرف حالهم، ولم يعاون على القيام عليهم، فإن القيام على هؤلاء من أعظم الواجبات؛ لأنهم أفسدوا العقول والأديان على خلق من المشايخ والعلماء، والملوك والأمراء، وهم يسعون في الأرض فسادًا، ويصدون عن سبيل الله‏.‏). أى قتلهم حتى لو تابوا .! ويقول : (وبالجملة، فلا خلاف بين الأمة أن من قال بحلول الله في البشر، واتحاده به،وأن البشر يكون إلها، وهذا من الآلهة، فهو كافر مباح الدم ‏.‏ ).
3 ـ وفى انحلالهم الخلقى جعله الصوفية المتطرفون دينا ، فهب ابن تمية يحكم بقتل المستحلين للمعاصى كالزنا والشذوذ ، يقول : (من يقول‏:‏ إن التلوط مباح بملك اليمين‏.‏ فهؤلاء كلهم كفار باتفاق المسلمين.) ويقول: ( والرجم شرعه الله لأهل التوراة والقرآن، وفى السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به‏)‏‏.‏ ولهذا اتفق الصحابة على قتلهما جميعًا، لكن تنوعوا فى صفة القتل‏:‏ فبعضهم قال‏:‏ يرجموا‏:‏ وبعضهم قال‏:‏ يرمى من أعلى جدار فى القرية ويتبع بالحجارة،وبعضهم قال‏:‏ يحرق بالنار، ولهذا كان مذهب جمهور السلف والفقهاء أنهما يرجمان بكرين كانا أو ثيبين، حرين كانا أو مملوكين، أو كان أحدهما مملوكا للآخر، وقد اتفق المسلمون على أن من استحلها بمملوك أو غير مملوك فهو كافر مرتد ). وابن تيمية يرى فى نفسه ومن هم على دينه أنهم جمهور السلف وانهم المسلمون .
4 ـ ويحكم بقتل الصوفية وغيرهم ممّن يسقطون التكاليف الشرعية ومن يدمن ( السّماع ) أى الغناء الصوفى. ويقول ابن تيمية:(وهذا الذي اتفق عليه الصحابة،هو متفق عليه بين أئمة الإسلام لايتنازعون في ذلك، ومن جحد وجوب بعض الواجبات الظاهرة المتواترة‏:‏ كالصلوات الخمس،وصيام شهر رمضان، وحج البيت العتيق أو جحد تحريم بعض المحرمات الظاهرة المتواترة‏:‏كالفواحش، والظلم والخمر والميسر والزنا وغير ذلك، أو جحد حل بعض المباحات الظاهرةالمتواترة‏:‏ كالخبز واللحم والنكاح ـ فهو كافر مرتد، يستتاب فإن تاب وإلا قتل، وإن أضمر ذلك كان زنديقًا منافقًا ،لا يستتاب عند أكثر العلماء، بل يقتل بلا استتابة،إذا ظهر ذلك منه‏.‏).
الذى يهمنا هنا هو قوله (وإن أضمر ذلك كان زنديقًا منافقًا ،لا يستتاب عند أكثر العلماء، بل يقتل بلا استتابة،إذا ظهر ذلك منه‏.‏) ، إذ يتيح الفرصة ( الشرعية ) لاتهام خصومه على أساس أنهم ( يضمرون ) أشياء محرمة ، وبناء عليه يوجب قتلهم بلا استتابة إذا ظهر منهم بعض ما يمكن تفسيره على أنه ( يضمر ) فى قلبه تلك المحرمات . وبهذا يكون قتل الخصوم سهلا بشريعته بمجرد التهمة ومجرد الظّن وبمجرد الاتهام بالنفاق فى قلوبهم ، وبالتالى يجب قتلهم فورا وبلا إستتابة .!!وما أسهل قتل جميع البشر بتهمة أنهم يضمرون كذا وكذا فى قلوبهم .
5 ـ وبعد أئمة الصوفية يتوجه ابن تيمية لأتباعهم من العوام يحكم بقتلهم بالجملة ، فمن يقدّم النذور للأولياء معتقدا نفع الأولياء يجب قتله : ( ومن اعتقد أن بالنذور لها نفعاً أو أجراً ما فهو ضال جاهل .. فهذا كافر مشرك يجب قتله . وكذلك من اعتقد ذلك في غيرها كائناً من كان‏ ). ومن يتّخذ أولياء الصوفية واسطة لله جل وعلا يجب قتله إن لم يتب :( فمن أثبتهم وسائط على هذا الوجه، فهو كافر مشرك، يجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا قتل‏.‏). وهنا ناقض ابن تيمية نفسه وقد كان معتقدا فى أئمة التصوف السابقين .
ويقول فى تحريم الركوع والانحناء للشيخ الصوفى وقتل من يفعل ذلك:( بل لا يجوز الانحناء كالركوع أيضا، .. وأما فعل ذلك تدينًا وتقربًا فهذا من أعظم المنكرات، ومن اعتقد مثل هذا قربة، وتدينًا فهو ضال مفتر، بل يبين له أن هذا ليس بدين ولا قربة، فإن أصر على ذلك استتيب، فإن تاب وإلا قتل‏.‏).
وكذلك قتل من يعتقد فى كرامة الأولياء الصوفية ( ومن قال‏:‏ إن لقول هؤلاء سرًا خفيًا وباطن حقٍ، وأنه من الحقائق التي لا يطلع عليها إلا خواص خواص الخلق، فهو أحد رجلين‏:‏ إما أن يكون من كبارالزنادقة أهل الإلحاد والمحال، وإما أن يكون من كبار أهل الجهل والضلال‏.‏ فالزنديق يجب قتله، والجاهل يعرَّف حقيقة الأمر، فإن أصرَّ على هذا الاعتقاد الباطل بعد قيام الحجة عليه وجب قتله‏.‏).
وكذا من يؤمن بكرامة ( أهل الخطوة ) من الأولياء الصوفية الذين يستطيعون بزعمهم الحج فى طرفة عين كما ساد الاعتقاد فى العصر المملوكى ، وابن تيمية كان يؤمن بكرامات الأولياء فى عصره ولكن ينسبها الى فعل الشياطين وفى نفس الوقت يحكم بقتل صاحبها : ( ومن هؤلاء‏:‏ من يحمله الشيطان إلى عرفات فيقف مع الناس، ثم يحمله فيرده إلى مدينته تلك الليلة، ويظن هذا الجاهل أن هذا من أولياء الله، ولا يعرف أنه يجب عليه أن يتوب من هذا، وإن اعتقد أن هذا طاعة وقربة إليه، فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل ).
ومن يعتقد بشفاعة الأولياء الصوفية مستحق عنده للقتل:( من ادعى أن شيخًا من المشايخ يخلص مريديه يوم القيامة من العذاب،فقد ادعي أن شيخه أفضل من محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، ومن قال هذا فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل. ). هذا مع إن إبن تيمية يؤمن بشفاعة النبى والأولياء الصوفية السابقين ، ولكنه ينكر ذلك على شيوخ الصوفية فى عصره ، ويجعل فوارق بين الشفاعة السنية والشفاعة الصوفية ، وكالعادة يحكم بقتل من يخالفه فى الرأى : ( والثاني‏:‏ دعاؤه وشفاعته، وهذا أيضًا نافع يتوسل به من دعا له وشفع فيه باتفاق المسلمين‏.‏ ومن أنكر التوسل به بأحد هذين المعنيين فهو كافر مرتد يستتاب، فإن تاب وإلا قتل مرتدًا‏.‏..)( ..وأما دعاؤه وشفاعته وانتفاع المسلمين بذلك فمن أنكره فهو أيضًا كافر، لكن هذا أخفى من الأول، فمن أنكره عن جهل عُرِّف ذلك، فإن أصر على إنكاره فهومرتد‏.‏).
ثالثا :
فتاوى ابن تيمية فى قتل السنيين جميعا
1 ـ هل أنت من السنيين المتعبدين المفكرين أصحاب الرأى ولكن تخالف ابن تيمية ؟
القتل ينتظرك بتهمتين : أنك مثل الخوارج،وأنك زنديق .
ويتكرر كثيرا فى فتاوى إبن تيمية تشبيهه لخصومه فى الرأى بالخوارج واستحقاقهم القتل مهما بلغ ورعهم ، مستشهدا بحديث كاذب ينسب للنبى عليه السلام علم الغيب فى المستقبل يتنبأ مقدما بظهور الخوارج وجعلهم كفارا مهما بلغ ورعهم ويحثّ على قتلهم . يقول ابن تيمية عن خصومه ( قد يكون لهم زهد وعبادة وهمّة كما يكون للمشركين وأهل الكتاب وكما كان للخوارج المارقين الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية أينما لقيتموها فاقتلوهم فإن في قتلهم أجراً عند الله لمن قتلهم يوم القيامة ).‏أى يجعل فى قتلهم أجرا يوم القيامة. ويتكرر هذا المعنى كثيرا فى فتاويه ،ومنها: (وقد تواترت النصوص عن النبي صلى الله عليه وسلم بذمهم‏.‏‏.‏ قال صلى الله عليه وسلم فيهم‏:‏ ‏(‏يَحْقِر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم،يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمِيَّة، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد ـوفي رواية ـ أينما لقيتموهم فاقتلوهم ـ فإن في قتلهم أجرًا لمن قتلهم عند اللّه يوم القيامة، يقتلون أهل الإسلام‏‏‏.‏وهؤلاء اتفق الصحابة ـ رضي اللّه عنهم ـ على قتالهم ).
ويستدل ابن تيمية أيضا بقتل الخليفة المهدى العباسى للزنادقة ويجعله تشريعا :(..‏ فإن المهدي قتل من المنافقين الزنادقة من لا يحصي عدده إلا الله.. وكان المهدي من خيار خلفاء بني العباس وأحسنهم إيماناوعدلا وجودا فصار يتتبع المنافقين الزنادقة كذلك‏.‏) .
ونعيد التأكيد على الحقيقة الاسلامية القرآنية التى تؤكّد أن النبى عليه السلام فى حياته كان لا يعلم الغيب ولم يكن له أن يتحدث فيه ، ولم يكن يعلم ما سيجرى فى المستقبل وما سيحدث بعد موته ، ولكنّ أصحاب الديانات الأرضية من المسلمين خصوصا السنيين نسبوا له أحاديث عن غيوب اليوم الآخر كالشفاعة،وعما سيحدث بعد موته كالعشرة المبشرين بالجنة والتنبؤ بالخلفاء الراشدين والعباسيين ، وفى خضم الحروب الأهلية إخترع المتحاربون أحاديث يلعن بها بعضهم بعضا ، ومنها حديث لعن وقتل الخوارج الذى يكرّر ابن تيمية الاستشهاد به ، ويأخذ منه حجة على قتل خصومه فى الرأى .
ويتهم خصومه الفقهاء السنيين بالنفاق ، يقول : ( وأما المنافقون من هذه الأمة، الذين لا يقرون بألفاظ القرآن والسنةالمشهورة فإنهم يحرفون الكلم عن مواضعه..). وقوله (لا يقرون بألفاظ القرآن والسنةالمشهورة ) يعنى أنهم مجتهدون لا يتبعون ما وجدوا عليه آباءهم وصار مشهورا بمرور الزمن . يحكم عليهم ابن تيمية بالكفر وبالقتل :( ...‏وهؤلاء كلهم كفار يجب قتلهم باتفاق أهل الإيمان .).
وضمن خصومه فى الرأى من يخالفه فى قضية الاستواء على العرش ،وهم أكثرية أهل السنة من خارج الحنابلة ، ويرى تحريم تزويجهم والزواج منهم وتوارثهم ، ويقول : ( أرى أن يُستتابوا، فإن تابوا وإلا قتلوا‏.‏)
الأخطر أنه يرجح قتل من يعتبرهم زنادقة ومنافقين بلا إستتابة ، أى قتلهم حال العثور عليهم ، وكرّر هذا كثيرا ، يقول مثلا : ( والزنديق‏:‏ هو المنافق، وإنما يقتله من يقتله إذا ظهر منه أنه يكتم النفاق. ) أى يجعل سلطة الاتهام وتنفيذ القتل لكل شخص. ويقول عمّن جعلهم منافقين ضالين حتى :( ‏وإن أظهروا الإسلام، وكان في بعضهم زهادةوعبادة،) لماذا ؟ لأنهم ( يظنون أن إلى اللّه طريقا غير الإيمان بالرسول ومتابعته.) أى لا يتبعون الأحاديث التى إفتراها أهل السّنة وجعلوها طريق الايمان الوحيد بالرسول ومتابعته . وبالتالى يحكم بكفر من لا يتبع تلك الأحاديث ، ويقول عنهم ( وهؤلاء منافقون كفار يجب قتلهم بعد قيام الحجة عليهم‏.‏).
رابعا :
قواعد عامة وضعها ابن تيمية فى تشريع القتل العام :
1 ـ يقول فى صياغة عامة ومطّاطة يسهل تطبيقها بالتأويل على كل خصومه وفق التفسير والتأويل السّنى :( من سب نبيًا من الأنبياء قتل باتفاق الفقهاء.).الخطورة هنا أنّ من يخالف معتقد السنيين فى الأنبياء يعتبرونه سبّا فى الأنبياء ، ومنه أى تأكيد على بشرية الأنبياء يكون سبّا فيهم ، مهما كان الدليل من القرآن الكريم .
2 ـ ويقول :( ومن لم يندفع فساده في الأرض إلا بالقتل قتل ، مثل المفرق لجماعة المسلمين ، والداعي إلى البدع في الدين .)، أى قتل أي مسلم بدعوى انه منافق يبطن الكفر ويظهر الاسلام ،بل هو يعطى الحجة لأي فرد لكي يقتل من يشاء من المسلمين بتهمة انه منافق ودون استتابة ،يقول ابن تيمية (اما قتل من اظهر الاسلام وابطل الكفر فهو المنافق الذي يسميه الفقهاء بالزنديق فأكثر الفقهاء علي انه يقتل وان تاب ) . يعنى هو مقتول مقتول مهما تاب .!!
3 ـ وقد يكون القتل على أهون سبب ، فمن ينكر السفر الى المسجد الأقصى أو الى قبر النبى فهو كافر مستحقّ للقتل:( فمن سافر إلى المسجد الحرام أو المسجد الأقصى أو مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم فصلى في مسجده ؛ وصلى في مسجد قباء وزار القبور كما مضت به سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذا هو الذي عمل العمل الصالح . ومن أنكر هذا السفر فهو كافر يستتاب فإن تاب وإلا قتل . )
4 ـ ومصطلحات الكتاب والرسول والسّنة والشريعة تعنى التفاسير والأحاديث التى إفتراها أئمة السنيين فى العصر العباسى ، وتوارثها عصر ابن تيمية المملوكى . ومن يخرج عنها فهو كافر مباح الدم فى قاعدة تشريعية عامة يكرّرها ويؤكدها ابن تيمية فى صياغات متنوعة ، كأن يقول : ( فأما الشرع المنزل‏:‏ فهو ما ثبت عن الرسول من الكتاب والسنة، وهذا الشرع يجب على الأولين والآخرين اتباعه،)، أى ما قاله أئمة ( الحديث ) والتفسير فى العصر العباسى هو الذى ثبت عن الرسول مهما كان إختلاف الأئمة مع بعضهم ومع أنفسهم وحتى فى الكتاب الواحد وللمؤلف الواحد . ومن ينكر هذا يجب قتله ، يقول :( ومن لم يلتزم هذا الشرع، أو طعن فيه أو جوز لأحد الخروج عنه، فإنه يستتاب فإن تاب وإلاقتل‏.‏).
ويقول ( ومحمد صلى الله عليه وسلم مبعوث إلى جميع الثقلين؛ إنسهم وجنهم‏.‏فمن اعتقد أنه يسوغ لأحد الخروج عن شريعته وطاعته، فهو كافر يجب قتله‏.‏)
5 ــ وطبعا توجد أحاديث أخرى للشيعة والصوفية نسبوها أيضا للنبى كما فعل السنيون ، وإبن تيمية كما يوجب الايمان بأحديث دينه المفتراة وحدها فإنه يوجب الكفر بالأحاديث التى إفتراها الآخرون ، وكالعادة يوجب قتل من لا يكفر بتلك الأحاديث ، ويقول بلهجة قاطعة وحازمة وجامعة مانعة:( جميع هذه الأحاديث أكاذيب مختلقة، ليتبوأ مفتريها مقعده من النار‏. ‏لا خلاف بين جميع علماء المسلمين ـ أهل المعرفة وغيرهم ـ أنها مكذوبة مخلوقة، ليس لشيء منها أصل؛ بل من اعتقد صحة مجموع هذه الأحاديث فإنه كافر؛ يجب أن يستتاب فإن تاب وإلا قتل، ) . فالأحاديث هى فقط أحاديث السنيين ، والعلماء فقط هم علماء السنيين . ولا يرى غير ذلك لأنهم أهل السنة .ومن يخرج عنهم فهو ضال وزنديق ومنافق وخارجى ومستحقّ للقتل .
جدير بالذكر أن لابن تيمية رسالة فى الأحاديث الموضوعة بعنوان ( أحاديث القصّاص ) ولم يقتنع بها تلميذه إبن القيّم فكتب فى الأحاديث الموضوعة كتابا آخر بعنوان ( المنار المنيف فى الصحيح والضعيف ). أى إنها أجتهادات مختلفة بين الشيخ وتلميذه مثل الاختلاف الذى كان بين البخارى وتلميذه مسلم فى ( الصحيحين ). وعليه فابن تيمية يحكم على تلميذه بالقتل لأنه إختلف معه فى تصحيح أحاديثهم السنية . هذا مع أنهم جعلوا ذلك الافتراء دينا وحكموا بأن من يخالفه فهو زنديق ، ولأن هذا الزنديق مسلم مفكر يستطيع إقامة الحجّة عليهم من داخل كتبهم فهم يحكمون بقتله حال العثور عليه ، وقتله دون محاكمة وقتله حتى لو تاب .
رابعا :
قتل من يصلى فى المسجد وقتل من يصلى فى بيته
1 ـ يفتي ابن تيمية بقتل المسلم الذي يجهر بالنية في الصلاة حتي لو كان يعتقد ان جهره بالنية يأمره به الله تعالي ،ويفتي بقتل المسلم الذي لا يلتزم بآداء الصلاة في وقتها او يؤخر صلاة الفجر الي بعد طلوع الشمس او يؤخر صلاة الظهر والعصر الي بعد غروب الشمس ، ويفتي بقتل المسلم الذي يحضر المسجد ولا يشارك في صلاة الجماعة . وفي كل ذلك يشترط ابن تيمية استتابة المتهم فان تاب والا قتل. ويقول ابن تيمية : ( والرجل البالغ إذا امتنع من صلاة واحدة من الصلوات الخمس، أو ترك بعض فرائضها المتفق عليها، فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل‏.‏ ).
2 ـ لو حاولت أن تنجو من كل هذه التهم التى تلاحقك بالقتل مع سبق الاصرار والترصد ، وإعتزلت وإعتكفت وأغلقت عليك باب بيتك فسيطاردك ابن تيمية يطرق بابك ليحكم أيضا بقتلك ، فقد سئل ابن تيمية عن ( رجل منقطع في بيته لا يخرج ولايدخل، ويصلي في بيته، ولا يشهد الجماعة، وإذا خرج إلى الجمعة يخرج مغطى الوجه، .. ، فهل يسلم له حاله ‏؟‏ أو يجب الإنكار عليه‏؟ ‏فأجاب :‏هذه الطريقة طريقة بدعية مخالفة للكتاب والسنة ولما أجمع عليه المسلمون‏.‏ والله تعالى إنما يعبد بما شرع، لا يعبد بالبدع، فإن التعبد بترك الجمعة والجماعة ـ بحيث يرى أن تركهما أفضل من شهودهما مطلقًا ـ كفر، يجب أن يستتاب صاحبه منه، فإن تاب وإلاقتل‏.‏ ).
أخيرا
قتل الأطفال عموما
1 ـ ولم ينج الأطفال من تشريع ابن تيمية بالقتل العام لهم . فهو يجيز قتل الطفل إذا صال ، أى إذا هاجم وإعتدى ، أى مجرد الاعتداء من ( طفل ) يوجب قتله حتى لو لم يسفر الاعتداء عن قتل ، يقول ابن تيمية : ( وقتل الصائل جائز وإن كان صغيرًا. .. وكذلك قتل الغلام كان من باب دفع الصائل على أبويه، لعلمه بأنه كان يفتنهما عن دينهما؛ وقتل الصبيان يجوز إذا قاتلوا المسلمين، )‏...
2 ــ وحتى بدون أن يكون الطفل صائلا معتديا ، يكفى أن نتوقع منه أن يكون صائلا عندما يكبر ، وبهذا التوقّع يجوز قتله تحسبا لإجرامه الغيبى المستقبلى الذى لم يحدث بعد ، ولكن إفترضوا أنه سيحدث ، يقول ابن تيمية :( بل يجوز قتلهم لدفع الصول على الأموال ، لهذا ثبت في صحيح البخاري أن نجدة الحروري لما سأل ابن عباس عن قتل الغلمان قال‏:‏ إن كنت تعلم منهم ما علمه الخضر من الغلام فاقتلهم، وإلا فلا تقتلهم‏.‏وكذلك في الصحيحين‏:‏ أن عمر لما استأذن النبي صلى الله عليه وسلم في قتل ابن صياد، وكان مراهقًا، لما ظنه الدجال، فقال‏:‏ ‏(‏إن يكنه فلن تسلط عليه،وإن لم يكنه فلا خير لك في قتله‏)‏ فلم يقل‏:‏ إن يكنه فلا خير لك في قتله، بل قال‏:‏ ‏(‏ فلن تسلط عليه‏) ..وذلك يدل على أنه لو أمكن إعدامه قبل بلوغه لقطع فساده لم يكن ذلك محذورًا .)

الجبرتى شاهدا على إنحلال المحكوم ووحشية العسكر العثمانى الحاكم
مقدمة : عن الجبرتى مؤرخا :
1 ـ آخر مؤرخى مصر العظام كان عبد الرحمن الجبرتى ، المولود فى القاهرة عام 1753 ـ بعد ثمانى سنوات من ظهور الوهابية ، والمتوفى فيها عام 1825 ، بعد مرور سبع سنوات على تدمير الدولة السعودية . بالاضافة الى ذلك شهد الجبرتى مجىء الحملة الفرنسية 1798 ، ورحيلها ، وشهد ظهور محمد على الذى أسّس الدولة الحديثة فى مصر. سجل كل هذا فى تاريخه المشهور ( عجائب الآثار فى التراجم والأخبار ) ، وقد إتبع فيه المنهج الحولى فى التاريخ ، إذ يذكر الأحداث مرتبة حسب الأشهر والأعوام . وواضح فيه التأثر بالمقريزى ( ت 1442 م ) المؤرخ المصرى الفذّ فى العصر المملوكى ، وإن لم يبلغ عبقرية المقريزى فى التحليل ولا جُرأته فى الانكار على ما يحدث ولا عدد الكتب التى ألفها . إلا إن الجبرتى تفوق على مؤرخ مصرى مخضرم عاصر الدولتين المملوكية والعثمانية ، وهو ابن إياس ( ت 1523). كان ابن اياس متأثرا أيضا بالمقريزى ، وأقل ثقافة مثله ، ويظهر هذا فى كتابه ( بدائع الزهور ) وترك ابن اياس العديد من المؤلفات ، ولكن الجبرتى فى كتابيه ( عجائب الآثار ) و ( مظهر التقديس فى خروج الفرنسيس ) كان أكثر ثقافة من ابن اياس ، وأكثر تدقيقا إذ كان يطوف بالبلاد ويقرأ فى الدواوين ويتحرى الأسماء ويقابل الأشخاص بنفسه يتحرى منه الأخبار، عكس ابن إياس الذى لازم بيته فى القاهرة يسجل ما يُشاع فيها من أخبار وينقلها كما هى قائلا ( وأُشيع ..كذا ) . بالاضافة الى ملكته فى التحليل كاستاذه المقريزى كان الجبرتى منكرا على ما يحدث من الفقهاء والشيوخ ومن الولاة والعسكر ومن المماليك والأعراب . ولم يتحمل محمد على إنكاره ، خصوصا وقد رفض الجبرتى أن يوافقه وأن ينافقه فانتقم منه محمد على بأن إغتال ابنه، فاعتزل الجبرتى الكتابة يبكى علي ابنه المغدور ، ثم إغتال محمد على الجبرتى بعدها بثلاث سنوات .
2 ـ كان الجبرتى مؤخا معاصرا يكتب ما يحدث فى عصره من واقع المشاهدة ، وبهذه المعاصرة شهد المعادلة المملوكية العثمانية الصوفية السنية ، وهى إنفراد الحاكم بإستحلال الدماء ، وإنفراد المحكوم بالخضوع والخنوع ، وإنغماس الجميع فى الانحلال الخلقى بلا إعتراض أو إنكار ، كما شهد الجديد الذى جاءت به الوهابية فى دولتها الأولى ، وهى إستحلال الدماء وتحويل تغيير المنكر الى الإكراه فى الدين .
3 ـ ونبدأ بلمحات مما أورده الجبرتى عن وحشية الحاكم بسفك دماء المحكومين وسلبهم وتسخيرهم وسبى وإغتصاب نسائهم وصبيانهم ، وانكباب الجميع على الانحلال الخلقى فى الموالد . ولا مجال للإنكار أو الاعترض هنا أو هناك . وعندما إعترض الجبرتى إُغتيل إبنه وفقد حياته .
أولا :
الجبرتى شاهدا على الانحلال الخلقى فى مصر طبقا لدين التصوف السنى
1 ـ يتضح من كتاباته أن التصوف إشتدت سيطرته أكثر مع إزدياد التخلف والجهل . فقد كانت الحياة الاجتماعية والدينية فى العصر العثمانى خاملة لا تنبض فيها الحيوية الا حول القبور المقدسة وشيوخ التصوف الأحياء. تمركز العصر العثمانى حول التبرك بالأولياء الأحياء وتقديس قبور الأموات منهم واقامة الموالد حولها وفقا للتصوف السنى الذى كان نجومه العلماء والفقهاء وشيوخ الصوفية معا ، وحيث كانت الموالد والأضرحة ـ ولا تزال ـ تجمع مظاهر الشرك مع الانحلال الخلقى فى نفس المكان والزمان. وهو نفس ما يحدث الآن فى مولد البدوى ومولد الحسين ومولد السيدة زينب فى مصر. الجبرتى وهو شيخ أزهرى ووالده أيضا كان شيخا أزهريا لم يتوانى فى رصد بعض هذا الانحلال برغم مشاركة زملائه الشيوخ فيه .
2 ـ يقول الجبرتى فى التعريف بأحد شيوخ الصوفية المعاصرين له:( الشيخ الإمـام المعمـر القطـب أحـد مشايـخ الطريـق صاحـب الكرامـات الظاهـرة والأنـوار الساطعة الباهرة عبد الوهاب بن عبد السلام ...) هذه أوصاف التقديس المعتادة لأولياء التصوف. وبعد سرد مناقبه كالمعتاد يقول عن موته ودفنه (.. توفي في ثاني عشر صفر سنة 1172 ودفن بجوار سيدي عبد الله المنوفي) .
ثم يذكر الجبرتى ما حدث لقبره بعد موته : ( ونزل سيل عظيم وذلك في سنة 1178 فهدم القبور وعامـت الأمـوات ، فانهـدم قبـره وامتـلأ بالمـاء ) الذى حدث يثبت أنه لا كرامة لهذا الولى الصوفى أو لقبره ولا لأى قبر طالما يقدر السيل على ازالتها وبعثرة عظامها ، ولكن يحدث العكس ، اذ يحل التقديس بالقبر الذى تلاشى والعظام التى ألقاها السيل. يقول الجبرتى ( فاجتمـع أولاده ومريـدوه وبنـوا لـه قبـرًا في العلوة على يمين تربة الشيخ المنوفي ، ونقلوه إليه قريبا من عمارة السلطان قايتباي، وبنوا على قبره قبة معقودة، وعملوا له مقصورة ومقاما من داخلها وعليه عمامة كبيرة،) أى تحول القبر الذى دمره السيل وجعله أكوام زبالة الى ضريح فاخر مقدس لهدف نلمحه بين السطور ، فالذين أقاموا هذا المعبد المقدس هم أبناء الفقيد الراحل وتلاميذه، أى هى تجارة رائجة. لا يستلزم الأمر سوى الصلة ببعض الوجهاء ممن يعتقدون فى القبور المقدسة والآلهة المصنوعة. هذا ما يفسره قول الجبرتى : ( وصيروه مزارا عظيمًا يقصد للزيارة ويختلـط بـه الرجـال والنسـاء‏.‏ ثـم أنشـأوا بجانبه قصرًا عاليًا عمّره محمد كتخدا اباظة)
وفى مقابل بناء المعبد الجديد هدموا قبورا أخرى لآلهة قديمة فقدت الشهرة والأتباع . يقول الجبرتى عن المكان الذى خصصوه للدواب والحمير انه كان قبلها موضع قبور لآلهة أخرى (وسوروا له رحبة متسعة مثل الحوش لموقف الدواب من الخيل والحمير، دثروا بها قبورا كثيرة بها كثير من أكابـر الأوليـاء والعلمـاء والمحدثيـن غيرهـم مـن المسلميـن والمسلمـات‏.)
بعدها يأتى المقصود وهو اقامة مولد وما يعنيه المولد من قرابين و نذور وولائم وموائد. يقول الجبرتى (‏ ثـم أنهـم أبتدعـوا له موسمًا وعيدًا في كل سنة، يدعون إليه الناس من البلاد القبلية والبحريـة،) ، أى يأتى الفلاحون والأعيان من الصعيد والوجه البحرى للتبرك .
يقول الجبرتى عنهم ( فينصبـون خيامـًا كثيـرة وصواويـن ومطابخ وقهاوي، ويجتمع العالم الأكبر من أخلاط الناس وخواصهم وعوامهم وفلاحي الأرياف وأربـاب الملاهـي والملاعـب والغـوازي والبغايـا والقراديـن والحـواة) فطالما جاءت الزبائن فلا بد أن يأتى من يقوم بالترفيه عنهم من الفنانين والعاهرات.
ويصف الجبرتى الأعمال الخيرية والعبادات العملية لدين التصوف السنى التى كان ينهمك فيها أولئك الحجاج الأبرار فى المولد، فيقول عن حجاج المولد ( فيملأون الصحراء والبستان فيطـأون القبـور يوقـدون عليهـا النيـران ويصبـون عليها القاذورات ، ويبولون، ويتغوطون، ويزنون ، ويلوطون، ويلعبون، ويرقصون، ويضربون بالطبول والزمور ليلا ونهارًا، ويستمر ذلك نحو عشرة أيام أو أكثر،) هذه هى صلواتهم ونسكهم وقيامهم بالليل... لواط وزنا جماعى لا يعرف القيود أو الحدود..
ويأتى سؤال بسيط : أين هم العلماء الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر؟ الجواب أيضا بسيط: كانوا هم القادة والأئمة فى حفلات الزنا واللواط . يقول الجبرتى كأنه يعرف السؤال مقدما : ( ويجتمع لذلك أيضًا الفقهاء والعلماء، وينصبون لهم خيامًا أيضًا، ويقتدي بهم الأكابر من الأمراء والتجار والعامة، من غير إنكار،)
سؤال آخر بسيط : لماذا لا يتصدى العلماء للاصلاح ؟ لماذا كانوا الأئمة فى الفسوق وفى الدعوة له ؟ الجواب بنفس البساطة : لأنهم اعتبروا الفسوق دينا وفق طقوس التصوف السنى. وكأن الجبرتى يعرف السؤال مقدما فقال عنهم : ( بل ويعتقدون ذلك قربة وعبادة‏.‏ ولو لم يكن كذلك لأنكره العلماء فضلا عن كونهم يفعلونه ، فالله يتولى هدانا أجمعين‏.‏( . هنا تحليل خفىُّ من الجبرتى ، وإنكار واضح ، يقوله على طريقة المقريزى .
ثانيا :
الجبرتى شاهدا على وحشية الحاكم
1 ـ عاش الجبرتى فترة إضطراب سياسى وعسكرى . كانت مصر ولاية عثمانية ، تنوع فيها الحاكم وعسكره. فيها الوالى العثمانى والحامية العثمانية ، وكانت تلك الحامية مجرد عصابات من جنسيات مختلفة تتقاتل فيما بينها وتقاتل العصابات الأخرى وهم المماليك الذين إستمر جودهم فى مصر العثمانية يحكمون مصر من الداخل فى إطار التبعية للدولة العثمانية . تركّز إهتمام الوالى العثمانى على تحصيل الأموال ، وتركز إهتمام السلطان العثمانى على ألا يدع واليا من ولاته مستمرا فى جكم مصر حتى لا يستقل بها . تغيير الولاة اضاف المزيد من الظلم والفساد لأن الوالى يريد فى ولايته القصيرة أن يسرق ما إستطاع ، تاركا مصر تموج فى بحور من فتن عسكرية لا تنتهى . والضحايا فى هذه الفتن بين ( القوات المسلحة ) هو الشعب المصرى الأعزل . والذى كان ينفّس عن معاناته بالانغماس فى الانحلال الخلقى يؤمُّه الشيوخ والأولياء الصوفية . إستطاع محمد على أن ينفرد بحكم مصر . وكان تكليفه بمواجهة الوهابيين من قبل السلطان العثمانى أكبر خطوة فى هذا ، إذ تخلص من المماليك ومن الحامية العثمانية و أسّس جيشا مصريا واسطولا وحارب الدولة العثمانية نفسها وظهر خصما لأوربا فعملت على تحطيمه . هى ملحمة كبرى لا وقت لها الآن . نعود الى الجبرتى ـ خصم محمد على ـ ننقل عنه بعض مظالم القوات المسلحة العثمانية والمملوكية .
2 ـ يقول الجبرتى :
2 / 1 : ( استهل شهر شعبان بيوم السبت سنة 1217 . فيه شرعوا في عمل متاريس جهة الجيزة وقبضوا على أناس كثيرة من ساحل مصر القديمة ليسخروهم في العمل‏.‏ ) أى إعتقال الناس عشوائيا لتسخيرهم فى العمل .
2 / 2 : ( شهر ذي الحجة الحرام سنة 1217 استهل بيوم الجمعة في يوم الاثنين . رابعه قتلوا شخصًا عسكريًا نصرانيًا عند باب الخرق . قتله أغات التبديل ، بسبب أنه كان يقف عند باب داره بحارة عابدين هو ورفيقان له ، ويخطفون من يمر بهم من النساء في النهار الى أن قبض عليه وهرب رفيقاه‏.‏ ) ثلاثة من الحامية العثمانية إحترفوا خطف النساء نهارا . فقتلهم أغوات المماليك . وفى نفس الشهر ، يقول الجبرتى : ( وفيه أيضًا أخرجوا من دار بحارة خشقدم قتلى كثيرة نساء ورجالًا من فعل العسكر‏.‏) أى هجمت الحامية العثمانية على بيت فى حارة خشقدم وقتلوا من فيه من الرجال والنساء .
2 / 3 : حدثت معركة بين (محمد على ) وخصومه فى دمياط . ولكن ما ذنب أهل دمياط ؟ يقول الجبرتى فى أحداث شهر ربيع الأول سنة 1218 : ( وفي يوم الأربعاء سادس عشره وردت مكاتبات من عثمان بك البرديسي بالخبر بوقوع الحرب بينهم وبين محمد باشا وعساكره‏.‏ وفي يوم الاثنين رابع عشره وقع بين الفريقين مقتلة عظيمة .. وكبسوا على دمياط بمخامرة بعض رؤساء عساكر الباشا ، وفتكوا في عسكر الباشا بالقتل .. ونهبوا دمياط وأسروا النساء وافتضوا الأبكار وأخذوهم أسرى ، وصاروا يبيعونهم على بعضهم ، وفعلوا أفعالًا شنيعة من الفسق والفجور ، وأخذوا حتى ما على أجساد الناس من الثياب ، ونهبوا الخانات والبيوت والوكائل وجميع أسباب التجار التي بها من أصناف البضائع الشامية والرومية والمصرية ، وكان شيئًا كثيرًا يفوق الحصر وما بالمراكب حتى بيع الفرد الأرز الذي هو نصف أردب بثلاثة عشر نصفًا وقيمته ألف نصف والكيس الحرير الذي قيمته خمسمائة ريال بريالين ، الى غير ذلك والأمر لله وحده.! ) هنا سلب ونهب وإغتصاب جماعى .!
2 / 4 : فى شهر شعبان سنة 1219: ( وفي يوم الخميس ثاني عشره، نودي بخروج العسكر إلى السفر لجهة قبلي ولا يتأخر منهم من كان مسافراً . فشرعوا في الخروج وقضاء حوائجهم، وصاروا يخطفون حمير الناس والجمال. ) هنا سلب ونهب وخطف
2 / 5 : فى شهر جمادى الثانية سنة 1225: فى التجهيز للحملة ضد الوهابيين : ( وفي يوم السبت خامسه ارتحل الباشا بعساكره من الجيزة وانتقل إلى جزيرة الذهب ونودي في المدينة بخروج العساكر المقيمين بمصر ولا يتخلف منهم أحد فزاد تعديهم وخطفهم الحمير والجمال والرجال والفلاحين وغيرهم لتسخيرهم في خدمتهم وفي المراكب عوضاً عن النوتية والملاحين الذين هربوا وتركوا سفائنهم ، فكانوا يقبضون على كل من يصادفونه ويحبسونهم في الحواصل ببولاق. واتفق أنهم حبسوا نحو ستين نفراً في حاصل مظلم وأغلقوه عليهم، وتركوهم من غير أكل ولا شرب أياماً ، حتى ماتوا عن آخرهم . )، هنا خطف وتسخير وقتل .!
2 / 6 : فى شهر جمادى الثانية سنة 1226: في عشرينه خرج الباشا إلى البركة وطلب الجمال وقوافل العرب وشهل طائفة من العسكر للسفر إلى السويس فاهتموا بالدخول والخروج من المدينة ، وطفقوا يخطفون الحمير والبغال والجمال وكل ما صادفوه من الدواب ، ومن وجدوه راكباً ولو من وجهاء الناس أنزلوه عن دابته وركبوها ، فانقبض الناس ، وانكمش غالبهم عن الركوب لمصالحهم وأخفوا حميرهم وبغالهم. ) خطف وسلب .
2 / 7 : شهر رمضان سنة 1226 :عن حملة طوسون بن محمد على فى ينبع . يقول الجبرتى : ( وفيه وردت الأخبار بأن العساكر البحرية ملكوا ينبع البحر ونهبوا ما كان فيه من ودائع التجار. ) ( ونهبوا كل ما كان بالينبع من الودائع والأموال والأقمشة والبن وسبوا النساء والبنات الكائنات بالبندر وأخذوهن أسرى ويبيعوهن على بعضهم البعض . ووصل المبشرون بذلك في عشرينه فضربوا لذلك مدافع من القلعة كثيرة ..ً وطافت المبشرون على بيوت الأعيان ليأخذوا منهم البقاشيش ، وأرسلوا بتلك البشارة شخصاً معيناً كبيراً إلى إسلامبول يبشرون أهل الدولة وسلطان الإسلام وكان ذلك أول فتح حصل. .).!! هذا هو الفتح الاسلامى عندهم .
2 / 8 :.شهر المحرم سنة 1227: يحكى الجبرتى وضعا مغايرا . جنود الوهابيين كانوا متمسكين بالصلاة وقت الحرب بنفس تمسك جنود الدولة العثمانية بالسلب والنهب والسبى للمدنيين المسالمين من اتباع الدولة العثمانية . فى تعليل هزيمة طوسون ينقل الجبرتى عن شاهد عيان كان فى الحملة وقتها ، يقول : ( ولقد قال لي بعض أكابرهم من الذين يدعون الصلاح والتورع : أين لنا بالنصر وأكثر عساكرنا على غير الملة ؟ وفيهم من لا يتدين بدين ولا ينتحل مذهباً ؟ وصحبتنا صناديق المكسرات ؟ ولا يسمع في عرضينا أذان ؟ ولا تقام به فريضة ؟ ولا يخطر في بالهم ولا خاطرهم شعائر الدين . والقوم ( أى الوهابيون ) إذا دخل الوقت أذن المؤذنون وينتظمون صفوفاً خلف إمام واحد بخشوع وخضوع ، وإذا حان وقت الصلاة والحرب قائمة أذن المؤذن وصلوا صلاة الخوف ، فتتقدم طائفة للحرب وتتأخر الأخرى للصلاة ، وعسكرنا يتعجبون. ( يقول الوهابيون ) : "هلموا إلى حرب المشركين المحلقين الذقون المستبيحين الزنا واللواط الشاربين الخمور التاركين للصلاة الآكلين الربا القاتلين الأنفس المستحلين المحرمات ". وكشفوا عن كثير من قتلى العسكر فوجدوهم غلفاً غير مختونين . ولما وصلوا بدراً واستولوا عليها وعلى القرى والخيوف ــ وبها خيار الناس وبها أهل العلم والصلحاء ــ نهبوهم وأخذوا نسائهم وبناتهم وأولادهم وكتبهم ، فكانوا يفعلون فيهم ، ويبيعونهم من بعضهم لبعض،ويقولون : "هؤلاء الكفار الخوارج .". حتى اتفق أن بعض أهل بدر الصلحاء طلب من بعض العسكر زوجته فقال له : "حتى تبيت معي هذه الليلة وأعطيها لك في الغد". )
2 / 9 : شهر جمادى الثانية سنة 1227: . يقول الجبرتى : ( وفي هذا الشهر، وما قبله وردت عساكر كثيرة من الأتراك وعينوا للسفر ، وخرجوا إلى مخيم العرضي خارج بأبي النصر والفتوح ، فكانوا يخرجون مساء ويدخلون في الصباح ، ويقع منهم ما يقع من أخذ الدواب وخطف بعض النساء والأولاد كعادتهم.) أى عادتهم : أخذ الدواب وخطف بعض النساء والأولاد كعادتهم ..
3 ـ هذا عن وحشية العسكر العثمانى الحاكم .. فماذا عن الوهابيين ؟

الجبرتى شاهدا ـ رغم أنفه ــ على توحش الوهابية
أولا :
تعاطف الجبرتى مع الوهابية
1 ـ وقع الجبرتى ضحية للخطاب الدعائى الوهابى . وقد ارسل ابن سعود خطابا الى المصريين مع شيخ الحجاج المغاربة . وأوصله هذا المغربى المتعاطف مع الوهابية الى الجبرتى الذى نقله وعلّق عليه . يقول الجبرتى : ( ولغط الناس في خبر الوهابي واختلفوا فيه ، فمنهم من يجعله خارجيا وكافرًا وهم المكيون ومن تابعهم وصدق أقوالهم ، ومنهم من يقول بخلاف ذلك لخلو غرضه . وأرسل الى شيخ الركب المغربي كتابًا ومعه أوراق تتضمن دعوته وعقيدته وصورتها‏.‏ : ( بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصي الله ورسوله فقد غوى ولا يضر إلا نفسه ولن يضر الله شيئًا وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد فقد قال الله تعالى : ( قل هذه سبيلي أدعو الى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين) وقال الله تعالى ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم) وقال تعالى ( وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ) وقال تعالى ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا) فأخبر سبحانه أنه أكمل الدين وأتمه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم وأمرنا بلزوم ما أنزل إلينا من ربنا وترك البدع والتفرق والاختلاف . وقال تعالى ( اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلًا ما تذكرون ) وقال تعالى ( وإن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون ) . والرسول صلى الله عليه وسلم قد أخبرنا بأن أمته تأخذ مأخذ القرون قبلها شبرًا بشبر وذراعًا بذراع . وثبت في الصحيحين وغيرهما عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( لتتبعن سنن من كان قبلكم حذوًا القذة بالقذة حتى لو دخلوا حجر ضب لدخلتموه قالوا يا رسول الله اليهود والنصارى قال فمن ) وأخبر في الحديث الآخر أن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة. قالوا من هي يا رسول الله قال : ( من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي.). إذا عرف هذا فمعلوم ما قد عمت به البلوى من حوادث الأمور التي أعظمها الإشراك بالله والتوجه الى الموتى وسؤالهم النصر على الأعداء وقضاء الحاجات وتفريج الكربات التي لا يقدر عليها إلا رب الأرض والسموات ، وكذلك التقرب إليهم بالنذور وذبح القربان والاستغاثة بهم في كشف الشدائد وجلب الفوائد الى غير ذلك من أنواع العبادة التي لا تصلح إلا لله وصرف شيء من أنواع العبادة لغير الله كصرف جميعها لأنه سبحانه وتعالى أغنى الأغنياء عن الشرك ولا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا ، كما قال تعالى ( فاعبد الله مخلصًا له الدين ألا لله الدين الخالص والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا الى الله زلفى إن الله يحكم بينهم فيما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار ) . فأخبر سبحانه أنه لا يرضى من الدين إلا ما كان خالصًا لوجهه ، وأخبر أن المشركين يدعون الملائكة والأنبياء والصالحين ليقربوهم الى الله زلفى ويشفعوا لهم عنده وأخبر أنه لا يهدي من هو كاذب كفار . وقال تعالى ( ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السموات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون). فأخبر أنه من جعل بينه وبين الله وسائط يسألهم الشفاعة فقد عبدهم وأشرك بهم ، وذلك أن الشفاعة كلها لله كما قال تعالى : ( من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه) وقال تعالى: ( فيومئذ لا تنفع الذين ظلموا معذرتهم ) وقال تعالى : ( يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولًا ). وهو سبحانه وتعالى لا يرضى إلا التوحيد كما قال تعالى ( ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون). فالشفاعة حق ولا تطلب في دار الدنيا إلا من الله ، كما قال تعالى : ( وإن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدًا ) .وقال تعالى : ( ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذًا من الظالمين ) .فإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم وهو سيد الشفعاء وصاحب المقام المحمود وآدم فمن دونه تحت لوائه لا يشفع إلا بإذن الله لا يشفع ابتداء بل يأتي فيخر لله ساجدًا فيحمده بمحامد يعلمه إياها ثم يقال ارفع رأسك وسل تعط واشفع تشفع‏.‏ ثم يحد له حدًا فيدخلهم الجنة فكيف بغيره من الأنبياء والأولياء. وهذا الذي ذكرناه لا يخالف فيه أحد من العلماء المسلمين بل قد أجمع عليه السلف الصالح من الأصحاب والتابعين والأئمة الأربعة وغيرهم ممن سلك سبيلهم ودرج على منهاجهم . وأما ما حدث من سؤال الأنبياء والأولياء من الشفاعة بعد موتهم وتعظيم قبورهم ببناء القباب عليها وإسراجها والصلاة عندها واتخاذها أعيادًا وجعل السدنة والنذور لها فكل ذلك من حوادث الأمور التي أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم أمته وحذر منها كما في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان . ) . وهو صلى الله عليه وسلم حمى جناب التوحيد أعظم حماية وسد كل طريق يؤدي الى الشرك ، فنهى أن يجصص القبر وأن يبني عليه كما ثبت في صحيح مسلم من حديث جابر . وثبت فيه أيضًا أنه بعث علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأمره أن لا يدع قبرًا مشرفًا إلا سواه ولا تمثالًا إلا طمسه. ولهذا قال غير واحد من العلماء يجب هدم القباب المبنية على القبور لأنها أسست على معصية الرسول صلى الله عليه وسلم . فهذا هو الذي أوجب الاختلاف بيننا وبين الناس حتى آل بهم الأمر الى أن كفرونا وقاتلونا واستحلوا دماءنا وأموالنا حتى نصرنا الله عليهم وظفرنا بهم ، وهو الذي ندعو الناس إليه ونقاتلهم عليه ، بعدما نقيم عليهم الحجة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وإجماع السلف الصالح من الأمة ممتثلين لقوله سبحانه وتعالى : ( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ) ، فمن لم يجب الدعوة بالحجة والبيان قاتلناه بالسيف والسنان ، كما قال تعالى ( لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس ) .وندعو الناس الى إقامة الصلوات في الجماعات الى الوجه المشروع وإيتاء الزكاة وصيام شهر رمضان وحج بيت الله الحرام ونأمر بالمعروف وننهي عن المنكر كما قال تعالى : ( الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور. ) . فهذا هو الذي نعتقده وندين الله به . فمن عمل بذلك فهو أخونا المسلم له ما لنا وعليه ما علينا . ونعتقد أيضًا أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم المتبعين للسنة لا تجتمع على ضلالة وأنه لاتزال طائفة من أمته على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك. ).
وقال الجبرتى معلقا: ( أقول :إن كان كذلك فهذا ما ندين الله به ونحن أيضًا ، وهو خلاصة لباب التوحيد. وما علينا من المارقين والمتعصبين . وقد بسط الكلام في ذلك ابن القيم في كتابه إغاثة اللهفان والحافظ المقريزي في تجريد التوحيد والإمام اليوسي في شرح الكبرى وشرح الحكم لابن عباد وكتاب جمع الفضائل وقمع الرذائل وكتاب مصايد الشيطان وغير ذلك انتهى‏.‏ ).
وأقول : لو قرأ الجبرتى بإمعان تلك الكتب السنية المشار اليها لوجد تعارضا أساسا بين دعوى ابن سعود وما قاله المقريزى وغيره . يكمن هذا التعارض فى عدم إستحلال دماء المعارضين بمثل ما قالت الوهابية ومثلما فعلت .
2 ـ ووضح تعاطف الجبرتى مع الوهابية بعد أن دمّر (محمد على ) دولتهم ، وجاء بالأسرة السعودية اسرى فى القاهرة بعد أن ارسل رئيسهم ليُعدم فى الاستانة . التقى الجبرتى ـــ عدو محمد على ــ ببعضهم ، ووصف حالهم متعاطفا معهم . وربما كان عداء الجبرتى لمحمد على دافعا آخر للتعاطف مع الوهابيين عملا بالقول الشائع : ( عدو عدوى صديقى ). ونتوقف مع مظاهر تعاطفه معهم فى تأريخه لهم :
ثانيا :
دفاعه عنهم فى صدّهم الناس عن البيت الحرام الذى جعله الله جل وعلا للناس (المسالمين) كافة :
1 ـ أعلن ابن سعود منع غير الوهابيين من الحج ، وقد إعتبرهم مشركين ممنوعين من الاقتراب من المسجد الحرام . وكان يكرر هذا الاعلان . وذكر الجبرتى فى أحداث : [ شهر صفر سنة 1222هـ ]
قال : ( وفيه وصل ثلاث دوات من جدة إلى ساحل السويس فيها أتراك وشوام وأجناس آخرون وذكروا أن الوهابي نادى بعد انقضاء الحج أن لا يأتي إلى الحرمين بعد هذا العام من يكون حليق الذقن وتلافي المناداة قوله تعالى *(يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا))
وخصّ ابن سعود المصريين والشاميين والعراقيين بهذا المنع .
2 ــ وتبنى الجبرتى وجهة النظر الوهابية مع انها تنطبق عليه بإعتباره مصريا . في ذكره لأحداث سنة 1232هـ، يقول الجبرتي: ( منها انقطاع الحج الشامي والمصري؛ معتلين بمنع الوهابي الناس عن الحج؛ والحال ليس كذلك، فإنه لم يمنع أحدًا يأتي الحج على الطريقة المشروعة، وإنما يمنع من يأتي بخلاف ذلك من البدع، التي لا يجيزها الشرع؛ مثل المحمل، والطبل والزمر، وحمل الأسلحة، وقد وصل طائفة من حجاج المغاربة، وحجوا، ورجعوا في هذا العام، وما قبله، ولم يتعرض لهم أحد بشيء").
ونقول : كان من الممكن أن يسمح لهم بالحج وأن يمنعهم من تلك ( البدع ). ولكن الذى حدث ان ابن سعود بادر بالمنع ثم وضع الشروط .
جدير بالذكر أن الممنوع من الاقتراب من المسجد الحرام هم فقط المجرمون المعتدون ناكثو العهد كما تؤكده سورة التوبة . أى ينطبق المنع على الوهابيين الذين خرجوا من الدرعية يغزون ويعتدون ويحتلون بلاد غيرهم ثم وصلوا بهذا الاعتداء والغزو والاحتلال الى بيت الله الحرام الذى جعله الله جل وعلا مثابة للناس وأمنا ، ثم فرضوا على أهله شعائر دينهم ومنها تحريم شرب التنباك ( الدخان ).
ثالثا : فى سلبهم كنوز الحجرة النبوية
تناقل الناس وقتها سلب ابن سعود كنوز الحجرة النبوية التى إعتاد الملوك والسلاطين والأثرياء وضعها فى تلك الحجرة. وبمرور القرون اصبحت متخمة بالكنوز ، بل صارت الكنوز نفسها مقدسة محمية من السرقة لاعتقاد الناس أنها أضحت مملوكة للنبى ذاته . جرؤ ابن سعود على سلبها حين استولى على المدينة ، وربما كانت هى الهدف الأكبر له فى غزوه المدينة . توالى الهجوم على ما فعله ابن سعود حتى أصبح عارا لا يليق الدفاع عنه ، حتى أن عثمان بن بشر الوهابى الذى أرّخ للدولة السعودية الأولى والثانية تجاهل هذا بالكامل . أما الجبرتى فقد دافع عن هذا العار .
فى عام 1221 ه يقول الجبرتي : ( لما استولى الوهابيون على المدينة المنورة هدموا القباب التي فيها وفي ينبع ومنها قبة أئمة البقيع بالمدينة ، وحملوا الناس على ما حملوه عليه في مكة ، وأخذوا جميع ذخائر الحجرة النبوية وجواهرها حتى أنهم حصلوا على أربع سحاحير من الجواهر المملاة بالماس والياقوت العظيمة القدر ). وقد أثار ذلك إنكار الناس ، وتصدى الجبرتى يرد عليهم مدافعا عن ابن سعود ، يقول : ( ويذكرون أن الوهابي استولى على ما كان بالحجرة الشريفة من الذخائر والجواهر، ونقلها وأخذها، فيرون أن أخذه لذلك من الكبائر العظام، وهذه الأشياء أرسلها ووضعها خساف العقول من الأغنياء، والملوك، والسلاطين الأعاجم، وغيرهم؛ إما حرصاً على الدنيا، وكراهة أن يأخذها من يأتي بعدهم، أو لنوائب الزمان، فتكون مدخرة ومحفوظة لوقت الاحتياج إليها، فيستعان بها على الجهاد، ودفع الأعداء، فلما تقادمت عليها الأزمنة، وتوالت عليها السنين والأعوام الكثيرة، وهي في الزيادة، فارتدت معنى لا حقيقة، وارتسم في الأذهان حرمة تناولها، وأنها صارت مالاً للنبي صلى الله عليه وسلم، فلا يجوز لأحد أخذها، ولا إنفاقها، والنبي عليه الصلاة والسلام منزه عن ذلك، ولم يدخر شيئاً من عرض الدنيا في حياته، وقد أعطاه الله الشرف الأعلى، وهو الدعوة إلى الله تعالى والنبوة والكتاب، واختار أن يكون عبداً، ولم يختر أن يكون نبياً ملكا )..
وقد أعاد الجبرتى نفس الموضوع مع بعض تفصيلات جاءته فيما بعد . يقول فى أحداث شهر ذي الحجّة سنة 1223هـ : (حضر الوهابي واستولى على المدينة ، وأخذ تلك الذخائر، فيقال انه عبى أربعة سحاحير من الجواهر المحلاة بالألماس والياقوت العظيمة القدر ، ومن ذلك اربع شمعدانات من الزمرد ، وبدل الشمعة قطعة الماس مستطيلة يضيء نورها في الظلام ، ونحو مائة سيف قراباتها ملبسة بالذهب الخالص ومنزل عليها الماس وياقوت ، ونصابها من الزمرد واليشم ونحو ذلك ، وسلاحها من الحديد الموصوف ، كل سيف منها لا قيمة له، وعليها دمغات باسم الملوك والخلفاء السالفين وغير ذلك. ).
ونقول :كنز الذهب والفضة محرم فى الاسلام ( التوبة 34 ) ، وأشدُّ التحريم فى أن يتحول هذا الى قُربان ونذر للموتى وضمن تقديس قبورهم التى أصبحت بها التقديس رجسا من عمل الشيطان . ولكن ليس الحل ان ينهبها ابن سعود ويستأثر بها، ويزعم أن ذلك هو الاسلام ، ولكن الحُكم الاسلامى فى هذه الكنوز أن يتم توزيعها صدقة على فقراء المسلمين .
رابعا ـ تجاهل الجبرتى تفصيلات وحشيتهم وعدم إنكاره عليهم :
1 ــ مذبحة الطائف
كانت ــ ولا تزال ـ وصمة عار فى تاريخ الدولة السعودية الأولى ، مع أنهم كرروها فى الدولة السعودية الثالثة الراهنة .كانت الطائف تحت حكم الشريف غالب حاكم مكة ، وكان بينه وبين الوهابية المواثيق ، ولكنهم غدروا فتمكنوا من الاستيلاء على الطائف ، إذ دخلوها عنوة في ذي القعدة 1217هـ/1802م فقتلوا الناس بدون تمييز بين رجل وامرأة وطفل ؛ حتى أنهم كانوا يذبحون الرضيع على صدر أمه ، كما قتلوا من وجدوا في المساجد والبيوت ولاحقوا الفارين من المدينة فقتلوا أكثرهم ، وأعطوا الأمان للبعض فلما استسلموا ضربوا أعناق فريق منهم ، وأخرجوا فريقاً إلى أحد الأودية ، واسمه وادي الوج، فتركوهم مكشوفي العورة ومعهم النساء. وأخذت الأعراب تروح وتغدو إلى الطائف فتحمل المنهوبات الهائلة التي كانت تخمَّس ، ويرسل خمسها إلى الأمير ويقتسمون ما بقى . كما عبثوا بالمصاحف والكتب الدينية المناقضة لهم ورموها بعد أن مزقوها ورموها في الأزقة . وعمدوا أخيراً إلى حفر بيوت المدينة حتى المراحيض بحثاً عن المال الذي قيل لهم أنه خبئ في الأرض! وبعض الأعراب الوهابيين ــ بعد أن قتلوا وذبحوا الرجال والنساء والأطفال والصلحاء ــ عمدوا إلى قطع أيدي النساء لانتزاع الحلي منها ، كما كانوا يتوضأون بدماء الآدميين بعد صبه في الماء. وقد قتل خلال هذه المجزرة الشيخ عبدالله الزواوي مفتي الشافعية بمكة المكرمة، والشيخ عبدالله أبو الخير قاضي مكة ، والشيخ جعفر الشيبي وغيرهم ذبحوهم بعد أن أمَّنوهم عند أبواب بيوتهم). هذا ما تواتر عن مذبحة الطائف. فماذا قال الجبرتى عن هذه المذبحة ؟
يقول الجبرتى فى أحداث ( شهر ذي الحجة الحرام سنة 1217 : وفي يوم الجمعة خامس عشره حضرت مكاتبات من الديار الحجازية يخبرون فيها عن الوهابيين أنهم حضروا الى جهة الطائف فخرج إليهم شريف مكة الشريف غالب فحاربهم فهزموه، فرجع الى الطائف وأحرق داره التي بها ، وخرج هاربًا الى مكة ، فحضر الوهابيون الى البلدة ... فحاربوا الطائف وحاربهم أهلها ثلاثة أيام حتى غلبوا فأخذ البلدة الوهابيون ، واستولوا عليها عنوة وقتلوا الرجال وأسروا النساء والأطفال. وهذا دأبهم مع من يحاربهم‏.‏ )
ونتأمل صياغته الخبر فى قوله يساوى بين المعتدى المهاجم والسكان المُعتدى عليهم : ( فحاربوا الطائف وحاربهم أهلها ثلاثة أيام ). ثم يوجز المذبحة فى عدة كلمات (وقتلوا الرجال وأسروا النساء والأطفال ) ثم يوجز وحشية الوهابيين فى بضع كلمات : (وهذا دأبهم مع من يحاربهم‏.‏ )
2 ـ وفى حصارهم المدينة أحكموا حصارها حتى مات أكثر أهل المدينة جوعا . ولم تهتز شعرة للجبرتى فذكر بكل برود هذا الحصار فى أحداث شهر ربيع الأول سنة 1219 . قال: ( وفي ثالث عشره ورد الخبر بوصول مراكب داوات من القلزم إلى السويس وفيها حجاج والمحمل وأخبروا بمحاصرة الوهابيين لمكة والمدينة وجدة وأن أكثر أهل المدينة ماتوا جوعًا لعزة الأقوات . ) ‏ . لم يستحق أولئك المدنيون العُزّل من أهل المدينة عبارة عزاء من الجبرتى .
خامسا : تجاهل الجبرتى الانكار على الوهابيين فى التهجير القسرى :
وحشية الوهابيين أدت الى تسليم مكة سلميا ، وادت الى فرار كثيرين من بلادهم خوفا على حياتهم وأعراضهم ، لجأ بعضهم الى الشام والعراق ومصر يستنجدون بحاكمها وسافر آخرون الى السلطان العثمانى . هذا تهجير قسرى ، لأن الذى يبقى وينجو من القتل سيصبح أسيرا لتحكم الوهابيين وتزمتهم وتسلطهم فى شريعتهم بتغيير المنكر . وقد جاء فى تسجيل الجبرتى لمحات عن هذا التهجير القسرى لمن هرب الى مصر . ونقتطف ما قاله الجبرتى ، وهو يقوله دون إنكار :
1 : ( شعبان سنة 1217: وفيه حضرت جماعة من أشراف مكة وعلمائها هروبا من الوهابيين وقصدهم السفر الى اسلامبول يخبرون الدولة بقيام الوهابيين ويستنجدون بهم لينقذوهم منهم ويبادروا لنصرهم عليهم فذهبوا الى بيت الباشا والدفتردار وأكابر البلد وصاروا يحكون ويشكون وتنقل الناس أخبارهم وحكاياتهم‏.‏ )
2 ـ شهر شوال سنة 1217 : وفي غايته حضر أولاد الشريف سرور شريف مكة هروبًا من الوهابيين ليستنجدوا بالدولة فنزلوا ببيت المحروقي بعدما قابلوا محمد باشا والي مصر وشريف باشا والي جدة‏.‏ )
3 ـ شهر صفر 1218 : وفي يوم الأحد حضر الشريف عبد الله ابن سرور وصحبته بعض أقاربه من شرفاء مكة وأتباعهم نحو ستين نفرًا وأخبروا أنهم خرجوا من مكة مع الحجاج وأن عبد العزيز بن مسعود الوهابي دخل الى مكة من غير حرب وولى الشريف عبد المعين أميرًا على مكة والشيخ عقليًا قاضيًا وأنه هدم قبة زمزم والقباب التي حول الكعبة والأبنية التي أعلى من الكعبة وذلك بعد أن عقد مجلسًا بالحرم وباحثهم على ما الناس عليهم من البدع والمحرمات المخالفة للكتاب والسنة وأخبروا أن الشريف غالبًا وشريف باشا ذهبا الى جدة وتحصنا بها وأنهم فارقوا الحجاج في الجديدة‏.‏) أى أن من بقى فى مكة إستمع خاضعا لابن سعود لا يجرؤ على مناقشته ، وإلا قتلوه . أما من هرب فجاء يخبر بالأحوال .
4 ـ محرم 1218 : ( وفيه حضر هجان على يده مكاتيب مؤرخة في عشرين شهر الحجة مضمونها أن الوهابيين أحاطوا بالديار الحجازية وأن شريف مكة غالب تداخل مع شريف باشا وأمير الحاج المصري والشامي وأرشاهم على أن يتعوقوا معه أيامًا حتى ينقل ماله ومتاعه الى جدة وذلك بعد اختلاف كبير وحل وربط وكونهم يجتمعون على حربه ثم يرجعون على ذلك الى أن اتفق رأيهم على الرحيل فأقاموا مع الشريف اثني عشر يومًا ثم رحلوا ورحل الشريف بعد أن أحرق داره..)
5 ــ شهر صفر 1218 : وفي يوم الاثنين وردت مكاتبات من الديار الحجازية مؤرخة في منتصف محرم وفيها الإخبار باستيلاء الوهابيين على مكة في يوم عاشوراء وأن الشريف غالب أحرق داره وارتحل الى جدة وأن الحجاج أقاموا بمكة ثمانية أيام زيادة عن المعتاد بسبب الارتباك قبل حصول الوهابيين بمكة ومراعاة للشريف حتى نقل متاعه الى جدة ثم ارتحل الحجاج وخرجوا من مكة طالبين زيارة المدينة فدخل الوهابيون بعد ارتحال الحج بيومين‏.‏ )
6 ــ شهر ذي الحجّة 1223هـ : ( وانقطع عن أهل المدينة ومكّة ما كان يصل إليهم من الصدقات والعلائف والصرر التي كانوا يتعيشون منها خرجوا من أوطانهم بأولادهم ونسائهم ولم يمكث الا الذي ليس له ايراد من ذلك واتوا إلى مصر والشام ومنهم من ذهب إلى إسلامبول يتشكون من الوهابي ويستغيثون بالدولة في خلاص الحرمين لتعود لهم الحالة التي كانوا عليها من اجراء الارزاق واتصال الصلات والنيابات والخدم في الوظائف التي بأسماء رجال الدولة كالفراشة والكناسة ونحو ذلك ).
سادسا : تجاهل الجبرتى الانكار على حروب ابن سعود الهجومية فى الشهور الحُرُم :
من ملاحظة الأخبار السابقة نرى بعضها قد حدث فى الأشهر الحُرُم . وإذا كان رعاع العسكر العثمانى يقتلون السكان العُزّل فى كل الأشهر ، فقد كانوا لا يزعمون الاسلام ، بل كان بعضهم مسيحيين . أما الوهابيين الذين زعموا إمتلاك الاسلام وبهذا الزعم إستباحوا الغزو والاحتلال والقتل والسلب والنهب والاغتصاب فى الشهر الحرام ـ.. كيف غاب عن الشيخ الأزهرى المؤرخ الفقيه الجبرتى هذا مع أنه يؤرخ بالأشهر العربية ، ويقول شهر ذى الحجة الحرام .
أخيرا : إذا كان الجبرتى المدافع عن الوهابيين يضطر لذكر ما شاع عن وحشيتهم وسارت بها الركبان ، فما أخفاه كان أفظع .
ننتقل من الجبرتى الى ابن عبد الوهاب ودولته الوهابية .



الخطاب الدينى الدعائى المنافق للشيخ محمد بن عبد الوهاب
أولا : الاتفاق بين ابن تيمية وابن عبد الوهاب فى تناقض الخطاب
أبن تيمية كان يسلم لاولياء التصوف ويعتقد في ولايتهم وكراماتهم وشفاعاتهم ، يقول ابن تيمية (ان الصوفية مجتهدون في طاعة الله) ويقول عن الجنيد احد ائمة التصوف السابقين (فإن الجنيد قدس الله روحه كان من ائمة الهدى ..)غاية ما هناك ان ابن تيمية يري ان طوائف من اهل البدع قد انتسبوا للتصوف وليسوا منهم كالحلاج . ويعتقد ابن تيمية في كرامات الاولياء حتي فيمن يعتبرهم من أولياء الشيطان . (ابن تيمية :رسالة الصوفيه والفقراء16،الفرقان بين اولياءالرحمن واولياء الشيطان 99،100،141ط صبيح .القاهرة ). ثم يصدر فتاوى بالقتل لكل من يخالفه فى رأيه ، وفى مقدمتهم الصوفية، وقد دعا ابن تيمية لقتال الشيعة وكتب فى تكفيرهم .ابن عبد الوهاب فى خطابه الدعائى يوافق الشائع بين المحمديين من سنة وشيعة وصوفية . ولكنه فى دينه الفعلى يستبيح دماءهم بعد تكفيرهم . أى يطبق فتاوى ابن تيمية بقتل الناس جميعا ، أى قتل من عداه من الناس ، أى غير الوهابيين .
ثانيا : ونستعرض ملامح هذا الخطاب الدعائى الكاذب :
1 ـ أعلن أنه ليس مبتدعا مذهبا جديدا . قال : ( ولست - ولله الحمد - أدعو إلى مذهب صوفي أو فقيه أو متكلم أو إمام من الأئمة الذين أعظمهم مثل ابن القيم ، والذهبي ، وابن كثير ، أو غيرهم .بل أدعو إلى الله وحده لا شريك له ، وأدعو إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي أوصى بها أول أمته وآخرهم ، وأرجو ألا أرد الحق إذا أتاني ، بل أشهد الله وملائكته وجميع خلقه إن أتانا منكم كلمة من الحق لأقبلنها على الرأس والعين ، ولأضربن الجدار بكل ما خالفها من أقوال أئمتي ، حاشا رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه لا يقول إلا الحق . ) ( الدرر السنية " ( 1 / 37 ، 38 ) .( عقيدتي وديني الذي أدين به : مذهب أهل السنة والجماعة الذي عليه أئمة المسلمين مثل الأئمة الأربعة وأتباعهم إلى يوم القيامة .) ( الدرر السنية " ( 1 / 64 ) بل إنه يوجب السمع والطاعة للحاكم المتغلب مهما كان . ويقول : ( أن من تمام الاجتماع السمع والطاعة لمن تأمّر علينا ولو كان عبداً حبشيّاً .. ) ( مجموعة مؤلفات الشيخ ( 1 / 394 ) بواسطة " دعاوى المناوئين " ( 233 – 234) .
بل بالفعل هو مذهب دموى متوحش غير مسبوق فى تاريخ المحمديين . لم يقم الشافعية أو المالكية أو الأحناف أو حتى الحنابلة بمذابح . المذابح التى قامت بها الوهابية والتى لا تزال تقوم بها لم يقترف مثلها اسماعيل الصفوى أو تيمورلنك .
2 ـ : ابن عبد الوهاب فى خطابه الدعائى الكاذب يتفق مع أقوال الصوفية والسنيين والشيعة فى تفضيل النبى ( محمد ) على الأنبياء السابقين ، يقول عنه : ( وهو سيد الشفعاء ، وصاحب المقام المحمود ، وآدم فمن دونه تحت لوائه . ( الدرر السنية 1/86 )( وأول الرسل نوح ، وآخرهم وأفضلهم محمد صلى الله عليه وسلم . ( الدرر السنية 1/143 )
3 ـ : أى يؤمن ايضا بشفاعة النبى محمد ويقول ردا على خصومه : (يزعمون أننا ننكر شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم ؟ سبحانك هذا بهتان عظيم ، بل نشهد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم الشافع المشفع ، صاحب المقام المحمود ، نسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يشفعه فينا ، وأن يحشرنا تحت لوائه . ( الدرر السنية 1/64،63 )، ويقول :( ولا ينكر شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم إلا أهل البدع والضلال ولكنها لا تكون إلا من بعد الإذن والرضى ، كما قال تعالى : (( ولا يشفعون إلا لمن ارتضى )) وقال تعالى : (( من ذا الذي يشفعه عنده إلا بإذنه )) ( الدرر السنية 1/31 ) .
4: ويقول عن آل البيت : ( وقد أوجب الله لأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس حقوقا ، فلا يجوز لمسلم أن يسقط حقوقهم ويظن أنه من التوحيد ، بل هو من الغلو . ). (مؤلفات الشيخ 5/284)
5 : ويقول عن كرامات الأولياء الصوفية : ( وأقر بكرامات الأولياء ) ( الدرر السنية 1/32 ) .
وابن عبد الوهاب يري ان قوله تعالي : (الا ان اولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) ، ينطبق علي الاولياء الصوفية المعبودين في عصره ويري ان الواجب حبهم واتباعهم والاقرار بكراماتهم ويقول (ولا يجحد كرامات الاولياء الا اهل البدع والضلال ) ( مؤلفات الشيخ 1/169 ).الا انه يستنكر عبادتهم والاشراك بهم .
6 ــ ويري ان الاولياء يشفعون يوم القيامة ، الا انه يمنع طلب الشفاعة من الاولياء لأن ذلك شرك وانما تطلب من الله سبحانه وتعالي لأنه صاحب الأذن في الشفاعة ،فيأذن للأولياء الصوفي بالشفاعة ( ابن عبد الوهاب: كشف الشبهات 8،،10،38.)، أى يجعل الله جل وعلا واسطة بين الناس والأولياء الصوفية ، ويجعل الأولياء الصوفية أعلى مقاما من رب العزة جل وعلا ، فالناس يطلبون من الله ــ جل وعلا ـ أن يشفع فيهم الأولياء الصوفية ، فيطلب الله ــ جل وعلا ــ من الأولياء الصوفية أن يشفعوا للناس . ,هذا حُمق فى التفكير لا مثيل له حتى بين الحمير .! .
ثالثا : تكرير خطابه الدعائى ردا على خصومه :
1 ــ واجه ابن عبد الوهاب حملة دعائية ضخمة من الصوفية والشيعة والصوفية السنيين . وقد ردّ يزايد عليهم بدين التصوف السنى ، ويكرر أقواله التى لا يملك خصومه السنيون والصوفية إلا التسليم بما يقوله . ولذا تكاثرت رسائله بمثل ما حدث من ابن تيمية .
2 ـ وقد ردّ على إثنى عشر إتهاما قالها خصومه ، وهو ينفيها ويتبرأ منها . قال ( إذا تبين هذا فالمسائل التي شنع بها منها ، ما هو من البهتان الظاهر :وهي قوله : إني مبطل كتب المذاهب .وقوله : إني أقول إن الناس من ستمائة سنة ليسوا على شيء . وقوله إني أدَّعى الاجتهاد . وقوله : إني خارج عن التقليد .
. وقوله إني أقول : إن اختلاف العلماء نقمة . وقوله إني أكفر من توسل بالصالحين . وقوله : إني أكفر البوصيري لقوله " يا أكرم الخلق " .. وقوله إني أقول لو أقدر على هدم حجرة الرسول لهدمتها . ولو أقدر على الكعبة لأخذت ميزابها وجعلت لها ميزاباً من خشب.. وقوله إني أنكر زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم .. وقوله إني أنكر زيارة قبر الوالدين وغيرهم . وإني أكفر من يحلف بغير الله .فهذه اثنتا عشرة مسألة. جوابي فيها أن أقول : ( سُبْحَانَكَ هَذا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ ) . ( الرسائل الشخصية للشيخ محمد بن عبد الوهاب)" ( ص 64 ) .
رابعا : رسالته الى أهل القصيم وقد سألوه عن عقيدته :
تعتبر نموذجا لخطابه الدعائى الذى يكرر فيه نفس اقواله . قال فيها :
1 ـ تبعيته لأهل السنة والجماعة ضد المعتزلة والقدرية والجبرية والخوارج والشيعة فيما يخص صفات الله جل وعلا :( أشهد الله ومن حضرني من الملائكة وأشهدكم أني أعتقد ما اعتقدته الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت ،.)( والإيمان بالقدر خيره وشره ، ومن الإيمان بالله الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تحريف ولا تعطيل ، بل أعتقد أن الله سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ، فلا أنفي عنه ما وصف به نفسه ولا أحرف الكلم عن مواضعه ، ولا ألحد في أسمائه وآياته ، ولا أكيف ، ولا أمثل صفاته تعالى بصفات خلقه لأنه تعالى لا سميَّ له ولا كفؤ ، ولا ند له ، ولا يقاس بخلقه فإنه سبحانه أعلم بنفسه وبغيره وأصدق قيلاً وأحسن حديثاً فنزه نفسه عما وصفه به المخالفون من أهل التكييف والتمثيل : وعما نفاه عنه النافون من أهل التحريف والتعطيل فقال : { سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ . وَسَلامٌ عَلى المُرْسلين والحمْدُ لله رَبّ العالمين } والفرقة الناجية وسط في باب أفعاله تعالى بين القدرية والجبرية ، وهم في باب وعيد الله بين المرجئة والوعيدية ؛ وهم وسط في باب الإيمان والدين بين الحرورية والمعتزلة ، وبين المرجئة والجهمية ، وهم وسط في باب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الروافض والخوارج )
2 ـ وقال برأى الحنابلة عن القرآن الكريم إنه غير مخلوق : ( وأعتقد أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود ؛ وأنه تكلم به حقيقة وأنزله على عبده ورسوله وأمينه على وحيه وسفيره بينه وبين عباده نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ؛)
3 ـ وقال بمذهب الأشعرى السنى فى القضاء والقدر : ( وأومن بأن الله فعال لما يريد ، ولا يكون شيء إلا بإرادته ، ولا يخرج شيء عن مشيئته ، وليس شيء في العالم يخرج عن تقديره ولا يصدر إلا عن تدبيره ولا محيد لأحد عن القدر المحدود ولا يتجاوز ما خط له في اللوح المسطور . )
4 ـ ومثلهم جميعا يؤمن بخرافة علم النبى محمد بالغيب ، وما زعمته الأحاديث المفتراة عما سيحدث بزعمهم فى القبر وفى البعث والحشر والحوض والصراط ( وأعتقد الإيمان بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم مما يكون بعد الموت ، فأومن بفتنة القبر ونعيمه ، وبإعادة الأرواح إلى الأجساد ، فيقوم الناس لرب العالمين حفاة عراة غرلا تدنو منهم الشمس ، وتنصب الموازين وتوزن بها أعمال العباد فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ، ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون وتنشر الدواوين فآخذ كتابه بيمينه وآخذ كتابه بشماله . وأومن بحوض نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بعرصة القيامة ، ماؤه أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل آنيته عدد نجوم السماء من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبداً ، وأومن بأن الصراط منصوب على شفير جهنم يمر به الناس على قدر أعمالهم .)
5 ـ وأنه مؤمن بخرافة شفاعة النبى ، ويؤول آيات الشفاعة طبقا لهذا بنفس طريقتهم : (وأومن بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم وأنه أول شافع وأول مشفع ، ولا ينكر شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم إلا أهل البدع والضلال ، ولكنها لا تكون إلا من بعد الإذن والرضى كما قال تعالى : { وَلا يَشْفَعُونَ إلا لِمَنْ ارْتَضى } ، وقال تعالى : { مَنْ ذا الذي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلا بإذنه } ، وقال تعالى : { وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ في السّمَوَاتِ لا تُغْني شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إلا مِنْ بَعْدِ أنْ يَأذَنَ اللهُ لمن يشاءُ ويَرْضى } وهو لا يرضى إلا التوحيد ؛ ولا يأذن إلا لأهله ، وأما المشركون فليس لهم من الشفاعة نصيب ؛ كما قال تعالى :{ فَمَا تَنْفَعُهُمُ شَفَاعَةُ الشّافِعِين } (وأومن بأن الجنة والنار مخلوقتان ، وأنهما اليوم موجودتان ، وأنهما لا يفنيان ؛ وأن المؤمنين يرون ربهم بأبصارهم يوم القيامة كما يرون القمر ليلة البدر لا يضامون في رؤيته .)
6 ـ ويؤمن بترتيب أفضلية الصحابة حسب المعتاد عند أهل السنة مع سكوته عما وقع فيه الصحابة من حروب ، بنفس المنهج السنى مخالفا عقيدة الشيعة فى الطعن فى بعض الصحابة وفى السيدة عائشة : ( وأومن بأن نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين والمرسلين ، ولا يصح إيمان عبد حتى يؤمن برسالته ويشهد بنبوته ؛ وأن أفضل أمته أبو بكر الصديق ؛ ثم عمر الفاروق ، ثم عثمان ذو النورين ، ثم علي المرتضي ، ثم بقية العشرة ، ثم أهل بدر ، ثم أهل الشجرة أهل بيعة الرضوان ، ثم سائر الصحابة رضي الله عنهم . وأتولى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأذكر محاسنهم وأترضى عنهم وأستغفر لهم وأكف عن مساويهم وأسكت عما شجر بينهم ، وأعتقد فضلهم عملا بقوله تعالى : { والّذينَ جَاؤُا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولونَ رَبّنَا اغْفِرْ لَنا ولإخْوَانِنا الّذين سَبَقُونا بالإيمان وَلا تَجْعَلْ في قُلوبِنا غِلاًّ للّذينَ آمَنُوا رَبّنا إنّكَ رَؤفٌ رَحيمٌ } وأترضى عن أمهات المؤمنين المطهرات من كل سوء. )
7 ـ ويؤمن بالكرامات المزعومة للأولياء وعلمهم المزعوم بالغيب ، مع تحفظ هزيل ، يقول : ( وأقرّ بكرامات الأولياء ومالهم من المكاشفات إلا أنهم لا يستحقون من حق الله تعالى شيئاً ولا يطلب منهم ما لا يقدر عليه إلا الله. )
8 ـ ثم يزعم كاذبا عدم تكفير المسلمين . يقول : ( ولا أشهد لأحد من المسلمين بجنة ولا نار إلا من شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولكني أرجو للمحسن وأخاف على المسيء ، ولا أكفر أحداً من المسلمين بذنب ، ولا أخرجه من دائرة الإسلام . ) .. كلام معسول يتدفق حنانا وسلاما كما لو كان المهاتما غاندى .!!
9 ـ ويرى إستمرارية الجهاد خلف كل حاكم تقيا كان أم فاجرا ، مع السمع والطاعة للحاكم ما لم يأمر بمعصية : ( وأرى الجهاد ماضيا مع كل إمام براً كان أو فاجراً وصلاة الجماعة خلفهم جائزة ، والجهاد ماض منذ بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم إلى أن يقاتل آخر هذه الأمة الدجال لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل ، وأرى وجوب السمع والطاعة لأئمة المسلمين برهم وفاجرهم ما لم يأمروا بمعصية الله ، ومن ولي الخلافة واجتمع عليه الناس ورضوا به وغلبهم بسيفه حتى صار خليفة وجبت طاعته ؛ وحرم الخروج عليه . ) . وإذن لماذا غزا الآخرين ؟ ولماذا رفض طاعة العثمانيين ؟
10 ـ ويرى هجر أهل البدع ( وليس قتالهم ) حتى يتوبوا : ( وأرى هجر أهل البدع ومباينتهم حتى يتوبوا ، وأحكم عليهم بالظاهر وأكل سرائرهم إلى الله . ) . هذا يخالف تاريخه المكتوب بالدماء واشلاء الضحايا الأبرياء .!
11 ـ ويقول قول السنيين :( وأعتقد أن كل محدثة في الدين بدعة . وأعتقد أن الإيمان قول باللسان وعمل بالأركان واعتقاد بالجنان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية وهو بضع وسبعون شعبة أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ، وأرى وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على ما توجبه الشريعة المحمدية الطاهرة . فهذه عقيدة وجيزة حررتها وأنا مشتغل البال لتطلعوا على ما عندي والله على ما نقول وكيل . )12
ـ ثم يقول ردا على إتهامات بعض خصومه فيقول : ( ثم لا يخفى عليكم أنه بلغني أن رسالة سليمان بن سحيم قد وصلت إليكم وأنه قبلها وصدقها بعض المنتمين للعلم في جهتكم. والله يعلم أن الرجل افترى عليَّ أموراً لم أقلها ولم يأت أكثرها على بالي ) ( ملاحظة : هنا يُشهد الله جل وعلا على ما فى قلبه وهو كاذب ، وينطبق عليه قوله جل وعلا عن المنافق : ( وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ) البقرة 204 : 205 ) .
ونعود اليه وهو يرد على الاتهامات : ( فمنها قوله : إني مبطل كتب المذاهب الأربعة ، وإني أقول إن الناس من ستمائة سنة ليسوا على شيء وإني أدعي الاجتهاد ، وإني خارج عن التقليد وإني أقول إن اختلاف العلماء نقمة ، وإني أكفر من توسل بالصالحين ، وإني أكفر البوصيري لقوله يا أكرم الخلق ، وإني أقول لو أقدر على هدم قبة رسول الله صلى الله عليه وسلم لهدمتها ، ولو أقدر على الكعبة لأخذت ميزابها وجعلت لها ميزاباً من خشب ، وإني أحرم زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وإني أنكر زيارة قبر الوالدين وغيرهما ، وإني أكفر من حلف بغير الله ، وإني أكفر ابن الفارض وابن عربي ، وإني أحرق دلائل الخيرات وروض الرياحين وأسميه روض الشياطين . جوابي عن هذه المسائل أن أقول سبحانك هذا بهتان عظيم . وقبله من بهت محمداً صلى الله عليه وسلم أنه يسب عيسى بن مريم ويسب الصالحين فتشابهت قلوبهم بافتراء الكذب وقول الزور . قال تعالى : { إنما يفترى الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله } الآية . بهتوه صلى الله عليه وسلم بأنه يقول إن الملائكة وعيسى وعزيراً في النار . فأنزل الله في ذلك : { إن الذين سبقت لهم منّا الحسنى أولئك عنها مبعدون } .) هذا تناقض مع ما قرره فى كتبه الأخرى من إستحلال للدماء ، ويطول بنا المقام لو عرضنا لهذا التناقض فى أقواله ، فيكفى تاريخهم الدموى .
13 : ثم ذكر بعض آرائه : ( وأما المسائل الأخر وهي أني أقول لا يتم إسلام الإنسان حتى يعرف معنى لا إله إلا الله وأني أعرّف من يأتيني بمعناها وأني أكفر الناذر إذا أراد بنذره التقرب لغير الله وأخذ النذر لأجل ذلك ، وأن الذبح لغير الله كفر والذبيحة حرام . فهذه المسائل حق وأنا قائل بها . ولي عليها دلائل من كلام الله وكلام رسوله ، ومن أقوال العلماء المتبعين كالأئمة الأربعة وإذا سهل الله تعالى بسطت الجواب عليها في رسالة مستقلة إن شاء الله تعالى .ثم اعلموا وتدبروا قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الذين آمَنُوا إنْ جاءَكُم فَاسِق بِنَبَأٍ فَتَبَيّنُوا أنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ } الآية .)
أخيرا :
1 ـ هو خطاب دعائى كاذب . كان ممكنا أن نصدقه لولا أن دين الوهابية العملى تأسّست به الدولة السعودية بغير ذلك ، بالحكم بتكفير الآخرين وإستحلال غزوهم وإحتلال بلادهم ، وسلب أموالهم وهتك أعراضهم وسبى ذراريهم . عقد ابن عبد الوهاب عهدا مع ابن سعود على التوسع بالغزووالاحتلال وإستحلال الدماء والأموال والأعراض . وكان ابن عبد الوهاب نفسه قائدا فى تلك الحروب . وفى أوقات فراغه كان يكتب هذه الرسائل الدعائية يخدع بها الناس . وهى نفس ما فعله ابن سعود بعد أن إنتهك حرمة مكة واحتلها وإرتكب مذبحة الطائف ومذابح قبلها ومذابح بعدها وسرق كنوز الحجرة النبوية . كتب ابن سعود رسالة دعائية لا تختلف عن رسائل شيخه ابن عبد الوهاب ، تلك الرسالة التى نقلها الجبرتى ، وصدّقها .
2 ـ ولكن المحصلة النهائية غاية فى العجب . فالمنافقون يقولون شيئا ويبطنون شيئا آخر ، ومع أنهم مسالمون فهم فى الدرك الأسفل من النار . فكيف بالوهابيين المنافقين الذين يزعمون إمتلاك الاسلام ثم يقتلون به البشر المخالفين لهم ويستحلون به اموالهم ؟

الدين العملى لابن عبد الوهاب هو حرب الله جل وعلا ورسوله
مقدمة : شريعة الاسلام وشريعة الحرب ضد الله جل وعلا ورسوله
1 ـ شريعة الاسلام تحصر تشريع القتل فى القصاص فقط مع كون الدية مانعا للقتل قصاصا (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنْ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (178) البقرة) .
2 ـ وهو نفس الحال فى القتال الدفاعى فى الاسلام ، قال جل وعلا : (الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (194) البقرة ).
3 ـ والله جل وعلا جعلها قاعدة تشريعية تكررت ثلاث مرات تؤكد على حُرمة قتل النفس البريئة التى لم تقع فى جريمة القتل . قال جل وعلا ضضمن الوصايا العشر: (وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151) الانعام )وأكّدها ضمن صفات عباد الرحمن (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ) (68)الفرقان ) وفى قوله جل وعلا : (وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُوراً (33)الاسراء ).
4 ـ رب العزة جل وعلا جعل إستحلال القتل للنفس البريئة قتلا للناس جميعا . لأن هذا الاستحلال يجعل القتل دينا ، أى قابلا للتطبيق على أنه شرع اسلامى بالتزوير . وبالتالى فإن فتاوى ابن تيمية بالقتل للأبرياء هى بمثابة قتل للناس جميعا ، وبالتالى أيضا فإن من يتصدى لهذه الفتاوى بالرد والانتقاد وتبرئة الاسلام منها يكون بمثابة من أحيا الناس جميعا. وما أروع قوله جل وعلا:(مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً )(32)المائدة ) . الروعة هنا أن الافتاء بالقتل يعنى تشريع القتل عموما ، وتجعل تنفيذ هذا واجبا دينيا وفريضة على يد كل من يؤمن بهذا التشريع الضّال، وهذه هى جريمة ابن تيمية وابن عبد الوهاب وسائر أئمة المحمديين دُعاة إستحلال الدماء والأموال والأعراض.
5 ـ الآية التالية تجعل الذين يطبقون هذا الاستحلال عمليا محاربين الله جل وعلا ورسوله ، لأنهم يؤمنون بهذا القتل دينا ، إذ تمت نسبته لرب العزة ولرسوله الكريم فى أحاديث وفتاوى تجعله جهادا دينيا . يقول رب العزة جل وعلا : ( إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنْ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33) إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (34) المائدة ).
6 ـ بعيدا عن خطابه المنافق الكاذب فهذا بالضبط هو الدين العملى الواقعى لابن عبد الوهاب. ونعطى بعض التفصيل :
أولا : ( جهاد ) اهل ( نجد ) فى حرب الله جل وعلا ورسوله :
1 ـــ عاش ابن تيمية فى بيئة نهرية يحتكر العسكر فيها القوة ، ويتسلطون بها على الشعب الأعزل . وعندما أحس السلطان الناصر محمد بن قلاوون أن صديقه ابن تيمية سيكون مركز قوة ويستميل اليه بعض العسكر بادر بإعتقاله . أى لم يكن ممكنا أن يقيم ابن تيمية دولة مثل التى أقامها الفقيه محمد بن تومرت فى شمال أفريقيا والمغرب ، فابن تومرت كان فى منطقة جبلية صحراوية السكان فيها قبائل مسلحة عربية وأمازيغية . نفس الحال مع شبه الجزيرة العربية ، خصوصا منطقة نجد .
2 ـ فى صحراء نجد القاحلة والواسعة عاش الأعراب على قطع الطريق، وكانت تأتيهم الفرصة الكبرى حين تنشأ فيهم أو تنتشر بينهم دعوة دينية تبرر وتبيح لهم القتل والسلب للآخرين على أنه جهاد. ولذلك كان استحلال الأعراب النجديين لدماء المسلمين المسالمين وأموالهم وأعراضهم فى التاريخ الاسلامى مرتبطا بثورات نجد الدينية، تلك الثورات التى تخصصت فى التدمير وسفك الدماء. وما عدا الثورات ومشروعات الدول الدموية فإن تاريخ نجد العادى مجرد غارات داخلية فيما بينهم أو غارات سنوية عادية على قوافل الحجاج , أى مجرد غارات "علمانية" بدون شعارات دينية. ولكن تلك الغارات المعتادة استلزمت أن تسير قوافل الحجاج فى حماية جيش كامل، لحماية الحجاج من غارات أعراب نجد .ولقد تأثر ابن خلدون بتاريخهم الدموى فقرر فى مقدمته الشهيرة أن الأعراب هم أسرع الناس للخراب، وأنهم يحتاجون إلى دعوة دينية يستطيعون من خلالها استحلال الدماء والأموال والأعراض وإسباغ الشرعية على ثوراتهم واعتدائهم( مقدمة ابن خلدون: 125: 127.)
3 ــ فى "نجد" بدأ التطرف مبكراً حين كانت المركز الأساسى لحركة الردة، ففى سهل حنيفة ظهر مسيلمة الكذاب وتحالفت معه سجاح التميمية، ولنتذكر أنه فى نفس سهل حنيفة ولد وعاش محمد بن عبد الوهاب صاحب الدعوة الوهابية فيما بعد. ولقد وصف القرآن الكريم معظم الأعراب بأنهم أشد كفراً ونفاقاً (التوبة: 97) وقد خضع الأعراب لقوة المسلمين وسالموها، مع أن الإسلام لم يدخل قلوبهم بعد (الحجرات: 14) فلما توفى النبى محمد عليه السلام وتولى أبو بكر تمردوا على الدولة فى حركة حربية هادرة مركزها "نجد". وبعد إخماد حركة الردة بصعوبة بالغة رأى أبو بكر أن يتخلص من بأس الأعراب النجديين بتصدير قوتهم الحربية إلى الخارج شمال نجد , فكانت حركة الفتوحات العربية إلى شمال نجد فى العراق أولاً، ثم الشام وإيران . وتكونت جيوش الفتوحات من أغلبية من الأعراب (المرتدين سابقاً) وقيادة من الأمويين القرشيين (المعاندين سابقاً) ذلك أن الأمويين رأوا أن مصلحتهم السياسية والاجتماعية تحتم عليهم الدخول فى الدين الجديد، وانتهت الفتوحات وقد أصبح الأمويون وحلفاؤهم القرشيون يحكمون الشام والعراق ومصر وشمال أفريقيا باسم الإسلام، وفى خلافة عثمان سيطروا عليه، فاصطدموا بأعراب نجد فكانت الحرب الأهلية بين المسلمين أو ما يعرف بالفتنة الكبرى، وكانت قضية "السواد" هى بداية الفتنة الكبرى . والسواد هى الأرض الزراعية الواقعة بين نجد والعراق، وكان أعراب نجد يتطلعون إلى امتلاك "السواد" لأنها الأقرب إلى موطنهم وحيث كانوا يغيرون عليه قبل الإسلام ويحلمون بامتلاكه، ولكن الأمويين لم يسمحوا لهم بذلك واعتبروا "السواد" "بستان قريش"، فاشتعلت الثورة، وقتل ثوار نجد عثمان بعد أن حاصروه، ونصبوا "علياً" خليفة، واشتعلت الحروب الأهلية، وفيها كان أعراب نجد هم عماد جيش على، ثم ما لبثوا أن خرجوا عليه وقتلوه وأصبح اسمهم الخوارج.
4 ــ وبهذا تحول الاعراب النجديون من مسلمين في عهد النبي - كيدا فى قريش ـ الي مرتدين عن الاسلام ـ بعد دخول قريش فيه ، ثم مسلمين للمرة الثانية بعد أن هزمتهم قريش ، ثم الي فاتحين فى عصر أبى بكر وعمر تحت امرة قريش، ثم الي ثوريين علي عثمان حين انحاز الى القرشيين الأمويين وفضّلهم فى الأموال على بقية المسلمين ،ثم الي شيعة وأنصار لعلى بن أبى طالب ، ثم الى خارجين علي عليّ بن أبى طالب . كل ذلك التقلب حدث فيما بين موت النبي (11هـ،سنة 632م )الي مقتل علي علي ايديهم (40هـ،661)أي خلال اقل من ثلاثين عاما.
5 ـ واصطبغت حركتهم بالعنف المرتبط بتفسير ديني، يسري هذا علي قبولهم المتحمس للاسلام في عهد النبي ،ثم خروجهم عليه في حركة الردة تحت زعامة مدعي النبوة ،ثم انغماسهم في الفتوحات علي انها جهاد يغنمون منه النصر والشهادة والغنائم في الدنيا و الاخرة ،ثم حين ثاروا علي عثمان رفعوا لواء العدل ،وحين رفع الامويين المصاحف علي اسنة الرماح في موقعة صفين خداعا ارغموا عليا علي الموافقة علي التحكيم لكتاب الله ،ثم حين ظهر ان التحكيم خدعة خرجوا علي (علي) لأنه وافق علي التحكيم واتهموه بالكفر ثم قتلوه. بعدها تفرق معظم أعراب نجد تحت اسم الخوارج وأخذوا يرفعون لواء الحاكمية "لا حكم إلا لله" ويقتلون المسلمين المسالمين فى العراق وإيران، فالخوارج استباحوا قتل المسلمين ، يقول الملطى (377 هـ) عن الطائفة الأولى منهم، إنهم كانوا يخرجون بسيوفهم فى الأسواق حين يجتمع الناس على غفلة فينادون "لا حكم إلا لله"، ويقتلون الناس بلا تمييز(الملطى: التنبيه والرد: 47 تحقيق زاهد الكوثرى ) . وهذا شبيه بما يفعله الوهابيون الآن من عمليات انتحارية وهم يهتفون ( الله أكبر ).!
6 ـ هذا القتل والقتال باسم الدين يعنى ( الاستحلال ) ، وهو يختلف عن القتل العادى والقتال العادى . هتلر بكل ما ارتكبه لم يزعم أن الله جل وعلا أمره بهذا . آل كابونى زعيم المافيا الأمريكية المشهور والذى قيل إنه قتل ألف رجل ــ لم يزعم أنه قتل من قتلهم جهادا فى سبيل . أى ليس فيما فعله هتلر أو كابونى إستحلال . ولكن الذى فعله الخلفاء القرشيون بدءا من أبى بكر وعمر ومعه ( صحابة الفتوحات ) هو إستحلال للقتل والقتال والغزو والاحتلال والسلب والنهب على أنه جهاد مفروض ـ هنا يكون حربهم لرب العزة جل وعلا ورسوله . وتأسست ثقافة أعراب ( نجد ) على هذا الاستحلال فتحولت غاراتهم الى ( جهاد ). لم يتوقف بعد إخماد ثورات الخوارج فى العصر العباسى الأول .
7 ـ فى العصر العباسى الثانى إندلعت بجوار البصرة ثورةالزنج ، وإنضم اليها النوج وأعراب نجد . ثورة الزنج خربت جنوب العراق طوال خمس عشر سنة (255-270) هـ الى أن تم اخمادها بصعوبة بالغة. وفيها قتل الثائرون ثلاثين ألفاً حين استولوا على مدينة الأبلة فى العراق سنة 256 هـ، وفى العام التالى دخل البصرة زعيم الزنج بعد أن أعطى أهلها الأمان، ولكنه نكث بعهده فقتل أهلها وسبى نساءها وأطفالها وأحرق مسجدها الجامع، وكان من بين سباياه نساء من الأشراف، وقد فرقهن على عسكره من الزنوج يغتصبونهن ، وكانت السبايا العلويات تباع الشريفة منهن فى معسكره بدرهمين وثلاثة، وحين استجارت به إحداهن ليعتقها أو ينقذها من ظلم سيدها الزنجى قال لها: "هو مولاك وأولى بك من غيره".( تاريخ الطبرى: 9، 472، 481، والمسعودى: مروج الذهب 4 : 146 ).
8 ــ ثم ما لبث أعراب نجد أن اشتعلت ثورتهم هادرة تحت اسم القرامطة وهى دعوة يختلط فيها التشيع بغيره، لأن المهم لدى زعماء النجديين وجود أى مبرر دينى يسوغ لهم التدمير وإقامة المذابح باسم الاسلام .امتدت غارات القرامطة إلى العراق والشام والحدود المصرية، ولم تنج الكعبة من تدميرهم، وقد سبقوا المغول فى سياسة الأرض المحروقة، أو إبادة كل الأحياء فى المدن التى يستولون عليها، وقد شهد المؤرخ الطبرى جانباً من فظائعهم وسجلها فى الجزء العاشر والأخير من تاريخه فيما بين (286-302) هـ واستمرت فظائعهم بعد الطبرى بقرنين تقريباً حتى تغلب عليهم أعراب المنتفق. وكان القرامطة أكثر وحشية فى استباحة الدماء والأعراض، ومن موقع المعاصرة والمشاهدة روى الطبرى بعض أخبار زعيمهم ، منها أنه خصص غلاماً عنده لقتل الأسرى المسلمين، وأنه استأصل أهل حماة ومعرة النعمان وقتل فيهما النساء والأطفال، ثم سار الى بعلبك وقتل عامة أهلها، وسار إلى سلمية وأعطاهم الأمان ففتحوا له الأبواب فقتل من بها من بنى هاشم ( أى الأشراف من ذرية النبى محمد ) ثم اختتم بقتل أهل البلد أجمعين بما فيهم صبيان الكتاتيب، ثم خرج عن المدينة وليس فيها عين تطرف، ونشر الخراب والدماء فى القرى المحيطة. أما ما فعله فى الكعبة وقتل الحجاج فيها وإلقاء الجثث فى زمزم، واقتلاع الحجر الأسود، فذلك ما استفاضت فيه الأخبار، وهذه الوحشية فى قتل الأبرياء كانت تقوم على منهج فكرى أشار إليه النويرى فى حديثه عن التربية الفكرية لشباب القرامطة، كما أشار إليها الطبرى فى قصة واقعية لشاب اقتنع بالدين القرامطى وهجر أمه وأسرته مقتنعاً بالدين الجديد معتقداً استحلال الدماء. (أخبار القرامطة فى تاريخ الطبرى: 10، 71، 77، 86، 94، 99، 107، 115، 116، 121، 128، 130، 135، 148، وفى نهاية الأرب للنويرى 25، 195: 227 وما بعدها.) .
9 ـ وبعد القرامطة عاد أعراب نجد إلى ما اعتادوه من قطع الطريق على الحجاج والاقتتال فيما بينهم، إلى أن ظهر فيهم محمد بن عبد الوهاب بدعوته الدينية وتحالف مع ابن سعود، وكان أهم بند فى التحالف بينهما (الدم الدم، الهدم الهدم)، وأعطاه ابن عبد الوهاب تشريع الاستحلال بعد أن اتهم كل المسلمين الآخرين بالكفر وجعل ذلك الاتهام مبررا دينياً للغزو والتوسع، وبذلك قامت الدولة السعودية الأولى، ونشرت السلب والنهب وسفك الدماء فى الجزيرة العربية وحول الخليج وفى العراق والشام، إلى أن اضطرت الدولة العثمانية للاستعانة بواليها على مصر "محمد على باشا" فقضى على الدولة السعودية ودمر عاصمتها "الدرعية" سنة 1818 م.
10 ـ ولا تختلف مذابح الخوارج والزنج والقرامطة – وقادتهم من أعراب نجد أساسا- عن المذابح التى قام بها النجديون الوهابيون السعوديون فى تأسيس الدولة السعودية الأولى ، والدولة السعودية الثالثة الحالية، وقد وصلت تلك المذابح الى العراق والشام والبيت الحرام وسائر مدن الحجاز ، وكان أكثر الضحايا من النساء والأطفال والشيوخ.
ولا تختلف هذه المدرسة الفكرية التى كان يعدها القرامطة لغسيل مخ الشباب عن الاعداد الفكرى الذى كان فقهاء الوهابية يعدونه لشباب الأعراب النجديين فى العقد الثانى من القرن العشرين والذى يتحول به الشاب الاعرابى الى مقاتل عنيد يرى الجهاد فى استحلال قتل كل من ليس وهابيا، وعن طريق هذا الاعداد الثقافى تكون "الاخوان " جنود عبد العزيز آل سعود الأشداء الذين أسسوا الدولة السعودية الحالية، وكانت سمعتهم فى القتل والتدمير ترعب قرى الشام والعراق، كما لايختلف عن الاعداد الثقافى الذى تقوم به جماعات الاخوان وبقية التنظيمات العلنية والسرية فى تاريخنا المعاصر والذى يجعل الشاب المصرى المسالم يستسهل تفجير الشوارع والمبانى معتقداً أن ذلك جهادا فى سبيل الله.
ثانيا : لمحة عن تكوين الدولة السعودية الأولى بالجهاد النجدى ( حرب الله جل وعلا ورسوله )
1 ـ التحالف الذى عقده ابن عبد الوهاب مع ابن سعود هو الدليل الأكبر على الجهاد النجدى الذى يعنى حرب الله جل وعلا ورسوله ، بإستحلال الدماء والأعراض والأموال ، والزعم بأن هذا هو دين الاسلام . وهذا التحالف هو أيضا الدليل الأكبر على أن الخطاب الدعائى لابن عبد الوهاب ليس سوى نفاق وأكاذيب .
2 ـ لقد قامت الدولة السعودية الأولى بناء على هذا التحالف بين الشيخ والأمير محمد بن سعود صاحب الدرعية ، وهى مدينة منسية فى صحراء نجد. تم هذا التحالف عام 1158 هجرية ( 1745 )، وبه أعطى ابن عبد الوهاب للأمير السعودى مسوغا شرعيا لغزو البلاد الأخرى واحتلالها وقتل أهلها بعد اتهامهم بالكفر واكراههم على قبول الوهابية ـــ على أنها الاسلام، زاعما ان هذا هو الجهاد الذى كان يفعله النبى محمد عليه السلام .
3 ــ بهذا التحالف قامت الدولة السعودية الأولى، وقتلت مئات الألوف من السكان المسالمين فى الجزيرة العربية والعراق والشام. بدأ السعوديون باحتلال نجد كلها ثم ضم الأحساء وتوسعوا فى غاراتهم لتصل الى قطر والبحرين والكويت وعمان ، ثم ضموا الحجاز ، وحاربوا اليمن ، وتطلعوا لاحتلال العراق والشام. وأدى توسعهم هذا المرتبط بالمذابح والتدمير الى اضطرار الدولة العثمانية للاستعانة بواليها القوى فى مصر ( محمد على باشا) الذى أرسل حملتين الى الحجاز لاستعادته من السعوديين الوهابيين سنة 1811 واستمرت الحرب بينه وبينهم الى أن تم تدمير الدرعية العاصمة السعودية سنة 1818 .
4 ـ ولأن الوهابية ظلت بدون نقاش يؤكد تناقضها مع الاسلام فقد أُقيمت عليها الدولة السعودية الثانية (1818-1891) ، والتى اسقطها النزاع الداخلى بين أبناء سعود . ثم إستطاع عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل تأسيس الدولة السعودية الثالثة الراهنة ، واعطاها إسم أسرته عام 1932. وبالبترول نشرت السعودية دينها الوهابى على أنه هو الاسلام ، ونشرت بالجهاد الوهابى حمامات الدم فى العالم على أنه جهاد إسلامى ، فأصبحت بوهابيتها محور الشّر فى عصرنا .
5 ــ ونتوقف فى الفصل التالى مع قراءة فى كتاب :( عنوان المجد فى تاريخ نجد ) لنتعرف على الدين الواقعى للوهابية من خلال ما كتبه مؤرخها عثمان بن بشر .





كتاب : نشأة وتطور أديان المسلمين الأرضية ج 2
ج2 : الدين الوهابى المعاصر: تأسيسه فى نجد وإنتقاله الى مصر

الباب الأول : ظهور الوهابية فى العصر العثمانى بديلا للتصوف السنى

الفصل الثانى : قراءة فى كتاب :( عنوان المجد فى تاريخ نجد ) للمؤرخ الوهابى عثمان بن بشر
فهرس الفصل الثانى: قراءة فى كتاب :( عنوان المجد فى تاريخ نجد ) للمؤرخ الوهابى عثمان بن بشر
( مقدمة . فى الديانة الوهابية :الدين الملّاكى لابن عبد الوهاب: ملامح من كتاب ابن بشر ـ من وقائع الوحشية الوهابية : إستئصال الناس قتلا فى الدولة السعودية الأولى .
أولا : الجهاد الوهابى إعتداء على من لم يعتد عليهم :
ثانيا : الاستئصال قتلا : ( لا وجود للاسر والأسرى ) إستئصال بالتجويع ـ استئصال الأجنّة فى البطون : إجهاض الحوامل .
من وحشية وهابيى الدولة السعودية الأولى : قتل مع إجلاء قسرى وتخريب
أولا : التهجير القسرى ـ ثانيا : التخريب والهدم والتحريق وقطع الأشجار ــ ثالثا : هدم المشاهد الدينية .
وهابيو الدولة السعودية الأولى كانوا يقاتلون فى سبيل الشيطان وليس فى سبيل الرحمن
أولا : فى كل الأحوال : السلب مرادف للقتل والقتال :
ثانيا : ملاحظات منهجية على المؤرخ ابن بشر فى موضوع الغنائم :
ثالثا : سلبهم الأموال الضخمة والكنوز وتخميسها : الخمس لابن سعود والباقى للمحاربين
فى دولتهم الأولى : السعوديون حرامية الإبل والغنم : جهادهم فى سبيل الابل والغنم .
فى دولتهم الأولى: السعوديون حرامية القوافل والأطعمة والأمتعة ــ آل سعود حرامية الطعام والزاد ( الأزواد ) ــ القوافل .
صلاة الوهابية للشيطان وليس للرحمن
أولا : الصلاة من معالم القتال الوهابى فى الدولة السعودية الأولى :
ثانيا : الصلاة من معالم القتال الوهابى فى تأسيس الدولة السعودية الراهنة :
دين الوهابية : إما أن نحكمكم ونتحكّم فيكم وإما نقتلكم وندخلكم جهنم
الإكراه فى الدين والسياسة فى الدين الوهابى
الإكراه فى الدين والمبايعة على الدخول فى دين ابن عبد الوهاب
الردة عن دين الوهابية )

الفصل الثانى :
: قراءة فى كتاب :( عنوان المجد فى تاريخ نجد ) للمؤرخ الوهابى عثمان بن بشر


مقدمة :
1 ـ هناك فرق بين المؤرخ والباحث التاريخى . حين كتبت كتابا عن الرئيس المصرى الحالى عبد الفتاح السيسى فى تقييم عدة أشهر من حكمه شاهدا على عصره ــ فأنا مؤرخ أكتب من واقع المعاصرة . أما حين أكتب عن الدولة السعودية الأولى أو عن المماليك والعباسيين والخلفاء السابقين فأنا باحث تاريخى أعتمد على ما كتبه المؤررخون السابقون ملتزما بأُسُس البحث التاريخى .
وهناك فارق بين الباحث التاريخى والروائى . الروائى يخلق رواية من خياله يصنع أحداثها واشخاصها ، ويمارس الإبداع بخياله سواء كان متأثرا بالواقع أو معبرا عن خيال مجرد . فى النهاية فللروائى مطلق الحرية فيما يخترع وفيما يكتب . الباحث التاريخى محصور بالبحث فى تاريخ شخص او دولة او عصر. وهو مقيد بما كتبه المؤرخون لهذا العصر أو لتلك الدولة أو لهذه الشخصية . لا يملك الباحث التاريخى أن يفرض أمنياته أو أن يختلق روايات . بل عليه أن يتعامل مع الروايات التاريخية بالبحث فيها وفق منهج البحث التاريخى الصارم . ثم إذا زعم هذا الحاكم أو تلك الدولة إنتماءها الى الاسلام أو انها تتصرف باسم الاسلام فعلى الباحث التاريخى أن يعرض ما فعلوا وما قالوا على الميزان الالهى وهو القرآن الكريم.
2 ـ الدولة السعودية الأولى ( 1745 : 1818 ) كتب يؤرخ لها معاصرا لها قلة من المؤرخين . منهم من كتب فى أحوال بلده وما تعرضت له من غزو سعودى وقتها . ومنهم من كتب فى الدولة السعودية نفسها . ومن كتب فى هذه الدولة السعودية نفسها منهم من أرّخ لها مهلّلا لها ، ومنهم من كتب ينقدها ويهاجمها . المؤرخ أحمد بن زينى دحلان ت 1304 / 1887 : فى تاريخه ( خلاصة الكلام فى بيان أمراء البلد الحرام ) أرّخ لعلاقات أشراف مكة والحجاز وعلاقاتهم بالوهابيين، وهو متعصب للأشراف كاره للوهابيين . على الجانب الآخر هناك الوهابيون المتعصبون ، وأهمهم : حسين بن غنام ت 1225 / 1810 : فى كتابه المشهور ب ( تاريخ نجد ) أو ( روضة الأفكار والإفهام لمرتاد حال الإمام وتعداد غزوات ذوى الاسلام )، وهو كما يظهر من عنوانه وهابى عريق يتبنى التكفير والاستحلال الوهابى ،ولا تؤرقه شلالات الدماء ولا أهرامات الجماجم التى خلفتها الدولة السعودية الأولى . ثم صاحبنا الذى آثرنا تحليل كتابه وهو ( عثمان بن بشر ت 1288 / 1871 ): ( عنوان المجد فى تاريخ نجد ). وكما يظهر فى العنوان يفتخر بنجد ويجعلها عنوانا للمجد .
3 ـ الباحثون اللاحقون فى تاريخ الدولة السعودية منهم أقلية هاجمت الدولة السعودية ومذابحها وسلبها ونهبها دون إلتزام بالمنهج العلمى ، أى دون تأصيل تاريخى يرجع الى الجذور ، ودون تأصيل دينى يناقش مدى إتفاقهم أو إختلافهم مع الاسلام الذى يزعمون الانتماء اليه بل إحتكاره ، ودون ربط الوهابية بما سبقها من فكر ابن تيمية وفكر الحنابلة ـ أى دون وضعها فى سياقها التاريخى حلقة من تاريخ التعصب الحنبلى . وهذا ما قمنا به . فى مؤلفات سابقة تعرضنا للمسكوت عنه من تاريخ الخلفاء الراشدين ثم مذبحة كربلاء ثم الفتنة الكبرى الثانية ( عبد الله بن الزبير )، ثم مسلسل الدماء فى تاريخ الخلفاء ، ثم ( الحنبلية أم الوهابية وتدمير العراق فى العصر العباسى الثانى ) وسبق هذا بحث ضخم عن المعارضة الوهابية فى الدولة السعودية فى القرن العشرين ) ثم هذا الكتاب عن نشأة الأديان الأرضية فى تاريخ المحمديين ، وفى الباب الأول الخلفية التاريخية وفى نهايته يأتى كلامنا عن الوهابية فى العصر العثمانى فى دولتها السعودية الأولى . نعتقد أن ما نقوم به لم يسبقنا اليه أحد . نقول هذا لأن هناك من قام ببحث تاريخ الدولة السعودية الأولى والثالثة الراهنة وباع نفسه رخيصا بالريال السعودى . خان الأمانة البحثية . أعتمد على ما كتبه ابن غنام وابن بشر وإعتبر ما كتباه تعبيرا عن الجهاد الاسلامى . بل وبعضهم هاجم الضحايا الذين تعرضوا للقتل والنهب والاستئصال . ولا تزال هذه الأبحاث مدفوعة الأجر تلطّخ المكتبة العربية شاهدا على حقارة من كتبها ووضاعته . ولن نعطى أسماءهم .
نعطى تقريرا عن الدولة السعودية الأولى من واقع ما كتبه عنها مؤرخها ابن بشر .
ونبدأ بحقيقة أساس أن الدين الوهابى هو دين ملّاكى لابن عبد الوهاب .


فى الديانة الوهابية :الدين الملّاكى لابن عبد الوهاب:

1 ـ خلافا لخطابه الدعائى المنافق كان الشيخ ابن عبد الوهاب يرى نفسه صاحب الدين الوهابى ومالكه ، ومن لا يدخل فيه يعتبره كافرا مستحقا للقتل والغزو . هذه جريمة فادحة . الأفدح منه أنه لا يعترف بأن الوهابية دين ملاكى يملكه مؤلفه ابن عبد الوهاب ، بل يجعله هو الاسلام دين الله ، أى إنه تقمص دور الله الخالق جل وعلا . لو إعترف بأنه دينه الشخصى صناعة بشرية ـــ قام هو بكتابته وتشريعه ــ ما وقع فى جريمة تقمص دور الله جل وعلا . توارث هذا الوهابيون الذين تعلموا الديانة الوهابية على يد ابن عبد الوهاب والذين تعلموها بعد موته على يد فقهاء الدين الوهابى وزعمائه من آل الشيخ .

2 ـ وقد أدرك عثمان بن بشر الدولة السعودية الأولى وعاش فى الدولة السعودية الثانية ، ودوّن أحداثهما فى تاريخه المشهور ( عنوان المجد فى تاريخ نجد ) . وهو يعبر بصدق عن الدين الوهابى وإستباحته للدماء والأموال والأعراض وإحتكارهم للوهابية وإعتبارها أنها الاسلام ، ونعطى ملامح لهذا من كتاب المؤرخ الوهابى ابن بشر :
أولا : إحتكار الاسلام وتكفير الآخر
من المضحك إصرار ابن بشر فى تأريخه لغزوات الوهابيين على وصفهم بالمسلمين ، فقد جعلوا أنفسهم ( المسلمين ) وبالتالى فغيرهم كفار مستحقون للقتل والغزو . يقول فى احداث سنة 1195 عن سعود بن عبد العزيز: ( فنازل تلك العربان على مائهم وتقاتلوا قتلاً شديداً ثم أدال الله المسلمين عليهم فانهزم جميع تلك البوادي ولوا مدبرين فغنم المسلمون منهم غنائم عظيمة )نلاحظ ان سعود هو الذى سار للأعراب وقاتلهم على ( مائهم ) فهزمهم وقتل كثيرين منهم وسلب أموالهم . ثم يسمى ابن بشر هؤلاء المعتدين ( المسلمين ) يقول (ثم أدال الله المسلمين عليهم فانهزم جميع تلك البوادي ولوا مدبرين فغنم المسلمون منهم غنائم عظيمة ). ونعطى أمثلة أخرى مرتبة حسب السنين :
سنة 1110
( سار سعود بن عبدالعزيز من الدرعية ونزل روضة "محرقة " المعروفة قرب الوشم . فركب خيله ودخل شقرا للسلام على أهلها والاجتماع بهم فأضافوا بكرامة عظيمة .وصار في موضعه ذلك أياماً حتى اجتمع عليه المسلمون البادي والحاضر فسار بالجيوش المنصورة والخيل العتاق المشهورة وقصد ناحية الاحساء ، فلما وصل إليه نزل قرب الرقيقة المعروفة فيه ، وهي مزارع للاحساء .وبات تلك الليلة وأمر مناديه ينادي في المسلمين أن يوقد كل رجل ناراً وأن يثوروا البنادق عند طلوع الشمس . )
سنة 1174
( أغار عبدالعزيز على ابن فياض وعربه العروفين بالنبطة من سبيع وأخذهم في الموضع المعروف بالعتك بين سدير والمحمل ، وقتل منهم عشرة رجال منهم القروي وأولاده وغنم عليهم المسلمون من الإبل نحو ثمانين ذود واثاثهم وأمتعتهم. )
سنة1183
(سار عبدالعزيز رحمه الله تعالى غازيا بمن معه من جيوش المسلمين وقصد ناحية سدير . )
سنة 1184
( سار عبدالعزيز غازيا بالمسلمين وقصد بوادي المحمرة من الظفير فواقعهم وحصل بينهم بعض القتال فقتل منهم رجالاً وأخذ منهم غنايم . )
( سنة 1186 ) ( وفيها : سار عبدالعزيز بالجنود المنصورة وقصد الرياض ونازل أهلها أياماً عديدةً وضيق عليهم واستولى على بعض بروجهم وهدمها المسلمون وهدموا المرقب .وقتل على أهلها رجالاً كثيراً.. وذلك في شهر صفر .) ( وفيها : سار سعود رحمه الله بالجيوش المؤيدة المنصورة بجميع أهل نجد واكثر بواديها وقصد ناحية الشمال يريد بوادي بني خالد وهم على الجهراء الماء المعروف ... فنهض عليهم المسلمون فرساناً وركباناً فلم يثبتوا لهم ساعةً واحدة .فانهزم بنو خالد لا يلوي أحد ولا ولد على ما ولد ، فتبعهم المسلمون في ساقتهم يقتلون ويغنمون . واستأصلوا تلك الجموع قتلاً ونهباً ... وهلك من بني خالد في هذه الوقعة بين القتل والظمأ خلائق كثيرة قيل أنهم أكثر من ألف رجل . وقيل ان الذى هلك قريب ألفي رجل )
سنة 1188
( سار سعود بن عبدالعزيز رحمه الله تعالى غازيا إلى بلد الدلم في ناحية الخرج فأغار عليهم وأخذ عليهم غنماً وقتل من أهلها نحوا من عشرة رجال ، وقتل من المسلمين عوض بن ذيب وراشد بن مطيع .)
سنة 1190
( سار عبدالعزيز غازيا بالمسلمين وقصد ناحية الجنوب فأغار على بوادي آل مرة وأخذ عليهم إبلاً كثيرةً .)
1195
( وفيها : سار سعود بن عبدالعزيز بجميع المسلمين إلى ناحية الخرج فنازل أهل بلد الدلم وحاصرهم وقطع فيهم نخل ابن عضبان المسمى بخضرا نحو الفي نخلة وقتل بينهم عدة رجال ) . ( أغار خيل للمسلمين وقتلوا فرحان بن ناصر البجادي من رؤساء اليمامة ) ( وفيها : غزا محمد بن معيقل بجيش من أهل الاحساء وأهل نجد وقصد جزيرة العماير المعروفة وخاضوا عليهم البحر فانهزم أهلها في السفن وأخذ المسلمون ما فيها من الأموال وقتل على أهلها عدة رجال .)
سنة 1197
وفيها : ( سار سعود رحمه الله تعالى بجميع المسلمين غازياً إلى عاليه نجد. )
سنة 1198
( وفيها سار سعود رحمه الله تعالى بالمسلمين وقصد ناحية الإحساء فصبح أهل العيون وهجم عليهم ، ولم يأتهم خبر عنه ، وأخذ كثيراً من الحيوانات ونهب من بيوتها أزواداً وأمتعةً ... ثم قفل راجعاً فاقتضي رأيه أن يغير على أهل اليمامة ، فوجدهم قد خرجوا جميعهم إلا النزهة والتفرج في البرية فأغار عليهم المسلمون فولوا منهزمين . فقتل منهم في تلك الهزيمة أكثر من ثمانين رجلاً . وفيها سار سعود بجنودالمسلمين غازياً إلى بلد عنبزة في ناحية القصيم فحصل بينه وبين أهلها قتال قتل منهم عدة رجال. ) 1204 : ( وفيها : كانت وقعة " غريميل " وهو جبل صغير تحته ماء قرب الاحساء . وذلك ان سعود سار من الدرعية بجنود المسلمين من الحاضرة والبادية .. فسار بتلك الجنود وقصد جموع بني خالد ورئيسهم يومئذٍ عبد المحسن بن سرداح .. فعداً عليهم ونازلهم ووقع القتال بينهم ثلاثة أيام .فانهزم عبد المحسن ومن معه من بني خالد .فكروا في ساقتهم يقتلون ويغنمون . وحاز سعود من الإبل والغنم والأمتعة مالا يعد ولا يحصى .وقتل عليهم قتلى كثير وأخذ خمس الغنيمة وقسم باقيها على المسلمين للراجل سهم وللفارس سهمان. )
( سنة 1205 ) ( وفيها : كانت وقعة العدوة : ( .. فنهض إليهم سعود واستنفر أهل نجد من البادي والحاضر فسار بالجيوش المنصورة وقصدهم في تلك الناحية ونازلهم ووقع بينهم قتل شديد فانهزم أولئك البوادي وقتل منهم قتلى كثيرةً من فرسانهم ورؤسائهم ... وغنم المسلمون منهم غنائم كثيرة من الإبل والغنم والأثاث والأمتعة وأخذ جميع محلهم .)
عن غزوه البصرة سنة 1218
( ثم أن سعود رجع عادياً إلى البصرة فلما أتى قربها وافق كتيبة خيل للمنتفق رئيسهم منصور بن ثامر .فاغارت عليهم خيل المسلمبن وقتلوا منهم قتلى وأخذوا منصور أسيراً . ..ثم نزل سعود على الجامع المعروف قرب الزبير . فنهضت جموع المسلمين إلى البصرة فدهموا جنوبها ونهبوها وقتلوا من أهلها قتلى كثيرة واحصروا أهلها في وسط الحلة . )
1224
( ونهب المسلمون ظاهر بلاد صبيا ونواحيها وغنموا أموالا كثيرة واستالوا على حصنها صلحاً. وجعل فيه غصاب عسكرًا مرابطين . وبعثوا السرايا في تهامة وقتلوا ودمروا وغنموا .
سنة 1225
عن غزو عمان ( فجمع الله بينهم وبين عساكر صاحب مسكة وتنازلوا واقتتلوا قتالاً شديداً فانهزم جنود صاحب مسكة وركب المسلمون أكتافهم وقتلوا منهم مقتلة عظيمة وأخذوا خيامهم ومحطتهم وغالب متاعهم ومدافعهم وهي أكثر من عشرة مدافع ورجع بقيتهم إلى مسكة وسمايل وأخذ المسلمون منهم غنائم عظيمة ) .
(سنة 1229
وفيها : سار عبدالله بن سعود رحمه الله تعالى بجميع المسلمين من أهل نجد الحاضر والبادية خرج من الدرعية أول السنة فاجتمع على النواحي وقصد جهة الحجاز. ) ( وفيها آخر رمضان : سار عبدالله بن سعود بجميع المسلمين من أهل نجد الحاضرة والبادية وقصد القصيم فأقام فيها مدة قرب الرس . ثم أنه جهز جيشاً وأغار على عربان برية والجبلان المعروفين من مطير . فأخذ مواشيهم فلما كان في ذي الحجة رحل عبدالله بالمسلمين وقصد الحجاز وأغار على عياد الذويني ..)
أخيرا :
1 ـ ما سبق ينهض تناقضا واضحا مع الاسلام . الاسلام فى التعامل مع الله جل وعلا هو التسليم له وحده طاعة وإنقيادا له جل وعلا إلاها لا شريك له ، مصداقا لأمره جل وعلا : ( قُلۡ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحۡيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ﴿١٦٢﴾ لَا شَرِيكَ لَهُۥۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرۡتُ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ ﴿١٦٣﴾الانعام ). هذا الاسلام القلبى مرجع الحكم عليه الى رب العزة جل وعلا يوم القيامة ، وليس مجالا للتعامل بين البشر . الاسلام فى التعامل مع الناس هو السلام . ودخول الناس فى السلام يعنى دخولهم دين الله جل وعلا بتعايشهم السلمى . وحين إختار العرب الدخول فى السلام أفواجا إعتبره رب العزة جل وعلا نصرا وفتحا لأنهم دخلوا فى السلام دين الله افواجا ، وقال لخاتم النبيين عليهم السلام : ( إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا .) . محمد عليه السلام لم يكن يعلم الغيب ، ولا علم له بسرائر الناس . هو فقط يرى الظاهر ، وقد رأى بعينيه الناس يدخلون فى ( السلام ) دين الله أفواجا . فى نفس الوقت فإن الذى ينتهك هذا السلام ويغزو الناس معتديا يكون كافرا بدين الله ( السلام ) فى التعامل مع الناس . وهذا للبشر الحكم عليه ، فمن يعتدى مهاجما يكون كافرا حسب سلوكه ، فإذا زعم أن هذا هو دين الرحمن فقد إفترى على رب العزة كذبا ، وكان أظلم الناس لأنه بما يزعم وبما يفعل يظلم الناس ويظلم رب الناس .
2 ــ هذا ما تقع فيه الوهابية حين تقتل الأبرياء وتزعم أن هذا هو دين الله ــ تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا .
3 ـ كان يمكن لابن عبد الوهاب أن يكون اقل كفرا لو نسب دينه لنفسه كما تنسب البوذية دينها الى بوذا .

من وقائع الوحشية الوهابية : إستئصال الناس قتلا فى الدولة السعودية الأولى

أولا : الجهاد الوهابى إعتداء على من لم يعتد عليهم :
1 ـ وظيفة الشيخ محمد بن عبد الوهاب بالاضافة الى قيادة المعارك كانت تعليم الأعراب ( الجهاد ) يقول ابن بشر عنه : ( ثم أمر بالجهاد وحضهم عليه فامتثلوا . فأول جيش غزا سبع ركايب فلما ركبوها واعجلت بهم النجائب في سيرها سقطوا من اكبارها ، لأنهم لم يعتادوا ركوبها . فأغاروا .. على بعض الاعراب ، فغنموا ورجعوا سالمين . )( ص 19 ). أى أنهم بدءوا بالاغارة على اعراب لم يعتدوا عليهم ، وغنموا من هذه الاغارة ورجعوا آثمين وليسوا سالمين كما قال ابن بشر .
2 ـ كان سعود بن عبد العزيز بن محمد بن عبد العزيز لا يصرّح بالجهة التى يقصدها غازيا حتى يفاجئهم على حين غرة. يقول عنه ابن بشر فى أحداث سنة 1218 ( ثم أرخص لغزوان عربان الشمال الظفير وذكر لهم أنه يريد الرجوع والقفول إلى وطنه . وكان قصده بذلك أن يخبروا أهل البصرة والزبير ومن في جهتهم إذا رجعوا إليهم أنه قفل حتى يبغتهم من حيث لا يعلمون . وكانت عادته إذا أراد غزو الشمال قصد جهة الجنوب أو الشرق أو الغرب . ثم رجع لما يريد وبالعكس .وإذا كان يريد جهة من تلك الجهات ورًّي بغيرها .)
وفى كل ما ذكره ابن بشر يتضح فيه أن ابن سعود فى تطبيقه للجهاد الوهابى ــ كان هو الذى يبدا بالهجوم ، وقد إمتد هجومه فى كل النواحى شرقا وغربا وشمالا وجنوبا ، وشمل الأعراب فى الصحراء فى إجتماعهم حول ىبارهم والمدن الكبرى فى الجزيرة العربية من اليمن الى سواحل الخليج ومن مكة والمدينة والطائف وجدة الى البصرة ودمشق . لم يقم أحد فى هذه البلاد بالهجوم على الدرعية ـ بل ربما لم يكونوا يعرفون اين هى هذه الدرعية . وربما سمعوا عنها لأول مرة بهجوم ابن سعود عليهم ، وبديانته الوهابية .
3 ـ ونأخذ بعض أمثلة لتجول ابن سعود بالغزو هنا وهناك ، من واقع ما سجله المؤرخ الوهابى عثمان بن بشر :
: سنة 1171 ( وفيها : وقعة البطيحاء في ثرمدا وهي نخل معروف فيها وذلك أن عبدالعزيز رحمة الله تعالى سار غازيا بالمسلمين إلى ناحية الوشم فأناخ بالليل قرب بلد ثرمدا ، ورتب له كميناً في وادي الجمل . موضع معروف..... )
سنة 1173 وفيها :غزا عبدالعزيز إلى " الخرج " فاوقع بأهل الدلم وقتل من أهلها ثمانية رجال ونهبوا بها دكاكين فيها أموال . ثم أغاروا على أهل بلد نعجان وقتلوا عودة بن علي ورجع إلى وطنه ثم بعد أيام ثار عبدالعزيز بجيشه إلى بلد "ثرمدا " وقتل من أهلها أربعة رجال وأُصيب من الغزو مبارك بن مزروع . ثم ان عبدالعزيز كر راجعاً وقصد " الدلم " و "الخرج "فقاتل أهلها وقتل من فزعهم سبعة رجال وغنم عليهم إبلا كثيرة . ثم إنه كر راجعا إلى " الوشم " . )
سنة 1176 ( وفيها : سار عبدالعزيز رحمه الله تعالى بالجيوش المنصورة إلى الإحساء واناخ بالموضع المعروف بالمطريفي في الإحساء وقتل منهم رجالاً كثيراً نحو السبعين رجلاً وأخذوا أموالا كثيرة ، ثم أغار على المبرز فقتل من أهلها رجالاً . ثم ظهر من الإحساء راجعا ، فلما وصل العرمة وافق قافلة لأهل الرياض وأهل حرمة معها أموالاً فأخذ أهل الرياض .. ) .
سنة 1191 ( وفيها : سار عبدالعزيز غازياً إلى الخرج ونازل اهل بلد الدلم ودخلت العدوات إلى نواحي الحلة وضيق على أهلها وكان رئيسها زيد بن زامل غائباً عند البجادي في بلد اليمامة.. ) .
سنة1195 ( وفيها : سار سعود بن عبدالعزيز بجميع المسلمين إلى ناحية الخرج فنازل أهل بلد الدلم وحاصرهم.. )
سنة1208 ( وفيها أمر عبدالعزيز على أهل الوشم والقصيم وجبل شمر ينفرون غزاة مع أُمرائهم فسار اهل الوشم مع محمد بن معيقل ، وأهل القصيم مع محمد بن عبدالله آل حسن ، وأهل الجبل مع أميرهم محمد بن علي ، وأمرهم ان يسيروا إلى دومة الجندل المعروف بجوف آل عمرو في الشمال ، فسار الجميع وأميرهم محمد بن معيقل ، ونازلوا أهل تلك الناحية وأخذوا منها ثلاث بلدان . ثم حاصروا الباقيين وقتلوا عدة قتلى . فلم يزالوا محاصرين لهم حتى بايعوا على دين الله ورسوله والسمع والطاعة . )
( سنة 1220 ثم رحل منها وقصد إلى جهة البصرة ونازل أهل بلد الزبير ووقع بينه وبين أهله مناوشة قتال ورمي ، ورحل منه إلى وطنه .)

ثانيا : الاستئصال قتلا : ( لا وجود للاسر والأسرى )
1 ـ فى الاسلام ــ الذى كفر به ابن عبد الوهاب والسعوديون ــ نجد حرصا لا مثيل له على حق الحياة . يكفى أن المحارب فى جيش يهاجم المسلمين ـ إذا نطق بكلمة السلام ( قال سلاما ) فإنه لا بد من حقن دمه ، هذا وهو فى أرض المعركة يقاتل معتديا ، يقول رب العزة جل وعلا عن حُرمة قتل النفس البريئة : (وَمَن يَقۡتُلۡ مُؤۡمِنٗا مُّتَعَمِّدٗا فَجَزَآؤُهُۥ جَهَنَّمُ خَٰلِدٗا فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ وَلَعَنَهُۥ وَأَعَدَّ لَهُۥ عَذَابًا عَظِيمٗا ﴿٩٣﴾ النساء ) ولهذا فإن المُحارب فى جيش العدو إذا نطق بكلمة السلام يجب حقن دمه ، قال جل وعلا ( يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا ضَرَبۡتُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلَا تَقُولُواْ لِمَنۡ أَلۡقَىٰٓ إِلَيۡكُمُ ٱلسَّلَٰمَ لَسۡتَ مُؤۡمِنٗا تَبۡتَغُونَ عَرَضَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا فَعِندَ ٱللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٞۚ كَذَٰلِكَ كُنتُم مِّن قَبۡلُ فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيۡكُمۡ فَتَبَيَّنُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٗا ﴿٩٤﴾ النساء ) . . وهذا المحارب فى جيش معتد إذا سلّم نفسه مستجيرا وجب على المؤمنين إجارته وإرجاعه الى مأمنه بعد أن يُسمعوه آيات من القرآن الكريم ليكون القرآن حجة عليه يوم القيامة. يقول جل وعلا : (وَإِنۡ أَحَدٞ مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٱسۡتَجَارَكَ فَأَجِرۡهُ حَتَّىٰ يَسۡمَعَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ أَبۡلِغۡهُ مَأۡمَنَهُۥۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَعۡلَمُونَ ﴿٦﴾ التوبة ).
2 ــ على النقيض من ذلك تماما كان ابن سعود يحاول ما إستطاع أن يستأصل من يهجم عليهم معتديا ، لا تأخذه بهم رأفة ، معتبرا ذلك جهادا يتقرب به الى إلاهه الشيطانى فى دينه الملاكى . الأمثلة كثيرة فى كتاب ابن بشر ، نقتطف منها :
الاستيلاء على الرياض عام 1186 . بسبب كثرة هجومهم عليها رحل عنها اهلها وتركوا الرياض خاوية على عروشها . هربوا منها ، ومع ذلك طاردهم الوهابيون يقتلون ما لحقوه منهم . يقول ابن بشر فى أحداث ( سنة 1186 ) ( فلما انتصف ربيع الثاني تجهز عبدالعزيز بمن معه من جيوش المسلمين غازيا إلى الرياض وخرج من الدرعية فلما قرب من بلد عرقة وإذا البشير قد أقبل من الرياض فأخبره بأن دهام بن دواس خرج من الرياض هارباً. فحث عبدالعزيز السير إليها فقدمها بعد العصر فإذا هي خالية من أهلها إلا قليل .وتركوها خاويةً على عروشها الطعام واللحم في قدوره والسواني واقفة في المناحي وأبواب المنازل لم تغلق . وفي البلد من الأموال مالا يحصر . فلما دخل عبدالعزيز البلد الرياض وجدها خالية من أهلها إلا قليلاً . فساروا. في إثرهم يقتلون ويغنمون . )
سنة1210 : عن الأحساء يقول ابن بشر متهما الضحايا المدافعين عن بلادهم بالفسق : ( وأكثر فيهم سعود القتل ، فكان من ناجم بن دهينيم عدة من الرجال يتخطفون في الأسواق.. لأهل الفسوق ونقاض العهد . وكان أكثر القتل في ذلك اليوم في المسمين في الاحساء بالتلنقية والسوادية المجتمعة على الفسوق... فهذا مقتول في البلد ، وهذا يخرجونه إلى الخيام ويضرب عنقه عند خيمة سعود حتى أفناهم إلا قليلاً .. ) . فى قتاله كان يستحل قتل الجميع ، أو يستأصلهم ، أو كما قال ابن بشر فى النّص السابق ( حتى أفناهم إلا قليلاً ). ويتكرر هذا ، يقول مثلا : ( وفيها : سار سعود رحمه الله بالجيوش المؤيدة المنصورة بجميع أهل نجد واكثر بواديها وقصد ناحية الشمال يريد بوادي بني خالد وهم على الجهراء الماء المعروف ... فنهض عليهم المسلمون فرساناً وركباناً فلم يثبتوا لهم ساعةً واحدة .فانهزم بنو خالد لا يلوي أحد ولا ولد على ما ولد ، فتبعهم المسلمون في ساقتهم يقتلون ويغنمون . واستأصلوا تلك الجموع قتلاً ونهباً ... وهلك من بني خالد في هذه الوقعة بين القتل والظمأ خلائق كثيرة قيل أنهم أكثر من ألف رجل . وقيل ان الذى هلك قريب ألفي رجل ) .
سنة 1212 : ( وفيها في رمضان : سار سعود بن عبدالعزيز بالجنود المنصورة من جميع نواحي نجد وبواديها وقصد الشمال وأغار على سوق الشيوخ وقتل منهم قتلى كثيرة وانهزم منهم أناس وغرقوا في الشط . ثم سار ثم سار وقصد جهة السماوة وأتاه عيونه وأخبروه بعربان كثيرة مجتمعين في الأبيض الماء المعروف قرب السماوة فوجه الجيوش وأغار عليهم على مائهم ذلك .... فحصل بينهم قتال شديد وطرد خيل ، ثم حمل عليهم المسلمون فدهموهم في منازلهم وبيوتهم، فقتل عدة رجال من فرسان شمر عليهم والطفير وغيرهم .. ثم أرسل عبدالعزيز إلى هادي بن قرملة ومن لديه من قبائل قحطان ... وأمرهم أن يجتمعوا ويكونوا في وجه الشريف فقوى الله عزائمهم وساروا إليه حتى دهموه في منزله على الخرمة المذكورة ، ولم يقفوا دون خيامه . فألقى الله الرعب في قلوب عساكر الشريف وانهزموا لا يلوي أحد على أحد وتركوا خيامهم ومحالهم وجميع أموالهم ، والقوم في ساقتهم يقتلون ويغنمون ، فمن وقف للقتل منهم قتل ، ومن انهزم أدرك وقتل . ومن فائت ، فبين ناج وهالك ، ظمأ وضياعا ، فكانت وقعة عظيمة ومقتلة وغنيمة . وكانت عدة القتلى على ماسطره بعض المؤرخين من أهل ناحيتهم قال :عدة القتلى ألف رجل ومائتان وعشرون رجلاً ... قلت : وذكر لي بعض من ضبط القتلى أنهم ألفان وأربعمائة . )
سنة 1216مذبحة كربلاء ، يقول ابن بشر : ( وفيها : سار سعود بالجيوش المنصورة والخيل العتاق المشهورة من جميع حاضر نجد وباديها والجنوب والحجاو وتهامة وغير ذلك وقصد أهل أرض كربلاء ونازل بلدة الحسين وذلك في ذي القعدة فحشد عليها المسلمون وتسوروا جدرانها ودخلوا عنوة وقتلوا غالب أهلها في الأسواق والبيوت .. وقتل من أهلها قريب الفي رجل .) والمؤرخ عثمان بن بشر النجدى رد على الانتقادات الموجهة للوهابيين لما فعلوه بأهل كربلاء فقال مفتخرا :( وقولك اننا أخذنا كربلاء وذبحنا أهلها وأخذنا أهلها فالحمد لله رب العالمين، ولا نعتذر عن ذلك ونقول : وللكافرين أمثالها ") ويقول فى موضع آخر : ( وأقمنا بها عشرة أيام وذبحنا ودمرنا ما بلغك علمه ).!
سنة 1217 عن مذبحة الطائف بعد أن هرب منها الشريف غالب ( .. وقد تحصن فيها وتأهب واستعد لحربهم فنازله تلك الجموع فيها فألقى الله في قلبه الرعب وانهزم إلى مكة وترك الطائف ، فدخله عثمان ومن معه من الجموع وفتحه الله لهم عنوة بغير قتال . ). والمفروض أن أهل الطائف إستسلموا بأمان ، ولكن إستباحهم الوهابيون قتلا . يقول ابن بشر : ( وقتلوا من اهله في الأسواق والبيوت نحو مائتين ..) ومصادر أخرى تذكر أضعاف هذا العدد .
سنة 1218 فى البصرة : ( ثم نزل سعود على الجامع المعروف قرب الزبير . فنهضت جموع المسلمين إلى البصرة فدهموا جنوبها ونهبوها وقتلوا من أهلها قتلى كثيرة واحصروا أهلها في وسط الحلة ... ثم ان سعود أمر على المسلمين أن يحشدوا على قصر الدرهمية فهدموه وقتلوا أهله. )
1220 بعث سعود بسرية من جيشه يترصدون ركبان العراق فأغاروا على منطقة الجزيرة فى فليح الباطن ، يقول ابن بشر : ( فاستأصلوا جميع الغزو قتلا ولم يسلم منهم الا الشريد )
سنة 1225 ( ثم سار بعده طامي بن شعيب أمير عسير وألمع وغيرهم بعسكر عظيم من قومه وأهل الحجاو وقحطان وغيرهم وتوجهوا إلى البندر المعروف باللحية ، فحصروها وأخذوها عنوة.... وقتل من أهلها خلق كثير قيل أن الذي هلك منهم ألف بين القتل والهلاك... )
إستئصال بالتجويع : فى حصاره سعود لمكة عام 1220 قال ابن بشر عن مكة واهلها : ( وبيع فيها لحوم الحمير والجيف بأغلى ثمن، وأُكلت الكلاب ..ومات خلق كثير عندهم جوعا )
إستئصال الأجنّة فى البطون : إجهاض الحوامل
1 ـ كانت العادة طبقا لما يذكره ابن بشر أن فزع الحوامل كان يجعلهن يسقطن حملهن. يقول ابن بشر فى أحداث سنة1210 : ( أصبح الصباح ، رحل سعود بعد صلاة الصبح ، فلما استووا على ركائبهم وساروا ثوروا بنادقهم دفعة واحدة .فأظلمت السماء وأرجفت الأرض وثار عج الدخان في الجو ، وأسقط كثير من النساء الحوامل في الاحساء. ) بعد صلاة الصبح توجهوا لغزو الأحساء ، وعندما إقتربوا منها أطلقوا بنادقهم مرة واحدة لارهاب الناس . وكانت تلك عادتهم.
2 ــ. فى سنة1191 قال ابن بشر : ( فلما انفجر الصبح أمر عبدالله على كل صاحب بندق يثورها ،فثورو البنادق دفعةً واحدة فارتجت البلد بأهلها ،واسقط بعض الحوامل ففزعوا. )
3 ــ وبعد دخولهم البصرة عام 1218 أراد إرهاب نساءها فأمر بإطلاق الرصاص ، يقول ابن بشر : ( فلما كان وقت غروب الشمس أمر سعود مناديه ينادي أن يثور كل رجب من المسلمين بندقه . فثوروها دفعة واحدة .قال لي رجل من أهل الزبير : ولما ثارت البنادق شب النار في الأرض والجو وأظلمت السماء ، ورجفت الأرض بأهلها ، وانزعج أهل الزبير انزعاجاً عظيمًا .وصعد النساء في رؤوس السطوح ووقع فيهم الضجيج ، وأسقط بعض الحوامل . فأقام محاصرهم نحو اثني عشر يوماً حصد جميع زروعهم . ورجع قافلاً إلى وطنه . )
فى عام 1110 ( سار سعود بن عبدالعزيز من الدرعية ونزل روضة "محرقة " .. وقصد ناحية الاحساء ، فلما وصل إليه نزل قرب الرقيقة المعروفة فيه ، وهي مزارع للاحساء .وبات تلك الليلة وأمر مناديه ينادي في المسلمين أن يوقد كل رجل ناراً وأن يثوروا البنادق عند طلوع الشمس . ).
لم تسلم الأجنة فى البطون من إبن سعود ..!!

من وحشية وهابيى الدولة السعودية الأولى : قتل مع إجلاء قسرى وتخريب
أولا : التهجير القسرى
1 ـ تعب أهل الرياض من غارات الوهابيين التى تقتل وتسلب وتنهب وتخرّب ، وتحرك عبد العزيز بن محمد بن سعود عام 1186 ليغزو الرياض مجددا، ولأن أهل الرياض كانوا فى يأس من الدفاع عنها فقد آثروا النجاة بحياتهم قبل أن يستأصلهم الوهابيون فهربوا من بلدهم الرياض وتركوها خاوية على عروشها يقول ابن بشر: ( فلما انتصف ربيع الثاني تجهز عبدالعزيز بمن معه من جيوش المسلمين غازيا إلى الرياض ، وخرج من الدرعية ، فلما قرب من بلد عرقة وإذا البشير قد أقبل من الرياض فأخبره بأن دهام بن دواس خرج من الرياض هارباً. فحث عبدالعزيز السير إليها فقدمها بعد العصر فإذا هي خالية من أهلها إلا قليل .وتركوها خاويةً على عروشها الطعام واللحم في قدوره والسواني واقفة في المناحي وأبواب المنازل لم تغلق . وفي البلد من الأموال مالا يحصر . فلما دخل عبدالعزيز البلد الرياض وجدها خالية من أهلها إلا قليلاً . فساروا. في إثرهم يقتلون ويغنمون .ثم إن عبدالعزيز جعل في البيوت ضباطاً يحفظون ما فيها .وحاز جميع ما في البلد من الأموال والسلاح والطعام والأمتاع وغير ذلك ، وملك بيوتها ونخيلها . ) . ولذلك لم يدمرها ابن سعود لأنها أصبحت ملكا له بالغزو بينما حرص على إستئصال أهلها الفارين حتى لا يعودوا اليها وتبقى له وحده.
2 ـ فى عام 1225 حدث تهجير قسرى ( مؤقت )، برحيل أهل ميناء الحديدة اليمنى ، إذ هربوا الى السفن وتركوها للوهابيين . استولى عليها الوهابيون (مؤقتا ) لذا حرص الوهابيون على تدمير المدينة حتى لا ينتفع بها أهلها بعد عودتهم . قال ابن بشر : ( وفيها : سار طامي بن شعيب المذكور بعسكر كثير من رعايا من عسير والحجاز وبيشة ونواحيها وقحطان وغيرهم من البوادي إلى تهامة نحو عشرين ألف مقاتل . وتوجهوا إلى بندر الحديدة ونازلوا اهلها فأخذوها عنوة واستولوا على غالب البلد. وكان أهلها قد بلغهم مسير تلك الجنود فحملوا خفيف أموالهم في السفين وركب فيها أكثر الرجال فأخذ طامي ومن معه ما وجدوا فيها من المال المتاع ودمروها وقتلوا من أهلها قتلى كثيرة ).
3 ـ هدم واجلاء قسرى سنة 1193 : ( .. كتب سعود إلى أبيه عبدالعزيز وأخبره بذلك ، فكتب إليه عبدالعزيز أن أهل هذه القرية تكرر منهم نقض العهد وهي محذور كلها فدمرها واهدمها . فأمر سعود فأمر سعود بهدم سورها وبعضا من بيوتها وأمر أيضا على أناس من أهلها ممن أثاروا الشر على المسلمين أن يرتحلوا عنها . فأرتحل أناس كثير ونزلوا المجمعة وكثير منهم نزل بلد الزبير . )، وفى عام 1196 ( ثم أن سعوداً رحل من ثادق ونزل الروضة فاشتدت عليهم القتال والمواقعات واستولى على النخيل إلا ما حمته بروج القلعة ، وجعل يقطع في نخيلها وقطع فيها نخيل الحويطة والرفيعة وغيرهما ، وأنزل أهل البروج منها .فلما لم يبق إلا قلعة البلد أرسلوا إلى سعود وطلبوا المصالحة وبذلوا له كثيراً من الدراهم نكالاً فصالحهم على حقن الدماء وما في بطن الحلة من الأموال ، وان يرحل عن البلد آل ماضي وأعوانهم . فاستولى سعود على البلد وأجلاهم عنها ومدة لبثهم فيها وحربهم شهر . )
ثانيا : التخريب والهدم والتحريق وقطع الأشجار
1 ــ أحيانا كان ابن سعود يعمد فى غاراته الى التخريب ليحث أهل البلد على تركها والرحيل عنها . وهذا ما فعله مع الرياض ، ونجحت خطته . ونستشهد بما قاله ابن بشر : سنة 1161 ( وفيها: سار عبدالعزيز بأهل الدرعية وقراها وأهل منفوخة وضرمى وعثمان ابن معمر بأهل العيينة وحريملا ، وعثمان أمير الجميع ،وقصدوا الرياض ونزلوا بموضع في صباح يسمى الخريزة فاقتتلوا قتالاً شديداً ، وقتل من أهل الرياض ستة رجال وقتل من أهل العيينة قوم عثمان عشرة ،وقتل من أهل الدرعية ومنفوخة وضرمى ستة ، وصرم المسلمون من الرياض أربعة نخيل . ) . سنة 1162 ( وفيها : وقعة الحبونية في الرياض وهو نخل معروف فيه وهدم ما فيها من جدار ،وذلك إن محمد بن سعود سار بمن معه من المسلمين من رعيته وقصد الرياض . ). سنة1170 ( وفيها : وقعة الرشا ، وهو حاجز للسيل عند بلد مفتوحة ، وذلك ان عبدالعزيز رحمه الله تعالى سار إليها بالمسلمين ودخلوا دور بعض البلاد ثم أخذوا في هدم ذلك الحاجزالمعروف بالرشا المعد لحجز السيل ، ففزع عليهم ابن دواس بأهل الرياض ، فاقتتلوا قتالا ًشديداً ) ( سنة 1186 ) ( وفيها : سار عبدالعزيز بالجنود المنصورة وقصد الرياض ونازل أهلها أياماً عديدةً وضيق عليهم واستولى على بعض بروجهم وهدمها المسلمون ، وهدموا المرقب .وقتل على أهلها رجالاً كثيراً...)
2 ـ ـ وعموما فقد إرتبط إستئصالهم للبشر بالهدم والتخريب والتحريق وقطع الأشجار ، فطالما لا يستطيعون سلب شىء وتملكه فهم لا يتركونه فى حاله ، بل يدمرونه حتى لا ينتفع بهم غيرهم . ونعطى أمثلة من تاريخ ابن بشر :
سنة1189 ( وفيها : غزا عبدالعزيز بن محمد بن سعود رحمه الله تعالى بالجيوش إلى ناحية الخرج فأغار على أهل الضبيعة القرية المعروفة في الخرج ، وأخذ بعض سوارحهم وقتل من أهلها اثنى عشر رجلاً وقطع بعض نخيل البلد وبعض زروعهم . ). سنة 1191 ( وفيها : سار عبدالعزيز غازياً إلى الخرج ونازل اهل بلد الدلم ودخلت العدوات إلى نواحي الحلة وضيق على أهلها....فرحل عبد العزيز ومن معه وقصد بلد نعجان وقطع نخيلا ودمر زروعا وقتلوا رجالا .) ( وفيها أيضا سار الجميع إلى بلد ثرمدا والأمير عثمان بن معمر ولم يقع قتال فخربوا الزروع وانقلبوا راجعين .) سنة1193 ( جهز عبدالعزيز أخاه عبدالله بجميع المسلمين ، فسار إلى منيخ ونازل أهل بلد حرمه ووقع بينه وبينهم قتال قتل من أهلها عدة رجال ... ثم تبعه سعود بن عبدالعزيز واستنفر معه أهل البلدان وساروا مشاة وركباناً ، ونزل على بلد حرمه أيضا وحاصرها أشد الحصار ، وملكوا أكثر نخيلها وقطعوا شيئا منها .. ) سنة1195 ( وفيها : سار سعود بن عبدالعزيز بجميع المسلمين إلى ناحية الخرج فنازل أهل بلد الدلم وحاصرهم ، وقطع فيهم نخل ابن عضبان المسمى بخضرا نحو الفي نخلة ، وقتل بينهم عدة رجال ) ( وفيها : سار عبدالعزيز بالجنود المنصورة وقصد حوطة الجنوب فنازلهم وقطع النخل المسمى بالرحيل من أكبر نخيلها وأعظمها وقتل عليهم نحو خمسة عشرة رجلاً ثم رحل منها وسار إلى الدلم فنازل أهلها وقطع فيا نخيلاً بالفريع ونتيفة ثم سار منها وقصد بلد نعجان ونازل أهله وقطع فيها نخيلاً ثم رجل منها وقصد اليمامة ونازل أهلها وهدم فيها بروجاً وغيرها .) سنة 1202 ( وفيها : غزا سليمان بن عفيصان بأهل الخرج وغيرهم وقصد " العقير " البندر المعروف عند الاحساء ... ثم سار إلى العقير فأخذ ما فيه واشعل فيه النيران . ). سنة 1220 ( ثم سار وقصد السماوة وحاصر أهلها ونهب من نواحيها ودمر أشجارها ، ووقع بينهم رمي وقتال .) . سنة1224 ( فاجتمع ما ينيف عن خمسين ألف مقاتل ... ونهب المسلمون ظاهر بلاد صبيا ونواحيها وغنموا أموالا كثيرة ... وبعثوا السرايا في تهامة وقتلوا ودمروا . ). سنة 1225 ( ثم سار بعده طامي بن شعيب أمير عسير وألمع وغيرهم بعسكر عظيم من قومه وأهل الحجاو وقحطان وغيرهم وتوجهوا إلى البندر المعروف باللحية ، فحصروها وأخذوها عنوة وأخذوا غالب ما فيها من الأموال والذهب والفضة والقماش واللؤلؤ يحسبه ذرة . وقتل من أهلها خلق كثير قيل أن الذي هلك منهم ألف بين القتل والهلاك . ودمروا البلد وأشعلوا فيها النيران . ) ( وفيها : سار طامي بن شعيب المذكور بعسكر كثير من رعايا من عسير والحجاز وبيشة ونواحيها وقحطان وغيرهم من البوادي إلى تهامة نحو عشرين ألف مقاتل . وتوجهوا إلى بندر الحديدة ونازلوا اهلها فأخذوها عنوة واستولوا على غالب البلد. وكان أهلها قد بلغهم مسير تلك الجنود فحملوا خفيف أموالهم في السفين وركب فيها أكثر الرجال فأخذ طامي ومن معه ما وجدوا فيها من المال المتاع ودمروها وقتلوا من أهلها قتلى كثيرة )
ثالثا : هدم المشاهد الدينية :
سنة 1217 : إشتهر الوهابيون بتدمير القبور المقدسة لدى الشيعة والصوفية وعموم المحمديين . وأثار عواطف الناس بما فعله فى مكة بعد إستيلائه عليها . يقول ابن بشر : ( ودخل سعود مكة واستولى عليها .. فلما فرغ سعود والمسلمون من الطواف والسعي فرق أهل النواحي يهدمون القباب التي بُنيت على القبور والمشاهد الشركسية . ) (وكان في مكة من هذا النوع شيء كثير في أسفلها وأعلاها ووسطها وبيوتها . فأقام فيها أكثر من عشرين يوما ولبث المسلمون في تلك القباب بضعة عشر يوماً يهدمون يباكرون إلى هدمها كل يوم . وللواحد الأحد يتقربون . حتى لم يبق في مكة شيئا من تلك المشاهد والقباب إلا أعدموها وجعلوها تراباً . )
سنة 1218 ( ثم نزل سعود على الجامع المعروف قرب الزبير . فنهضت جموع المسلمين إلى البصرة فدهموا جنوبها ونهبوها وقتلوا من أهلها قتلى كثيرة واحصروا أهلها في وسط الحلة . ثم رجعت تلك الجموع وحاصروا أهل الزبير وهدموا جميع القباب والمشاهد التي خارج سور البلد وضعت على القبور . وقبة الحسن وقبة طلحة ولم يبقوا لها أثراً ، ثم أنها أُعيدت قبة طلحة والحسن بعد هدم الدرعية . )
ونقول : ليس فى الاسلام هدم للأوثان بل إجتناب لها فقط :
فقد استخدم القرآن الكريم الأسلوب العقلى في إظهار حقيقة تلك الأوثان وتوضيح أنها مجرد حجارة صنعها من يعبدها" ( 37/95.) وأنها أساطير وإفك ( 37/86.) وينطبق ذلك على الأصنام كما ينطبق على الأنصاب وهى القبور المقدسة. وقد ناقش القرن أولئك اللذين يعبدون الأولياء الموتى فأكد انهم مجرد موتى لا تشعر بما حولها ولم تخلق شيئا بل هى مخلوقة ولا تشعر متى ستبعث يوم القيامة ( 16/19: 20.) . وفى مواجهة الأساطير التى تزعم خوارق لتلك الالهة المعبودة الميتة فقد أمر الله سبحانه وتعالى رسوله محمدا أن يتحدى تللك الآلهة والأولياء الميتة فى قبورها مؤكدا أنها لا تنفع ولا تضر ، وأن الولى الوحيد للمؤمن لا يكون سوى الله سبحانه وتعالى وحده (7/194: 196.) . وأوضح القرآن الكريم أن الولى المقصود بالعبادة والتقديس لا يكون إلا الله جل وعلا ( 42/9.) (6/14 ) وأوضح القرآن الكريم أن أحداً من المخلوقات لا يشاركه سبحانه وتعالى في الحكم في الدنيا وفي الآخرة ( 18/26.) وأنه وحده جل وعلا هو الخالق والآمر (7/54.) . وعلى هذا الأساس العقلى حاور الله سبحانه وتعالى المشركين ممن يعبد الأولياء والآلهة (35/ 40.) ( 46/4: 6.) (35/ 13: 14 ) واستخدم القرآن الكريم إيمانهم بالله الخالق جل وعلا حجة عليهم، فكيف يتركون رب السماوات والأرض ويطلبون المدد من غيره الذى لم يخلق شيئاً والذي لا يملك شيئاً( 13/16.) وكل هذه الآيات موجهة للمسلمين وغيرهم ممن يقدسون القبور في عصرنا.
لقد أوضح القرآن الكريم حقيقة الأصنام والأنصاب والقبور المقدسة في موضعها الحقيقي وأثبت أنها خرافة لا تستقيم مع العقل السليم، وأنها مجرد أحجار لا تختلف عن أية أحجار أخرى وإن ما يدور حولها أساطير تستحق السخرية لا التقديس.. بعدها أمر المؤمنين باجتنابها والابتعاد عنها( 22/30: 31.) والأوثان كل ما هو مقدس من بشر وحجر ومواد طبيعية، والزور هو كل الأكاذيب وأقطعها ما كان منسوباً لله افتراءً على الله.
وقال الله سبحانه وتعالى: "يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون" 51/90.والشيطان لا يقوم بنفسه بتصنيع الأنصاب أو ما يعرف الآن باسم الأضرحة، ولكنه هو الذي يوهم الناس بأن مواد البناء في الضريح مقدسة وتختلف عن أى مواد أخرى تبنى بها البيوت والمساكن والمصانع، وهو الذي يوهم الناس بأن المقبور تحت الرماد لا يزال حياً ولكنه معتقل تحت الأرض يري ويحس بمن يطوفون بالضريح من فوقه، وطبعاً فلا يشكو من طول فترة اعتقاله في زنزانة انفرادية تحت الأرض ولا يتضرر من آلاف الأقدام التى تسير دائماً فق رأسه. الشيطان يحجب العقل عن التفكير السليم ويجعل الناس يؤمنون بأن هناك إلاها محبوسا تحت الرماد يستجيب لهم ويرفع عنهم الضرر.. والشيطان هو الذي يقنع الناس بأن مملكة الأموات هى التى تتحكم في مملكة الأحياء. كل هذه المعانى وغيرها تندرج تحت قوله تعالى عن الأضرحة "رجس من عمل الشيطان".
أمر القرآن باجتناب الأوثان والأضرحة ولم يأمر بهدمها أو تدميرها ولكن أمر فقط بالابتعاد عنها و اجتنابها وأن تتطهر منها بيوت الله والمساجد لكى تكون العبادة لله خالصة "وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً" (72/18.).
قام القرآن الكريم بهدم الأضرحة والأوثان في عقول الناس واعتقادهم واكتفي بذلك، وهى نظرية صائبة. فالضريح مثلاً يتكون من مواد بناء معروفة: أسمنت وطوب وأخشاب ومسامير وزجاج ورخام وأجهزة كهربائية وستائر وأقمشة . وهذه المواد توجد في كل مكان ، ولا تختلف أحجار الضريح عن أى أحجار أخرى، وكلها تأتى من نفس المصدر، والذي جعل لأحجار الضريح قدسية إنما هو الاعتقاد فيها الذى أوهم الشيطان به جموع الناس . وإذن حين يتهدم ذلك الاعتقاد الخرافى من قلوب الناس تصبح هذه الأضرحة مجرد أبنية عادية ، وتتحول الأصنام إلى مجرد تماثيل صخرية، يتندر بها الناس على قلة عقولهم حين قدسوها.
أما إذا بادر حاكم مسلم إلى تدمير أحجار الأضرحة وتسويتها بالأرض فإن من يعبد الأضرحة ويعتقد فيها سيقيم في قلبه ألف ضريح وضريح، ولا تلبث أن يُعاد تأسيسها،وتتكاثر الأساطير والكرامات الخرافية التى تدعى أن الأولياء، قد انتقموا من ذلك الذى اعترض عليهم، وكل ما يمكن أن يحدث له من أمور عادية، حتى لو كانت مجرد زكام سيتحول تفسيرها إلى أنه غضب الآلهة المزعومة عليه وبئس المصير..!!
والدليل فيما قاله ابن بشر :( وهدموا جميع القباب والمشاهد التي خارج سور البلد وضعت على القبور . وقبة الحسن وقبة طلحة ولم يبقوا لها أثراً ، ثم أنها أُعيدت قبة طلحة والحسن بعد هدم الدرعية . ). يعنى ما لبث من يقدس تلك المعابد الشركية أن أعاد بناءها ، ولم تتأثر عقيدته بتدميرها بل إزدادت تقديسا لتلك المعابد .
أخيرا:
طالبان وداعش فى تدميرهما البلاد والآثار لم يأتيا من فراغ .!!

وهابيو الدولة السعودية الأولى كانوا يقاتلون فى سبيل الشيطان وليس فى سبيل الرحمن

مقدمة : كان قتالا فى سبيل الشيطان
1 ـ كان قتالا فى سبيل حُطام الدنيا ، السلب والنهب والسبى والاحتلال . لم يكن قتالا فى سبيل الله جل وعلا بل فى سبيل الشيطان ، يقول جل وعلا عنه : (الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا ) النساء 76 ) . الذين آمنوا يقاتلون فى سبيل الله جل وعلا دفاعا عن أنفسهم من هجوم فعلى يقع عليهم من معتدين ، وهم لا يعتدون أبدا لأن الله جل وعلا لا يحب المعتدين الكافرين ، هذا طاعة لقوله جل وعلا : (وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ) البقرة 190). والذين آمنوا حين يقاتلون المعتدين الكافرين إمتثالا لأمره جل وعلا فإنهم يدعون ربهم جل وعلا قائلين ( أَنتَ مَوْلانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ) البقرة 286 ) . فالكافرون هم الذين ينتهكون دين الله جل وعلا ( السلام ) بإعتداء حربى على قوم لم يعتدوا عليهم ، والله جل وعلا لا يحب المعتدين ، وهو جل وعلا يحب المتقين الذين لا يعتدون بل يردون الاعتداء بمثله . قال جل وعلا : ﴿١٩٣﴾ ٱلشَّهۡرُ ٱلۡحَرَامُ بِٱلشَّهۡرِ ٱلۡحَرَامِ وَٱلۡحُرُمَٰتُ قِصَاصٞۚ فَمَنِ ٱعۡتَدَىٰ عَلَيۡكُمۡ فَٱعۡتَدُواْ عَلَيۡهِ بِمِثۡلِ مَا ٱعۡتَدَىٰ عَلَيۡكُمۡۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِينَ ﴿١٩٤﴾ البقرة )
2 ـ كان السلب أو الغنائم هى غايتهم . وبها أصبحت عاصمتهم (الدرعية) فى حال مختلف . يقول ابن بشر عن ابن الوهاب : ( ولما هاجر من هاجر إلى الدرعية واستوطنها .كانوا في أضيق عيش وأشد حاجةً وابتلوا بلاءً شديدا فكانوا في الليل يأخذون الآجرة ويحترفون وفي النهار يجلسون عند الشيخ في درس الحديث والمذاكرة ، وأهل الدرعية يؤمئذ في غاية الضعف وضيق المؤونة ..ولقد رأيتُ الدرعية بعد ذلك في زمن سعود رحمه الله تعالى وما فيه أهلها من الأموال وكثرة الرجال والسلاح المحلى بالذهب والفضة الذي لا يوجد مثله والخيل الجياد والنجايب العمانيات والملابس الفاخرة وغير ذلك من الرفاهيات ما يعجزعن عده اللسان ويكل عن حصره الجنان والبنان .. ) ( ص 17 : 18 ). كانت الدرعية بلدة لا يؤبه بها ، فقيرة يعيش أهلها فى أضيق عيش . فلما علمهم ابن عبد الوهاب أن الجهاد فى الاسلام يعنى الغزو إعتداء على الآخرين تحمسوا ، وساروا خلف ابن سعود يقاتلون طلبا للمال ، وتكاثرت الغنائم فى الدرعية وعرفت الرفاهية وزاد عدد سكانها وسلاحها وأموالها ــ كل هذا سلبا ونهبا من الآخرين ، وفى سبيله جرت أنهار من الدماء من العراق الى الشام واليمن والخليج . ونعطى عرضا سريعا لقتالهم فى سبيل المال أو فى سبيل الشيطان .
أولا :
فى كل الأحوال : السلب مرادف للقتل والقتال :
1 ـ هذا مفهوم فى البيئات الصحراوية حيث كانت الغارات وسيلة للعيش ، يغير هذا على ذاك ، ويغزو ذاك هذا ، سواء كان قتالا علمانيا بلا صبغة دينية أو كان يتمسح بالدين ويجعل الغزو جهادا . وفى كل الأحوال فلم يكن الطرف المُعتدى عليه يستسلم متنازلا عن ممتلكاته بل كان يدافع عنها وعن نفسه ، فارتبط السلب بالقتل والقتال . كان هذا خلافا للبيئات النهرية حيث يحتكر الحاكم القوة المسلحة ويستطيل بها على المحكوم يسلب وينهب ، ولا يواجهه المحكوم المظلوم إلا بالصبر طاعة لوعظ الكهنوت الدينى التابع للحاكم .
2 ـ وطبقا لما ذكره ابن بشر كانت الغنائم تأتى فى تفصيلات الغزوة وما فيها من قتال . يقول مثلا : ( فنازل أهل زبيد فأخذه عنوة ونهبوا منها من الأموال والمتاع شيئاً كثيراً .. وعزل صالح الأخماس وبعثها إلى الدرعية . ) ( وفيها : غزا محمد بن معيقل بجيش من أهل الاحساء وأهل نجد وقصد جزيرة العماير المعروفة وخاضوا عليهم البحر فانهزم أهلها في السفن وأخذ المسلمون ما فيها من الأموال وقتل على أهلها عدة رجال . )
ثانيا :
ملاحظات منهجية على المؤرخ ابن بشر فى موضوع الغنائم :
2 ـ ابن بشر لم يكن مؤرخا محايدا . كان وهابيا متعصبا منحازا الى قومه . يكفى أنه إعتبرهم المسلمين وإعتبر هجوم الوهابيين على من لم يعتد عليهم جهادا إسلاميا . وهو فى تأريخه للغنائم كان يخلط الجهل بالتحيز والتعصب .
2 ـ من جهله أنه كان يقتصر على وصف الغنائم الكبرى بلا تحديد لنوعيتها أو مقدارها وقيمتها ، مع أنه كان فى إمكانه أن يتحرى ويتعرف ـ كما كان الجبرتى يفعل . ونعطى أمثلة :
2 / 1 : فى أحداث سنة1110 يقول : ( وكان عبدالعزيز قد بعث محمد بن معيقل في جيش رداءاً لابن قرملة وعوناً فانقضى قبل مجيئهم . فحث محمد بن معيقل السير في أثر بوادي الشريف وأدرك منهم بني هاجر وهم على الماء المعروف" بالقنصلية " قرب بلدة "تربة " فأغار عليهم وأخذ جميع أموالهم وقتل عليهم نحو أربعين رجلاً . ) . ذكر عدد القتلى ، ولم يذكر مقدار الأموال . وهم كانوا يسقون أنعامهم من البئر فبالتالى كانت الغنائم من الابل والغنم . تكاسل ابن بشر عن التوضيح ماكتفيا بقوله : ( وأخذ جميع أموالهم )، كما لو كانوا تجارا يحملون أموالهم على ظهورهم .!
يختلف هذا عما قاله فى حوادث عام 1212 : ( وفيها : غزا حجيلان بن حمد أمير ناحية القصيم بجيش من أهل القصيم وغيرهم وقصدوا أرض الشام وأغار على بوادي الشرارات فانهوموا فقتل منهم نحو مائة وعشرين رجلاً وأخذ من الإبل نحو خمسة آلاف بعير وأغناماً كثيرة وأكثر حللهم وأمتعتهم وأزوادهم وعزلت الأخماس وأخذها عمال عبدالعزيز وقسم باقيها في ذلك الجيش غنيمة للراجل سهم وللفارس سهمان . ) مذكور هنا عدد الابل واصناف من الغنائم .
2 / 2 : على هذا النحو من الابهام وعدم التحديد يصف الغنائم بالأموال العظيمة فى هذا الخبر عن سنة 1206 : ( وفيها : في أول جمادى : سار بالجيوش المنصورة من البادي والحاضر وقصد القطيف وحاصر أهل " سبهات " وأخذها عنوة ، ونهبها ، وأخذ " عنك " عنوة ونهبها ، وقتل منها عدداً كثيراً من الرجال أكثر من أربعمائة ، وأخذ أمولا عظيمة وصالحوه عن الفرضة بخمسمائة أحمر . ) أى أخذ منهم جزية حتى لا يقتلهم ) . لا نعرف مقدار ما نهبه من ( سبهات) ومن (عنك ).
ومثل ذلك عام : 1179 (وفيها : غزا عبدالله بن محمد بن سعود رحمه الله تعالى فرقان من سبيع كثير منهم آل شلية وغيرهم وهم في العرمة فصبحهم فيها وأخذهم وأخذ منهم أموالاً كثيرة . )
2 / 3 : أو يكتفى بالقول بأنه (إستأصل )جميع أموالهم : ( سنة 1178 : وفيها : كانت الوقعة المشهورة على حماد المديهيم ومن معه من السعيد الظفير ، سار إليهم عبدالعزيز رحمه الله تعالى ومعه غزوا أهل الرياض مع دواس بن دهام، فأغار عليهم وهم على جراب ماء معروف بين سدير والدهناء ، فاستأصل جميع أموالهم وقتل منهم نحو الثلاثين رجلاً . ) .
2 / 4 : وقد يجنح الى الغموض فلا يذكر وصفا للغنائم كقوله : ( عام 1225 . هرب أهل الحديدة فنهب الوهابيون المدينة ( وقبض عمال سعود أخماس الغنائم وساروا بها إلى الدرعية .) سنة 1222 بعد هزيمة رأس الخيمة ( وجمع سلطان بن صقر الغنائم من هذه الوقعة وأخذ خمسها ودفعها إلى عمال سعود وأرسلوه إلى الدرعية.).
3 ـ وقد يتجاهل ابن بشر خبرا مشهورا لأنه يشعره بالعار . نقصد ما سلبه ابن سعود من كنوز الحجرة النبوية . أفاض فى هذا المؤرخون حتى الجبرتى الذى دافع عن الوهابيين ولكنه إلتزاما منه بالدقة ذكر مقادير المنهوب من الحجرة النبوية . قال : ( لما استولى الوهابيون على المدينة المنورة هدموا القباب التي فيها وفي ينبع ومنها قبة أئمة البقيع بالمدينة ، وحملوا الناس على ما حملوه عليه في مكة ، وأخذوا جميع ذخائر الحجرة النبوية وجواهرها حتى أنهم حصلوا على أربع سحاحير من الجواهر المملاة بالماس والياقوت العظيمة القدر ) ( حضر الوهابي واستولى على المدينة ، وأخذ تلك الذخائر، فيقال انه عبى أربعة سحاحير من الجواهر المحلاة بالألماس والياقوت العظيمة القدر ، ومن ذلك اربع شمعدانات من الزمرد ، وبدل الشمعة قطعة الماس مستطيلة يضيء نورها في الظلام ، ونحو مائة سيف قراباتها ملبسة بالذهب الخالص ومنزل عليها الماس وياقوت ، ونصابها من الزمرد واليشم ونحو ذلك ، وسلاحها من الحديد الموصوف ، كل سيف منها لا قيمة له، وعليها دمغات باسم الملوك والخلفاء السالفين وغير ذلك. ).
ثالثا :
سلبهم الأموال الضخمة والكنوز وتخميسها : الخمس لابن سعود والباقى للمحاربين
1 ــ وفى كل الأحوال فقد كان ابن سعود يحرص على توزيع الغنائم وفق للشرع السُّنّى ـ والذى بدأ أبو بكر وعمر تطبيقه ، وهو أربعة أخماس الغنائم للمحاربين والخمس يتم عزله وإرساله الى بيت المال . هذا التخميس وهذا الأكل للغنائم ومالها السُّحت يتناقض مع الاسلام وشريعته ، وسنتوقف مع هذا فيما بعد فى الباب الثانى عن الدين العملى للمحمديين من عهد ابى بكر وعمر الى عهد الوهابيين .
ولكن هذا التخميس كان دافعا للكثيرين للإنضمام الى الوهابية والانخراط فى عسكرها ، فهى بالنسبة لهم صفقة رابحة ، يكسبون الغنائم ويتم تفريقها عليهم فى أرض المعركة ، ثم ينتظرهم الحور العين فى الجنة..بزعمهم .!‍
وبعض الغنائم كانت قليلة وتافهة كان ابن سعود لا يتورع عن سفك الدماء فى سبيلها ، سنعرض لها فيما بعد . وبعضها كانت هائلة ، نعرض لأمثلة لها هنا.
2 ـ .انهزم الشريف غالب عام 1212 . ونقل ابن بشر الغنائم التى حازها الوهابيون ، نقل ذلك عن مؤرخ آخر ، قال : ( قال مؤرخهم : وأما النقد فمختلف فيه فمنهم من يقول أن في خزائن غالب ثمانية عشر ألف مشخص التي نهبت ، ومن قائل عشر ألف ريال أبدلها من البوادي والعسكر بمشخص . وكان قصده أن يفرقها صبيحة ذلك اليوم على العسكر . وغنموا جميع ما في المضرب من الأموال وأخذوا سلاحاً كثيراً ، وأخذوا أيضا ما كان معهم من الإبل والأمتعة التي أخذوها قبل ذلك على قحطان وغيرهم مع ما انضم إليها من اكابرالدولة ورواحلهم . )
3 ــ سنة 1216 . يقول ابن بشر عن مذبحة كربلاء والغنائم الى سلبها الوهابيون: ( وفيها : سار سعود بالجيوش المنصورة والخيل العتاق المشهورة من جميع حاضر نجد وباديها والجنوب والحجاو وتهامة وغير ذلك ، وقصد أهل أرض كربلاء ، ونازل بلدة الحسين ، وذلك في ذي القعدة فحشد عليها المسلمون وتسوروا جدرانها ، ودخلوا عنوة ، وقتلوا غالب أهلها في الأسواق والبيوت ، وهدموا القبة الموضوعة بزعم من اعتقد فيها على قبر الحسين . وأخذوا مافي القبة وما حولها ، وأخذوا النصيبة التي وضعوها على القبر وكانت مرصوفة بالزمرد والياقوت والجواهر ، وأخذوا جميع ما وجدوا في البلد من أنواع الأموال والسلاح واللباس والفرش والذهب والفضة والمصاحف الثمينة، وغيره ، ما يعجز عنه الحصر ، ولم يلبثوا فيها إلا ضحوة وخرجوا منها قرب الظهر بجميع تلك الأموال وقتل من أهلها قريب الفي رجل .) بعدها توقف سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود ليقسم الغنائم . قال ابن بشر : (ثم أن سعود ارتحل منها على الماء المعروف بالأبيض فجمع الغنائم، وعزل أخماسها ، وقسم باقيها في المسلمين غنيمة ، للراجل سهم وللفارس سهمان ، ثم ارتحل قافلاً إلى وطنه .)
4 ــ سنة 1217 مذبحة الطائف: وفيها تجاهل ابن بشر تفاصيل المذبحة ، وذكر الغنائم ، قال عن الشريف غالب : ( ..وانهزم إلى مكة وترك الطائف، فدخله عثمان ومن معه من الجموع ، وفتحه الله لهم عنوة بغير قتال . وقتلوا من اهله في الأسواق والبيوت نحو مائتين ، وأخذوا من الأموال من البلد أثمانا وامتاعاً وسلاحا وقماشا وشيئاً من الجواهر والسلع المثمنة مالا يحيط به الحصر ولا يدركه العد . وضبط عثمان البلد وسلمت له جميع نواحيه وبواديه. وجمعوا الأخماس وبعثوها لعبدالعزيز. فقرر ولاية عثمان للطائف واستعمله أميراً عليها وعلى الحجاز . ) . لذا كان إهتمام الشريف غالب أن ينجو بخزائنه يحملها معه حين يهرب لأنه يعلم أن قتال الوهابيين هو فى سبيل المال ، قال عنه ابن بشر : ( فألقى الله الرعب في قلب غالب وهو في مكة فلم يستقر فيها فانهزم إلى جدة هو وأتباعه من العساكر وحمل خزائنه وذخائره وبعض متاعه وشوكته .)
5 ــ غزوة جدة : سنة 1218 : ( وفيها : سار عبد الوهاب بن عامر المعروف بكنيته أبو نقطة أمير المع عسير ونواحي تهامة قاصداً جدة محارباً لها . وذلك بأمر سعود. وكان سعود قد أمر على من في جهته من أهل الخبت والحجاز ينفرون مع عبدالوهاب ويسيرون معه إلى جدة ، فسار عبدالوهاب برعاياه ونزل السعدية الماء المعروف قرب سيف البحر ، بينه وبين مكة نحو يوم ونصف ..) والتقى عبد الوهاب بجيش الشريف غالب . يقول ابن بشر : ( .. فالتقى الجمعان واقتتل الفريقان فحمل عبدالوهاب وقومه على الشريف وجنوده فولوا الأدبار . فتبعهم أهل عسير من ساقتهم يقتلون ويغنمون ويأخذون من سلاح المدبرين ولباسهم وما معهم وكثيرها يرمي بها في الأرض. وترك الشريف ثقله ومدافعه وذهبيته وسلاحه ، واستولى عبدالوهاب ومن معه على جميعها .وقيل إن البنادق التي جمعت ألفان وخمسمائة بندق والقتلى أكثر من ستمائة قتيل ، أكثرهم من الترك والإمداد التي عنده من الدولة . وجمع عمال سعود خمس الغنائم وقبضوها . ورجع غالب إلى مكة وقفل عبدالوهاب إلى وطنه بعد هذا النصر والغنيمة. ).
6 ــ سنة 1225 : غزوة دمشق : ( وفيها سار سعود بالجنود المنصورة والخيل الجياد المسومة المشهورة واستنفر جميع النواحي من جميع الحاضر والباد من وادي الدواسر إلى إلى مكة والمدينة إلى جبل طي والجوف وما بين ذلك نحو ثمانية آلاف . خرج من الدرعية لثلاث خلون من ربيع الثاني ، وقصد نقرة الشام المعرفة لأنه بلغة بوادي الشام وعربانه من عترة وبني صخر وغيرهم فيها . فسار سعود في تلك الناحية وأقبل فيها وادبر ، واجتاز بالقرى التي حولها المزيريب وبُصري ، فنهبت الجموع ما وجدوا فيها من المتاع والطعام وأشعلوا فيها النيران . وكان أهلها قد هربوا عنها لما سمعوا بمسيره. ثم رجع قافلاً إلى وطنه، ومعه غنائم كثيرة من الخيل والمتاع والأثاث والطعام . وقتل من أهل الشام عدة قتلى . وحصل في الشام رجفة ورعب عظيم بهذه الغزوة في دمشق وغيرها من بلدانه وجميع بواديه .) إى تجول سعود بعسكره فى ريف الشام حول دمشق ينهب ويحرق ويترك خلفه القرى تشتعل نيرانا ، وقد هرب الناس فلم يقتل إلا عدة قتلى ،وعاد تاركا رُعبا مقيما. هذا هو الجهاد الوهابى الذى يستاسد على الفلاحين المساكين .!
7 ــ مذبحة الحجا وقحطان سنة 1225 . يقول : ( ثم سار بعده طامي بن شعيب أمير عسير وألمع وغيرهم بعسكر عظيم من قومه وأهل الحجا و وقحطان وغيرهم، وتوجهوا إلى البندر المعروف باللحية ، فحصروها ، وأخذوها عنوة ، وأخذوا غالب ما فيها من الأموال والذهب والفضة والقماش واللؤلؤ يحسبه ذرة .) الأخ طامى بن شعيب سلب اللؤلؤ يحسبه ذرة .!!. يقول ابن بشر عن الضحايا القتلى : ( وقتل من أهلها خلق كثير قيل أن الذي هلك منهم ألف بين القتل والهلاك . ودمروا البلد وأشعلوا فيها النيران . ). إستسلم اهلها فقتلوهم وسلبوا البلد ثم أحرقوها . هل هذا فى سبيل رب العزة الذى بعث رسوله بالقرآن الكريم رحمة للعالمين ؟ أم هو فى سبيل الشيطان اللعين ؟!!.
8 ــ غزوة الحديدة سنة 1225 ( وفيها : سار طامي بن شعيب المذكور بعسكر كثير من رعايا من عسير والحجاز وبيشة ونواحيها وقحطان وغيرهم من البوادي إلى تهامة نحو عشرين ألف مقاتل . وتوجهوا إلى بندر الحديدة ، ونازلوا اهلها فأخذوها عنوة واستولوا على غالب البلد. وكان أهلها قد بلغهم مسير تلك الجنود فحملوا خفيف أموالهم في السفين وركب فيها أكثر الرجال ، فأخذ طامي ومن معه ما وجدوا فيها من المال والمتاع ودمروها .وقتلوا من أهلها قتلى كثيرة ). قتلوا من لم يستطع الهرب فى السفن .
9 ــ مذبحة عُمان ومسقط ( مسكة ) سنة 1225 . يقول : ( .. فسار مطلق المطيري بشوكة المسلمين الذين معه في عمان من أهل عمان ونجد وغيرهم فجمع الله بينهم وبين عساكر صاحب مسكة وتنازلوا واقتتلوا قتالاً شديداً ، فانهزم جنود صاحب مسكة وركب المسلمون أكتافهم ، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة ، وأخذوا خيامهم ومحطتهم وغالب متاعهم ومدافعهم وهي أكثر من عشرة مدافع، ورجع بقيتهم إلى مسكة وسمايل ، وأخذ المسلمون منهم غنائم عظيمة وقبض الأخماس عمال سعود بعثوا بها إلى الدرعية . )
10 ــ بسبب كثرة الغنائم فى هذا العام 1225 ، وفى الشهر الحرام ذى الحجة طمع ثلاثة من ابناء سعود فى الغنائم بأن يغزو بأنفسهم بدون إذن من أبيهم منتهزين فرصة غيابه فى الحج ، فغزوا عُمان يقتلون ويغنمون . يقول ابن بشر : ( وفي هذه السنة في أول شهر ذي الحجة : وسعود في الحج خرج من الدرعية أبناء سعود تركي وأخواه ناصر وسعد وقصدوا ناحية عمان ومنهم عدة رجال من أتباعهم وخدمهم . وذلك أنه وقع بينهم وبين أبيهم مغاضبة وطلبوا منه زيادة لعطائئهم وخراجهم فأبى عليهم ذلك . وكان يعطيهم عطاء جزيلاً ، وطلبوا منه الخروج إلى عمان للقتال فمنعهم ذلك . فلما خرج في هذه السنة للحج خرجوا من الدرعية فلما وصل إلى عمان علم بهم ناس من أهل باطنة عمان وغيرهم، فنفروا عليهم وهجدوهم بالليل بياتاً فحصل بينهم قتال شديد قتل من الفريقين عدة قتلى . فلما انقضت الوقعة أرسل ابناء سعود إلى مطلق المطيري أمير الجيوش في عمان فاتى إليهم واجتمعوا ، ومعه جنود كثيرة من أهل نجد وأهل عمان وغيرهم .وصار تركي رئيس الجميع فسارت تلك الجنود إلى عمان ونازلوا أهل بلد مطروح المعروف على الساحل ، وأخذوه عنوة وقتلوا من أهله قتلى كثيرة وغنموا منه أموالا عظمة . ثم ساروا على ساحل البحر وفي باطنة عمان وظاهرتها ، فاخذوا بلد خلفان عنوة .ثم ساروا إلى جعلان وسور وسحار وغيرها وأخذوها عنوة وأوغلوا في عمان وأخذوا أموالاً عظيمةً ..... ) .
أخيرا :
ضحايا الوهابية وقتها بلغ آلافا من جماجم القتلى وحمامات الدم وجبالا من السلب والنهب ومعاناة مئات الألوف من الناس وفزع وترويه الملايين .. هل يجرؤ أحد ــ حتى لو كان وهابيا ــ على تبرير هذا ؟
أليس هذا دليلا على أن وهابيى الدولة السعودية الأولى كانوا يقاتلون فى سبيل الشيطان وليس فى سبيل الرحمن ؟
أليس هذا دليلا على أن داعش وأخواتها لم يأتوا من فراغ ؟

فى دولتهم الأولى : السعوديون حرامية الإبل والغنم : جهادهم فى سبيل الابل والغنم .

مقدمة ـ
ابن بشر يفخر بالسعوديين وبجهادهم ويجعله عنوانا للمجد . وضمن ما يفخر به أن معظم جهادهم كان فى سبيل الغنم والماعز والابل . كانوا يقاتلون ــ ليس فى سبيل الله ــ ولكن فى سبيل الماعز والغنم والأبل . لم تكن الصحراء العربية موطنا للكنوز ـ إلا ما كان فى الحجرة النبوية وقليل متناثر هنا وهناك . وقد قاموا بالواجب فسلبوا تلك الكنوز . ولكن معظم ما سلبوه ومعظم ما قاتلوا فى سبيل الحصول عليه كان الغنم والابل والماعز والطعام . وبينما كانوا يحرقون ويدمرون البيوت والحصون والمدن والبساتين النخيل ــ فقد كانوا حريصين على ما يسلبونه من غنم وخراف وماغز وابل .
بإختصار : فى دولتهم الأولى كان السعوديون حرامية خراف وماعز وإبل .
هذا ما نراه ماثلا فى كتاب ابن بشر ( عنوان المجد فى تاريخ نجد ). ها هو المجد الحقيقى للسعوديين حرامية الابل والشاه والخراف والماعز . كانوا قُطّاع طُرق يسرقون الخراف والماعز والابل ، بل إن قُطّاع الطُّرُق أشرف منهم لأن قُطّاع الطُّرُق العاديين لا يزعمون أم ما يفعلونه هو الاسلام بل ويحتكرون الاسلام لأنفسهم ثم يتهمون الآخرين بالكفر ليسرقوا منهم أغنامهم ومعيزهم وإبلهم .!!
ونعطى أمثلة مما كتبه صاحب المجد فى تاريخ لصوص نجد !!
أولا :
جهاد لسرقة الأنعام عندما تأتى لتشرب من الماء
( الماء / الآبار : بنوك الابل والغنم والماعز )
سارق البنوك يترصد البنوك ، وسارق الابل والمعز والشياة يترصد الآبار فى الصحراء حيث يرد الرُّعاة ليسقوا أنعامهم . إعتاد البدو الهجوم على بعضهم بهذه الطريقة ؛ ترصد ( الماء ) أو عيون الماء أو الآبار ، حتى إذا جاء رُعاة قبيلة ما هجموا عليهم وإستاقوا أنعامهم . وكان يحدث قتل إذا دافع أصحاب الأنعام عن ممتلكاتهم. ولكن كان هذا قليلا لأن الثقافة البدوية توارثت أن المسلوب اليوم سيكون سالبا غدا ، والمهاجم اليوم سيكون مُعرّضا للهجوم غدا ، بل قد يكون عدو اليوم هو حليف الغد ، ثم إن الرعاة لا ذنب لهم حتى يتعرضوا للقتل . لذا تعارفوا على حقن الدماء بقدر الامكان . ولكن إختلف الوضع بظهور قطّاع الطرق الوهابيين السعوديين ، فمالكو الانعام والرعاة هم فى الدين الوهابى كفار يجب إستئصالهم . والمعادلة هنا بسيطة وحاسمة هى قتل الرعاة وسرقة الحيوانات . ونستعرض بعضا مما ذكره ابن بشر :
1 ـ سنة1110 ، يقول ابن بشر : ( وكان عبدالعزيز قد بعث محمد بن معيقل في جيش رداءاً لابن قرملة وعوناً فانقضى قبل مجيئهم . فحث محمد بن معيقل السير في أثر بوادي الشريف وأدرك منهم بني هاجر وهم على الماء المعروف" بالقنصلية " قرب بلدة "تربة " فأغار عليهم وأخذ جميع أموالهم وقتل عليهم نحو أربعين رجلاً . ). المفهوم ان المال هنا هو الابل والغنم والماعز .
2 ـ ومثل ذلك قوله عن سنة 1178 : ( وفيها : كانت الوقعة المشهورة على حماد المديهيم ومن معه من السعيد الظفير ، سار إليهم عبدالعزيز رحمه الله تعالى ومعه غزوا أهل الرياض مع دواس بن دهام فأغار عليهم وهم على جراب ماء معروف بين سدير والدهناء ، فاستأصل جميع أموالهم وقتل منهم نحو الثلاثين رجلاً . ) أى إستأصل جميع أنعامهم .
3 ـ سنة 1194 ( وفيها : أغاروا سبيع على بوادي الظفير وهم على سفوان ـ الماء المعروف عند البصرة ـ فأخذوا عليهم إبلاً كثيراً نحو أربعة آلاف بعير ) .
ثانيا :
جهاد لسرقة الابل والغنم فى مواضع أخرى غير عيون الماء
لم يكن ابن سعود ينتظر حتى يرد الرعاة الى الماء بل كان يبادر بالهجوم على القوم وحيواناتهم فى محل إقامتهم ويسلبهم أنعامهم . ونأخذ أمثلة :
1 ـ سنة 1197 ( وفيها : سار سعود رحمه الله تعالى بجميع المسلمين غازياً إلى عالية نجد ، وعدى على الصهبة القبيلة المعروفة من مطير ، وهم على المزرع المعروف بالمتسجده قرب بلد شمر .فصبحهم عليها وأخذهم عليها وقتل رجالاً من رؤسائهم و فرسانهم .. وأخذ إبلهم وأغنامهم وحلتهم وعشراً من الخيل .)
2 ـ سنة 1229 ( وفيها آخر رمضان : سار عبدالله بن سعود بجميع المسلمين من أهل نجد الحاضرة والبادية وقصد القصيم فأقام فيها مدة قرب الرس . ثم أنه جهز جيشاً وأغار على عربان برية والجبلان المعروفين من مطير . فأخذ مواشيهم . فلما كان في ذي القعدة رحل عبدالله بالمسلمين وقصد الحجاز وأغار على عياد الذويني ومن معه من بوادي حرب بني عمرو وبني علي وهم عند الحرة قرب جبل غراب المعروف هناك . فأخذ محلهم وإبلهم وأزوادهم وهربوا على أرجلهم في الحرة وقتل منهم رجال .)
3 ـ سنة 1212 ( وفيها : غزا هادي بن قرملة وأغار على البقوم في الحجاز فهزمهم وقتل منهم عدة رجال ثم بعد شهرين غزاهم فقتل منهم قتلى وأخذ عليهم كثيراً من الإبل والغنم . )
4 ـ 1211( وفيها : غزا ربيع بن زيد أمير وادي الدواسر بجيش كثيف من الدواسر وغيرهم أمره عيدالعزيز أن يقصد جهة الحجاز . فأغار على عربان شهران وقتل منهم نحو خمسين رجلاً وأخذ منهم إبلاً وأغناماً كثيرة . )
5 ــ سنة 1229 ( وفيها : سار عبدالله بن سعود رحمه الله تعالى بجميع المسلمين من أهل نجد الحاضر والبادية خرج من الدرعية أول السنة فاجتمع على النواحي وقصد جهة الحجاز .. فأغار على بوادي حرب ، وهم في الحرة قرب (صفينة ) القرية المعروفة في تلك الناحية ، فأخذ عليهم إبلاً وغنماً كثيرة .. )
ثالثا :
جهاد لسرقة الغنم فقط .!!
حتى لو كانت تلك الأنعام مجرد أغنام بائسة حزينة فقد كان ابن سعود لا يتورع عن الهجوم على البلد لسرقتها ، ونقرأ ما قاله ابن بشر:
1 ـ فى أحداث عام 1164 : ( وفيها سار عبدالعزيز يرحمه الله تعالى إلى بلد " الزلفى " فأخذ عليهم أغناما ورجع سالماً غانماً .) بسلامته هاجم بلدا ليسرق أغناما ورجع سالما غانما على حد قول ابن بشر ..!!
2 ـ سنة 1165 : ( وفيها : سار أهل الدرعية والعيينة وما حولهم وأميرهم مشاري بن معمر وقصدوا الخرج وأخذوا أغنام أهل "الدلم " ورجعوا بها وطلبوهم ولحقوهم الطلب في " عفجة الحاير " المعروفة . وقتل المسلمون من الطلب عدة رجال ورجعوا . ). كل هذا الجهاد من أجل أغنام ..!! ( تكبير ..!! )
3 ــ سنة1191 ( وفيها : ساروا إلى بلد ثادق فأخذوا أغنامهم وقتلوا منهم ستة رجال ، منهم محمد بن سلامة.)
4 ـ سنة 1184 ( وفيها : سار عبدالعزيز غازيا بالمسلمين وقصد بوادي المحمرة من الظفير فواقعهم وحصل بينهم بعض القتال ، فقتل منهم رجالاً ، وأخذ منهم غنايم .)
5 ـ سنة 1186 ( وفيها : سار عبدالعزيز إلى الرياض فأغار على أغنامهم وأخذها وحصل بينهم قتال. ). هنا الغارة مباشرة على الأغنام أى لسرقة الأغنام ..شخصيا .!!
6 ـ سنة 1188 ( وفيها : سار سعود بن عبدالعزيز رحمه الله تعالى غازيا إلى بلد الدلم في ناحية الخرج فأغار عليهم وأخذ عليهم غنماً ، وقتل من أهلها نحوا من عشرة رجال . )
رابعا :
جهاد لسرقة الابل فقط :
1 ـ سنة 1173 : ( ثم ان عبدالعزيز كر راجعاً وقصد " الدلم " و "الخرج "فقاتل أهلها وقتل من فزعهم سبعة رجال ، وغنم عليهم إبلا كثيرة . )
2 ـ سنة 1176 ( وفيها: غزا عبدالعزيز سبع في الموضع المسمى بسيح الدبول ، وأخذ عليهم نحو مائتي بعير.)
3 ـ سنة 1186 ( وفيها : سار عبدالعزيز رحمه الله تعالى بجيشه المنصور ، وأغار على آل حبيش من بوادي العجمان ، فأخذ عليهم إبلاً كثيرةً ، وقتل منهم عدة رجال . )
4 ـ سنة 1197 ( وفيها : غزا زيد بن زامل صاحب الدلم بجيش نحو المائتين ، وأغار على بوادي سبيع ، فأخذ منهم إبلا ، ثم قفل راجعا . )
5 ـ سنة 1190 ( وفيها :سار عبدالعزيز غازيا بالمسلمين ، وقصد ناحية الجنوب فأغار على بوادي آل مرة ، وأخذ عليهم إبلاً كثيرةً . )
أخيرا :
يسرق الابل من الكفار ليبيعها الى الكفار .. ( تكبير .!! )
سنة 1109 : ( وفيها : سار سعود بالجيوش المنصورة والخيل العتاق المشهورة من جميع نحد وبواديها وقصد الشمال ، فأغار على بوادي كثيرة مجتمعة من الظفير . وهم في الموضع المعروف "بالحجرة" ، فهزمهم وقتل منهم رجالاً كثيراً ، وأخذ منهم ألفا وخمسائة بعير وجميع أغنامهم ومحلتهم وأثاثهم .وذلك في شعبان . ثم قفل راجعاً بعد ما قسم الغنائم .فلما كان في ذي القعدة سار سعود بتلك الجيوش والجنود وقصدالحجاز فنازا بلدة " تربة " بلد البقوم المعروفة ، فحاصر أهلها حصاراً شديدا وقطع كثيراً من نخيلها فقتل بينهم قتلى كثير . وفيها : أمر عبدالعزيز على جيش من أهل الخرج وغيرهم وسار بهم إبراهيم بن عفيصان فقصد ناحية " قطر " وأغار على أهله فأخذ إبلاً كثيرة من بواديهم وأموالاً ، فاقبل بها وباعها في الاحساء . ) .!!غزا ( قطر ) وسرق الابل منها وسافر بها ليبيعها فى الأحساء . برافو..

علامة تعجب مشروعة : آه يا كافر يا ابن الكافر .!!


فى دولتهم الأولى: السعوديون حرامية القوافل والأطعمة والأمتعة

مقدمة :
فى التشريع السُّنّى تنقسم الغنائم الى نوعين : فردية ، وضعوا لها حديثا أو قاعدة فقهية تقول ( من قتل قتيلا فله سلبه )، أى إن المقاتل فى الجهاد السُنّى له الحق فى تجريد جثة من قتله ، من ملابس وأموال وسلاح . ثم الغنائم الجماعية والتى يجرى جمعها وتقسيمها : خُمس الى الخليفة أو ( الإمام ) بالتعبير الفقهى ، وأربعة أخماس يتوزع على أفراد الجيش ، يشمل هذا الأموال والسبى أيضا . بدأ الخلفاء ( الراشدون ) بهذا الإفك ، وتم تقنينه تشريعا سُنّيا فى العصر العباسى .
إبن عبد الوهاب لم يتعرض لهذه التفصيلات فى دينه الملاكى . قام بتطبيق تشريع جديد :أن يتم تجميع كل المسروقات ويتم تقسيمها كلها . المقاتل الوهابى يسلب ضحاياه دون أن يستأثر بها ، بل يتم تخميسها كلها. ومع هذا فقد كان المحاربون الوهابيون مخلصين فى تجريد جثث ضحاياهم من كل شىء ، من الملابس . وحيث كان العرب مثل الصحابة لا يعرفون الملابس الداخلية) underwear ( ، فإن جثة الضحية يتم تعريتها كاملة بعد تجريدها من كل شىء . وفى مذبحة الطائف ــ مثلا ــ فى ذي القعدة 1217هـ/1802م إجتهد الجنود الوهابيون فى جمع المنهوبات من البيوت الى درجة حفر المراحيض بحثا عن كنوز مخبئة ، وقطع أيدى النساء لانتزاع الحُلى منها . وطالما يتم تجريد الجثث من كل شىء فالمنتظر تجريد البيوت من كل شىء ، حتى من الطعام ، وتجريد المحلات والدكاكين من كل شىء . وإذا كان الهجوم على قافلة فإن ما تحمله القافلة من أموال وبضائع وما يرتديه أصحابها والإبل وما عليها يكون ضمن المسروقات . وبالتالى يمكن القول بأن آل سعود فى دولتهم الأولى لم يكونوا فقط حرامية الغنم والماعز والإبل بل كانوا أيضا حرامية الأمتعة مما يكون فى البيوت ومما تحمله الابل وفى الدكاكين والقوافل والملابس والطعام وأوانى الطبيخ . إضافة الى الأموال السائلة والابل والغنم . وهذا هو الجهاد الذى قام به ابن سعود بجيوشه المنصورة حسب تعبير ابن بشر . ونعطى بعض الأمثلة :
أولا : آل سعود حرامية الأمتعة
1 ـ ( سنة1110) فى هزيمة الشريف غالب عند ماء الجمالية ، نفس الحال ، لم يتركوا الفارين ينجون بحياتهم ، وكانت السرقات هائلة من الابل والغنم والأمتعة بل والسلاح أيضا :( .. فولوا منهزمين فلحقتهم تلك البوادي والجنود ومنحهم الله أكتافهم وأموالهم فقتل منهم نحو ثلاثمائة رجل . وغنم منهم هادي وجموعه من الإبل والغنم والأمتعة ما لا يُعد ولا يحصى ، حتى ذكر أن الرجل والرجلان يحوزان مائة بعير، وأخذوا خيمة ناصر ومدفعه .)
2 ـ ( سنة 1174 ) ( أغار عبدالعزيز على ابن فياض وعربه المعروفين بالنبطة من سبيع وأخذهم في الموضع المعروف بالعتك بين سدير والمحمل ، وقتل منهم عشرة رجال .. وغنم عليهم المسلمون من الإبل نحو ثمانين ذود واثاثهم وأمتعتهم . ) ثمانون من الابل بما عليها من أثاث ومتاع .!!
3 ـ ( سنة 1182 ) ( وفيها : سار عبدالعزيز غازيا إلى سبع وهم على الحائر المعروف فأخذ عليهم إيلاً كثيرةً وأغناماً وأمتعةً. ). أمتعة مع الابل والأغنام .
4 ـ (سنة 1195 ) : هجم اللص إياه على أعراب عند بئرهم ،أو بتعبير ابن بشر ( فنازل تلك العربان على مائهم ) وهزمهم ( ثم أدال الله المسلمين عليهم فانهزم جميع تلك البوادي وولوا مدبرين . فغنم المسلمون منهم غنائم عظيمة ، واستأصل سعود أكثر أموالهم ، وحازها . فالأغنام نحو سبعة عشر ألفأ والإبل خمسة آلاف ومن الخيل خمس عشر فرسا ، وحاز جميع ما في الحلة من الأثاث والأمتاع وقتل منهم قتلى كثيرة من الفرسان والرجالة .) ولأنهم كانوا فى دارهم وخيامهم فقد سرقها هذا اللص بعد أن قتل منهم كثيرين ..يا للفروسية .!!
5 ــ ( سنة 1203 ) ( وفيها : سار سعود أيضا بالجيوش المنصورة وقصد المنتفق ، فوجدهم بالموضع المعروف بالروضتين بين المطلاع وسفوان . فناوخهم وأخذ من محلتهم خياماً وأمتعةً ثم رجع . ). الجيوش المنصورة بقيادة سعود هجمت على إحدى عشائر المنتفق ، فلم يجد فيها سوى بعض الخيام ..أخذها يسمح بها ... ( دموعه ) .!! أمن أجل هذه الخيام يغزو بجيوشه المنصورة ؟
6 ــ ( سنة 1204 ) ( وفيها : كانت وقعة " غريميل " وهو جبل صغير تحته ماء قرب الاحساء . وذلك ان سعود سار من الدرعية بجنود المسلمين من الحاضرة والبادية .. فسار بتلك الجنود وقصد جموع بني خالد ورئيسهم يومئذٍ عبد المحسن بن سرداح .. فعداً عليهم ونازلهم ووقع القتال بينهم ثلاثة أيام .فانهزم عبد المحسن ومن معه من بني خالد .فكرّوا في ساقتهم يقتلون ويغنمون . وحاز سعود من الإبل والغنم والأمتعة مالا يعد ولا يحصى .وقتل عليهم قتلى كثير. ) . ايضا قاطع الطريق اللّص إياه هاجم أعرابا يستسقون ( فعدا عليهم ) أى إعتدى عليهم ، وهزمهم ففروا . فتتبعهم وطاردهم ليستحوذ على ما لديهم من الابل والغنم والأمتعة ..وقتل من ادركهم ، وكانوا كثيرين .
7 ــ ( سنة 1205 ) ( وفيها : كانت وقعة العدوة : ( ... وغنم المسلمون منهم غنائم كثيرة من الإبل والغنم والأثاث والأمتعة وأخذ جميع محلهم .) وبعدها حاول المهزومون الانتقام فانهزموا ثانيا ( .. وانهزم تلك البوادي لا يلوي أحد على أحد ولا ولد على ما ولد ، وتركوا الإبل مقرنة في الحبال .فتبعهم المسلمون وأخذوا جميع أموالهم من الإبل والغنم والأمتعة وأقاموا في أثرهم نحو يومين أو ثلاثة يأخذون من الأموال ويقتلون الرجال . وحاز سعود جميع الغنائم من الإبل أحد عشر ألف بعير واكثر ومن الغنم أكثر من مائة ألف .) ظلوا فى ( مهمة مقدسة ) استمرت يومين او ثلاثة يأخذون الأموال ويقتلون الرجال ، فسرقوا جميع أموالهم ومالديهم من ابل وغنم و ( أمتعة ) .
8 ــ ( عام 1206 )( وفيها كانت غزوة "الشقْرة " وذلك ان سعوداً سار بالجيوش الكثيفة من جميع نجد الحاذرة والبادية وقصد ناحية جبل شمر وقد ذكر له القبائل كثيرة من البوادي من مطير وحرب وغيرهم على الماء المعروف بالشقرة قريب جبل شمر، فعدا عليهم سعوداً وأخذهم جملة ،وحاز منهم أموالاً عظيمة ، الإبل أكثر من ثمانية بعير وأخذ جميع أغنامهم ومحلتهم وأمتعتهم وأكثر من عشرين فرساً وقتل عليهم عدة رجال .). ( فعدا عليهم سعود ) يعنى إعتدى عليهم . وقاتلهم ( فى سبيل ) أن يسرق جميع أغنامهم و( محلتهم ) يعنى ( الخيام ) و ( أمتعتهم ) بالاضافة الى عدد ( 8 ) بعير ( تقريبا ) .!..
9 ـ ( سنة 1212) : ( وفيها في رمضان : .. ثم سار وقصد جهة السماوة وأتاه عيونه وأخبروه بعربان كثيرة مجتمعين في الأبيض الماء المعروف قرب السماوة فوجه الجيوش وأغار عليهم على مائهم ذلك . وكانت تلك البوادي كثيرة من بوادي شمر ...وغنم المسلمون أكثر محلتهم وإبلهم ومتاعهم.) . أخبره جواسيسه الذين يترصدون الآبار وعيون الماء بأن بعض الأعراب يسقون أنعامهم فى بئر كذا فأغارت عليهم الجيوش المنصورة وسرق الأمير سعود بن عبد العزيز أكثر الإبل وما هناك من ( متاع ) وخيام أو بتعبير ابن بشر :( أكثر محلتهم ). القليل من الأعراب أفلت يحمل خيمته وفراشه ، فلم يسرقها منه الأمير سعود.
10 ــ هزيمة الشريف غالب عام 1212 : ( .. فألقى الله الرعب في قلوب عساكر الشريف وانهزموا لا يلوي أحد على أحد ، وتركوا خيامهم ومحالهم وجميع أموالهم ، والقوم في ساقتهم يقتلون ويغنمون ، فمن وقف للقتل منهم قتل ، ومن انهزم أدرك وقتل . ومن فائت ومن بين ناج وهالك ظمأ وضياعا ، فكانت وقعة عظيمة ومقتلة وغنيمة . وكانت عدة القتلى على ماسطره بعض المؤرخين من أهل ناحيتهم قال :عدة القتلى ألف رجل ومائتان وعشرون رجلاً .. وأخذوا جميع الذخائر والخيام والمتاع ... وغنموا جميع ما في المضرب من الأموال وأخذوا سلاحاً كثيراً وأخذوا أيضا ما كان معهم من الإبل والأمتعة التي أخذوها قبل ذلك على قحطان وغيرهم مع ما انضم إليها من اكابرالدولة ورواحلهم . ) . أمتعة وذخائر وخيام مع السلاح
والأموال .!
ثانيا : آل سعود حرامية الطعام والزاد ( الأزواد )
هل يجد السعوديون الوهابيون طعاما مطبوخا أو مواد غذائية ويتعففون عن سرقتها ؟ الجواب فيما ذكره ابن بشر ؟
1 ـ( سنة 1110 ) (وفيها : سار سعود رحمه الله بالجيوش المنصورة والخيل العتاق المشهورة من جميع أهل نجد حاضرها وباديها وقصد الحجاز فأغار على عربان مجتمعة من عتيبة ومطير وهم في الحرة ورئيسهم أبو محيور العتيبي ، فأخذ عليهم نحو اثني عشر مائة بعير وأغناما كثيرة ، وكثير من الأمتعة والأزواد .) الجيوش المنصورة بالخيل العتاق المشهورة أغارت على أعراب فسرقت منهم 1200 بعير فقط وأغناما كثيرة مع كثير من الأمتعة و(الأزواد ).( أزواد) جمع (زاد) أى طعام مطبوخ أو مواد غذائية
2 ـ ( سنة 1198) ( وفيها سار سعود رحمه الله تعالى بالمسلمين وقصد ناحية الإحساء فصبح أهل العيون وهجم عليهم ، ولم يأتهم خبر عنه ، وأخذ كثيراً من الحيوانات ونهب من بيوتها أزواداً وأمتعةً . ) فى الصباح الباكر هجم على الناس الآمنين فى بيوتهم ليسرق من بيوت الأحساء ( أزواد وأمتعة ) . الأزواد يعنى الطعام المطبوخ وغير المطبوخ ، وأمتعة من البيت اى تشمل أوانى الطبخ ( حلل الطبيخ ) وأدواته ، 3 ـ ( سنة 1207 ) فى موقعة بنى خالد عام 1207 والتى إستأصلهم فيها يقول ابن بشر عن الغنائم : ( وأخذ جميع ركابهم وأزوادهم وأمتاعهم وفرشهم وجميع ما معهم . قيل أن الخيل اكثر من مائتي فرس .) أخذ كل ما لديهم من زاد أى طعام وكل ما ليدهم من متاع واثاث . مما ترك شيئا إبن الحرامية .!!
4 ـ سنة 1211 : فى هزيمة ثوينى ومقتله ( .. فوقع التخاذل والفشل في جنود ثويني، وألقى الله في قلوبهم الرعب ،فارتحلوا منهزمين لا يلوي أحد على أحد . ) لم يتركهم الوهابيون : ( فتبعهم المسلمون وبواديهم ، وقتلوا منهم قتلى كثيرة وغنموا غنائم عظيمة واستمروا في ساقتهم إلى قرب الكويت يقتلون ويغنمون وحازوا منهم أموالاً عظيمة من الإبل والغنم والغنم والأزواد والأمتاع وغير ذلك .) لم يتركوهم لأنه لا يزال معهم غنائم يراها السعوديون حقا لهم ، وهى لا تقتصر على الابل والغنم بل ايضا (والأزواد والأمتاع وغير ذلك )
5 ـ (سنة 1212 ) ( وفيها : غزا حجيلان بن حمد أمير ناحية القصيم بجيش من أهل القصيم وغيرهم وقصدوا أرض الشام وأغار على بوادي الشرارات فانهوموا فقتل منهم نحو مائة وعشرين رجلاً وأخذ من الإبل نحو خمسة آلاف بعير وأغناماً كثيرة وأكثر حللهم وأمتعتهم وأزوادهم. ) . أوانى الطعام ( الحلل ) سرقوها مع بقية الزاد والمتاع ..
6 ــ ( سنة 1218 ) ( وفيها في ذي القعدة : سار سعود بالجيوش العرمرمية الكثيرة والخيل الجياد الشهيرة من جميع نواحي نجد والجنوب وعمان والاحساء، وغير ذلك من البادي والحاضر ، قاصداً الشمال وكان سعود قد شرب من لينة وحال منها يريد العراق . فحرف الجيوش إليهم وشن عليهم الغارت وأمر فيهم بالقتال والنهب ....) هذا الجيش العرمرم لكى يسرق حلل الطبيخ وغيرها . يقول ابن بشر : ( وقتل من عامة الظفير قتلى كثيرة من كل قبيلة . وأخذ جميع أموالهم من الإبل والغنم والسلاح والخيل و الحلل والأمتاع والأزواد .) نفس المقصد من القتال : سرقة أوانى الطبيخ ( الحلل ) والزاد والأمتاع أو الأمتعة . بالاضافة الى الموال والابل والغنم .
7 ــ ( سنة 1222 )( وفيها سار محمد بن معيقل بأهل الوشم وسدير ونهض معه من بوادي قحطان ومطير وبني حسين وجملة من الواسر والسهول وغيرهم . فسار بهم محمد المذكور إلى عالية نجد ، فأغاروا على بوادي بني هاجر ورئيسهم يومئذٍ ناصر بن شري وهم في الحزم الراقي بين الذنايب والثعل . فوقع بينهم قتال فانهزم بنو هاجر وقتل منهم عدة قتلى ، وقتل رئيسهم ناصر المذكور، وأخذوا جميع أموالهم من الإبل والغنم والأمتاع والأزواد مما يخرج عن العد والإحصاء. .) ( أزواد / طعام ) مع غيرها من غنائم تخرج عن الحد والاحصاء.
8 ــ سنة 1225 : فى غزوة الشام ودمشق أعجبهم طعام أهلها ، وقد تجمعوا للغزو فى عدد كبير ( حوالى ثمانية آلاف ) تحركهم الشهية لطعام أهل الشام . يقول ابن بشر : ( وفيها سار سعود بالجنود المنصورة والخيل الجياد المسومة المشهورة واستنفر جميع النواحي من جميع الحاضر والباد من وادي الدواسر إلى إلى مكة والمدينة إلى جبل طي والجوف وما بين ذلك نحو ثمانية آلاف . خرج من الدرعية لثلاث خلون من ربيع الثاني ، وقصد نقرة الشام. ) وحتى يتذوق طعامهم الشهى تجول سعود فى القرى يقتل ويسرق ويأكل ما لذ وطاب ، يقول ابن بشر : ( فسار سعود في تلك الناحية وأقبل فيها وادبر ، واجتاز بالقرى التي حولها المزيريب وبُصري ، فنهبت الجموع ما وجدوا فيها من المتاع والطعام وأشعلوا فيها النيران.)أى ما يتبقى منهم كانوا يحرقونه .! ثم عاد الى الدرعية يحمل معه الغنائم والأمتعة و .. الطعام . يقول ابن بشر : ( .. ثم رجع قافلاً إلى وطنه، ومعه غنائم كثيرة من الخيل والمتاع والأثاث والطعام . ) إى تجول سعود بعسكره فى ريف الشام حول دمشق ينهب ويحرق ويترك خلفه القرى تشتعل نيرانا ، يأكل زادهم ويحرق بيوتهم تعبيرا عن الشكر بطريقته الوهابية ..!
9 ــ يختلف الحال عندما يستولى على مدينة ويملكها بما فى بيوتها من طعام . عندئذ يقيم حُرّاسا على الطعام شأنه شأن بقية المنهوبات والمسروقات . عن إحتلال الرياض قال ابن بشر : ( فلما انتصف ربيع الثاني تجهز عبدالعزيز بمن معه من جيوش المسلمين غازيا إلى الرياض ، وخرج من الدرعية ، فلما قرب من بلد عرقة وإذا البشير قد أقبل من الرياض فأخبره بأن دهام بن دواس خرج من الرياض هارباً. فحث عبدالعزيز السير إليها فقدمها بعد العصر فإذا هي خالية من أهلها إلا قليل .وتركوها خاويةً على عروشها الطعام واللحم في قدوره والسواني واقفة في المناحي وأبواب المنازل لم تغلق . وفي البلد من الأموال مالا يحصر . فلما دخل عبدالعزيز البلد الرياض وجدها خالية من أهلها إلا قليلاً . فساروا. في إثرهم يقتلون ويغنمون .ثم إن عبدالعزيز جعل في البيوت ضباطاً يحفظون ما فيها .وحاز جميع ما في البلد من الأموال والسلاح والطعام والأمتاع وغير ذلك ، وملك بيوتها ونخيلها . ) .
ثالثا : القوافل
1 ـ أخرجت قريش النبى محمدا عليه السلام والمؤمنين معه من ديارهم وأموالهم . إستولت على أموالهم السائلة والتى كان منها أسهما فى تجارة قريش ( رحلة الشتاء والصيف ) تاجرت قريش بهذه الأموال فى قوافلها ، وإعتادت ايضا الهجوم على المؤمنين فى المدينة ، ولم يقم المؤمنون بالدفاع عن أنفسهم لأن الإذن بالقتال لم يكن نزل . وبعد إستعداد نزل لهم الإذن بالقتال ، وكانت أكبر مواجهة هى تصدى الممؤمنين لقافلة قرشية تحمل أموالهم . ليس هذا قطعا للطريق ، ولكنه إسترداد لحق ضائع .
2 ـ يختلف هذا عن عادة الأعراب فى نجد وغيرها حين كانوا يقطعون الطريق على القوافل التجارية ، بل وعلى قوافل الحج التى أمر الله جل وعلا بحصانتها بإعتبارهم يؤمون البيت الحرام . لم يتخلف السعوديون فى دولتهم الأولى عن قطع الطريق على القوافل . ما إن يأتيهم خبر عن قافلة قادمة إلا هجموا عليها يسرقون محتوياتها ويقتلون أصحابها . ونعطى امثلة :
(سنة 1176 ) فى جولة قتالية له جاءه خبر عن قافلة مشتركة بين اهل الرياض وأهل سدير وحرمة ، فنهب من القافلة ما يخصّ أهل الرياض ، وترك نصيب حلفائه . هذا نُبل يعجز عنه ( روبن هود ). يقول ابن بشر :( وفيها : سار عبدالعزيز رحمه الله تعالى بالجيوش المنصورة إلى الإحساء واناخ بالموضع المعروف بالمطريفي في الإحساء وقتل منهم رجالاً كثيراً نحو السبعين رجلاً وأخذوا أموالا كثيرة ، ثم أغار على المبرز فقتل من أهلها رجالاً . ثم ظهر من الإحساء راجعا ، فلما وصل العرمة وافق قافلة لأهل الرياض وأهل حرمة معها أموالاً فأخذ أهل الرياض وترك أهل سدير لأجل هدنة بينه وبينهم .)
( سنة 1199 ) ( وفيها : سار سعود غازياً جهة الخرج فذكر له في أثناء الطريق أن قافلة حافلة من أهل الخرج والفرع وغيرهم ظاهرة من الإحساء ، فرصد لهم سعود على الثليما الماء المعروف قرب الخرج فأقبلت القافلة وكانت على ظمأ . وقدموا لهم ركاباً ورجالاً إلى الماء ، فأغار عليهم سعود وقتلهم . ثم أناخت الحدرة فنازلهم سعود واستمروا ساعة في جلاد وقتال واقتتلوا قتالاً شديداً وقتل بينهم قتلى كثير ، والقافلة قريب ثلاثمائة رجل . فحمل عليهم المسلمون وأخذوا جميع ما معهم من الأموال والقماش والمتاع والإبل .) جاءته جواسيسه بخبر قافلة قادمة ، فكمن للقافلة عند بئر ، وهو يعرف أنهم لا بد ان يمروا عليه . وجاءوا البئر عطشى وارسلوا بعض الناس يروون ظمأهم فقتلهم سعود ، ثم نشب القتال بينه وبين بقية رجال القافلة ، وانتهت بسرقة سعود لكل ما فى القافلة من أموال ومتاع وقماش وإبل ، وقتلوا ما استطاعوا من اصحاب القافلة . تُرى ..ما هو ذنب هذه القافلة ؟
رابعا: الأسواق والدكاكين :
1 ـ ( سنة 1173 ) ( وفيها :غزا عبدالعزيز إلى " الخرج " فاوقع بأهل الدلم وقتل من أهلها ثمانية رجال ونهبوا بها دكاكين فيها أموال . ) يا ابن الحرامية يا حرامى الدكاكين .!!!
2 ـ ( سنة 1212) : ( وفيها في رمضان : سار سعود بن عبدالعزيز بالجنود المنصورة من جميع نواحي نجد وبواديها وقصد الشمال وأغار على سوق الشيوخ وقتل منهم قتلى كثيرة ،وانهزم منهم أناس وغرقوا في الشط .) الجيوش المنصورة ــ يا ولدى ـ أغارت على سوق وقتلت من لم يستطع الهرب ، وطبعا سرقت ما فى السوق من بضائع . تجمّع كل جنود نجد وبواديها للهجوم على سوق . من الطبيعى أن يقتلوا كثيرين وأن ينهزم الناس فرارا لا يلوون على شىء ، فيتعرضون للغرق من فرط رعبهم .!!. وهذا فى شهر رمضان .. شهر التقوى والصيام .!!

صلاة الوهابية للشيطان وليس للرحمن

مقدمة : شعيرة الصلاة بين الاسلام وبين الكفر
1 ـ الصلاة فى الاسلام ليست هدفا فى حد ذاتها بل هى وسيلة يتطهر بها المؤمن وينتهى بها عن الفحشاء والمنكر، وتلك هى إقامة الصلاة أى تأثير الصلاة إيجابيا فى سلوك المؤمن فى غير أوقات الصلاة . قال جل وعلا : ( وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَۖ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِۗ وَلَذِكۡرُ ٱللَّهِ أَكۡبَرُۗ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تَصۡنَعُونَ ﴿٤٥﴾ العنكبوت ) ثم الخشوع فى تأديتها ، وبدون الخشوع فى تأدية الصلاة وبدون إقامتها والحفاظ عليها لا يفلح المؤمنون، فهناك مؤمنون ليسوا مفلحين ،يصلون بلا خشوع وبلا محافظة على صلواتهم ، أى يقعون فى المعاصى مع تأديتهم صلاة شكلية حركية ، قال جل وعلا : (قَدۡ أَفۡلَحَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ﴿١﴾ ٱلَّذِينَ هُمۡ فِي صَلَاتِهِمۡ خَٰشِعُونَ ﴿٢﴾ وَٱلَّذِينَ هُمۡ عَنِ ٱللَّغۡوِ مُعۡرِضُونَ ﴿٣﴾ وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِلزَّكَوٰةِ فَٰعِلُونَ ﴿٤﴾ وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِفُرُوجِهِمۡ حَٰفِظُونَ ﴿٥﴾ إِلَّا عَلَىٰٓ أَزۡوَٰجِهِمۡ أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُمۡ فَإِنَّهُمۡ غَيۡرُ مَلُومِينَ ﴿٦﴾فَمَنِ ٱبۡتَغَىٰ وَرَآءَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡعَادُونَ ﴿٧﴾ وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِأَمَٰنَٰتِهِمۡ وَعَهۡدِهِمۡ رَٰعُونَ ﴿٨﴾ وَٱلَّذِينَ هُمۡ عَلَىٰ صَلَوَٰتِهِمۡ يُحَافِظُونَ ﴿٩﴾ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡوَٰرِثُونَ ﴿١٠﴾ ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلۡفِرۡدَوۡسَ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ﴿١١﴾ المؤمنون ) .
2 ـ وكل العبادات فى الاسلام هى وسائل للتقوى ، قال جل وعلا : ( يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعۡبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ﴿٢١﴾ البقرة ) ، ينطبق هذا على الصيام ، قال جل وعلا : (يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ﴿١٨٣﴾ البقرة ) وعلى الحج . قال جل وعلا (ٱلۡحَجُّ أَشۡهُرٞ مَّعۡلُومَٰتٞۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلۡحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي ٱلۡحَجِّۗ وَمَا تَفۡعَلُواْ مِنۡ خَيۡرٖ يَعۡلَمۡهُ ٱللَّهُۗ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيۡرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُونِ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ ﴿١٩٧﴾ ) ، وعلى القتال الدفاعى ردا للعدوان بمثله قصاصا ، قال جل وعلا : ( فَمَنِ ٱعۡتَدَىٰ عَلَيۡكُمۡ فَٱعۡتَدُواْ عَلَيۡهِ بِمِثۡلِ مَا ٱعۡتَدَىٰ عَلَيۡكُمۡۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِينَ ﴿١٩٤﴾ البقرة ) .
3 ـ المنافقون فى عهد النبى محمد عليه السلام كانوا يؤدون صلاة حركية شكلية مظهرية ، قال جل وعلا عنهم : ( وَلَا يَأۡتُونَ ٱلصَّلَوٰةَ إِلَّا وَهُمۡ كُسَالَىٰ ) ﴿٥٤﴾ التوبة ) ، كانوا يراءون بصلاتهم خداعا فقال جل وعلا عنهم :(إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ يُخَٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَٰدِعُهُمۡ وَإِذَا قَامُوٓاْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ وَلَا يَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ إِلَّا قَلِيلٗا ﴿١٤٢﴾النساء ). وهم بها فى الدرك الأسفل من النار إذا ماتوا بلا توبة ، قال جل وعلا (إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ فِي ٱلدَّرۡكِ ٱلۡأَسۡفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمۡ نَصِيرًا ﴿١٤٥﴾ إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصۡلَحُواْ وَٱعۡتَصَمُواْ بِٱللَّهِ وَأَخۡلَصُواْ دِينَهُمۡ لِلَّهِ فَأُوْلَٰٓئِكَ مَعَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ وَسَوۡفَ يُؤۡتِ ٱللَّهُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَجۡرًا عَظِيمٗا ﴿١٤٦﴾ النساء ) . 4 ـ وكفار قريش كانوا يؤدون نفس شكل الصلاة التى لا يزال المحمديون يؤدونها ، وكانت لهم مساجد تحتوى قبورا مقدسة . لذا دعاهم النبى محمد لأن تكون المساجد خالصة لعبادة الله جل وعلا وحده فكادوا أن يفتكوا به . قال جل وعلا :( وَأَنَّ ٱلۡمَسَٰجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدۡعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَدٗا ﴿١٨﴾ وَأَنَّهُۥ لَمَّا قَامَ عَبۡدُ ٱللَّهِ يَدۡعُوهُ كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيۡهِ لِبَدٗا ﴿١٩﴾ قُلۡ إِنَّمَآ أَدۡعُواْ رَبِّي وَلَآ أُشۡرِكُ بِهِۦٓ أَحَدٗا ﴿٢٠﴾ الجن ) وبعد الهجرة كانوا يمنعون من بقى فى مكة من المؤمنين من دخول مساجدهم . قال جل وعلا : ( وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ أَن يُذۡكَرَ فِيهَا ٱسۡمُهُۥ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَآۚ أُوْلَٰٓئِكَ مَا كَانَ لَهُمۡ أَن يَدۡخُلُوهَآ إِلَّا خَآئِفِينَۚ لَهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا خِزۡيٞ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٞ ﴿١١٤﴾ البقرة). إذن كانوا ( يؤدون ) الصلاة شكليا حتى عند البيت الحرام مع تمسكهم بالكفر وبصدّ المؤمنين عن الحج . لذا وصف رب العزة جل وعلا صلاتهم عند البيت الحرام فقال : (وَمَا لَهُمۡ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ وَهُمۡ يَصُدُّونَ عَنِ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ وَمَا كَانُوٓاْ أَوۡلِيَآءَهُۥٓۚ إِنۡ أَوۡلِيَآؤُهُۥٓ إِلَّا ٱلۡمُتَّقُونَ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ﴿٣٤﴾ وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمۡ عِندَ ٱلۡبَيۡتِ إِلَّا مُكَآءٗ وَتَصۡدِيَةٗۚ فَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡفُرُونَ ﴿٣٥﴾ الانفال )
5 ـ إذا لم تكن الصلاة وسيلة للتقوى فتتحول فى الدين الأرضى الى وسيلة للعصيان ، أى طالما تؤدى حركات الصلاة فلا عليك بعدها إذا عصيت ، أى أن يعصى الانسان معتقدا أنه طالما أدى ركعات الصلاة رياءا فهم مغفور له مقدما . تتعاظم المصيبة لدى الكهنوت الذى يحترف أداء الشعائر الدينية ويعطى نفسه مظهرا دينيا باللحية والجلباب كى يتميز على الناس ويتسلط عليهم ويركب ظهورهم باسم الدين ويأكل اموالهم ، أى يجعلهم يدفعون له ثمن صلاته وريائه بالعبادة .
6 ـ أفظع من هذا كله أن يجنح الدين الأرضى الى القتال فى سبيل حُطام الدنيا أى فى سبيل الشيطان وليس فى سبيل الرحمن كما إعتاد ابن سعود فى الدولة السعودية الأولى . ولأنه استحلال بالإعتداء بالغزو والقتل تمسحا بإسم الله جل وعلا ودينه فقد إحتاج ابن سعود الى شعيرة دينية يشتهر بها وتكون وسيلة دعائية له تُسوّغ له ما يرتكبه من قتل وسلب ونهب وسبى . وكانت هى الصلاة . كان الحرص على تأدية الصلاة شكليا أساسا من طقوس الوهابية ليظهروا بمظهر التقوى ، وتحت هذا المظهر يرتكبون كل الفظائع ـ حتى فى الأشهر الحُرُم . ونعطى بعض التفصيلات :
أولا : الصلاة من معالم القتال الوهابى فى الدولة السعودية الأولى :
1 ـ إنبهر بعض المصريين فى الحملة المرسلة لقتال الوهابيين من تمسك الوهابيين بالصلاة وقت إحتدام القتال ، وقد نقل الجبرتى كلامه . قال ( ولقد قال لي بعض أكابرهم من الذين يدعون الصلاح والتورع : أين لنا بالنصر وأكثر عساكرنا على غير الملة ؟ وفيهم من لا يتدين بدين ولا ينتحل مذهباً ؟ وصحبتنا صناديق المسكرات ؟ ولا يسمع في عرضينا أذان ؟ ولا تقام به فريضة ؟ ولا يخطر في بالهم ولا خاطرهم شعائر الدين . والقوم ( أى الوهابيون ) إذا دخل الوقت أذن المؤذنون وينتظمون صفوفاً خلف إمام واحد بخشوع وخضوع ، وإذا حان وقت الصلاة والحرب قائمة أذن المؤذن وصلوا صلاة الخوف ، فتتقدم طائفة للحرب وتتأخر الأخرى للصلاة ، وعسكرنا يتعجبون. )
2 ـ فى سنة1229 مات الامير سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود . قال عنه ابن بشر فى تعداد مناقبه : ( وأما الصلوات المكتوبة فكان يصليها في مسجد قصره ، ويصلي معه فيه فئام من الناس ، إلا يوم الجمعة فإنه يصلي مع الناس في مسجد الطريف المشار إليه وهو المسجد الجامع تحت القصر شماله في موضع بناه فوق المحراب والمنير هو وخاصة ممالكه واثنان وثلاثة من خواصه وجعل على ذلك المصلى طريقاً من القصر يأتي إليه من قبلة المسجد عند المحراب . وكان يقف خلفه إذا دخل في الصلاة وهو في مسجد قصره اثنان من شجعان مماليكه بسيوفهم خوفاً عليه حتى يفرغ من الصلاة . وأما إذا كان في مغازيه وحججه ، فكان إذا دخل في الصلاة أوقف ستة من شجعان ممالكه وخاصته منهم بسيوفهم اثنان عند وجهه واثنان خلفه بينه وبين الصف الثاني ، واثنان خلف الصف الثاني . ). هذه هى طقوس صلاته ، ومعه من يحميه من جنده .
3 ـ وهناك طقوس أخرى للصلاة إذا خرج من عاصمته الدرعية تتمثل فيها المُراءاة بالصلاة بكل مُستطاع . يقول ابن بشر : ( فإذا أراد الخروج من الدرعية وقفت له كتائب الخيل في الوادي وعند القصر والرجال والنساء والأطفال ينتظرون خروجه . ثم يخرج من القصر ويدخل مسجد الجامع عند قصره فيصلي فيه ويطيل الصلاة فإذا فرغ من صلاته ركب جواده . فلا يتكلم معه بكلمة إلا السلام حتى ياتي موضع الذي يريد نزوله . ولا يرحل حتى يصلي صلاتي الجمع الظهر والعصر . ويجتمع الناس للدرس عنده بين العشائين كل يوم إلا قليلاً . ).
4 ـ وعن دورالصلاة وقت الحرب يقول : ( ورتب في كل ناحية إماماً يصلي بعد الإمام الأول الذي يصلي بالعامة ، ويصلي الثاني بالذين يحفظون متاع أصحابهم ويطبخون لهم في صلاتهم .وذلك لئلا يصلوا فرادى . فإذا قرب من العدو نحو ثلاثة أيام بعث عيونه أمامه ثم عداً فلا يلبث حتى يبغتهم وينزل قريباً منهم . فلا يوقد عند جميع المسلمين تلك الليلة ناراً ولا كأنهم نزلوا بتلك الديار .ثم ينادي المنادي بجميع المسلمين بعد صلاة المغرب أن يحضروا عند سعود ، ويجتمعون عنده ثم يقوم فيهم ويذكرهم ما أنعم الله عليهم به من الاجتماع على كلمة الإسلام وإن سببه العمل بطاعة الله والصبر في مواطن اللقاء وغن النصر لا ينال إلا بالصبر، وما وعد الله الصابرين وتوعد الفارين المدبرين . ويتلو عليهم قوله تعالى :(وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (16الأنفال ). وكان قد أمر بعض الأعراب أن يبكروا بالصلاة على أوله ويشن الغارة. فإذا صلى الصبح ركب بالمسلمين وضجوا بالتكبير وأغاروا فتظلم السماء والأرض من إثارة النقع وضجيجهم بالتكبير . فيغيب الذهن في تلك الساعة ويوقن المسلمون بالنصر،.فيوقع الله بأسه فيمن قصدته تلك الجموع . ..)
ثم يتحقق الهدف من الصلاة ، وهى السرقة والغنائم من مال وأغنام وإبل وطعام ومتاع . يقول ابن بشر : ( وتؤخذ جميع الأموال . ثم يرحل عن مغارة القوم بجميع تلك الغنائم مع الباد والحاضر فينزل قريباً منها على بعض المياه ، فتعزل الأخماس ، وتُباع الغنائم بدراهم وتُقسم على جميع المسلمين للراجل سهم وللفارس سهمان . ثم يرحل لوطنه ويأذن لأهل النواحي يرجعون إلى أوطانهم . ) هنا تكون الصلاة ضمن تقاليد الاعتداء الحربى على الآخرين . تسبق المعركة وتكون تحضيرا نفسيا لها ، ثم الاشتباك الحربى ، ثم جمع الغنائم ثم تقسيمها .
ثانيا : الصلاة من معالم القتال الوهابى فى تأسيس الدولة السعودية الراهنة :
1 ـ أسس عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل الدولة السعودية الراهنة ، وقد قام بتجنيد شباب الأعراب فى مستوطنات خاصة أسماها ( الهُجر ) يتعلمون فيها دين ابن عبد الوهاب بإستحلال قتل الآخرين . أولئك كانوا ( الإخوان ) وهم الذين بسيوفهم تكونت الدولة السعودية الراهنة . لذا إستمر ربط صلاتهم بإستحلال الدماء البريئة .
2 ـ وخضع اختيار موقع ( الهجر ) / المستوطنة) لتخطيط محكم ، فقد روعى أن تكون بعيدة نسبيا عن طرق القوافل حتي ينسى البدو عادة الهجوم على القوافل ليتفرغوا لما هو أهم وهو التأهيل للهجوم على الامارات المجاورة وضمها الى مُلك عبد العزيز . وروعى ووفرة المياه ، مع التزام السرية في المرحلة السرية من إنشاء المشروع . وحدد عبد العزيز نظاما للبناء يبدأ بالمسجد والساحة ،ثم البيوت التي يتوسطها الميدان حيث يتم رفع البيرق إيذانا باستدعاء الأخوان للجهاد .وفي داخل المستوطنة حدد عبد العزيز نظاما لتوزيع المياه ،وتسجيلا للأسماء وتوزيع السلاح .
3 ـ واتسمت حياة الأخوان داخل المستوطنات بالجدية التامة ،من الصلاة والعبادة والاستماع الي التثقيف الديني والتربية العقيدية والتدريب العسكري، مما غرس في نفوسهم ان أمامهم مهمة مقدسة هي القتال لتحويل المشركين الكافرين الي الدين الصحيح ،وكان القتال هو فرصتهم الوحيدة للخروج من رتابة الحياة في المستوطنة ،وفرصتهم للغنيمة والنصر والشهادة ،وتنفيذ أوامر الله كما علمهم شيوخهم .
4 ـ وكان المسجد مركز الحشد العسكرى، وكان هذا تطبيقا لعقيدة الجهاد الوهابية التى تربط الاغارة على الآخرين بالدين ممثلا فى المسجد والصلوات الخمس فى داخله . كان يوجد في كل مسجد بكل مستوطنة كشف بأسماء المصلين من الذكور ،وهو يُراجع فى أوقات الصلاة خمس مرات في النهار لإثبات الحضور والغياب ،وبذلك يتم استدعاء الاحتياطي تجريبيا خمس مرات في الصلوات الخمس اليومية. وعلي كل مستوطنة إخراج المسجلين فيها عندما يدعو داعى الجهاد ،وكل فرد مسئول عن مؤونته من طعام وملبس وسلاح ومركب بما يكفيه لمدة شهر الي ان يصل لمكان التجمع .وكان الذكور ينضمون الي صفوف القتال في سن الخامسة عشر .وعند الأمر بالقتال يرتفع البيرق في ساحة القرية فيتجمع المتطوعون بالمؤونة والسلاح ولا يجوز التخلف إلا بعذر قهري مثل المرض ،وكانت النسوة يعاقبن المتخلفين بدون عذر ،وربما يقتلنهم ).


دين الوهابية : إما أن نحكمكم ونتحكّم فيكم وإما نقتلكم وندخلكم جهنم
الإكراه فى الدين والسياسة فى الدين الوهابى

مقدمة : لا وجود للسياسة مع تحكم الاستبداد
1 ـ ليس فى السياسة ( مُطلق ) ، ليس فيها قاعدة ( أبيض أوغير أبيض ) ، ليس فيها ( إمّا وإمّا ). السياسة فيها ( ابيض وألوان أخرى ). السياسة فيها خيارات متعددة ، فيها المناطق الرمادية ، فيها التفاوض والرأى والآراء الأخرى . الوصول للسلطة هدف السياسيين لأن الحكم قائم على تداول السلطة ، لذا توجد التحالفات والانقسامات ومحاولات كسب الولاء والتنافس على خدمة الناس الذين هم اصحاب السلطة الحقيقية .
2 ـ حيث يوجد الطغيان ( الاستبداد السياسى ) لا توجد سياسة . الاستبداد قائم على معادلة صفرية ( نكون أو لا نكون / صراع الوجود / الاستثار بالكعكة كلها ).فالطاغية لا يرى إلا رأيه ، ورأيه هو الصواب المطلق ، فهو الزعيم المُلهم الذى يأتيه الوحى . ومناقشته لا تجوز ، والاعتراض على رأيه خيانة . ليس امام الناس إلا الطاعة وتطليق العمل بالسياسة . وحتى لو إصطنع مظاهر ديمقراطية وزيف ديكورا ديمقراطيا بإنتخابات مزيفة وإعلام مأجور فإن الناس تظل عازفة عن المشاركة السياسية تاركة الملعب للمستبد وحده لأن من يعمل بالسياسة فعلا يكون متهما بالسعى للوصول للسلطة ، لأن الطاغية محتكر السلطة يعتبر السعى للسلطة خيانة تستحق السجن والتعذيب والقتل . لا وجود للسياسة فى النظام الاستبدادى . شعاره إما أن نحكمكم وإما أن نقتلكم . نفس المعادلة الصفرية ( نكون أو لا نكون / صراع الوجود / الاستثار بالكعكة كلها ). هذا هو الاستبداد العلمانى .
3 ـ الأسوأ من هذا الطغيان ( الاستبداد السياسى العلمانى ) هو ( الطاغوت ). والطاغوت فى المصطلح القرآنى هو الكهنوت الذى يصطنع بالوحى المزيف دينا أرضيا . لو كان هذا الدين مؤسسا على العنف والقمع والتسلط والاستبداد ووصل الحكم فنحن أمام دولة دينية أشد ظلما وإستبداد من الطغيان العلمانى العادى . الطغيان العلمانى العادى يزعم لنفسه إحتكار الحكم فى الدنيا فقط ، أما الدولة الدينية فتزعم أنها تتحكم فى الناس فى الدنيا والآخرة . المعترض على المستبد العلمانى قد يتعرض للقتل وربما للسجن ، ويظل عقابه دنيويا فقط . أما فى الدولة الدينية فالمعترض عليها دينيا أو سياسيا هو كافر مرتد لا بد من قتله مع الحكم عليه بالخلود فى النار ، حيث لا يقتصر المستبد الدينى الحاكم على سلب حقوق الناس فى الدنيا بل يسلب رب العزة جل وعلا سلطانه فى الآخرة أيضا . وإذا كان الشعار العملى للمستبد الطاغية العلمانى هو ( إمّا أن نحكمكم وإما أن نقتلكم ) فالمستبد الدينى الطاغوت شعاره إما أن نحكمكم ونتحكّم فيكم وإما نقتلكم وندخلكم جهنم . الطاغية المستبد العلمانى يظلم شعبه فقط ، أما المستبد الدينى الطاغوت فهو يظلم الناس ورب الناس .
4 ـ لذا يجب منع الاخوان المسلمين وسائر التنظيمات السياسية الوهابية من المشاركة السياسية لأنها لا تؤمن بالسياسة اصلا وتعتبر الديمقراطية كفرا ، وقد تعتبرها سلما للوصول الى السلطة فإذا وصلتها بالانتخابات ـ بعد غسيل مخ الجماهير ـ إستبدت بالحكم مع أول فرصة ، كما حدث فى انتخابات الجزائر وفى انتخابات فلسطين وظهور حماس . خلط الدين بالسياسة لا بد من منعه منعا باتّا وجازما وحاسما فى العمل السياسى حتى يكون التنافس السياسى على أرضية واحدة يتساوى فيها الجميع ، فمن الظلم للناس ورب الناس جل وعلا أن يزعم فريق سياسى أن ( الله جل وعلا ) تابع له يؤيده ويخاصم الآخرين ــ تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا .
5 ـ هذه مقدمة ضرورية نفهم منها طبيعة الدولة ( الدينية ) السعودية الأولى ، منبع محور الشّر الذى لا يزال ينشر الفساد وحمّامات الدم فى الأرض .!

أولا : الإكراه فى الدين والمبايعة على الدخول فى دين ابن عبد الوهاب
1 ـ إعتاد الاعراب وقبائلهم وإماراتهم السياسية فى نجد وغيرها الغارات والغزو طريقا لكسب الرزق . جاء ابن عبد الوهاب بدين يعرض على الأعراب عرضا مُغريا ؛ ان يمارسوا نفس القتل والغزو والسلب والنهب بمشروعية دينية ، يكون فيها الغزو جهادا. هذا العرض المُغرى له جانبان : المشاركة فى الغنائم فى كل معركة ، لابن سعود الخُمس والباقى للمحاربين : للفارس سهمان وللمترجل سهم . وينال المحارب نصيبه فورا بلا تأخير . ثم الجانب الآخر أنه سيدخل الجنة . إنتشرت الوهابية بين الأعراب من قبائل ومدن مختلفة ، جاءوا الى الدرعية وصاروا أتباعا لابن عبد الوهاب وجنودا لابن سعود . وبهم أصبح ابن سعود يغزو ويستأصل غير الوهابيين قتلا وسرقة ونهبا بحيث اصبح أمامهم خيار واحد من إثنين : إما أن يكونوا أتباعا للوهاببين أو الموت قتلا وفقرا وهربا.
2 ـ إختار كثيرون إعتناق الوهابية بعد الهزيمة أو خوفا منها ومن القتل ، فكان ابن سعود يرسل لهم من يعلمهم شعائر الدين الوهابى الجديد . وبعضهم كان يثور بعدها فيوصف بأنه مرتد ، ويدخل فى حروب جديدة . وبعضهم قد تشكُّ فيه السلطة الوهابية السعودية فيتعرض للقتل كائنا من كان . إذ لا بد للولاء أن يكون حصريا ولا بد للطاعة أن تكون قسرية . وإذا كان الله جل وعلا يغفر فهم لا يعفرون ، وإذا كان الله جل وعلا يقبل التوبة فهم لا يقبلون .
3 ــ نحن أمام دين ملاكى يطلب من الناس أكثر مما يطلبه منهم الخالق جل وعلا ، وينتظر منهم أن يضحُّوا فى سبيل ابن سعود وابن عبد الوهاب أكثر مما يطلب الخالق جل وعلا من بنى آدم ، ثم يزعم أن هذا هو ( دين الله ورسوله ).!! ( ضع ما تشاء من علامات التعجب ) .!!!!
ثانيا : ونعطى أمثلة مما ذكره ابن بشر فى كتابه ( عنوان المجد فى تاريخ نجد ):
1 ـ عام 1148 ( سار عبدالعزيز أيضا غازيا وقصد الحائر المعروف بحاير سبيع بين الخرج والرياض فنازل أهله وحاصرهم وقطع بعض نخيله ، ثم أذعنوا وبايعوا على دين الله ورسوله والسمع والطاعة .)
2 ـ عام 1149 ( غزا المسلمون إلى الزلفى واشعلوا النار في زروعه ثم ساروا وتوجهوا إلى ناحية الخرج واغاروا على الدلم .ثم أن أهل الزلفى في هذه السنة بايعوا على دين الله ورسوله والسمع والطاعة .)
3 ـ عام 1169 ( وفد اهل "القويعة " على الشيخ محمد ( ابن عبد الوهاب ) وبايعوا على دين الله ورسوله والسمع والطاعة .)
4 ـ عام 1181 ( وفيها : دخلوا أهل الوشم وأهل سدير في الدين، وبايعوا على دين الله ورسوله والسمع والطاعة .)
5 ــ عام 1183 ( ووفد عليه أكثر أهل القصيم ، وبايعوا على دين الله ورسوله والسمع والطاعة . ثم رحل من القصيم ورجع إلى وطنه .)
6 ـ عام 1188( وفيها بايعوا أهل منيخ ومحمد بن رشيد الهزاني صاحب حريق نعام لعبدالعزيز والشيخ ( ابن عبد الوهاب ) على دين الله ورسوله والسمع والطاعة .)
7 ـ عام 1190 ( وفيها : قدم ربيع وبدن أبناء الدواسر رؤساء أهل الوادي ومعه رجال من رؤساء قومهما على الشيخ( ابن عبد الوهاب ) وعبدالعزيز ، وبايعوا على دين الله ورسوله والسمع والطاعة .)
8 ـ عام 1199) (وفي آخر ذي الحجة سار سعود بالجيوش المنصورة وقصد الخرج ونازل بلد الدلم وحاصرها فوقع بينه وبين أهلها قتال في النخيل، ثم ألجؤهم إلى البلد وحصروهم فيها ، ثم أن سعود هجم على البلد وأخذها عنوة ، وقتل أميرها تركي بن زيد بن زامل ومعه عدة رجال واستولى عليها. واستعمل فيها اميرا سليمان بن عفيصان، ثم أذعن جميع الخرج وبايعوا على دين الله ورسوله والسمع والطاعة )
9 ـ عام 1202 ( وفيها بايع جميع أهل وادي الدواسر على دين الله ورسوله والسمع والطاعة ، ووفدوا على الشيخ وعبدالعزيز . وذلك بعد محاولات ومقاتلات عديدة . )
10 ــ عام 1207 . يقول ابن بشر عن سبب إعتناق أهل الأحساء الوهابية ( 1207 : ولما بلغ أهل الاحساء هذه الوقعة وقع في قلوبهم الرعب وخافوا خوفاً عظيماً .ثم رحل سعود وقصد ناحية الاحساء ونزل على الماء المعروف بالردينة في الطف . فأقام عليه أياما وأتته المكاتبات من أهل الاحساء يدعونه إليهم ليبايعوه ، فارتحل منها وسار إلى الاحساء، ونزل على عين نجم خارح البلد ، فظهر عليه أهلها وبايعوه على دين الله ورسوله والسمع والطاعة .)
11 ـ عام 1208 ( وفيها أمر عبدالعزيز على أهل الوشم والقصيم وجبل شمر ينفرون غزاة مع أُمرائهم فسار اهل الوشم مع محمد بن معيقل ، وأهل القصيم مع محمد بن عبدالله آل حسن ، وأهل الجبل مع أميرهم محمد بن علي ، وأمرهم ان يسيروا إلى دومة الجندل المعروف بجوف آل عمرو في الشمال ، فسار الجميع وأميرهم محمد بن معيقل ، ونازلوا أهل تلك الناحية وأخذوا منها ثلاث بلدان . ثم حاصروا الباقيين وقتلوا عدة قتلى . فلم يزالوا محاصرين لهم حتى بايعوا على دين الله ورسوله والسمع والطاعة )
12 ـ عام 1211 ( وانقضت تلك الجموع البرية والبحرية واتفرقوا مخذولين ، وكان قتل ثويني رابع المحرم أول سنة اثنتي عشرة وسُميت هذه الوقعة سحبة .فلما فرغ سعود من قسم الغنائم سارو ونزل شمال الاحساء وخرج إليه أهله وبايعوه على دين الله ورسوله والسمع والطاعة ، وقدم فيه واخر ونهي وأمر وأخذ من الأموال ما لا يُحصر .)
13 ـ عام 1212 ( أرسل حمود بن ربيعان ومن معه من عتيبة وعربان الحجاز إلى عبدالعزيز وطلبوا منه المبايعة على دين الله ورسوله والسمع والطاعة وإيتاء الزكاة وبذلوا دراهم نوالا، فأجابهم عبدالعزيز إلى ذلك ، وأخذ على كل بيت عدة دراهم معلومة . ) أى مبايعة وجزية ايضا .
14 ـ عام 1212 ( سار ربيع بن زيد على أهل بيشة والجنينة فنازلهم وضيق عليهم بالحصار حتى بايعوا على دين الله ورسوله والسمع والطاعة .) وفى نفس العام :( وفد رؤساء البقوم على عبدالعزيز وبايعوا على دين ورسوله والسمع والطاعة. )
15 ـ ( وفي أوائل هذه السنة 1213 : سار ربيع بن زيد بأهل وادي الدواسر وجيش من غيرهم وسار معهم قحطان وغيرهم وسار الجميع ونازلوا بيشة وحصروها حصاراً شديدا واستولوا على قراها صلحا وعنوة . ثم بايعوا على دين الله ورسوله والسمع والطاعة. واستعمل عبدالعزيز عليها أميراً سالم بن محمد بن شكبان .
16 ــ ( وفيها 1220: بايع صالح رئيس الحديدة وبيت الفقيه سعوداً على دين الله ورسوله والسمع والطاعة . . )
17 ــ ( سنة 1222 ) فيما يعرف الآن بعُمان والامارات : ( فى رأس الخيمة ) : هزيمة قيس ومقتله وارسال ابنه بالبيعة الى سعود : (.. فالتقى الجمعان جمع قيس وسلطان عند خور المكان المعروف في عمان بين الباطنة ورأس الخيمة ـ واقتتلوا قتالا شديدا ، فانهزم جميع قيس هزيمة شنيعة وقُتل قيس المذكور ، وهلك من قومه خلق كثير بين القتل والغرق في البحر ، قيل أن الذي هلك قريب أربعة آلاف رجل . ثم بعد هذه الوقعة أرسل بن قيس إلى سعود وسلطان بن صقر وطلب المبايعة على دين الله ورسوله والسمع والطاعة. وبايع على ذلك ، وبذل مالا كثيراً وشوكة من الحرب ، وأرسل ابن أخيه سعيد بن سلطان إلى سعود وبذل مالاً كثيراً ، وبايع على السمع والطاعة وصار جميع عمان تحت ولاية سعود). بيعة وسمع وطاعة ودفع جزية .!!
ثانيا : الردة عن دين الوهابية
1 ـ اسهم الأمير عثمان بن معمر ( أمير العيينة ) فى نشر الوهابية وكان أول من إختضن ابن عبد الوهاب ، وقاتل مع ابن سعود ، وهو جد الأمير سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود . خاف ابن عبد الوهاب وابن سعود من مكانته ومنزلته فقرروا إغتياله . إغتالوه وهو يصلى فى مسجد العيينة . يقول ابن بشر عن إغتياله سنة 1163 : ( وفيها :وفيها قتل عثمان بن معمر في مسجد العيينة بعد صلاة الجمعة . انتدبت لقتله أُناس من جماعته . ذكروا أنهم تحققوا منه نقض العهد وموالاة الأعداء وممالأتهم . وقيل أنه أتاه كتاب من محمد بن عفالق يحرضه على معاداة المسلمين ونقض بيعتهم وعهدهم . وكانت بنته تحت عبدالعزيز . وهو جد ولده سعود. وحين قتل عثمان ، وسعود رضيع لم يتم السنتين . ولكن ليس في الدين محاباة . فلما سلم من الصلاة قام إليه من ذكرنا فقتلوه. ومن مشاهير الذين تولوا قتله حمد بن راشد وإبراهيم بن زيد الباهلي وموسى بن راجح . وكان ذلك منتصف رجب من هذه السنة .). بعدها بعشر سنوات قام ابن عبد الوهاب بهدم قصر عثمان بن معمر . يقول ابن بشر فى أحداث سنة 1173) ( وسار الشيخ رحمه الله تعالى إلى العيينة فأمر بهدم قصر بن معمر فهدم . )
2 ـ نفس الحال تقريبا سنة 1167 )إذ ثار زعماء السيايرة على الوهابية وقتلوا شيوخ الوهابية ، فتم إغتيالهم : ( وفيها : كان مقتل السيايرة في ضرمى المعرفون آل سيف ، وهم صقر وأخوته جار الله وغيث وعثمان . وذلك ان الأمير محمد بن عبدالله الذي هو من قبيلة آل عبدالرحمن المسمين بالشيوخ الذين قتلوهم آل سيف قام عليهم هو وأهل الدين الذين في البلد . وكان آل سيف بعد قتلهم الشيوخ اعجبوا بأنفسهم واحتقروا الراعي والرعية ، واحتقروا أهل الدين الذين يشار إليهم في البلد ومقتوهم . )
3 ـ وإنضم أمير الرياض الى الوهابيين وحارب تحت رايتهم ، ثم ثار عليهم وحاربهم ، وفى النهاية ترك لهم مدينة الرياض هو وأهل الرياض . فى أحداث (سنة 1179 ) يقول ابن بشر :( وفيها حارب دهام بن دواس وارتد ونقض عهد المسلمين وثار الحرب الثالث .). ابن بشر يعبر عن ثورة أمير الرياض بأنها ( ردة ) أى ردة عن دين الوهابية الذى جعلوه إسلاما . أى فطالما ثار ابن دواس عليهم فقد إرتد عن الاسلام .
4 ـ عام 1190 . ثار أمير الديلم على السعوديين وقتل أميرهم الوهابى ، فحاربه عبد العزيز بن محمد بن سعود ، وألجأه الى العودة للوهابية والتبعية السعودية . تأمل اسلوب ابن بشر وهو يحكى الموضوع : ( قتل فوزان بن محمد أمير بتيقة، المعروفة ،في بلد الدلم ، وكان من طنايز أهل الدين ،قتله زيد بن زامل امير الدلم ونقض عهد المسلمين ،فحشد إليه عبدالعزيز رحمه الله تعالى بجنود المسلمين ، فحصره في بلده أشد الحصار فخرج من البلد هارباً، فأرسل أهلها إلى عبدالعزيز وصالحوه وبايعوه على دين الله ورسوله والسمع والطاعة ، واستولى عليها واستعمل فيها أميراً سليمان بن عفيصان . )
5 ـ سنة 1190 ( وفيها : قدم صاحب اليمامة حسن البجادي وافدا على الشيخ وعبدالعزيز ومعه رؤساء بلده وبايعوا على دين الله ورسوله والسمع والطاعة ، ورجعوا إلى بلدهم .فلما كان بعدأيام قليلة نكثوا العهد وحاربوا المسلمين .وذلك بمالأة من أُناس من اهل الدلم.).
ثالثا : الاحتراف الدينى والتسلط بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر
المستبد العلمانى يكتفى بفرض سيطرته السياسية أما المستبد فى الدولة الدينية فهو يتحكم فى حياة الناس حسب هواه ، ويجعل هواه دينا .!.
1 ـ عام 1207 . بعد إعتناق أهل الأحساء الوهابية، يقول ابن بشر عن تعليم أهل الأحساء الوهابية الدين الملاكى الجديد : ( ودخل المسلمون الاحساء وهدموا جميع مافيه من القباب التي بُنيت على القبور والمشاهد الشركسية . فلم يتركوا لها أثراً .. وأقام شهرأ ورتب المساجد والدروس ورتب فيهم علماء ممن كان معه يعلمونهم التوحيد ويذكرونهم فيه ويعلمونهم أُصول الإسلام وأنواع العبادات وشروط الصلاة وأركانها وواجباتها وغير ذلك من شرائع الإسلام.).
2 ـ ونقتطف ما قاله ابن بشر عن الأمير سعود بعد فتح مكة وفرضه الوهابية على اهلها ومنعه التدخين ومنع الحج :
عام 1222( وفشا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مكة ، فلا يشرب التنباك في أسواقها وأمر سعود أن يجعل في أسواقها من يأمرهم بالصلاة إذا دخل الوقت فكان إذا أذن دار الرجال في الأسواق الصلاة الصلاة .) ( ورجع سعود إلى وطنه ولم يحج في هذه السنة أحد من أهل الشام ومصر والعراق .. )
وعن سنة 1225) ( وجعل في الأسواق رجالاً وقت الصلاة يحضونهم عليها فلا تجد فيها وقت الصلاة متخلفاً إلا نادراً .ولا تجد في الأسواق في جميع هذه الحجج من يشرب التنباك ولا غيره من المحظورات إلا ما لا يرى ظاهراً .)
(سنة 1226 ) ( وامر المسلمين فيها بالمعروف ونهوا عن المنكر في جميع تلك الحجيج، لا يخشون أحداً إلا الله ، ولا يرى في مكة شيء من المحظورات ظاهراً من شرب التنباك وترك الصلاة والحلف بغير الله .) ( .ولم يحج أحد في هذه السنة من أهل اصطنبول ولا مصر ولا الشام ولا غيرهم إلا شرذمة من أهل المغرب بأمان . ).
3 ـ نحن هنا أمام مفارقة عجيبة : فرض القتال الوهابى ( إى إستحلال القتل وهذا من أكبر الكبائر ) مع تحريم الحلال وهو التدخين . الوهابى مفروض عليه أن يقتل الأنفس البريئة ، ومحرم عليه المباح وهو التدخين . نحن هنا امام دين ملاكى ، ما يحبه يجعله فرضا حتى لو كان من أكبر الكبائر ، وما لا يحبه يجعله من أكبر الكبائر حتى لو كان مُباحا . ومن لا يحبونهم يمنعونهم من الحج ، ومن يحبونهم يسمحون لهم بالحج للبيت الحرام الذى جعله رب العزة للناس كافة ومثابة للناس وأمنا ..!
4 ـ ثم يقولون هذا هو دين الله ورسوله .. هل أنزل الله جل وعلا فى قرآنه شيئا عن ابن عبد الوهاب أو ابن سعود ؟ هل نزل جبريل عليه السلام يعلن أن دين ابن عبد الوهاب هو دين الله ورسوله وأن ابناء سعود هم أصحابه وحُماته والناطقون بإسمه ؟ سبحانك ربى .. هذا بهتان عظيم .!






















كتاب : نشأة وتطور أديان المسلمين الأرضية :
ج2 :الدين الوهابى المعاصر: تأسيسه فى نجد وإنتقاله الى مصر
الباب الثانى : الدولة السعودية الراهنة تنشر الوهابية فى مصر

الفصل الأول : دور رشيد رضا :

فهرس الفصل الأول : ( لمحة عن وحشية الوهابية فى تأسيس الدولة السعودية الراهنة ( مقدمة ـ مذبحة تربة وخرمة ـ مذبحة الطائف ( الثانية ) ـ السعوديون وقتل الاطفال والنساء )
نشر الوهابية فى مصر بين عبد العزيز آل سعود و رشيد رضا . ( مقدمة ــ حاجة عبد العزيز لإنشاء ( إخوان مصريين ) بديلا عن (الاخوان النجديين ) ــ العوامل التى كانت تحتم على ( عبد العزيز ) تحييد مصر أو كسبها الى جانبه ــ رشيد رضا الذى خان أستاذه الإمام محمد عبده )
رشيد رضا : شخصيته بين النفاق والتعصب : ( مقدمة ـ لمحة عن حياة رشيد رضا ــ تعصب رشيد رضا . )
رشيد رضا عميلا لانجلترة : بين رشيد رضا وأسمهان : ( بالذكاء الانجليزى تأسّست الامبراطورية البريطانية واستمرت قرونا ـ بين الذكاء البريطانى والامام محمد عبده ــ رشيد رضا عميلا لانجلترة ــ الأدلّة على أن رشيد رضا كان عميلا للإنجليز ــ أنجلترة تشدُّ أُذُن الشيخ رشيد رضا ــ أخيرا .
رشيد رضا والشريف حسين حاكم الحجاز : (مقدمة ــ بأوامر بريطانية : رشيد رضا ( الوهابى ) يتحالف مع الشريف حسين عدو الوهابية الأكبر ــ رشيد رضا ( الوهابى ) يرفض تأييد الشريف حسين فى أن يكون خليفة المسلمين ــ العلاقة بين الشريف حسين ورشيد رضا من الفتورالى الخصومة )
رشيد رضا خادما لعبد العزيز قبل أن يقابل عبد العزيز ( وهابية رشيد رضا تظهر فى حياة محمد عبده ــ دفاع رشيد عن عبد العزيز قبل إستيلائه على الحجاز ــ إنحياز رشيد الى عبد العزيز فى صراعه مع الشريف حسين ــ رشيد رضا بوقا دعائيا لعبد العزيز قبل أن يلتقى عبد العزيز ــ أخيرا )
لماذا كان عبد العزيز محتاجا لرشيد رضا ؟ ( مقدمة ـ عن الحجاز ــ بين الأسرة السعودية ومصر: من القرن التاسع عشر الى إحتلال عبد العزيز للحجاز ــ بين عبد العزيز والملك فؤاد الأول ــ أخيرا : حاجة عبد العزيز لرشيد رضا )
علاقة رشيد رضا بعبد العزيز : ( إتصالات رشيد بعبد العزيز قبل مؤتمر الحجاز 1925ـ التحالف العلنى بين رشيد رضا وعبد العزيز ــ رشيد رضا يهاجم الأزهر بسبب كراهية الأزهر وقتها للوهابيةــ إخلاص الى آخر العمر)
تحالف عبد العزيز آل سعود مع رشيد رضا : والحاجة الى المال : ( مقدمة ــ مصر الليبرالية : حرية بلا عدل ــ إخلاص رشيد رضا فى نشر الوهابية فى مصر )
تحالف عبد العزيز آل سعود مع رشيد رضا : هل كان سببا فى إكتشاف البترول ؟ ( عبد العزيز يجد الحل فى ( البترول ) ـ الوهابية وكراهية الاجانب المستثمرين ــ إنهاء معرضة الاخوان وعلمائهم والسيطرة المطلقة لعبد العزيزــ التنقيب على البترول ــ البترول ونشر الوهابية فى مصر . ).




















الفصل الأول : دور رشيد رضا
لمحة عن وحشية الوهابية فى تأسيس الدولة السعودية الراهنة

مقدمة :
1 ـ أسّس عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل الدولة السعودية الثالثة الراهنة ، معتمدا على ( الإخوان ) وهم أعراب عزلهم عن العالم فى مستوطنات تعلموا فيها الوهابية ووحشيتها وتزمتها وعدوانيتها .
2 ـ كان عبد العزيز يسير على سُنّة أجداده فى وحشيتهم . وقد روى حافظ وهبه المستشار السعودي لعبد العزيز في كتابه (جزيرة العرب) قول عبد العزيز: ( لقد قاومت دعوتنا كل القبائل أثناء قيامها ، وكان جـدي سـعود الأول قد سجن عدداً من شيوخ قبيلة مطير، فجاءه عدد آخر من القبيلة يتوسطون بإطلاقهم ، ولكن سعود الأول قد أمر بقطـع رؤوس السجناء ، ثم أحضر الغداء ووضع الرؤوس فوق الاكل وطلب من أبناء عمهم الذين جاؤوا للشفاعة لهـم أن يـأكلوا من هذه المائدة التي وضعت عليها رؤوس أبناء عمهم و.. لما رفضوا الاكل أمر سعود الأول بقتلهم! . ) ويقول حافظ وهبه في كتابه ( لقد قص هذه القصة الملك عبد العزيـز علـى شـيوخ قبيلة مطير الذين جاؤوا للاستشفاع في زعيمهم فيصل الدويش قبل ان يقتله عبد العزيز ليبين لهم أن عبد العزيـز سـيقتلهم أيضاً إذا لم يمتنعوا عن طلب الشفاعة لزعيمهم فيصل الدويش).
3 ـ فيصل الدويش هو زعيم الإخوان الذين أقاموا مُلك عبد العزيز ، والذى أراد المشاركة فى السلطة فرفض عبد العزيز فأصبح معارضا لعبد العزيز ، وتطورت معارضته الى الصدام الحربى بينهما ، وهزمه عبد العزيز مرتين ، ثم قتله
4 ــ الأسرة السعودية فى نشرها الوهابية أسهمت فى حفز اتباعها ليقيموا مذابح ضد الشيعة وبقية الاقليات فى منطقة العراق والشام المكتظة بالأقليات الدينية والمذهبية . وأدت مذابح الوهابيين ومنها مذبحة عام 1830 الى هجرة ملايين المسيحيين الشوام الى أمريكا الجنوبية بالذات والى مصر وغيرها ، وادت الى إنتماء الدروز فى فلسطين الى إسرائيل وخدمتها طلبا لحمايتهم من التعصب الوهابى الذى نشرته الأسرة السعودية . مأساة سوريا الآن مرجعها الى تسلط الوهابيين السوريين على الشيعة النصيرية ، مما أدى بهم الى رفع شعار العروبة ودخول حزب البعث، ثم الانفراد من خلاله بالسلطة والانتقام من السنيين السوريين ، ويستميت بشار الأسد فى الدفاع عن نظامه خوف أن يستأصل السنيون شيعة سوريا وهم خُمس السكان . ونعطى بعض التفصيلات عن مذابح الدولة السعودية الراهنة :
أولا : تعداد إجمالى للمذابح التى ارتكبها السعوديون
في عام 1921 كان الحجاج اليمنيون قادمين ليؤدوا مناسك الحج وكانوا حوالي ألف حاج ، وهم عُزّل من السلاح فالتقى بهم الاخوان الوهابيون فسايروهم في الطريق وأعطوا الأمان ، ثم غدروا بهم وقتلوهم عن آخرهم فى وادى تنومة ، ولم ينج منهم إلا شخصان فقط هربا وأخبرا بالمذبحة .
من كثرة المذابح السعودية ــ فى تاسيس دولتها الثالثة الرهنة ـ ليس هناك إتفاق على عددها ، ولا إتفاق على عدد الضحايا حتى فى أشهر تلك المذابح .
وفى كتابه ( تاريخ آل سعود ) ذكر ( ناصر السعيد ) تعدادا بالمذابح التى ارتكبها السعوديون . تحت عنوان ( لائحة بمجازر آل سعود في الجزيرة العربيّة) يقول :
وفي ما يلي كشف بمجازر آل سعود التي ارتكبوها في ربوع الجزيرة العربية:
1ـ مجزرة مسجد الشعبيّة بمناسبة الهجوم على حائل رمضان 1922 3790 شخصاً .
2 ـ مجزرة الجليدة قرب حائل، 410 قتلى من عشيرة «أسلم» من «شمّر».
3 ـ مجزرة «بيضاء نثيل» 513 من قبيلتهم عنزة .
4 ـ مجزرة أمّ الغراميل، شرق حائل 411 قتيلاً .
5 ـ مجزرة الغوطة في حائل 375 قتيلاً مع هبقان السليطي.
6 ـ مجزرة تربة، مقتل كل الجيش الشريفي 40.000 ونجاة 500 فقط.
7 ـ مجزرة الطائف والحوبة، 15.000 من الرجال والنساء والأطفال والشيوخ .
8 ـ مجزرة حصار الطائف 2800 من الجيش الشريفي ومن أهل جدّة .
9 ـ مجازر القصيم 37.000 قُتلوا غدراً .
10 ـ مجازر النيصية والوقيد والجثامية، 10.000 من «شمّر» وأهل حائل.
11 ـ مجزرة الجوف، عدد غير محدّد .
12 ـ مجازر تهامة وعسير 50.000 .
13 ـ مجزرة وادي تنومة 1200 حاجّ يمانيّ .
14 ـ مجزرة وادي بني مالك في الطائف، 7000 وهدم سبعين قرية.
15 ـ مجزرة جبل القهر جنوب الحجاز، 1520 قتيلاً عام 1959 من قبائل الريث.
16 ـ مجزرة الجهراء، 1000 قتيل من أهل الجزيرة العربيّة والكويت.
17 ـ مجازر السبلة وأم الرضمة، 5000 من جيش الإخوان الذي حقّق لهم الانتصارات.
18 ـ مجازر قبائل العجمان، 3000 ومنهم نايف وضيدان بن حثلين.
19 ـ مجازر الحويطات وبني عطية وجهينة وبلي، 7000 وتشريد الآلاف.
20 ـ مجزرة الحجاج الإيرانيين 329 بين نساء ورجال.
ثانيا : ونعرض لمحة سريعة عن أشهر المذابح :
مذبحة تربة وخرمة :
1 ـ وهما قريتان بالحجاز على حدود نجد والحجاز ، كانتا تتبعان الشريف حسين حاكم الحجاز. انقض عليهما جنود الوهابية بقيادة فيصل الدويش في أواخر شعبان 1337هـ /1919م فقتلوا ونهبوا واعتدوا على الأعراض وأحرقوا النخيل .
2 ــ إستولى الاخوان على تربة ،وذبحوا معظم حاميتها كلهم، ومن نجا من الذبح تلك الليلة قتلهم جيش الملك عبد العزيز في اليوم التالي . ثم كان بعدها الإجهاز على المدنيين ، فلم ينج من أهالي تربة سوى ألف شخص . وكالعادة هناك إختلاف فى عدد القتلى . يقال أنه ثمانية آلاف مدني من رجل وامرأة وطفل، إضافة الى سبعة آلاف من الجيش. وكان من بين الناجين من مذبحة الحصن الشريف شاكر ومعه شاب من الأشراف إسمه عون بن هاشم. وقد كان عون يوم شهد المجزرة في الخامسة عشرة من عمره، فوصف هول ذلك اليوم فقال: (رأيت الدم في تربة يجري كالنهر بين النخيل، وبقيت سنتين عندما أرى الماء الجاري أظنها والله حمراء، ورايت القتلى في الحصن متراكمة قبل أن طحت من الشباك، ومن أعجب ما رأيت أثناء المعركة أن الإخوان يدخلون الجامع ليصلوا ثم يعودون الى القتال)!. أى كانوا يؤدون الصلاة وهم يقتلون النساء والأطفال . وكانت مذبحة تربة تمهيدا لمذبحة الطائف .
مذبحة الطائف ( الثانية )
1 ـ عرضنا لمذبحة الطائف الأولى فى الدولة السعودية الأولى .
2 ـ ونحن الآن مع مذبحة الطائف الثانية فى الدولة السعودية الثالثة فى عصر مؤسسها عبد العزيز عام 1924 م . ويقال أن عدد القتلى بلغ مائة ألف .
3 ـ هجم الوهابيون على الحجاز وحاصروا الطائف ،ثم دخلوها عنوة وأعملوا في أهلها السيف . فقتلوا الرجال والنساء والأطفال . وسجل هذه المذبحة مؤرخ عبد العزيز الشخصى ( أحمد فؤاد العطار ) في الجزء الثاني من كتاب (صقر الجزيرة "عبد العزيز آل سعود") نقلا عن عبد العزيز نفسه ، وحاول تبرئة عبد العزيز من المذبحة وإلصاق التهمة بالاخوان .
4 ــ ومنه نعرف أن جيش ابن سعود باغت الطائف . وتحرك جيش الشريف على عجل لانقاذ الطائف ب 400 مقاتل بالمدفعية ، وكادت المدفعية الهاشمية أن تقهر الاخوان ، لولا أن البدو الذين كانوا مع جيش الشريف خانوه وانضموا الى الاخوان أملا فى الغنائم. وتراجع جيش الهاشميين أمام الكثرة من جيش ابن سعود الذى بلغ 400000 ـ فأرسل الشريف حسين مددا للجيش ، واستمرت المعركة الى ان تمت هزيمة الجيش الهاشمى فهرب تاركا الطائف ، فانتشر الذعر والهلع بين السكان المدنيين ففر من استطاع تاركا كل ما معه ناجيا بحياته ، وخبأ الاغنياء الذهب والاحجار الكريمة وأغلقوا الابواب وحصنوها من الداخل بأحجار كبيرة ليستعصى فتحها إذا ما احتل الغزاة المدينة. ووصل حوالى مائة ألف من الأعراب لجيش ابن سعود ، فوصل الجيش السعودي إلى أكثر من /50000/ . وتدفق الغزاة إلى الداخل كما تدفق الاعراب الطفيليون معهم ، وزرعوا الشوارع والاسواق وقتلوا كل من وجدوه بها واحتلوا المراكز الحكومية والابراج والقلعة ونهبوا ما بها.، راحوا يقضون الليل في السلب والنهب والقتل وهتك الاعراض ، وهاجموا البيوت وحطموا الابواب ودخلوا على الابرياء ومزقوهم بالسيوف وأطلقوا عليهم الرصاص، واستلبوا كل ما وجدوا من غال ورخيص. ويتابع ـ العطار السعودي ـ صياغته لاعترافات عبد العزيز آل سعود، فيقول: (وقد وجد البدو ممن لهم ثارات عند الاهلين فرصة نادرة للانتقام فزحفوا إلى بيوتهم واقتحموها عليهم وقتلوهم شر قتلة تشفيا منهم، وهتكوا أعراضهم، وبعد أن ذبحوهم وضعوا رقابهم في حنفيات الماء والصهاريج فشربوا من دمهم وتوضأوا بالماء الملوث بالدماء البريئة وصلّوا! . ولم يكلفوا أنفسهم عناء استلام الاساور الذهبية من أيدي النساء الممدة بل قطعوا أيديهن وأرجلهن ، ولبس "الاخوان" الحلي ، وهذه الاساور بأيديهم ووضعوا القلائد ـ الخرزية والذهبية ـ في رقابهم كي لا تعيقهم عن بقية النهب والقتل… ). هذا موجز ما نقله العطار من كلام عبد العزيز آل سعود .
5 ــ ويدافع العطار عن ابن سعود : "وأنا كمؤرخ أبرئ ابن سعود من مسؤولية مذبحة الطائف فهو من تعاليمه ونصائحه لجنده ألا يتبعوا مدبرا وألا يجهزوا على جريح وألا يهاجموا بيتا وألا يقتلوا شيخا ولا طفلا!. وألا يعترضوا امرأة ولو قاتلت!، وألا يؤذوا المدنيين من السكان ".
6 ــ وحينما أراد عبد العزيز الصاق هذه الجرائم بقائد جيشه ابن بجاد ، رد عليه ابن بجاد في مجلسه في مكة أمام الحاضرين من أهل الحجاز بقوله: (أنت الذي أوصيتني يا عبد العزيز أن أقتل البرئ ليرضخ العاصي وان أفتك بلا رحمة حتّى تكل السيوف من رقاب أهل الحجاز الكفار)!.. فخرس عبد العزيز لهذا الرد.
7 ـ ولكن تحليل الأحداث التالية يؤكد أن مذبحة الطائف كانت مخططة لارهاب أهل مكة والمدينة ليستسلموا بلا مقاومة . وهذا ما حدث بعد مذبحة الطائف ، إذ إستسلمت مكة، ثم ما لبث أن إستسلمت المدينة . ودخلت قوات ابن عبد العزيز الي المدينة في 5/12/1925.ثم لحقت ينبع بالمدينة .ولم يبق إلا جدة التي حوصر فيها الملك علي بن الشريف حسين ، فاضطر في النهاية الي الاستسلام بتوسط بريطانيا وبتعهد ألا يدخلها الأخوان ، فتنازل عن الحجاز ، وغادر جدة الي أخيه الملك فيصل بالعراق في 3/1/1926 .واصبح عبد العزيز ملك الحجاز وسلطان نجد وملحقاتها في 8/1/1926.
ثالثا : السعوديون وقتل الاطفال والنساء
1 ـ فى الطائف قتلوا الأطفال والنساء بلا تمييز . وفي هجومهم علي الكويت في معركة الجهرة قتلوا النساء سنة 1920 ، ونفس الحال في هجومهم علي ثريب في شرق الاردن سنة 1924 . وسجل المراقبون الاجانب ان الاخوان لايحتفظون بالاسري وانما يذبحون كل من يقع في ايديهم.
2 ـ وكانت الدعوات للانضمام الي الوهابية او الاسلام تحمل التهديد لمن لا يستجيب بالاعدام . وتقول احداها (ان من ينضم الينا يأمن علي ممتلكاته واسرته ). وقيل عنهم انهم ظلوا لعدة سنوات لا يخيفون الاطفال وحدهم وانما الكبار ايضا . وقد قتلوا جميع الرجال والنساء والاطفال في المنطقة ما بين المويلة وشرق الاردن. وقد اعترف اثنان من الاخوان الاحياء الي جون حبيب ــ مؤلف كتاب عن الاخوان الوهابيين ــ إنهما شاركا في الغارة التي توغل فيها الاخوان داخل العراق ،وقد استغرقت المسيرة عشرة ايام، وانهما فيما بينهما قتلا حوالي الف شخص ، وكان القتال يجري ليل نهار ،وانهما لم يناما سوي ثلاث ساعات فقط في اليوم ،وكان طعامهما من التمر والخبز والقهوة ،وحفنة من التمر. وقد ادت هذه الوحشية الي انشاء البريطانيين قلعة ( بسية ) لحماية العراق من هجمات الاخوان . وغضب الاخوان من إنشاء هذه القلعة الدفاعية ، وضغطوا على (عبد العزيز ) فكان إنشاؤها سبب المعارضة السياسية والحربية بين الاخوان وعبد العزيز. وعندما تمردوا على سيدهم عبد العزيز هاجموا اخوانهم الوهاببين من اتباع عبد العزيز، و قتلوا الشيوخ والنساء والاطفال .
3 ــ ساعد على هذا عقيدة الاستحلال وهذا الارتباط الديني والعقائدي بين القتال والصلاة .
4 ـ إنتشرت هذه الوحشية الوهابية مع انتشار الوهابية تهدد العالم كله ، نراها الان فى القاعدة وداعش والنصرة ..الخ . ونعطى لمحة عن هذا الانتشار فى هذا الفصل .

نشر الوهابية فى مصر بين عبد العزيز آل سعود و رشيد رضا .
مقدمة :
كانت الوهابية ممقوته فى مصر ، حين كان دينها الواقعى هو التصوف السُّنّى . حدث تطور هائل إذ إنتشرت الوهابية فى مصر تحت مسمى لطيف محبوب هو ( السُّنّة ) و تم تجنب إسم الوهابية ، وكان يشار اليها أحيانا بالسفية ، وهو غسم محبوب أيضا لأنه يرمز فى دين التصوف السنى الى ( السلف الصالح ) من الخلفاء ( الراشدين ) و الصحابة والتابعين. هذا التطور الخطير هو الذى أنتج ( الإخوان المسلمين ) وبجهودهم إنتقلت الوهابية من مصر الى بقيه دول المحمديين ، خصوصا دول الشرق الأوسط . هذا التحول الخطير صنعه إثنان عبد العزيز آل سعود مؤسس الدولة السعودية الثالثة الراهنة ، وعميله فى مصر الشيخ رشيد رضا . ونعطى بعض التفصيلات
أولا :
حاجة عبد العزيز لإنشاء ( إخوان مصريين ) بديلا عن (الاخوان النجديين )
1 ـ عانى عبد العزيز آل سعود منشىء الدولة السعودية الراهنة من تزمت وتخلف الشيوخ الوهابيين ومن تسلط ( الإخوان النجديين ) وهم الذين أقاموا بوحشيتهم مُلكه ، وكانوا يتدخلون فى سلطته ، وإعتاد عبد العزيز ان يستخدمهم وأن يسايرهم الى حين يجد البديل .
2 ـ ودخل الاخوان النجديون فى معارضة سياسية مع عبدد العزيز وعززهم شيوخ الوهابية المتمسكون بالحرفية الوهابية ، والتى لا تعطى عبد العزيز مرونة فى التعامل السياسى مع القوة العظمى وقتها ( إنجلترة ) ومع القوة الاقليمية الكبرى ( مصر ) . والوهابيون من الاخوان النجديين وشيوخهم يعتبرون الانجليز كفرة ويعتبرون المصريين مشركين ، ويعتبرون المخترعات الحديثة من التليفون والتليغراف والموتوسيكل رجسا من عمل الشيطان .
3 ـ تحولت معارضة الاخوان النجديين السياسية بالمؤتمرات الى صراع عسكرى هزمهم فيه عبد العزيز مرتين . وقبل هزيمتهم وفى أثناء صراعهم السياسى معه أدرك ضرورة تركيز السلطة في يده ، وإخضاع علماء الوهابية لسلطته . لذا صبر على ( الاخوان النجديين ) وشيوخ الوهابية المتزمتين وسايرهم وحاول إسترضاءهم بمؤتمرات المعارضة التى كانوا فيها يزايدون عليه بالوهابية ليؤسسوا لهم سلطة سياسية تنازع عبد العزيز سلطانه .
4 ـ الذى لم يعرفه الاخوان النجديون وحلفاؤهم الشيوخ الوهابيون ــ وقتها ــ أن عبد العزيز كان يخطط منذ أن فتح مكة وسيطر على الحج وانفتح على العالم الاسلامى ـ فى تصدير الوهابية فى مصر وتأسيس ( إخوان ) جدد فى مصر ، وأنه كان يعد هذا سرا. كما كان فى نفس الوقت ينشىء قوة عسكرية تابعة له خارج الاخوان النجديين يستخدمها فى الصراع العسكرى القادم مع ( الإخوان ) النجديين الذين أنشأهم فتمردوا عليه . وفعلا فى الوقت المناسسب له حارب الاخوان النجديين وهزمهم ، ووقتها كان قد أرسى فروعا للوهابية فى مصر تعمل من أجل تحويل العُمق المصرى المسلم المسالم الخانع من دينهم التصوف السُّنّى الى الوهابية الوحشية الدموية.
ثانيا :
العوامل التى كانت تحتم على ( عبد العزيز ) تحييد مصر أو كسبها الى جانبه
1 ـ أدرك عبد العزيز تخلف الوهابية عن مسايرة العصر ، وأدرك ان صلاح الايدولوجية الوهابية فوق طاقة علماء نجد ،فآثر ان ينفتح بها علي مصر ،ليأتي الاجتهاد في تنقيح وتحديث الوهابية من مصر بعد ان تكون مصر عمقا استراتيجيا لدولته الوليدة ،ولا ريب ان مستشاره المصري ( حافظ وهبة ) كان وراء هذا الانفتاح في توثيق الصلة بين الجانبين .
2ـ وقد كان حافظ وهبة مهتما بتوثيق العلاقات بين الملك عبد العزيز ومصر ، فى كتابه ( جزيرة العرب فى القرن العشرين ص 268 ) يقول حافظ وهبة في تأريخه لأحداث الصراع بين الملك عبد العزيز والشريف حسين :(وفي سبتمبر سنة 1925 وصل فضيلة الشيخ المراغي ، وكان رئيسا للمحكمة العليا الشرعية ، ومعه عبد الوهاب بك طلعت من موظفي السرايا ( الملكية المصرية ) ومعهما كتاب رقيق من جلالة ملك مصر جوابا لكتاب سلطان نجد ( عبد العزيز آل سعود ) بمناسبة عزمه علي زيارة مكة . )،ويقول حافظ وهبة معبرا عن مشاعره (انه ظرف ملائم جدا وفرصة نادرة لتوثيق العلائق بين مصر ونجد . وسلطان نجد كان ولا يزال معترفا بزعامة مصر من وجهة الثقافة والمدنية ، ويجب ان توطد العلائق بينه وبين مصر) وقتها كان عبد العزيز قد سيطر على الحجاز الذى كان تحت النفوذ المصرى ( الأدبى ) .
3 ـ ( مصر ) في حد ذاتها هي المشكلة الكبري لعبد العزيز، فهي التي كانت تسيطر علي الحجاز في العصر المملوكي ،واستمر نفوذها الادبي فيه . ولقد اصطدم العسكر المصرى ــ الذى كان يرافق كسوة الكعبة من القاهرة الى مكة ـ بأخوان عبد العزيز في حادث المحمل. وقتل العسكر المصرى الوهابيين المحتجّين ،وحاول عبد العزيز تلافى الموضوع حرصا على تطبيع العلاقات مع مصر بعد استيلائه علي الحجاز . ونلاحظ حرصا زائدا من عبد العزيز ومستشاره حافظ وهبة علي استمالة مصر بكل طريقة الي السلطة الجديدة .
4 ـ كما ان مصر هي التي اسقطت الدولة السعودية الاولي واسهمت بالايجاب والسلب في سقوط الدولة السعودية الثانية ،وبالتالي فان مصير الدولة السعودية الثالثة لابد ان يرتبط بمصر ايجابا وسلبا ،فمصر هي اقدم دولة في المنطقة وأكثرها خطرا على دولة عبد العزيز، وكانت وقتئذ احدث دولة في المنطقة (قبل قيام اسرائيل ) .
5 ــ ومن الممكن ان يكون العمق المصري رصيدا متأجّجا بالكراهية للوهابية ، وقد يؤدى هذا الى تحالف مصر مع الاردن والعراق حيث كان يحكمهما الاشراف (فيصل وعبد الله )،ومع اليمن، هذا بالاضافة الي الشيعة في الاحساء وفي الحجاز ، فيتم بمصر ذلك الحصار وتختنق دولة عبد العزيز. إنّ توسع عبد العزيز فى الجزيرة العربية جعله يضم داخل عباءته خصوما ألدّاء:الشيعة فى الأحساء والمنطقة الشرقية وفى الحجاز ، بالاضافة الى أنه أصبح يتاخم العراق والأردن وقد كان يحكمهما ابناء خصمه الشريف حسين . ثم هناك إيران أقوى مركز شيعى ، وخصومته مع اليمن . لو أضيفت مصر الى هؤلاء ــ وهى تمقت الوهابية أصلا ـ فإن سقوط دولة عبد العزيز الوليدة أمر لا مفرّ منه ، خصوصا بعد أن إستولت على الحجاز ، وهو الأقرب وجدانيا وسياسيا وتاريخيا لمصر ــ ومنذ الدولة الطولونية .
6 ـ ولكن من الممكن ايضا ان يكون العمق المصري رصيدا لدولة عبد العزيز ترتكز عليه في مواجهة اولئك الخصوم المتربصين بها المحيطين بها في الشرق والشمال والجنوب . ومن هنا كان لابد من كسب مصر الي جانبه بكل وسيلة ،وقد حاول عبد العزيز ومعه مستشاره الداهية حافظ وهبة ونجح ..علي المستوي الرسمي امكن تفادي حادث المحمل . ولكن الأهم هو الانقلاب الخطير الذى تم فى مصر منذ عام 1926علي المستوي الشعبي والثقافي .بجهود رشيد رضا العميل السعودى فى مصر . وقد عرفنا دوافع عبد العزيز فما هى دوافع رشيد رضا
ثالثا : رشيد رضا الذى خان أستاذه الإمام محمد عبده
1 ـ الانفتاح المصرى السياسى فى عهد الخديوى اسماعيل أثمر إجتهادا دينيا إصلاحيا قام به الامام محمد عبده في مصر في اواخر القرن 19 وأوائل القرن العشرين ،ولكنه مات 1905 أي قبل قيام عبد العزيز آل سعود بتكوين الاخوان النجديين بخمس سنوات . وبعد موت محمد عبده خانه تلميذه رشيد رضا الذى قام بتحويل فكر محمد عبده الاصلاحي الي اتجاه سلفي وهابى . وهذا الانقلاب الخطير أسفر فى النهاية عن تحويل التدين المصري من التصوف السنى الكاره للوهابية الي تدين سني وهابي يحتكر الاسلام ، ويقوم بتكفير غيره . وبهذا التحول الدينى فى مصر أصبحت مصر تابعة دينيا للسعودية ، ثم بالتالى ـ وبسبب ظروف أخرى لاحقة ـ أصبحت مصر تابعة سياسيا للأسرة السعودية . وتبعتها فى هذا بقية دول المنطقة . بداية هذا التحول الخطير كان بجهود رشيد رضا فى الأساس.
2 ‏هربا‏ ‏من‏ ‏بيئة‏ ‏التعصب‏ ‏الدينى ‏فى الشام هاجر لمصر كثير من المثقفين والأدباء والفنانين من مسلمين ونصارى ، وجاء من بينهم رشيد رضا . جاءوا لمصر يحملون داخلهم موروثات التعصب الدينى والمذهبى ، ذلك التعصب الذى أجّجه من قبل شيوخ الوهابية فى الشام والعراق ، وسبّب مذابح للنصارى ولطوائف من الشيعة . جاء رشيد رضا يحمل فى داخله التعصب الوهابى ، إلا إنه بكل ما أوتى من دهاء أهل الشام كان يكبت مشاعره وهو ملتصق بشيخه الإمام محمد عبده . ولأنه وهابى عريق فإننا نتوقع أنه كان يتوجع من آراء استاذه محمد عبده الذى أعلن حقيقة أن كل الأحاديث الموجودة هى أحاديث آحاد تحتمل الصدق والكذب ولا تفيد اليقين ـ وبالتالى يمكن القول بالاستغناء عنها لأنها ليست جزءا من اليقين الاسلامى .
3 ‏وبينما‏ ‏كان‏ ‏رشيد‏ ‏رضا‏ ‏يحتفل‏ ‏بآراء‏ ‏شيخه‏ ‏فى ‏نقد‏ ‏التصوف‏ ‏ويرصع‏ ‏بها‏ ‏أقواله‏ ‏فى ‏تفسير‏ ‏ المنار‏ ‏نجده‏ ‏على ‏العكس‏ ‏يتجاهل‏ ‏أراء‏ ‏محمد‏ ‏عبده‏ ‏فى ‏السخرية‏ ‏وانتقاد‏ ‏الوهابية‏، ‏ومنها‏ ‏قوله‏ ‏عنهم‏ إنهم: لم‏ ‏يكونوا‏ ‏للعلم‏ ‏أولياء‏ ‏ولا‏ ‏للمدنية‏ ‏أحباء‏. ) (‏الإسلام‏ ‏بين‏ ‏العلم‏ ‏والمدنية‏: 47: 48)‏ . ‏وكذلك‏ ‏تجاهل‏ ‏رشيد‏ ‏رضا‏ ‏ما‏ ‏أكده‏ ‏الامام‏ ‏فى ‏نفس‏ ‏الكتاب‏ ‏السابق‏ ‏عن‏ ‏الأصل‏ ‏الثالث‏ ‏من‏ ‏ أصول‏ ‏الإسلام‏ ‏وهو‏ ‏البعد‏ ‏عن‏ ‏التكفير‏، ‏والتكفير‏ ‏أساس‏ ‏الاستحلال‏ ‏للدماء‏ ‏والأموال‏ ‏والأعراض‏، ‏والاستحلال‏ ‏أساس‏ ‏قيام‏ ‏وتوسع‏ ‏الدولة‏ ‏السعودية‏ ‏الوهابية‏. ‏وصاحبنا‏ ‏رشيد‏ ‏رضا‏ ‏أوقع‏ ‏نفسه‏ ‏ فى ‏تكفير‏ ‏خصومه‏ ‏فى ‏المذهب‏ ‏وفى ‏الدين‏ ‏فى ‏مواضع‏ ‏كثيرة‏ ‏من‏ ‏تفسيره‏ ‏فى ‏المنار‏، إذ سار رشيد رضا فيه على منهج ابن تيمية ‏فى ‏إدمان‏ ‏التكفير‏ ‏لجميع‏ ‏من‏ ‏يخالفونه‏ ‏فى ‏الرأي‏.‏
‏4- ‏ وإذا كان الامام محمد عبده فى كتابه ( الاسلام بين العلم والمدنية ) قد جعل الأصل الخامس من أصول الاسلام هو ( قلب السلطة الدينية ــ اى الكهنوت الدينى والدولة الدينية ــ والاتيان عليها من الأساس ) فإن رشيد رضا أوّل هذا المفهوم الواضح هجوما على التصوف ، ثم نراه فى المقابل يعمل على نشر الوهابية ــ فيما بعد ـ وما تتضمنه من تأسيس دولة دينية . 5وهنا‏ ‏تبدأ‏ ‏الفجوة‏ ‏بين‏ ‏محمد‏ ‏عبده‏ ‏ورشيد‏ ‏رضا‏، ‏وهنا‏ ‏أيضا‏ ‏تتسع‏ ‏الفجوة‏: ‏فالأحاديث‏ ‏النبوية‏ ‏ عند‏ ‏محمد‏ ‏عبده‏ ‏مجرد‏ ‏أحاديث‏ ‏آحاد‏ ‏لا‏ ‏تفيد‏ ‏اليقين‏ ‏وإنما‏ ‏تفيد‏ ‏الظن‏، ‏ولا‏ ‏تنهض‏ ‏وحدها‏ ‏دليلا‏ ‏إلا‏ ‏إذا‏ ‏اتكأت‏ ‏على ‏آية‏ ‏قرآنية‏ ‏أو‏ ‏رؤية‏ ‏قرآنية‏ ‏واضحة‏. ‏أما‏ ‏عند‏ ‏تلميذه‏ ‏رشيد‏ ‏رضا‏ ‏فالأحاديث‏ ‏هى ‏ مصدر‏ ‏قائم‏ ‏بذاته‏ ‏سواء‏ ‏اختلف‏ ‏أو‏ ‏تعارض‏ ‏مع‏ ‏القرآن‏، ‏بل‏ ‏طبقا‏ ‏لمنهجه‏ ‏فإنه‏ ‏يستسيغ‏ ‏تأويل‏ ‏ الآيات‏ ‏القرآنية‏ ‏وتحريف‏ ‏معناها‏ ‏كى ‏توائم‏ ‏وتتفق‏ ‏مع‏ ‏الأحاديث‏ ‏الصحيحة‏ ‏لديها‏.‏
6 ‏ولكن‏ ‏النتيجة‏ ‏الواضحة‏ ‏والمؤلمة‏ ‏أن‏ ‏رشيد‏ ‏رضا‏ ‏نجح‏ ‏فى ‏خنق‏ ‏وتحجيم‏ ‏حركة‏ ‏شيخه‏ ‏، ‏وكان‏ ‏لذلك‏ ‏سببان‏: ‏الأول‏ ‏يرجع‏ ‏إلى ‏منهج‏ ‏محمد‏ ‏عبده‏ ‏نفسه‏ ‏الذى ‏لم‏ ‏يكن‏ ‏متسقا‏ ‏ومحددا، فلم يبدأ بتحديد المفاهيم قرآنيا ، ومن خلال القرآن ينظر الى التراث .
‏ ‏والسبب‏ ‏الثانى ‏يعود‏ ‏إلى ‏المناخ‏ ‏الذى ‏ساند‏ ‏رشيد‏ ‏رضا‏ ‏فى ‏منهجه‏: ‏فرشيد‏ ‏رضا‏ ‏لم‏ ‏يكن‏ ‏فى ‏ وزن‏ ‏شيخه‏ ‏محمد‏ ‏عبده‏ ‏ليكمل‏ ‏بعده‏ ‏مشوار‏ ‏الإصلاح‏ ‏ولم يكن مؤهلا لكى يعادى الأزهر وحلفاءه فى السرايا الملكية والاقطاع ، على فرض أن رشيد رضا كان مخلصا ومتحمسا فى السير على طريقة أستاذه ، ولكنه إتخذ من إستاذه سُلّما للشهرة والوصول فى حياة الامام محمد عبده ، ثم وجد المناخ مواتيا بعد موت الامام كى يتنكب طريق الامام ، ويكشف وجهه السلفى الوهابى . بل أصبح هذا المناخ مساعدا له كى يرسى دعائم السلفية ، بل يجد تشجيعا من شيوخ الأزهر الذين أفزعهم قيام مثقفين شوام بنشر مذاهب الغرب الالحادية ، خصوصا بعد سقوط الخلافة العثمانية وتحول تركيا الى العلمانية الملحدة . وقد واكب هذا ظهور عبد العزيز آل سعود بطلا قادما من عُمق الصحراء يرفع راية إسلامية وقد إحتل الحجاز ، وانتشر الحديث عن عودة الخلافة ( الاسلامية ) بعد سقوطها فى الأستانة .
‏7 من‏ ‏الطبيعى ‏أن‏ ‏يحاول‏ ‏رشيد‏ ‏رضا‏ ‏بمهارته‏ ‏الشامية‏ ‏أن‏ ‏يظفر‏ ‏من‏ ‏هذا‏ ‏السوق‏ ‏السياسى ‏بأى ‏ شيء‏. ‏وقد‏ ‏ظفر‏ ‏فعلا‏ ‏بشيء‏ ‏وأشياء‏، ‏وبغض‏ ‏النظر‏ ‏عن‏ ‏هذه‏ ‏الأوضاع‏ ‏السياسية‏ ‏فإنها‏ ‏خلقت‏ ‏ مناخا‏ ‏ليس‏ ‏لديه‏ ‏أدنى ‏استعداد‏ ‏للبناء‏ ‏فوق‏ ‏ما‏ ‏أرساه‏ ‏الإمام‏ ‏محمد‏ ‏عبده‏. ‏ويكفى ‏أن‏ ‏الظروف‏ الاجتماعية‏ ‏والسياسية‏ ‏فى ‏مصر‏ ‏أصبحت‏ ‏تتقبل‏ ‏فكرة‏ ‏الدولة‏ ‏الدينية‏، ‏بعد‏ ‏أكثر‏ ‏من‏ ‏قرن‏ ‏من‏ ‏ النهضة‏ ‏الفكرية‏ ‏وتأسيس‏ ‏الدولة‏ ‏المدنية‏ ‏الحديثة‏ فى مصر ، ومشاركة محمد عبده فى تاسيس الحزب الوطنى القديم الذى كان يفصل بكل وضوح بين الانتماء الدينى والعمل السياسى ويرفض خلط السياسة بالدين .
8 هذا هو المناخ الذى شهد تحالف عبد العزيز آل سعود مع رشيد رضا ، وقيام رشيد رضا بنشر الوهابية فى مصر ، وتأسيس الاخوان المسلمين ، والتى دخلت بمصر وما حولها فى نفق الوهابية ، ذلك النفق الذى لم تخرج منه المنطقة حتى الآن .
ونحاول بعد مرور اكثر من قرن على عصر الامام محمد عبده أن نعيد مصر والعالم العربى الى المستوى الفكرى الذى كان فى عصر محمد عبده . فما فعله رشيد رضا وعبد العزيز بن سعود وأسرته فى تخريب العقل العربى ــ بالوهابية ــ يفوق فى ضرره المذابح التى قامت بها الأسرة السعودية من عام 1745 وحتى الآن .
ونتوقف مع رشيد رضا مهندس نشر الوهابية فى مصر .

رشيد رضا : شخصيته بين النفاق والتعصب

مقدمة :
1 ـ واقع الأمر أن رشيد رضا كان يريد حماية نفسه وسط عالم متغير ؛ امبراطورية عثمانية تتحلل وتسقط وجماعة تركية متعصبة ( الاتحاد والترقى ) تتولى زمام الأمور ، والشام فى قبضتها ، ودولة أقليمية تأخذ فى التكوين في نجد ( عبد العزيز آل سعود ) وإستعمار انجليزى يمتد من الهند بمسلميها الى مصر والسودان عبر الخليج وإماراته ، واستعمار فرنسى فى تونس والجزائر والمغرب، وآخر إيطالى فى ليبيا ، وثورة عربية كبرى ضد العثمانيين قادها الشريف حسين متحالفا مع انجلترة وفرنسا ، ونفوذ ألمانى يتحرك فى العراق وثورة رشيد الكيلانى هناك ، وحرب عالمية أولى رسمت حدودا جديدة لدول جديدة لم تكن موجودة من قبل فى الرافدين تحت الانتداب الفرنسى والانجليزى، وهزيمة الشريف حسين واستيلاء عبد العزيز آل سعود على الحجاز وتكوين دولة السعودية باسمها الحالى عام 1932 ، وقيام حكم لابناء الشريف حسين فى سوريا والعراق والأردن .
2 ـ لو كان رشيد رضا صاحب سطوة تحميه فى بلده لإختلف الأمر . لو كان شخصا يسير الى جانب الحائط يرفع شعار ( وأنا مالى ) ما تعرض له أحد . لو كان متحررا من الوهابية وعلى الدين المصرى السائد وقتها وهو ( التصوف السنى ) ما خشى من أحد . ولكنه وهو فى مصر كان يحمل الوهابية فى قلبه وهى التى يكرهها المصريون . لقد تعرض محمد عبده بكل مكانته وجاهه الى إضطهاد فى الأزهر وهو أبرز شيوخ الأزهر ، وتعرض لاضطهاد السراى وهو من أكبر الزعماء السياسيين فى مصر ، وتعرض للنفى من مصر لأنه شارك فى حركة أحمد عرابى . أين رشيد رضا اللاجىء الى مصر من مكانة شيخه محمد عبده ؟.
3 ـ عبقريته السياسية ( اللبنانية ) أن يتلاعب على كل الحبال وأن يكسب من الجميع دون أن يتعرض للإضطهاد الذى هرب منه فى الشام . لذا عاش حياته فى مصر ينافق ويوافق ليحمى نفسه فى ظل هذا العالم المتغير بسرعة والمعقّد فى علاقاته . عاش معارضا بعض الوقت منافقا حتى فى غير أوقات العمل الرسمية ، فتمتع بالشهرة على مستوى العالم ( الاسلامى ) وهو فى غير بلده ، بل زار بلده لبنان التى هرب منها من قبل،زارها عزيزا مُكرما . كسب عطف شيخه محمد عبده فى حياته وورث مكانته بعد مماته . وكان لابد من استكمال مسيرة النفاق يكتم وهابيته مع الكبار ، بل ويتحالف معهم ينافقهم ويوافقهم ، ثم لا يلبث أن تغلبه وهابيته فيقول ما يثير أصدقاءه عليه . ثم أعلنها فى النهاية بعد أن أصبح عميلا لعبد العزيز بن سعود .
4 ـ عقيدته الوهابية أوقعته فى تقلبات سياسية . تقلباته هذه انتهت بتحالفه مع عبد العزيز . جمعتهما الوهابية ، فلم يعد بحاجة الى النفاق . إنتهى هذا بإخلاصه لعبد العزيز ، فقد وجد كلاهما فى الآخر ما يبغى.
5 ــ نعطى بعض التفاصيل عن حياته نتابع فيها ما كتبه الشيخ د. أحمد الشرباصى فى بحثه ( رشيد رضا . صاحب المنار ) منشورات المجلس العلى للشئون الاسلامية رقم 58 عام 1970. هذا الكتاب كان بحثا علميا للدكتوراة ، وقد ملأه الباحث مدحا لرشيد رضا ودفاعا عنه ، على عادة الأزهريين فى التطبيل والتهليل لمن يترجمون لهم . وكان لا بد من التحقق مما يقوله الباحث ، وإستنطاق النصوص التى ينقلها ويلوى عنقها. ننقل المعلومات التارخية فى هذا البحث ونربطها ببعضها وبعصرها لنصل الى نتائج تخالف ما قاله الباحث .
أولا : لمحة عن حياة رشيد رضا
1 ـ مولود فى 23 سبتمبر 1865 فى قرية لبنانية تتبع طرابلس ، وتوفى فى القاهرة فى 22 اغسطس 1935 . تزعم أسرته الانتماء الى الأشراف ، والتفاخر بهذا الزعم ممّا يسىء الى صاحبه إسلاميا ، ويجعله محترفا دينيا . ونلمح هذا الاحتراف الدينى فى سيرة رشيد رضا فى التعليم على يد والده ، ثم فى تعليمه الدينى السنى فى بيئة طرابلس اللبنانية معقل السنيين ، وفى هذا الوقت كان السنيون فى الشام هم الأكثر تأثرا بالوهابية ، لذا تأثر رشيد رضا بالوهابية من نشأته .
2 ـ وظهر هذا فى مؤلفاته بعد موت استاذه الامام محمد عبده ، إذ أظهر عقيدته السنية الوهابية بما يخالف به أستاذه الإمام . فى تفسير المنارــ الذى كتب جزأه الأول محمد عبده حتى الآية (125) من سورة النساء، وأكمله رشيد رضا حتى سورة يوسف ــ نرى الامام محمد عبده ينفى علم النبى محمد بالغيب وبالتالى ينفى كل الأحاديث التى فيها كلام عن غيبيات المستقبل والساعة والشفاعة وأحوال اليوم الآخر، وأتى رشيد رضا فكتب بعده فى تفسير المنار يثبت الشفاعة وملأ تفسيره بالأحاديث عن الغيبيات . بالتالى فلكل منهما دين خاص لا يلتقيان . وبالتالى أيضا فإن رشيد رضا كان ممّن مرد على النفاق بحيث كتم دينه حتى يستفيد بصحبة شيخه ونفوذه ، ثم فيما بعد ينقلب عليه .
3 ـ حين كان الامام محمد عبده منفيا فى لبنان زار طرابلس فالتقى به رشيد رضا فاكتسب عطف الامام. كان محمد عبده وقتها مأخوذا بفشل ثورة عرابى ، يعيش يلعن السياسة ، ويعايش حُلما جديدا ، هو الاصلاح الدينى والتعليمى . ويأمل أن يكوّن جيلا متعلما مثقفا من الشباب يجاهد فى الاصلاح ، يتبنى الأفكار التى يدعو اليها الامام محمد عبده ، والتى تتناقض مع الوهابية . الخدعة الكبرى أن هذا الوهابى العريق هو الذى إقترب من الامام محمد عبده ، فوجد فيه محمد عبده الشاب الذى يخلفه ويكمل مسيرته . لذا قضى الامام محمد عبد سنوات حياته الأخيرة يكتب فى الاصلاح ومعه مساعده الشاب .
بعد عودة الامام محمد عبده الى مصر لحق به رشيد رضا فى يناير 1898 فقيرا لايملك شيئا ، ولكن سرعان ما أصدر بعد شهرين مجلة ( المنار ) فى مارس 1898 بموافقة وتعضيد الامام محمد عبده ، وكان فيها باب لتفسير المنار يكتبه الامام .
4 ــ وأسّست جريدة المنار شهرة رشيد رضا فى ربوع العالم الاسلامى من شمال افريقيا الى الهند ، وأصبحت المنار هي المجلة الإسلامية الأولى في العالم الإسلامي . بعد موت الامام محمد عبده بدأ رشيد رضا يحتل مكانته ، فأتته الدعوات لزيارة أقطار مختلفة من الهند الى الخليج والحجاز وسوريا . وقابل الحكام وتعامل مع المشاهير ، وأنشا عام 1912 مدرسة دار الدعوة والإرشاد لتخريج الدعاة في مقرها في جزيرة الروضة بالقاهرة، وبدأت الدراسة في اليوم التالي للاحتفال، وواجهته صعوبة التمويل فتوقفت مع بداية الحرب العالمية الأولى .
ثانيا : تعصب رشيد رضا
1 ـ جاء رشيد رضا الى القاهرة فقيرا، سكن أولا فى حى شعبى (درب الجماميز ) بالقاهرة ، ثم إنتعشت أحواله فانتقل إلى مسكن بالقرب من " كوبري الملك الصالح " ،ثم دار في شارع زين العابدين بحي السيدة زينب . واخيرا اشترى بيتا في شارع ( صفية زغلول الآن ). وفيها كان المسكن ، والمطبعة ، والمكتب ومخزن الكتب .
2 ــ ويعترف رشيد بأحواله قبل القدوم الى مصر، حيث الذل والفقر ، ثم يقول : " وأين منهم المقام في مصر التي كانت جديرة بان يحسدها الملوك والأمراء في كل قطر : أمان واطمئنان ، وسعة في الرزق ، وجميع مرافق الحياة " ويقول : " إنني لم أكن أستطيع وانا في وطني الأول ( لبنان ) أن أقول الحق ،ولا أن أكتبه ، ولا ان اخدم الملة والأمة بما خدمتها به في مصر ، وانا اعتقد أن هذه الخدمة فرض علي ، وقد آذتني الحكومة الحميدية ( التركية العثمانية فى عهد السلطان عبد الحميد ) علي في اهلي ومالي وانا بعيد عن سلطتها ، ولو قدرت علي لما اكتفت بمنعي من هذه الخدمة ، بل لنكلت بي تنكيلا " .
3 ـ ولكن عقيدته الوهابية السنية أسفرت عن وجهها فى كتاباته بعد موت الامام محمد عبده. وفى علاقاته بالمصريين وغيرهم .
3 / 1 : تبدو عقيدته الوهابية فى كراهيته للأقباط المصريين . جاء الى مصر مهاجرا فتعامل بكراهية ــ وهابية ــ مع الأقباط وهم (أصل مصر ) . تصدى للاقباط المصريين ومطالبهم وأخذ يرد على عقائدهم ، وأخذ يهاجم ما زعمه بالتحالف بين الأقباط والانجليز . وهو الذى كان عميلا سريا للإنجليز ـ كما سيظهر فيما بعد . وجمع رشيد مقالاته في كتاب خاص أسماه "المسلمون والقبط".
3 / 2 : هجومه على الأقباط جعلهم مع الليبراليين المصريين يهاجمونه ردا على عدوانه عليهم. وكان من أبرز صحفهم ومجلاتهم التي هاجمت رشيدًا بقوة "مجلة الشرق اليسوعية . وفي أغسطس سنة 1907 يذكر رشيد فى جريدة ( المنار) أن ابراهيم المويلحي كتب في جريدة : "المؤيد " يقول عن رشيد انه جاء مصر فقيراً ، ثم بعد ان صار غنياً طعن على اهلها ، ويذكر رشيد أيضا انه لم يرد على المويلحي حينئذ ، لأن الحملة كانت من صحف : المؤيد ، واللواء ، والجوائب ، وجرائد اخرى . ) ويرد رشيد رضا يزعم أنه لم يرد عليهم لأن المقصود بالهجوم هو الامام محمد عبده . وهذا تزوير فادح فاضح ، فالامام محمد عبده هو شيخ الليبرالية فى مصر ، وهو عدو الدولة الدينية الذى يؤمن بالفصل بين الدين والسياسة فكيف يهاجمه أبناؤه الليبراليون ؟ ثم إن الهجوم هنا شخصى على رشيد رضا الذى جاء لمصر فآمنته مصر من خوف وأطعمته من جوع فكان أن ردّ الجميل بالتى هى أسوأ . هذا هو رشيد رضا وليس هو محمد عبده .
3 / 3 ـ وتبدو عقيدته الوهابية فى هجومه على المصريين ، فى قوله لصديقه الشنقيطى : " إنني أنكرت نفسي في مصر ، فإن كثرة رؤيتي للمنكرات فيها ، ككشف العورات في الحمامات ، وشرب الخمر على أفاريز الطرقات ، وكثرة سماعي لقول السوء ، خفف استبشاع ذلك في نفسي ، وضعف كره أصحابه والنفور منهم ، فإنني كنت في بلدي القلمون المجاورة لطرابلس الشام إذا سمعت بأن رجلا ارتكب فاحشة لا يستطيع النظر إليه ولا الحديث معه " . هنا كراهية وهابية لشخص الذى يرتكب المعصية . وهذه الكراهية الشخصية للعاصى والابرؤ منه تخالف الاسلام ، فالنبى محمد عليه السلام كان مأمورا أن يتبرأ من عصيان أصحابه وليس منهم هم:( وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ)
( 215 : 216 الشعراء )
3 / 4 ـ تبدو عقيدته الوهابية فى هجومه على الحكومة المصرية ووصفها بأنها حكومة صورية لأنها لا تقف ضد الانجليز فى السماح بالتبشير بالمسيحية فى مصر . ناسيا قوة التبشير فى لبنان وسوريا وعدم وقوفه ضد هذا التبشير هناك ، وناسيا أن الليبرالية المصرية كانت تسمح بهذا وقتئذ ، وأن الليبرالية الغربية كانت ـ ولا تزال ـ تسمح للمسلمين بالتبشير بدينهم فى الغرب . ومبدأ الحرية الدينية المطلقة من أُسُس الاسلام .
4 ـ وبعض أصدقاء رشيد رضا إنفضوا عنه وهاجموه ،
4 / 1 : سافر رشيد الى عُمان والكويت عام 1330هـ/1913م ، وقال فى المنار تحت عنوان (رحلتنا الهندية العربية :شكر علني لأهل عمان والكويت ) : ( شكرنا في الجزأين الأول والثاني لإخواننا مسلمي الهند حفاوتهم بنا وحسن ضيافتنا، ووعدنا بأن نشكر مثل هذه الحفاوة لإخواننا العرب الكرام في مسقط والكويت والعراق، وقضتْ كثرة المواد التي لا يمكن تأخيرها أن نرجئ الوفاء بهذا الوعد إلى هذا الجزء .) وتحدث بإسهاب عن الحفاوة الى إستقبله بها أمير الكويت وأهل الكويت وأهل عُمان .
ولكنه لم يذكر ما حدث فيما بعد حين اصدر علماء الكويت فتوى بتكفيره، وحاول أحدهم قتله فى السنة التى زار فيها الكويت . (جلال كشك : السعوديون والحل الاسلامى 271 ، 306 ).
4 / 2 : كان من أصدقاء رشيد رضا الشيخ الأزهرى ( يوسف الدجوي ) ت 1946 ، عضو هيئة كبار العلماء ، وهو من الشيوخ المحافظين خصوم الوهابية ، وهو صاحب ( رسائل السلام ) . وقد هاجم الشيخ على عبد الرازق فى كتابه ( الرد على كتاب الاسلام وأصول الحكم ) .
عندما أظهر رشيد رضا وهابيته وتحالف مع ابن سعود أرسل اليه الدجوى رسالة بتاريخ يوم الثلاثاء 8 سبتمبر سنة 1931 ، يقول فيها : (لتعلم يا شيخ رشيد (فيما بيني وبينك ) أني اعلم من سخافات المنار ، وتفسير المنار ، ومن خرق الاجماع ، وتأييد الابتداع ، بل من كفريات المنار وتفسير المنار ، ما يربو على كفريات أبي زيد الذي هو غرس يدك ، وثمرة شجرتك ، وما أخذ أسسه إلا منك ، خصوصا تفسير سورة البقرة والنساء . ولا عبرة بكثرة الكلام ، وطيش الأقلام وإنما العبرة بالمنطق الصحيح، والتحليل البالغ ،والتفكير العميق ، وقد رأيت أن أتغافل عما كتبت في منارك هذه المرة ، علما بعذرك من ، ومن ، ومن .واستبق من لم ترد قطيعته واستره مادام عنك مستترا. وما حملني على لإطالة في الرد على الوهابيين إلا جهالة جهلائهم ، وسفاهة سفهائهم ، وقد قالوا قديما : عدو عاقل خير من صديق جاهل .وما عجبت لشيء عجبي لقراء المنار التي يكفرهم صاحبه ، ويستحل دماءهم وأموالهم ، ويعتقد أنه يتقرب بذلك إلى الله لو قدر على ذلك ، كإخوانه الوهابيين ، ولا ادل على ذلك من نشره تلك الكتب المعروفة التي يحبثها ، ويقول بما فيها ، خصوصا ( تطهير الاعتقاد ) الذي نشره مستقلا بعد أن نشره في المنار . وبعد فإني أعرف من تناقضك وتلونك وتاريخك ما لا تعرفه من نفسك ( وقلما يعرف انسان ما يكون طبيعيا فيه ) . فاتق الله يا شيخ رشيد ، ورزقك الله الرشد ، ( ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما ) .واقبل فائق احترامي وخالص تحياتي . صديقك القديم : يوسف الدجوي . من هيئة كبار العلماء ") .
جدير بالذكر أن :
1 ـ د. الشرباصى صاحب كتاب رشيد رضا ، يقول فى صفحة 204 عن هذه الرسالة : ( رسالة خطية وفقت للعثور عليها ، وهي من الشيخ يوسف الدجوي ، ولم تنشر ، وقد احتفظ رشيد بالرسالة وغلافها ، وكتب عليها ما يلي : " يحفظ من الشيخ يوسف الدجوي 14 سبتمبر سنة 1931 ، فيه من الشتائم والسفه والتقرير ولم يكن يظن بانتهاء جهله وغروره إليه " .) أى إن رشيد رضا رفض نشر هذه الرسالة على غير عادته .
2 ـ أعتقد أن السبب فى عدم نشر رشيد رضا لهذه الرسالة هى قول الدجوى : (وما عجبت لشيء عجبي لقراء المنار التي يكفرهم صاحبه ، ويستحل دماءهم وأموالهم ، ويعتقد أنه يتقرب بذلك إلى الله لو قدر على ذلك ، كإخوانه الوهابيين . ). والمعنى أن عبد العزيز آل سعود يستحل بدينه الوهابى من ليس وهابيا ويعتبر قتلهم وقتالهم قربة يتقرب بها الى الله جل وعلا . أى يستحل دماء من يقرأ المنار ، وهم جمهور عريض ليس كله وهابيا . نشر هذه العبارة تضع رشيد رضا فى مأزق مع قُرّاء المنار .
3 ـ إنقلبت صداقة الدجوى برشيد رضا الى خصومة ومقالات وملاسنات فى مجلات الأزهر والمنار . وللشيخ الدجوى كتاب يهاجم فيه رشيد رضا هو : ( صواعق من نار فى الرد على صاحب المنار ).
رشيد رضا عميلا لانجلترة : بين رشيد رضا وأسمهان

رشيد رضا عميلا لانجلترة
أولا :
بالذكاء الانجليزى تأسّست الامبراطورية البريطانية واستمرت قرونا:
1 ـ كانت الامبراطورية التى لا تغيب عنها الشمس ، الذين كانت تحكمهم إنجلترة كانوا يفوقون عدد سكانها مئات المرات. كوّنت هذه الامبراطورية بالذكاء ، إحتلت الهند بالتجارة ( شركة الهند الشرقية )التى أصدرت مرسوم إنشاءها الملكة اليزابيث عام 1600 . وبها توغلت فى آسيا الى السيطرة على الصين . بذكائها كانت تستخدم جنودا من استراليا تحكم بهم الهند ، وتستخدم جنودا من الهند تحكم بهم مصر .
2 ـ لم يكن هناك مثيل للإستعمار الأسبانى فى حٌمقه ولا فى جشعه . دمّر شعوبا فى العالم الجديد ونهب كنوزها . لم يكن لدى الانجليز قدرة على منافسة أسبانيا التى جنّدت قوتها العاملة فى جيشها العامل فى الاسطول وفى قهر شعوب أمريكا الجنوبية والوسطى . كان هناك نقص فى الانتاج الأسبانى فى الداخل ، لم يكن يفى بحاجات الشعب ولا الأسطول .نهض الذكاء الانجليزى للإستفادة منه ، أغرقت المنتجات البريطانية أسبانيا وبدأ الذهب الأسبانى ينتقل الى إنجلترة. قويت إنجلترة فعهدت لقراصنتها بحرب إستنزاف للسفن الأسبانية التى تحمل كنوز أمريكا ، تهاجمها وتستولى على حمولتها.
3 ـ شبّت الحرب بين انجلترة واسبانيا واستمرت الحرب من عام 1585 : 1604 . الغرور الأسبانى فى هذه الحرب جعل ملك أسبانيا يقوم بتصنيع أكبر اسطول فى العالم وقتها لغزو بريطانيا ، وهو الأرمادا . هذه الاسطول الضخم البطىء الحركة هزمته السفن البريطانية السريعة فى مايو 1588 .وبهذا بدأ غروب الامبراطورية الأسبانية لتحتل بريطانيا مكانها بل وتتفوق عليها .
4 ــ هذا الذكاء البريطانى جعل الأمبراطورية الابريطانية ليست فقط أضخم إمبراطورية بل الأكثر إستمرارا ، وحين إحتلت بريطانيا مصر كانت لهذا الذكاء خبرة تراكمت خلال ثلاثة قرون . هذا الذكاء منقطع النظير هل يمكن أن يتلاعب به اللبنانى المنافق رشيد رضا ؟
ثانيا :
بين الذكاء البريطانى والامام محمد عبده
1 ـ فى مذكرات الامام محمد عبده يبدو ضيقه من أحمد عرابى وسطحيته ، ولكن إشترك محمد عبده فى حركة عرابى وكان ظهيرها المدنى . الذكاء الانجليزى لم يشأ معاقبة عرابى بالاعدام ، إكتفى بنفيه ، ثم سمح له بالعودة بعد تحطيم اسطورته . الذكاء الانجليزى هو الذى إحتوى ثورة 1919 وأنهاها بمثل ما أنهى دعوة مصطفى كامل وعزل محمد فريد . الذكاء الانجليزى هو الذى أعاق تقدم العرب والمصريين بمساعدة عبد العزيز وحسن البنا ، وأن تجلو تاركة المنطقة تحت حكم مستبدين تتلاعب بهم، وتحصل بريطانيا على الأرباح بعد الجلاء دون إحتلال .
الذكاء الانجليزى فهم شخصية محمد عبده الاصلاحية التى لا ضرر فيها على المستوى المنظور ، بل يمكن الاستفادة منها فى تدعيم سُلطة الاحتلال وتبييض وجهه .
بعد فشل عرابى حُكم على الشيخ محمد عبده بالسجن ثم بالنفي إلى بيروت لمدة ثلاث سنوات،عاد الى مصر عام 1889 ، بالسماح الانجليزى .
وبإتفاق مع اللورد كرومر ـ الذى كان مثقفا داهية ـ تفرّغ محمد عبده الى الاصلاح . وخلال هذه المدة وحتى وفاته أنجز محمد عبده الكثير . ساعده كرومر فى إنشاء كلية للقضاة الشرعيين تحت رئاسة محمد عبده . كما كان الشيخ مستشارا فى مجلس شورى القوانين الذى سنّ قوانين عصرية . من إصلاحات الامام فتاويه الجريئة سابقة عصرها ومنها إباحة التوفير وأنه ليس من الربا المحرم ، وأقواله الجريئة مثل قوله ( ان المسلمين ليس لهم إمام في هذا العصر غير القرآن وإن الإسلام الصحيح هو ماكان عليه الصدر الأول قبل ظهور الفتن ) وقوله:( لايمكن لهذه الأمة أن تقوم مادامت هذه الكتب فيها -التراثية - ولن تقوم إلا بالروح التي كانت في القرن الأول، وهو القرآن وكل ماعاده فهو حجاب قائم بينه وبين العلم والعمل ). وقوله عن كل الأحاديث ( لايمكن أن يعتبر حديث من أحاديث الآحاد دليلاً على العقيدة ). ومن الاصلاح الدينى تفرع إصلاح الأدب واصلاح السياسة ، وهذا موضوع شرحه يطول ، ولكن يكفى أن مدرسته الاصلاحية التى سارت على خُطاه لم تصل الى درجته . ومن أعلام مدرسته سعد زغلول وقاسم أمين وأحمد لطفى السيد وطه حسين وعلى ومصطفى عبد الرازق والمراغى وأحمد أمين. ومن أسف أن إنتشار الوهابية أجهض مدرسة الامام محمد عبده . والذى قام بإجهاض هذه المدرسة هو ذلك المنافق عميل انجلترة : رشيد رضا .
ثالثا : رشيد رضا عميلا لانجلترة
1 ـ فى نفس العام الذى رجع فيه الامام محمد عبده الى وطنه إرتحل رشيد رضا الى مصر ليعمل مع شيخه الذى جهّز له الامكانات وقدّمه الى أعلام مصر فى السياسة والثقافة والاعلام . وقدمه أيضا الى المسئولين الانجليز فى مصر . بدون الامام لم يكن لهذا اللبنانى اللاجىء أن يحوز على هذه الشهرة وتلك المكانة . والمنتظر أن يكون النفوذ الانجليزى خلف ذلك ، وأن يكون مستفيدا من ذلك . فلا يمكن للاجىء لبنانى فقير أن يتعامل مع السلطات الانجليزية فى مصر وخارجها إلا إذا كان هذا فى المصلحة البريطانية من الأساس . كما أنه لا يمكن للذكاء الانجليزى الذى حكم العالم وأدار شئونه قرونا أن يعجز عن فهم رشيد رضا وأن يعرف الفارق بين محمد عبده المخلص فى طلب الاصلاح وتلميذه المتلون المنافق . ولذا لم تتعرض العلاقة بين محمد عبده والانجليز الى تقلبات ، بل ظل الشيخ الى آخر حياته متفرغا للاصلاح وعلى وفاق مع كرومر ورفاقه الى درجة حزنهم الشديد على وفاته المبكرة . هذا بينما عمل رشيد رضا فى خدمة بريطانيا ولم يحظ على ثقتها ، فكانت تتعامل معه بمنطق العصا والجزرة .
2 ـ رشيد رضا كان نموذجا مثاليا لأن يعمل عميلا للمخابرات البريطانية ، فهوعالم مسلم وتلميذ للإمام محمد عبده ، ليست له جذور فى مصر يحتاج الى القوة المسيطرة على مصر يتكىء عليها . ينقصه الإعداد وأن يكون مشهورا . وهذا سهل وميسور . يعيبه الطموح وأنه لا يوثق به . العلاج سهل ، وهو أن يكون تحت السيطرة بالترهيب والترغيب .
3 ـ نتابع ما كتبه د أحمد الشرباصى فى كتابه عن رشيد رضا ــ فيما ينقله عن ( المنار ) وكتب رشيد رضا وما نثره فيها من مناقبه الشخصية وذكرياته . والعادة ان الباحث الشيخ الشرباصى ينقل هذه النصوص عن علاقة رشيد رضا بالانجليز وهو يهتف لرشيد وكراهيته للإستعمار . وكان الهجوم على الاستعمار هو الثقافة السياسية فى عهد عبد الناصر وقت نشر هذا الكتاب . ننقل من هذا الكتاب الدليل على أن رشيد رضا كان عميلا للإنجليز .
رابعا :
الأدلّة على أن رشيد رضا كان عميلا للإنجليز :
1 ـ بمجرد مقامه فى مصر قدّمه الامام محمد عبده الى ( موظف ) بريطانى، يقال عن رشيد رضا أنه ( تعرف بشخص واحد هو (متشل انس) الذي كان موظفًا بوزارة المالية المصرية وقد مدحه رشيد وذكر أنه أشد الإنجليز استقلالاً في الفكر وحرية في الرأي، وكان له مذاكرات سياسية ودينية مع رشيد رضا، وقد عقد الصلة بينهما الشيخ محمد عبده . ).
2 ـ أرسله الانجليز فى رحلات مختلفة تسبقه فيها شهرته كعالم مسلم وخليفة الامام محمدد عبده . وكان فى رحلاته يجتمع بالأمراء والملوك والقادة ، حيث يتحدثون معه بحرية واثقين من مكانته لا يعرفون خلفيته البريطانية . مثلا قام بزيارة للهند ( دُرّة التاج البريطانى ) والتى من أجلها سيطرت على إمارات الخليج . وفى هاتين الرحلتين تم إستقبال رشيد رضا بحفاوة بالغة ، وأجرى محادثات مع بعض الحكام مثل حاكم الكويت . يقال تحت عنوان ( رحلته إلى عمان والكويت ..: رحلته إلى عُمان والكويت عام 1330 / 1913 ) :كانت الهند ضمن الأقطار التي زارها رشيد رضا في رحلاته - كما سبق - وفي طريق عودته من الهند إلى مصر مرَّ بعمان والكويت وكلها بلاد كانت مستعمرة من الإنجليز. وكان وصوله إلى مسقط في 12 جمادى الأولى عام 1330هـ بواسطة سفينة إنجليزية حملتْه من الهند إلى مسقط، والتَقَى في مسقط بسلطانها السيد فيصل وبعض رجالها، كما قام بإلقاء بعض الخُطَب والمواعظ في بعض مساجد مسقط
وبعد أن مكث الشيخ رشيد سبعة أيام في مسقط سافَر منها إلى الكويت، واجتمع في الكويت بالشيخ مبارك الصباح وبعض رجالها، وأقام في الكويت أسبوعًا أيضًا، ألقى فيه العديد من الخطب والمواعظ في بعض مساجد الكويت، كان عليها إقبال كبير من الناس ،كما يذكر ذلك الشيخ رشيد رضا نفسه عند حديثه عن رحلته إلى عمان والكويت، وقد تطرَّق الشيخ رشيد في حديثه إلى بعض الأمور السياسية والتاريخية التي لها صلة بالموضوع. )
3 ـ نحن الآن قبيل الحرب العالمية الأولى والتى يجرى الاستعداد لها . كانت الدولة العثمانية قد تحالفت مع ألمانيا ضد انجلترة وفرنسا . وكان السلطان عبد الحميد قبل عزله يهدد بريطانيا بمشروعه ( الجامعة الاسلامية ) وبمشروع خط سكة حديد الحجاز . وبالتقارب بين الدولة العثمانية وألمانيا كان لا بد لإنجلترة من وأد المشروعين . مشروع الجامعة الاسلامية كان مقصودا به إثارة مسلمى الهند على بريطانيا وإثارة مسلمى شمال أفريقيا على فرنسا . لإجهاض هذا المشروع كان لا بد من وقوف العرب المسلمين مع بريطانيا ضد الدولة العثمانية . وبالاتفاق مع بريطانيا أعلن الشريف حسين حاكم الحجاز الثورة على الدولة العثمانية وأتهمها بالكفر ليجهض مقدما إستغلالها للخلافة فى صراعها مع انجلترة . إحتاجت بريطانيا الى حملة ( إسلامية ) تؤيد الشريف حسين فى ثورته على الخليفة العثمانى . وكان رشيد رضا أبرز المؤيدين للشريف حسين . نتصور أن رشيد رضا لم يكن معجبا بالشريف حسين حاكم الحجاز لأن هذا الشريف حسين كان أكبر خصم للوهابية ولعبد العزيز آل سعود فى دولته ( نجد ) . ولكن حتّمت عليه عمالته للإنجليز أن يؤيد الشريف حسين فى ثورته .. ثم فيما بعد يتركه وينضم الى عبد العزيز آل سعود عندما وقع الصراع بينه وبين الشريف حسين.
2 ـ يقول د أحمد الشرباصى : ( وتشير الدلائل على أن رشيد رضا قد تعاوَن مع الإنجليز في بداية الحرب العالمية الأولى وذلك ضد الاتحاديين، ولهذا أيَّد ثورة الشريف حسين أوَّل الأمر . ) ويقول : ( وبين يديَّ الآن مذكرة كتبها رشيد رضا بخط يده في أوائل عام 1915م (1334هـ) وقدَّمها إلى رجال الدولة البريطانية في مصر، وقد بدأ رشيد مذكرته في ملحق إضافي بيَّن فيها سبب كتابته هذه المذكرة، وذكر أن بعض أصحابه السوريين جمعوه مع (الكولونيل هوكر باشا) الذي سأل رشيد رضا عن موقف العرب إزاء دخول الدولة العثمانية في الحرب الحاضرة (الحرب العالمية الأولى) مع ألمانيا فأجابه رشيد بأجوبةٍ تمنَّى الكولونيل كتابتَها له لأهميتها، ولأجل دراستها مع رجال حكومته. كما حرص على ذلك مدير المخابرات في مصر (الكابتن كليتن)، فكتب رشيد هذه المذكرة من أربع عشرة صفحة مع ملخص لها في صفحتين، أمَّا الملحق الإضافي لها فهو في خمس صفحات. ).!!
ويقول ( ..حتى إذا اشتعلت نيران الحرب العالمية الأولى عام 1914م وانضمَّت تركيا إلى ألمانيا ضد إنجلترا وفرنسا أعلن الشريف (حسين بن علي) ثورته ضد الأتراك في عام 1334هـ (أكتوبر 1916م) منحازًا إلى جانب الإنجليز، وقد أبدى رشيد إعجابه وتأييده لهذه الثورة ووصَفَها بأنها أعظم خدمة للإسلام والمسلمين.. )
وعندما ساءت العلاقات بين الشريف حسين ورشيد رضا اسرع رشيد رضا بفضح الشريف حسين وإتفاقاته السرية مع بريطانيا ، والتى كانت معلومة لرشيد رضا . يقول د . أحمد الشرباصى ( وأخَذ رشيد رضا يبيِّن مساوئ وأخطاء ثورة الحسين وأسرارها، فيذكر أن الشريف حسينًا كان متَّفقًا مع بريطانيا قبل ثورته على أن يحكم بلاد الجزيرة العربية وسوريا والعراق تحت قوَّة بريطانيا.ويذكر أن ذلك الاتِّفاق كان سريًّا لم يطَّلع عليه أحد، وقد أطلع أحدُ الإنجليز في مصر رشيدًا على هذا الاتفاق قبل الثورة، ويذكر رشيد أنه أنكره وقال: لا يرضى بذلك إلا عدو للعرب أو حمار لا يفهم معناه") . واضح هنا أن رشيد رضا طرف أساس فى خدمة بريطانيا بحيث تُطلعه على إتفاقاتها السرية . ويدافع الشيخ الشرباصى عن رشيد فيقول : ( ولكن إذا كان رشيد قد اطَّلع على هذا الاتفاق قبل الثورة - كما يقول - فلماذا لم يصرِّح بإنكاره على الشريف حسين في ذلك الوقت وينصح له؟ لعلَّ رشيدًا فعَل ذلك ولكن الشريف حسينًا كذَّب الاتِّفاق وأنكره.)
رابعا :
أنجلترة تشدُّ أُذُن الشيخ رشيد رضا :
1 ـ لا ريب ان بريطانيا عرفت بخيانة رشيد رضا لمنهج استاذه الامام الاصلاحى . وبالتالى لم تكن تثق فيه وكانت تراقبه . شكيب ارسلان صديق الشيخ رضا يأخذ من مراقبة بريطانيا لرشيد دليلا على خصومة رشيد مع بريطانيا . وهو فى كتاباته عن صديقه رشيد فى غاية التحيز له . يقول مثلا : ( جاءنا في إحدى المرَّات أن السيد رشيدًا هو من المغضوب عليهم عند الإنجليز؛ لأنهم رغبوا إليه في بث الدعاية الإنجليزية ببلاد العرب، فلم يستطع أن يجيبهم علنًا وأظهر شيئًا من الموافقة لهم على مقاصدهم على صورة أن يبثَّ الدعوة لفصل العرب عن الترك، فوافَقُوه على ذلك إلا أنهم فيما بعد قبضوا على كتبٍ منه تتضمَّن التحذير من الإنجليز أنفسهم، فقبضوا عليه وفكَّروا في نفيه إلى مالطة في جملة مَن نفوهم، وكادوا يفعلون إلا أنهم عادوا وفكَّروا أن نفي مثل هذا الشيخ قد يقربه من الأتراك، ويزيد الضرر بسياستهم فتركوه في مصر لكن تحت المراقبة الشديدة) . ويلتقط الشيخ الشرباصى الخيط من شكيب ارسلان ويقول : ( ومع بقاء رشيد تحت المراقبة الشديدة من الإنجليز كان له أدوار سياسية خاصَّة في إخراج بعض المسلمين من السجن الذين اعتقلهم الإنجليز اعتقالاً سياسيًّا فخرجوا بكفالة رشيد رضا. ) .!!.
2 ـ قويت الشكوك البريطانية فى رشيد رضا فى رحلته الى الشام عام 1919 بعد نهاية الحرب العالمية الأولى ، حيث أُستقبل بحفاوة ، وتم تنصيب فيصل بن الشريف حسين ملكا على سوريا. وفي دمشق انتُخِبوا رشيد رضا رئيسًا للمؤتمر السوري العام الذي كان بمثابة مجلس الأمة (أو الشعب) في مملكة سوريا. فأعلن المؤتمر استقلال سوريا وجعل الأمير فيصلاً ملكًا عليها،ولكن سرعان ما احتل الفرنسيون دمشق في 23 يوليو عام 1920م . ثم أراد رشيد بعد ذلك العودة إلى مصر، ولكن سلطات الاستعمار الإنجليزي لم توافق على عودته، ولم يعد رشيد إلى أسرته في مصر إلا بعد عام كامل قضاه في سوريا.
3 ـ ويبدو أن الشكوك البريطانية فى رشيد رضا كانت لها وجاهتها ، فلم تستبعد بريطانيا أن رشيد فى إقامته فى سوريا تحت الحماية الفرنسية قد لعب على الحبال الفرنسية ضد مصالحها . لذلك ظل رشيد خاضعا للمراقبة البريطانية فى تحركاته وفى مراسلاته ، حتى ان السلطات البريطانية منعته من الاجتماع بصديقه شكيب ارسلان سنة 1934م.
أخيرا
1 ـ هناك عميل لبنانى آخر مشهور، كان جاسوسا لانجلترة فى الحرب العالمية الثانية ثم تلاعب بها ، فقتلته عام 1944 . هذا العميل هو المطربة أسمهان .
2 ـ من حُسن حظ الشيخ رشيد رضا أنه ليس اسمهان وأنه نجا من مصير أسمهان .

رشيد رضا والشريف حسين حاكم الحجاز
مقدمة :
1 ـ يقول رب العزة جل وعلا : ( تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (83) القصص ). ( العُلُوُّ ) لا يكون إلّا لرب العزة جل و (علا ) سبحانه و (تعالى ) عما يشركون . المتقون لا يسعون الى (العلو ) فى الأرض لأن هذا يعنى الفساد أخلاقيا وسلوكيا . يصل المستبدون بالقوة الى العلو فى الأرض وينافسهم آخرون يسعون الى التمكين بإستعمال القوة وبخداع الجماهير . المصلحون المتقون يعرفون أن الاسلام ليس فيه دعوة سياسية للوصول الى الحكم ، وأن مجتمعا ما لو أقام دولة حقوقية إسلامية فليس فيها خلط الدين بالسياسة وليس فيها كهنوت دينى أو إستبداد سياسى وليس من وظيفتها إدخال الناس الى الجنة والدعوة الى هدايتهم لأن الهداية والضلال إختيار شحصى ، ومن إهتدى فلنفسه ومن ضلّ فعليها ،ومرجعنا جميعا للواحد القهار ليحكم بيننا يوم الدين فيما كنا فيه مختلفين . هذا ما فهمه محمد عبده حين هاجم الدولة الدينية . وقد إُضطر محمد عبده للاشتراك فى الثورة العرابية دفاعا عن وطنه ،ولم يكن معجبا بعرابى وانتقده ، وبعد فشل ثورة عرابى وعودة الامام محمد عبد من منفاه الى وطنه تفرغ ما تبقى له من عُمر فى الاصلاح متحملا مواشى الأزهر .
2 ـ على النقيض جاء اللبنانى رشيد رضا الى مصر يحمل وهابيته ونفاقه ليصل بالسياسة فى مصر الى السلطة والثروة مستعينا بعد موت الامام بمن يملك القوة ، وهم الانجليز . لم تكن له قوة ذاتية فهو لاجىء يخفى وهابيته المكروهة من المصريين ، وبالتالى كان عليه أن يتكىء على الانجليز . ورأى فيه الانجليز مواهب لا تصلح إلا فى أن يكون عميلا لهم ، فإستخدموه قبيل الحرب العالمية الأولى وأثنائها بوقا إعلاميا ضد تركيا ومع ثورة الشريف حسين . وبعد أن إستعملوه ولم يعد مفيدا لهم بل قد يسبب لهم الإزعاج هددوه وطردوه . أى إن عمله بالسياسة لم يجن منه سوى أن يكون عميلا لانجلترة . ثم كان من حُسن حظّه أن عبد العزيز آل سعود قائد الوهابية ــ الذى يحارب فى نجد يقيم دولته متوسعا فى الشرق ( فى الاحساء والمنطقة الشرقية ) ـ كان قد إلتفت الى الغرب بسبب نزاعه مع خصمه الشريف حسين ، وانتهى النزاع بينهما بهزيمة الأشراف وإستيلاء عبد العزيز آل سعود على مكة والمدينة وسيطرته على الحجاز ، فأصبح نجما عالميا صاعدا ،دخل عبد العزيز بإستيلائه على الحجاز الى عالم الأضواء وإهتمام العالم ، فوجد رشيد مكانه المفضل،أن يعمل خادما لسيده عبد العزيز، بعد ان طرده أسياده الانجليز. ونعطى بعض التفاصيل :
أولا : بأوامر بريطانية : رشيد رضا ( الوهابى ) يتحالف مع الشريف حسين عدو الوهابية الأكبر
1 ـ كتم رشيد رضا وهابيته فى أعماق قلبه وتسلح بكل ما يملك من نفاق وسعى الى الاتصال بأعوان الشريف حسين . وهذا كان بأوامر بريطانية . يقول الشرباصى فى كتابه عن رشيد رضا : ( فالشيخ رشيد يذكر لنا: أن أوَّل صلة له بالشريف حسين كان عام 1327هـ/ 1909م في أثناء إعلان الدستور العثماني، حينما التقى الشيخ رشيد بكاتب سر الشريف (مصطفى فهمي) الذي استشاره رشيد في وجوه إصلاح الحجاز فذكر له رشيد طائفة من تلك الإصلاحات أبلغها كاتب السر إلى حسين بن علي فأعجب بها ، وكان ذلك سببًا في بداية اهتمام الشيخ رشيد بالشريف حسين وأعماله حتى أن كتب في سنة 1328هـ/ 1910م مؤيدًا لجهود الشريف حسين في اتفاقه مع أمير نجد (عبدالعزيز آل سعود )). كان هذا قبيل الحرب العالمية الأولى ووقت الاعداد لها من طرف انجلترة .
2 ـ شبّت الحرب العالمية الأولى عام 1914م وانضمَّت تركيا إلى ألمانيا ضد إنجلترا وفرنسا فأعلن الشريف (حسين بن علي) ثورته ضد الأتراك في عام 1334هـ (أكتوبر 1916م) منحازًا إلى جانب الإنجليز. وبأوامر بريطانية أعلن رشيد إعجابه وتأييده لهذه الثورة،ووصَفَها بأنها أعظم خدمة للإسلام والمسلمين قائلا أنها لحماية ( حرم الله وحرم رسوله ) - لأن سقوط الدولة العثمانية مع استمرار تبعية الحجاز لها يجعل الأماكن المقدسة فى خطر .
وانتقل من مدح الثورة الى مدح الشريف حسين ومدح إعلانه بالثورة على تركيا وإستقلاله عنها بأنه: "منشور كتب بمداد الحكمة، وأصالة الرأي وشرف الغاية. ) كما وصف الحسين بن علي بأنه (سيد العرب) . ولما توالت المنشورات من الشريف عن ثورته ، وأخذت جريدته " القبلة " تنشرها كان رشيد ينشرها فى المنار، ووصفها بأنها " منشورات سيدنا الشريف الحكيمة " . وبأنها أحسن ما ينشر في المجلة ، وحرض القراء على قراءتها .واضح هنا الترتيب الانجليزى مع الشريف حسين ورشيد رضا وتوزيع الأدوار بينهما .
3 ـ وفي عام (1334هـ - 1916م) حج رشيد رضا والتقى بالشريف حسين (أو الملك حسين) ، ونزل في ضيافته وقَبِل منه ( جائزة سنية وهدية هاشمية )، كما يقرِّر ذلك رشيد نفسه. وحين إلتقى رشيد بالشريف ــ وكلاهما يزعم الانتساب للنبى محمد ـ تناسى رشيد وهابيته وإستعمل كل خبرته فى النفاق . يقول الشرباصى ( في هذا العام ــ 1916ــ حج رشيد ، والتقى بالشريف حسين ـ أو الملك حسين ــ معجبا به مثنيا على أخلاقه ، وكان رشيد يحاول تقبيل يده. ) .
4 ـ وقام رشيد بمهمته الدعائية وقت الحج بين جماهير الحجاج من شتى أنحاء العالم يخطب فيهم مؤيدا ثورة الشريف حسين . ومنها خطبة سياسية مهمَّة أمام الشريف حسين في احتفال أُقِيم في (منى) شرَح فيها رأيه في ضعف الدولة العثمانية وأسبابه، كما تطرَّق إلى مساوئ الاتحاديين الأتراك، ومدح عمل الشريف حسين في ثورته الاستقلالية. وقد نقلت "جريدة القبلة الحجازية" الناطقة بلسان الشريف حسين خطبة رشيد بكاملها ، وأشارت إلى ثناء الشريف حسين على رشيد وموافقته له في الرأي. وواصل رشيد مهمة الدعاية فى تنقلاته فى رعاية الشريف حسين قائما بدوره الذى كلفته به بريطانيا ، وعاد الى مصر محملا بهدايا الشريف حسين في النصف الثاني من ذي الحجة عام 1334هـ (1916م).
ثانيا : رشيد رضا ( الوهابى ) يرفض تأييد الشريف حسين فى أن يكون خليفة المسلمين
1 ـ أحاط الشريف حسين ( المبعوث البريطانى ) رشيد رضا بالحفاوة حين زار الحجاز ، حتى أن الشريف
اناب عنه الشيخ محمد نصيف لاستقبال رشيد في جدة ، فوصفه رشيد بأنه " وكيل سيدنا الشريف الأعظم صاحب الحجاز ".
2 ـ كان الشريف يخطط أن يحوّل رشيد رضا من مبعوث بريطانى له الى مبعوث من لدنه الى بريطانيا يتوسط لديهم ليجعلوا الشريف خليفة للمسلمين . كان هذا من مصلحة رشيد إذ سيعلو شأنه لدى الشريف وربما لدى الانجليز ، وسيرى له دورا قادما فى الخلافة القادمة . ولكن وهابية رشيد أبت عليه هذا ومنعته من التوسط بين الشريف والانجليز ومنعته من تعضيد رغبة الشريف لديهم .
3 ــ وبكل حنكة حاول الشريف حسين أن يجعل من رشيد بوقا له فى موضوع الخلافة ، أى تكون دعاية رشيد لتأييد ثورة الشريف على تركيا متضمنه للدعوة بأن يكون الشريف خليفة للمسلمين بدلا من الخليفة العثمانى المحجور عليه فى تركيا . ، والشريف حسين بعروبيته ونسبه الأولى بهذا . والنسب الهاشمى الذى يزعمه الشريف حسين ورشيد رضا يرجّح تأييد رضا للشريف حسين ، خصوصا وأن هذا مجال يمكن لرشيد رضا ان يصول ويجول فيه . يقول الشرباصى : ( يذكر رشيد أن بعض المقرَّبين من الشريف تمنَّى على رشيد لو أنه جعل خطبته في منى مقدِّمة لمبايعة الشريف حسين بالخلافة، لكن رشيد رد عليه بقوله: "إن هذا ليس من رأيي ولا من حقي"، وحوَّل الحديث السياسي إلى مفاكهة أدبية . ) . رشيد هنا فى مهمة حددتها له بريطانيا ولم يأت معجبا بالشريف مؤيدا له على طول الخط . وهنا دهاء رشيد فى التملص من الاجابة بتحويل الحديث الى مفاكهة أدبية .
4 ـ ولم ييأس الشريف بل واصل الالحاح على ضيفه رشيد فى الدعاية له فى موضوع الخلافة . إلحاح الشريف معناه أنه يعرف بالصلة الوثيقة بين رشيد رضا والسلطات الانجليزية ، أى تعنى أن يتوسط له رشيد رضا لدى بريطانيا معضدا رغبة الشريف فى الخلافة ، ولكن رشيد الوهابى رفض أن يلعب هذا الدور، وحتى لا يخسر علاقته بالشريف فقد نصحه بتأجيل الموضوع الى ما بعد انتهاء الحرب العالمية وانتظار النتيجة.
5 ـ وأراد الشريف أن يضع رشيد رضا أمام الأمر الواقع ، فقام أعوانه بالاعداد لمؤتمر يحتشد له الحُجّاج لمبايعة الشريف بالخلافة . أحسّ رشيد بخطورة الأمر وبالمأزق الذى أعدّه له الشريف فأسرع إلى مخيَّم الشريف حسين في منى ونصحه بالعدول عن ذلك، وذكَّره بوعيد حديث: (إذا بُويِع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما) . ويبدو أن رشيد قام بتخويف الشريف بالقتل بناءا على هذا الحديث ، لأن هناك خليفة عثمانى لا يزال حيا يتمتع بالبيعة والشريف حسين يناوئه ، أى يكون مستحقا للقتل . إرتاع الشريف حسين من هذا الحديث . و يذكر رشيد رضا أن الشريف حسين اعتذر له بأن ذلك من سعي بعض أنجاله وأولاده.
6 ـ وبعد عودة رشيد من الحجاز بُويِع الشريف ملكًا على العرب في المحرم 1335هـ، وقد نشر رشيد رضا منشور هذه المبايعة في "مجلة المنار" وعلَّق عليه ذاكرًا أن سبب هذه المبايعة هو تحكُّم الاتحاديين بالدولة العثمانية بمساعدة الألمان، ثم بغضهم وكراهيتهم للعرب ودينهم الإسلامي، هذا إضافة إلى أن أقاليم الدولة إمَّا أن تقع تحت سيطرة الألمان، أو تحت سيطرة أعداء الترك؛ لأنهم سيعدُّون العرب من أعدائهم التابعين للترك - فيما لو انهزمت الدولة العثمانية - فلذلك وجب إعلان الاستقلال . وتبد حنكة رشيد من تاييده لاستقلال الشريف وعدم قبوله بأن يكون الشريف ملكا على جميع العرب .
6 ـ يقول الشرباصى : ( لذلك كان غير مستغرب أن تثار الأقوال عن حج رشيد سنة 1334 هـ ـ 1916 م حيث قيل انه ذاهب مع وفد من سلطان مصر لمبايعة شريف مكة بالخلافة ، وقيل أنه ذهب مدعوا من الشريف لتولي منصب قاضي القضاة أو شيخ الإسلام . وقد كذب رشيد هذه الأقوال ، وذكر أنه ذهب ليحج فقط ، ولينصح المسلمين ، ويفي بنذره لوالدته ، كما ذكر انه حج من مال يعتقد حله . ) .
ثالثا : العلاقة بين الشريف حسين ورشيد رضا من الفتورالى الخصومة
1 ـ بعدها دخلت علاقتهما فى دور الفتور، وتزايد بإصدار الشريف حسين أمرًا بمنْع دخول "مجلة المنار" إلى الأراضي الحجازية، وقد نشر رشيد رضا قرار المنْع هذا في "مجلة المنار" في مجلدها الثاني والعشرين الصادر في سنة (1340هـ- 1921م). وقد ورد في قرار الشريف حسين أن سبب المنع ما ورد في "مجلة المنار" من التعريض بحكومة الشريف في عددها التاسع من المجلد التاسع عشر الصادر في 30 ربيع الآخر سنة 1335هـ، ولم يذكر القرار نوع هذا التعريض وكيفيته، ولكن على أيَّة حال فقد جاء هذا التعريض بعد أشهر من عودة رشيد حاجًّا، وبالتحديد بعد أربعة أشهر فقط، كما يوضح ذلك التاريخ الموجود في قرار المنع.
2 ـ تحول الفتور الى خصومة تجلت فى مهاترات بين المنار وجريدة القبلة . بدأ رشيد يهاجم الشريف ضمنيا مدافعا عن نفسه فى صلته السابقة بالشريف حسين ، وأنها كانت علاقة قائمة على السعي لمصلحة العروبة والإسلام، ويذكر رشيد أنه رغم إكرام الشريف حسين وأولاده له إلا أنه كان كثير النصح لهم ن وأنه عاهَد الشريف حسينًا على العمل معه فيما يعتقد أنه الحق فقط ، كما أخذ رشيد رضا يردُّ على التُّهَم التي وجهتها إليه "جريدة القبلة" الناطقة بلسان الشريف حسين بشأن المسألة العربية والشريف حسين.
أخيرا :
تطورت خصومة رشيد والشريف حسين الى تحالف بين رشيد وعبد العزيز آل سعود . وكانت هذه هى المحطة الأخيرة التى وجد فيها رشيد نفسه متسقا مع وهابيته خادما لآل سعود . وفى هذه المحطة الأخيرة قام رشيد رضا بأخطر عمل وهو فى تمام نضجه السياسى والعملى ، قام بنشر الوهابية فى مصر خدمة لسيده عبد العزيز ، ومن مصر إنتقلت الوهابية الى العالم . ولا يزال العالم يدفع الثمن حتى الان .


رشيد رضا خادما لعبد العزيز قبل أن يقابل عبد العزيز
أولا : وهابية رشيد رضا تظهر فى حياة محمد عبده
1 ـ فى العصر الليبرالى فى مصر كتب الامام محمد عبده فى مذكراته يهاجم عميد الأسرة الحاكمة فى مصر ، لأنه إحتكر الزراعة والصناعة والتجار ومنع من حمل السلاح وقام بتهميش الطيقة الوسطى . بكل دهاء أنتهزها رشيد رضا فكتب يهاجم الاحتفالات التى أقيمت عام 1902 بمناسبة مرور مائة عام على حكم أسرة محمد علي مصر، وبين رشيد في هجومه مساوئ حكم محمد علي وذكر أن من أبرزها قضاءه على الوهَّابيين في بلاد نجد والقضاء على ما نهضوا به من الإصلاح الديني والسياسي في جزيرة العرب.
2 ـ على هذا يكون رشيد رضا أول من دافع عن الوهابية فى تاريخ مصر الحديث . وقتها كان عبد العزيز آل سعود قد إستولى على الرياض فقط وبدأ خطواته فى توسع دولته الوليدة بالوحشية الوهابية ، ولم يكن مشهورا خارج الجزيرة العربية.
ثانيا : دفاع رشيد عن عبد العزيز قبل إستيلائه على الحجاز
1 ـ مع تحرر رشيد رضا من مشروع استاذه الفكرى بموت الامام محمد عبده عام 1905 كان الشاب عبد العزيز ينشىء بالوحشية الوهابية دولته قطعة قطعة يتوسع منها فى نجد وماحولها. لم يأبه رشيد رضا بالمذابح التى أقامها عبد العزيز ، بل تابع دفاعه عن عبد العزيز .
2 ـ فمثلا فى صراع عبد العزيز مع آل الرشيد المسيطرين على شمّر وعاصمتها ( حائل ) سخّر رشيد المنار لنقل الأخبار متحيزا لابن سعود ـ وهو المعتدى ـ زاعما أن ابن رشيد هو الأجهل والأظلم .وقتها كان رشيد يعمل خادما لبريطانيا ومتعاونا مع الشريف حسين خصم الوهابيين ، ومع هذا كان يجد وقتا للدفاع عن عبد العزيز دون أن يلتقى عبد العزيز .
ثالثا : إنحياز رشيد الى عبد العزيز فى صراعه مع الشريف حسين
1 ـ وتطور الأمر بهزيمة الشريف حسين وطرده وأسرته من الحجاز بعد إستيلاء عبد العزيز على الطائف ومكة والمدينة وجدة . عندها أسفر رشيد رضا عن وجهه الوهابى فأخذ ينتقد الشريف حسين في المجلدين الخامس والعشرين والسادس والعشرين من " المنار "، وأخذ يؤيد ابن سعود ويدعو إلى تأييده ،معتبرا أن ابن سعود هو خير الملوك في شبه الجزيرة العربية ، ويقارن بينه وبين غيره مع تساؤل فمن من الملوك المذكورين في شبه الجزيرة يستحق أن يسود العرب .؟ ويجيب ( والجواب على هذا السؤال سهل ميسور ،وهو ان ابن سعود هو احقهم، لان رعيته تطيعه وتحبه . ).
2 ـ ثم يكتب رشيد إلى صديقه الأمير شكيب رسالة بتاريخ 15 من جمادى الآخرة سنة 1344 هـ ـ 31 ديسمبر سنة 1925 ، يقول له فيها : " والذي نعلمه منذ سنين ، وازددنا علما في هذه الأيام ، انها ما وجد في بلاد العرب بعد صدر الإسلام من يقدر على حفظ الأمن في الحجاز ونجد مثل هذا السلطان " . يعني ابن سعود . ويعلق شكيب على ذلك بقوله : " هذه حقيقة لا يقدر أن يتمارى بها احد ، ولا من اعداء ابن سعود ".
3 ـ وفي كتاب رشيد : " السنة والشيعة " يتكرر تمجيد رشيد لابن سعود قبل فتح الحجاز بسنتين .
رابعا : رشيد رضا بوقا دعائيا لعبد العزيز قبل أن يلتقى عبد العزيز
1 ـ ويبدو أنه كانت هناك علاقة ومراسلات بين رشيد رضا وعبد العزيز قبل إحتلاله الحجاز عام 1925 . يقول د الشرباصى عن علاقتهما : ( ويظهر من هذا ان العلاقة بين ابن سعود ورشيد طيبة ، وستزداد هذه العلاقة مع الأيام توثقا وتعمقا ، وقد عثرت على رسائل من ابن سعود إلى رشيد يتضح منها عمق هذه العلاقة . ).
2 ـ ويمكن أن نتأكد من وجود تناغم بين إحتدام الصراع بين الشريف وعبد العزيز وإنعكاسه على كتابات رشيد رضا وهو يؤيد عبد العزيز ويهاجم الشريف حسين. وهذا التناغم يعنى ان رشيد عمل بوقا دعائيا لعبد العزيز بعد ان ترك العمل لدى بريطانيا والشريف حسين ، بل أخذ يهاجم سيده السابق الشريف حسين لصالح سيده القادم عبد العزيز.
3 ـ هاجم رشيد الشريف حسين أمير مكة؛ لأنه قَبِل الوصاية من دولة أجنبية باسم الحماية أو الإشراف. ولبس رشيد ثوب الوطنية فبادر بالهجوم على من يتعاون مع بريطانيا ( ناسيا نفسه ) ولم ينج أمين الريحانى الكاتب والمؤرخ من ارتياب رشيد بأنه يعمل لانجلترة . ثم أخَذ يكتب في النزاع القائم بين الشريف حسن وسلطان نجد وملحقاتها (عبدالعزيز آل سعود)، فذكر أن رجال الجامعة الإسلامية أعداء بريطانيا يفضِّلون سيادة ابن سعود في الحجاز على سيادة الشريف حسين وأولاده.
4 ــ كما تطرَّق رشيد الى الدفاع فجأة عن الوهابية : ( وحقيقة دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهَّاب التي يتمسَّك بها أهل نجد؛ لأنها قائمة على العودة إلى الإسلام في أصوله الأولى ومحاربة الأمور الدخيلة والبدعية في الدين. ) . كما قام رشيد بالرد على تشويهات حكومة الحجاز لعقيدة أهل نجد ودعوتهم السلفية، وبذلك دافَع رشيد في هذه المقالات عن أهل نجد دينيًّا وسياسيًّا، وقد جمعها في كتاب أسماه "الوهَّابيون والحجاز".
5 ـ بل لم يتورع رشيد عن إصدار فتوى طويلة يدين فيها الشريف ومحالفته لبريطانيا وفرضه ضرائب باهظة على الحجاج، ومنعه بعضهم من الحج (كحجاج نجد) وانتهى في فتواه إلى أن الشريف حسينًا قد جنى على الحرمين الشريفين، وعلى الحرم الثالث (المسجد الأقصى) بجعْلها تحت سلطة غير إسلامية، وأن بقاءه ملكًا للحجاز في مكة خطر على الحرمين الشريفين وسائر جزيرة العرب في أن يزول ملك الإسلام منه، ثم ذكر أن الواجب على المسلمين إنقاذ الحرمين الشريفين منه.
6 ـ بعد هذه الفتوى مباشرة استولى إخوان عبد العزيز على الطائف، وذبحوا أهلها ، وقد تعرضنا لهذا فى مقال سبق عن وحشية الوهابية فى تاسيس الدولة السعودية الراهنة ، وأدت هذه المذبحة الى تسليم أهل مكة فدخلها الوهابيون في ربيع الأول 1343هـ (1924م)، ثم تمكَّن (عبدالعزيز آل سعود) من الاستيلاء على (المدينة المنورة) ثم (جدة) في جمادى الآخرة عام 1344هـ (1925م) بعد حصار لها دام قرابة السنة، وبذلك دخل الحجاز تحت الحكم السعودي.
7 ـ أثناء هذه المعارك كثّف رشيد رضا فى الدعاية لعبد العزيز ، لم يكتب فى المنار فقط بل كان يكتب فى الأهرام وغيرهما في تأييد ابن سعود، وبيان مساوئ الشريف حسين في الحجاز مما سبب زحف النجديين عليه، أى يهيل التراب على مذبحة الطائف بجعل مساوىء الشريف حسين فى الحجاز هى السبب فى إحتلال عبد العزيز للحجاز. وكأنما إكتشف لأول مرة فساد الشريف حسين ، وهو الذى كان فساده مفضوحا لا يخفى عن مسلمى الهند والمغرب بسبب سلبه الحجاج من كل الأقطار وسوء معاملته لهم .سكت رشيد رضا عن هذا ثم تحدث عنه فيما بعد تأييدا لسيده الجديد عبد العزيز ،ولم يكن قد إلتقاه بعد . فكيف بعد ان إلتقيا ؟
أخيرا :
1 ـ الجبرتى سمع بمذابح الوهابيين وذكرها فى تاريخه . أما رشيد رضا فقد سمع بمذابح تربة والطائف وكان قريبا منهما وهو فى زيارته للحجاز حين كان يخدم الشريف حسين . ومع ذلك تجاهل رشيد تماما مذابح سيده عبد العزيز ونصب نفسه بوقا دعائيا متطوعا حتى قبل أن يلتقيه . دماء الأطفال والنساء والشيوخ العُزّل فى الطائف لم تحرّك ضمير رشيد رضا ، بالضبط كما لم تحركه شناعة الشريف حسين فى سلب الحجاج .
2 ـ وحتى نعرف مدى إجرام رشيد رضا وسكوته عن مذابح الوهابيين التى كان شاهدا عليها نستعيد بعض ما ذكرناه من قبل عن مذبحة الطائف عام 1924 ويقال أن عدد القتلى بلغ مائة ألف .:
3 ـ هجم الوهابيون على الحجاز وحاصروا الطائف ،ثم دخلوها عنوة وأعملوا في أهلها السيف . فقتلوا الرجال والنساء والأطفال . وسجل هذه المذبحة مؤرخ عبد العزيز الشخصى ( أحمد فؤاد العطار ) في الجزء الثاني من كتاب (صقر الجزيرة "عبد العزيز آل سعود") نقلا عن عبد العزيز نفسه ، وحاول تبرئة عبد العزيز من المذبحة وإلصاق التهمة بالاخوان .
4 ــ ومنه نعرف أن جيش ابن سعود باغت الطائف . وتحرك جيش الشريف على عجل لانقاذ الطائف ب 400 مقاتل بالمدفعية ، وكادت المدفعية الهاشمية أن تقهر الاخوان ، لولا أن البدو الذين كانوا مع جيش الشريف خانوه وانضموا الى الاخوان أملا فى الغنائم. وتراجع جيش الهاشميين أمام الكثرة من جيش ابن سعود الذى بلغ 400000 ـ فأرسل الشريف حسين مددا للجيش ، واستمرت المعركة الى ان تمت هزيمة الجيش الهاشمى فهرب تاركا الطائف ، فانتشر الذعر والهلع بين السكان المدنيين ففر من استطاع تاركا كل ما معه ناجيا بحياته ، وخبأ الاغنياء الذهب والاحجار الكريمة وأغلقوا الابواب وحصنوها من الداخل بأحجار كبيرة ليستعصى فتحها إذا ما احتل الغزاة المدينة. ووصل حوالى مائة ألف من الأعراب لجيش ابن سعود ، فوصل الجيش السعودي إلى أكثر من /50000/ . وتدفق الغزاة إلى الداخل كما تدفق الاعراب الطفيليون معهم ، وزرعوا الشوارع والاسواق وقتلوا كل من وجدوه بها واحتلوا المراكز الحكومية والابراج والقلعة ونهبوا ما بها.، راحوا يقضون الليل في السلب والنهب والقتل وهتك الاعراض ، وهاجموا البيوت وحطموا الابواب ودخلوا على الابرياء ومزقوهم بالسيوف وأطلقوا عليهم الرصاص، واستلبوا كل ما وجدوا من غال ورخيص. ويتابع ـ العطار السعودي ـ صياغته لاعترافات عبد العزيز آل سعود، فيقول: (وقد وجد البدو ممن لهم ثارات عند الاهلين فرصة نادرة للانتقام فزحفوا إلى بيوتهم واقتحموها عليهم وقتلوهم شر قتلة تشفيا منهم، وهتكوا أعراضهم، وبعد أن ذبحوهم وضعوا رقابهم في حنفيات الماء والصهاريج فشربوا من دمهم وتوضأوا بالماء الملوث بالدماء البريئة وصلّوا! . ولم يكلفوا أنفسهم عناء استلام الاساور الذهبية من أيدي النساء الممدة بل قطعوا أيديهن وأرجلهن ، ولبس "الاخوان" الحلي ، وهذه الاساور بأيديهم ووضعوا القلائد ـ الخرزية والذهبية ـ في رقابهم كي لا تعيقهم عن بقية النهب والقتل… ). هذا موجز ما نقله العطار من كلام عبد العزيز آل سعود .
هل كان رشيد رضا فى المريخ بينما كان المؤرخ العطار فى الأرض .؟

لماذا كان عبد العزيز محتاجا لرشيد رضا ؟

مقدمة :
1 ـ بإحتلاله الحجاز أوقع عبد العزيز نفسه مبكرا فى إحتمال الصدام مع مصر.
2 ـ الدولة السعودية الأولى فى عهد سعود الكبير احتلت الحجاز 1805 ، وكان هذا سببا فى ارسال حملة محمد على عام 1811 ، والتى إنتهت بتدمير هذه الدولة عام 1818 .
ستون عاما بين إقامة الدولة السعودية الأولى ( 1745 ) وإحتلالها الحجاز 1805، أما عبد العزيز فقد بدأ بتأسيس دولته من عام 1902 ، واستولى على الحجاز بدءا بعام 1924 ، يعنى حوالى عشرين عاما فقط .
3 ـ كانت الدولة السعودية الأولى فى أوج قوتها وهى تستولى على الحجاز بينما كانت مصر مجرد ولاية عثمانية بوال لم تتثبت أقدامه فى مصر بعد ، ومع ذلك قضى ( محمد على ) الوالى الجديد على الدولة السعودية وهى فى شبابها ودمّر عاصمتها وأرسل آخر حكامها ليلقى حتفه فى الأستانة .
أما عبد العزيز فلم يكن فى قوة سلفه سعود الكبير ، بينما كانت مصر أقوى دولة وقتها فى المنطقة ، وبالتالى فإن شبح نهاية الحاكم السعودى الأخير فى الدولة السعودية الأولى كان يُفزع عبد العزيز بلا شك .
4 ـ ونعطى خلفية تاريخية :
أولا : عن الحجاز
1 ـ بدأ النفوذ المصرى فى الحجاز مع تأسيس أول دولة فى مصر فى إطار الخلافة العباسية ، وهى الدولة الطولونية 868 : 905 ، والتى توسعت فى الشام شرقا وليبيا غربا ، ثم تلتها الدولة الأخشيدية التى سقطت بلا قتال أمام الفاطميين عام 972 ، وصارت القاهرة الشيعية تناوىء بغداد العباسية السنية ، بل وصلت دعوتها الشيعية الى بغداد نفسها ، ومن عهد الدولة الفاطمية صار الحجاز تابعا لمصر ، إستمر هذا مع الدولة الأيوبية ثم المملوكية.
2 ـ وبعد سقوط الدولة المملوكية وتحول مصر الى ولاية عثمانية فإن النفوذ المصرى فى الحجاز لم ينقطع . وبالتالى تدخلت مصر العثمانية وقضت على الدولة السعودية الأولى حين إحتلت الحجاز.
3 ـ تدمير الدولة السعودية الأولى كان أكبر خطوة فى تثبيت أقدام محمد على فى حكم مصر ، قبيل ذلك ذبح المماليك وتخلص من شرورهم ، وأرسل جيشه العثمانى ليحارب السعوديين ويتخلص من هذا الجيش العثمانى المرتزق المتخلف ، وبعده أسّس الجيش المصرى من الفلاحين المصريين . وعلى هامش الجيش أقام اسطولا وصناعات حربية وتعليما ونهضة .
4 ـ ابراهيم باشا الابن الأكبر لمحمد على بدأ عبقريته الحربية بالقضاء على الدولة السعودية الأولى ، جعله ابوه القائد فى المرحلة الأخيرة من الحرب عام 1816 ، فأسر حاكم الدرعية عبد الله ، وأرسله الى القاهرة ، فبعث به محمد على الى الآستانة فطافوا به فى شوارعها ثلاثة أيام ثم قتلوه . عبد العزيز كان يخشى هذا المصير .
ثانيا : بين الأسرة السعودية ومصر: من القرن التاسع عشر الى إحتلال عبد العزيز للحجاز
1 ـ أُعيد تأسيس الدولة السعودية الثانية على يد الأمير تركى بن عبد الله بن محمد بعد عام أو إثنين من سقوط الدولة الأولى . وعانت الدولة السعودية الثانية من حرب جيرانها وإنشقاقات الأسرة السعودية الحاكم ، وفى النهاية قضى عليها آل الرشيد حكام حائل وشمر والذين كانوا من قبل تابعين لآل سعود . وهرب آخر حاكم للرياض وهو عبد الحمن الفيصل الى الكويت ومعه أسرته ومنهم إبنه عبد العزيز الذى أسس الدولة السعودية الراهنة الثالثة . عبد العزيز شهد نهاية الدولة السعودية الثانية ، وحين أسّس دولته الثالثة كان يخشى من مصر التى أصبحت فى وقته قوة إقليمية صاحبة نفوذ على الحجاز .
2 ـ وقت معاناة الدولة السعودية الثانية تطورت مصر لتصبح قوة إقليمية مع تبعيتها الاسمية للخلافة العثمانية .
3 ـ : ابراهيم باشا كان من أعظم القواد العسكريين فى وقته . بعد إنتصاره على السعوديين حارب وانتصر فى السودان بعد ضمه الى مصر ، وضمّ الشام لمصر عام 1831 ، وواصل زحفه الى عُقر الدولة العثمانية ، وهزم جيشهم فى موقعة قونية عام 1832 ، وأسر القائد العثمانى وأصبح الطريق مفتوحا الى الآستانة نفسها فاستغاث السلطان العثمانى بأوربا ،وتدخلت أوربا ، وتم عقد إتفاقية كوتاهية فى 8 ابريل عام 1833 .وبضغط ابراهيم باشا وفى 6 مايو 1833 وافق السلطان العثمانى على أن يحكم محمد على مصر وكريت وسوريا ، وأن يحكم ابراهيم باشا الحجاز واقليم أضنة فى آسيا الصغرى .
في عام 1839م حاول السلطان العثماني إسترداد أراضي الشام فجهز ابراهيم باشا جيشه وزحف مرة آخرى إلى الاناضول وسحق الجيش العثمانى فى موقعة نزيب ، وأوشكت الدولة العثمانية على الانهيار فأسرعت أوربا بالتدخل وأجبرت مصر على قبول معاهدة لندن ، وتدخلت بريطانيا بإشعال ثورات ضد الحكم المصرى حتى أعادت سوريا الى الدولة العثمانية .
4 ـ لولا التدخل الأوربى كانت مصر سترث الدولة العثمانية . ولهذا وقفت اوربا ضد مصر حتى لا ترث القوة المصرية الشابة الدولة العثمانية التى كان يُطلق عليها ( رجل أوربا المريض ) . وتغيرت سياسة اوربا مع مصر والدولة العثمانية تبعا للمصلحة الأوربية، فقد كانت اليونان وشرق أوروبا تابعا للدولة العثمانية منذ القرن 15 الميلادي ، وعجز السلطان العثمانى عن اخماد ثورة اليونان فإستنجد بمحمد علي فأخمدها ابراهيم باشا خلال حرب استمرت ثلاث سنوات: ( 1825 : 1828 ).ولكن تدخلت انجلترة وفرنسا وروسيا فدمرت الاسطول العثمانى والمصرى والجزائرى فى موقعه نافارين فى 20 اكتوبر 1827 ، والتى تعد من أهم المعارك البحرية العالمية فى القرن التاسع عشر.
5 : تولى ابراهيم باشا حكم مصر فى حياة أبيه محمد على ولكنه مات قبيل أبيه فى 10 نوفمبر 1848 . وتولى عباس الأول بن طوسون بن محمد على ، الذى حكم فيما بين( 1848 : 1845 ) وكان غريب الأطوار، كثير الشك قاتلا قاسيا ، ومعتنقا للوهابية . وبعد إغتياله تولى سعيد باشا الذى حكم ( 1845 : 1863 ) والذى أعطى ديليسبس إمتياز حفر قناة السويس التى كانت لعنة على مصر ، فتحت باب التدخل الأجنبى فى مصر بما أدى الى إحتلالها .
6 ـ تولى اسماعيل بن ابراهيم باشا حكم مصر عام 1863 الى عزله فى 26 يونية 1879 . اسماعيل هو المؤسس الثاني لمصر الحديثة ، وفي عهده تكوّن فى مصر أول مجلس نيابى فى 25 نوفمبر 1866ضمن إصلاحات كبرى فى التعليم القضاء والحكومة والصحة والعمران والمواصلات والاتصالات والزراعة والرى والصناعة والقصور الفخمة و الأوبرا ودار الكتب، وأصبحت القاهرة تنافس مدن أوربا الكبرى فى أناقتها وتمدنها ، ووصلت فتوحاته الى الصومال ، وكافح انتشار الاسترقاق فى أفريقيا ،وظهرت عظمة مصر فى حفل إفتتاح قناة السويس عام 1869.
7 ـ خوف أوربا من طموحه جعلها تضغط على السلطان العثمانى فعزله . بريطانيا عزمت على إحتلال مصر لتأمين إحتلالها للهند بعد إفتتاح قناة السويس . وتم لها هذا فى عهد توفيق بن اسماعيل ( 1879 : 1892 ).
8 ـ الاحتلال البريطانى لمصر إنصب إهتمامه على موقع مصر الجغرافى الذى يتوسط الامبراطورية البريطانية، فلم يقم بتحجيم مكانة مصر ، بل إستمرت مصر الليبرالية التى أرساها اسماعيل ، وتطورت الإصلاحات بعده وفى ظل الاحتلال الانجليزى . وبالوعى المصرى تعاظم طلب المصريين الاستقلال وتطور الى صدام حربى فى عهد الخديوى عباس الثانى وبتوجيه منه. وبسبب حساسية الموقف الدولى قبيل الحرب العالمية الأولى عزل الانجليز عباس الثانى وأعلنوا مصر محمية إنجليزية وأنهوا تبعيتها الاسمية للدولة العثمانية ، وألغوا لقب خديوى العثمانى وعينوا حسين كامل بن اسماعيل سلطانا فى 19 ديسمبر 1914 .
9 ـ بعد الحرب العالمية الأولى قام الشعب المصرى بثورة عارمة فى عام 1919 فاصدرت بريطانيا تصريح 28 فبراير 1922 أعلنت فيه انهاء الحماية البريطانية على مصر وإستقلال مصر مع تحفظات لصالح الامبراطورية البريطانية . ورفض المصريون هذا التصريح ، ولكن تحققت لمصر من خلاله وضع (دستور1923) يؤكد على ( مصر الليبرالية ) وأن الأمة هى مصدر السلطات . ولم تحصل مصر ــ حتى الآن ـ على دستور يضاهى ها الدستور الذى مرّ عليه حوالى قرن من الزمان .
10 ـ نلتفت أخيرا لعبد العزيز وقد عاصر ــ بإحتلاله الحجاز ـ عهد الملك فؤاد الأول والذى تولى عام 1917 باسم سلطان مصر ، وبعد إستقلال مصر فى 15 مارس 1922 بعد تصريح 28 فبراير 1922 أصبح لقبه ملك مصر وسيد النوبة وكردفان ودارفور،ثم أصبح ابنه فاروق ( ملك مصر والسودان ) .
ثالثا : بين عبد العزيز والملك فؤاد الأول
1 ـ كان ابراهيم باشا حاكم الحجاز ، ومع تطور الأحداث بعدها فلم يؤثر على تبعية الحجاز الفعلية لمصر ونفوذها فيه بسبب إعتماد الأشراف حكام الحجاز على مصر إقتصاديا وحتى فى حل خلافاتهم .
2 ـ وفي 3 مارس سنة 1923 أعلن مصطفى كمال إلغاء الخلافة نهائياً ، ونفي الخليفة عبد المجيد الثانى وأفراد أسرته . وقبلها كان الشريف حسين فى الحجاز يطمع أن يكون الخليفة حتى فى وجود الخليفة العثمانى . وكان الشريف حسين لا يزال حاكما على الحجاز وقد منح نفسه لقب ( ملك العرب ) . وإمتعض الملك فؤاد أن يحصل الشريف حسين على منصب الخلافة وهو وأسرته أتباع لمصر ، فتطلع فؤاد لهذا المنصب . وإستمر هذا التطلع للخلافة قائما لدى الملك فؤاد .
3 ـ وكان هذا خطيرا فى وضع مصر الليبرالية ، إذ يعطى فؤاد سلطة دينية ويحوّل مصر الى دولة دينية ، وهذا يخالف دعوة الامام محمد عبده ، وكانت مدرستة لا تزال قوية فى السياسة والفكر والاصلاح الدينى ــ مع إستبعاد رشيد رضا بطبيعة الحال . لم يكن فؤاد بشخصيته مؤهلا لهذا المنصب الدينى ، ولكنه طمع فيه بوصفه حاكم مصر . وقد وقف ضده الشيخ (على عبد الرازق ) بكتابه ( الاسلام وأصول الحكم ) الذى يؤكد أن الخلافة ليست من أصول الاسلام ، فضغط الملك فؤاد على هيئة العلماء فحاكموا على عبد الرازق ، وتم تجريد على عبد الرازق من شهادة العالمية وفصلوه من القضاء .
4 ـ هاجم كتاب ( الاسلام وأصول الحكم ) الشيخ الخضر حسين شيخ الأزهر فيما بعد ، والمفتى بخيت المطيعى والمستشار عبد الرزاق السنهورى والتونسى الطاهر بن عاشور . بينما دافع عنه محمد حسين هيكل فى جريدة السياسة والعقاد فى جريدة البلاغ وسلامة موسى فى المقتطف. وفى محاكمة على عبد الرازق إستقال عبد العزيز فهمى من وزارة الحقانية فى وزارة زيور باشا فى 13 مارس عام 1925 . أى أحدث هذا الكتاب أزمة وزارية في مصر الليبرالية فى ذلك الوقت .
5 ـ رشيد رضا كان ضد علي عبدالرازق في كتابه ، وانتقده بشدة وعنف في مجلة المنار ، مع أنه لم يكن فى صف الملك فؤاد . وكان يعلم أن سيده عبد العزيز لا يطمع فى الخلافة لأنه حرص على أن يمر إحتلاله للحجاز بدون مشاكل مع مصر .
أخيرا : حاجة عبد العزيز لرشيد رضا :
1 ـ هذه هى مصر الليبرالية التى تعين على عبد العزيز مواجهتها . ليبراليتها قلّصت سلطة الملك فؤاد فى الحكم .كان جده محمد على يقتل من يشاء بمجرد كلمة ينطقها ، وهو الذى انتقم من الجبرتى فقتل ابنه وقتله . ولكن الليبرالية المصرية سمحت بالهجوم على الملك فؤاد، وسمحت بحرية الرأى للجميع حتى الوافدين لمصر ، ومنهم رشيد رضا . وبالتالى فلا يمكن لفؤاد ان يحارب عبد العزيز لو أراد ، بينما يمكن لرشيد رضا خادم عبد العزيز أن يدافع عن عبد العزيز وأن يؤسس له جمعيات تدعو للوهابية مستفيدة من مناخ الحرية السياسية والفكرية .
2 ـ لذا كان عبد العزيز محتاجا لرشيد .





تحالف عبد العزيز آل سعود مع رشيد رضا : والحاجة الى المال
مقدمة :
1 ـ الليبرالية المصرية فى النصف الأول من القرن العشرين كانت تفتقر الى العدل الاجتماعى ، إنتشر التعليم وظهرت طبقة من شباب المتعلمين الفقراء لم يجدوا لهم مكانا تحت الشمس التى إحتكرها الباشوات من الاقطاعيين والرأسماليين وأتباعهم ، ولم يبق للناشطين المتعلمين الفقراء سوى الهتاف فى مظاهرات حزبية أو وطنية . مجال التوظيف كان ضئيلا ومحصورا لمن يستطيع الوصول ، وبعض من يستطيع الوصول الى أولى الأمر لم يكن يحتاج أصلا الى وظيفة . تضخم عدد المثقفين النشطاء من الفقراء المصريين وتطلعوا للصعود الى الطبقة الوسطى ماديا ، بعد أن صاروا من أعمدتها ثقافيا وعلميا . الجهل يجعل الفقير يصبر ويرضي بالموجود الذى لا يعرف غيره ، هى ثقافة الفقر.!. إذا تعلم الفقير توسعت مداركه وتطلع للمزيد وعرف أن له حقوقا يجب أن يسعى لها ، وأن يوظف علمه فى الحصول عليها ليصل الى ما يصل اليه أبناء الطبقة التى تعلوه . وإذا كان أصحاب السيطرة لا يعطونه حقه المشروع فلا بأس أن يبحث عن بديل يراه مشروعا .! كان عبد العزيز هو البديل ، خصوصا وهو يتقدم اليه باسم ( السُّنّة المحمدية ) و ( السلف الصالح ). حرصهم على الرزق لم يكن يوازيه إلا حرص عبد العزيز على تحويل مصر من التصوف السنى الى الوهابية تحت مسمى السنة والسلفية .
2 ـ رشيد رضا وحافظ وهبة ومحب الدين الخطيب أدركوا فقر القطاع الكبير من ( الافندية ) و المعممين الأزهريين والكُتّاب وتطلعهم للثراء . ولعل عثور حافظ وهبة على هذا الصحفى المصرى المعمور دليل على تجنيد ناجح للناشطين من هذه الطبقة . بذل رشيد رضا جهده وماله فى نشر الوهابية فى مصر ، ولم يكن المال الذى يأتيه من عبد العزيز كافيا لتجنيد أولئك المثقفين ، أو يكفى للإنفاق على الجمعيات التى تكونت من الشبان المسلمين وأنصار السّنّة المحمدية ، وتجنيد شيوخ الأزهر وإستمالة المؤلفة قلوبهم من الصحفيين والكُتّاب والمثقفين المصريين . كان لا بد من مورد مالى .
3 ـ لم تكن موارد عبد العزيز تكفى . فى أحيان كثيرة كان يعانى من ضائقة مالية . الحل تمثّل فى أى إستثمار خارجى من الغرب ( الكافر ). ولكن نفوذ شيوخ الوهابية المتحالفين مع الاخوان يحول دون ذلك . تغير الوضع فى الثلاثينيات بعد أن إتحدت نجد والحجاز وعسير تحت مسمى ( المملكة العربية السعودية ) عام 1932 وتحت قبضة عبد العزيز. غاب الاخوان النجديون عن الساحة وغاب معهم نفوذ الفقهاء الوهابيين وأصبحوا رهن إشارة عبد العزيز . بدأ ( الكفرة ) البحث عن البترول فى السعودية ، وظهر البترول وبدأ الانتاج ، فتغيرت المعادلة ، ودخلت المملكة السعودية فى عصر البترول الذى لا تزال فيه .
وبقطار البترول السريع وصلت الوهابية ــ بسائر تنظيماتها السرية والعلنية الدعوية السلفية والسياسية والمسلحة ــ الى التاثير على مستوى العالم اليوم تنشر المذابح ، ويعترف بها العالم على أنها ( الاسلام ) وأن أتباعها هم ( الاسلاميون ) مهما إختلفت توجهاتهم السياسية ـ مع أو ضد ـ السعودية .
أصبح الاسلام ـ بنعمة البترول ـ متهما بالارهاب والتخلف والتزمت والتطرف والتعصب ، وبنعمة البترول توارى إسم الوهابية ، بل اصبح لدى بعض الأوساط مقدسا ، بينما أصبح إسم الاسلام مبتذلا .. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم . وصدق الله العظيم القائل : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ وَجَعَلُواْ لِلَّهِ أَندَادًا لِّيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ ) ابراهيم 28 : 30)
ونعطى بعض التفصيلات :
اولا : مصر الليبرالية : حرية بلا عدل :
1 ـ لا بد من تلازم العدل مع الحرية لتعيش الدولة فى سلام ورخاء . لا يمكن تحقيق العدل مع غياب للحرية ، وتجربة عبد الناصر شاهد على ذلك . حاول تحقيق عدل إجتماعى وتوفير رغيف الخبز وضمان التوظيف وجعل التعليم سُلّما للترقى وتذويب الفوارق بين الطبقات وتوسيع رقعة الأفندية والطبقة الوسطى بنشر التعليم ومجانيته فى كل المراحل . ولكن الاستبداد السياسى قضى علي مشروعه وأورث مصر حتى الآن عارا إتسعت رقعته بعد موت عبد الناصر ولا تزال تتسع رقعته تحت حكم العسكر الذين اضاعوا العدل والحرية معا .
2 ـ قبل حركة الجيش وظهور عبد الناصر كانت مصر الليبرالية بلا عدل . ظل الظلم الاجتماعى راسخا فوق صدر الأغلبية الساحقة من المصريين ـ خصوصا الفلاحين والعمال . مما أدى فى النهاية الى نجاح حركة الجيش وتأسيس عبد الناصر حكم العسكر الذى جلب العار لمصر ــ ولا يزال .
3 ـ فى العقود الأولى من القرن العشرين تكاثر أبناء الأفندية ممثلى الطبقة الوسطى وتعلموا ، واصبح توظيفهم فوق طاقة الدولة . إنضم اليهم من تعلم من ابناء الفقراء من الفلاحين والعمال والحرفيين وصغار التجار. أسهموا فى ثورة 1919 ، ولكنها خذلتهم فلم يتسع لهم صدرها ، وظلت دفة الحياة السياسية محصورة فى النخبة . وحتى حزب الوفد أكبر حزب شعبى لم يهتم بأولئك المثقفين الفقراء ولم يفتح لهم باب الصعود والترقى بإختيارهم للترشيح على قوائمه .
4 ـ فى الثلاثينيات من القرن العشرين ظهر جيل جديد شاب متعلم متفتح متعطش لأن يأخذ حقه فى السلطة والثروة فوجد الأبواب موصدة فى وجهه . إنضم الى هذا الجيل شباب الأزهريين . كانت هناك بعض معاهد ابتدائية وثانوية تابعة للأزهر فى القاهرة وطنطا والاسكندرية والزقازيق ، اسهمت فى الإكثار من خريجى الأزهر . ولكن ميزانية الأزهر المستمدة من الأوقاف المرصودة عليه لم تكن تفى بمرتبات كبار العلماء فيه ، مع أن هذه المرتبات كانت هزيلة . كان خريجو الأزهر يتزاحمون على أبواب شيخ الأزهر يلتمسون الحصول على وظيفة . وكانت تأتى الفرصة إذا مات شيخ من أصحاب المرتبات ، عندها تحتدم المنافسات على الفوز بمنصبه ومرتبه ، وغالبا ما كان يرث هذا المنصب إبن هذا الشيخ بغض النظر عن مدى علمه وكفاءته . بالتالى إنضم خريجو الأزهر الى طوابير العاطلين المتعلمين الناقمين ، وكان إنضماهم أكثر خطورة بسبب خلفيتهم الدينية وفصاحتهم فى الخطابة ومنزلتهم قادة فى الريف والأحياء الشعبية . تجنيدهم دُعاة للوهابية كان ضرورة قصوى أدركها حافظ وهبة الشيخ ( الأزهرى ) . الذى رأى فيهم مرتزقة جاهزين للتجنيد ، خصوصا بعد أن أفسحت الجمعية الشرعية ــ ابوابها ــ للدعوة الوهابية وتوسعت مساجدها فى العمران المصرى، وكان ينقصها التمويل .
5 ـ رشيد رضا عانى من هذا الوضع وهو يجاهد مخلصا فى نشر الوهابية فى مصر .
ثانيا : إخلاص رشيد رضا فى نشر الوهابية فى مصر
1 ـ تزعم الوهابية فى مصر ، وكان معه محب الدين الخطيب ، وتوثقت الصلة بينهما وتوزعت بينهما الأدوار ، وعندما قامت في القاهرة جمعية الشبان المسلمين بجهود محب الدين الخطيب كان رشيد يلقى فيها محاضرات متقاربة المواعيد ،وكانت آخرمحاضرة له فيها بعنوان" ويل للعرب من شر قد اقترب " وقد نشرت هذه المحاضرة في مجلة الشبان المسلمين . بينما كان محب الخطيب يتردد على المنار .
2 ـ وفي سنة 1924 تكونت في القاهرة جمعية " السلم العام في بلد الله الحرام" وكان رشيد من مؤسسيها،وكا ن من اهدافها نشر العلوم والفنون،ولاسيما التفسيروالحديث وعلوم البلاغة. وواضح أن غرضها كان الدعاية لعبد العزيز قبل أن يلتقى رشيد رضا بسيده عبد العزيز .
3 ـ بعد اللقاء بينهما توثقت الصلة ، وتم توزيع ىالأدوار بينهم برعاية حافظ وهبة المستشار الأول لعبد العزيز فى نشر الوهابية فى مصر والعالم . وظهر الى العلن هذا التناغم بين رشيد رضا وعبد العزيز ، وثارت إتهامات لرشيد رضا بأخذ تمويل من عبد العزيز لأن المنار كانت تطبع الكتب السلفية والسنية والوهابية على حساب الحكومة السعودية . ومنها أنه (وهَّابي يحصل من وراء نصرته لابن سعود أموالاً طائلة).
4 ـ وتصدى رشيد رضا بنفسه للرد على هذه الاتهامات فى المنار ، في فاتحة المجلد الثامن والعشرين من "المنار" ذكر أن نصرته لابن سعود لم تكن لناحية دنيوية، وإنما هي نصرة للسنة ومذهب السلف، ودلَّل على ذلك بدفاعه عن الوهَّابية ضد محمد علي سنة 1320هـ، كما سبق - وهو لا يعرف أن للوهابية أميرًا يحسن أن يرسل إليه بما كتب عنهم، ثم يذكر أنه صار للوهَّابية حزب كبير في مصر بإرشاد المنار، ولا تشوبه أدنى شائبة دنيوية، ثم ذكر أنه بعد ذلك التاريخ (1320هـ)، ببضع سنوات بدأت المكاتبة بينه وبين الأمير عبدالعزيز آل سعود؛ وذلك لدعوته للاتفاق مع أمراء جزيرة العرب لحماية جزيرتهم من الاحتلال الأجنبي، ويذكر أن ابن سعود رغب من رشيد في إرسال رسول منه ليشرح لعلمائه صفة ذلك الاتفاق، وفعلاً أرسل رشيد الرسول لولا أن قيام الحرب العالمية الأولى حالَ دون وصوله إلى نجد، كما تطرَّق رشيد إلى دعوته لأمراء الجزيرة لإنقاذ الحجاز من مساوئ الشريف حسين وأنه لم يستجب له سوى ابن سعود، وقيام رشيد بتأييده بمقالاته المشهورة.ثم يقول رشيد: "كيف لا أنصر ابن سعود وأناضل خصومه من المبتدعين والخرافيين وقد فعل كلَّ هذا، ويرجى أن يفعل ما هو أتمُّ منه وأكمل"..
كما يرى رشيد أنه مقصِّر في الثناء على ابن سعود وخدماته الإسلامية الجليلة، ثم يذكر أن اتهام المنار بنصرته لابن سعود لناحية دنيوية تردُّ عليه مجلدات المنار في مجلداتها السابقة كلها، ولكنه يذكر: أن هذا لا يعني نفيه أو تحريمه قبول أيَّة مساعدة من ابن سعود أو غيره من ملوك المسلمين في المساعدة على خطة المنار الإصلاحية وخدماتها الإسلامية، ولكنه لا يمكن أن يطلبها منهم.
وفي الجزء السادس من المجلد الثامن والعشرين يكتب رشيد مقالاً خاصًّا بعنوان "أموال ابن سعود التي اتهم بها صاحب المنار"، يقع فيما يقارب عشر صفحات، جمع فيه رشيد جميع التهم الموجَّهة إليه بأخذ أموال من ابن سعود وشرح بطلانها كلها، ثم يذكر أنه لو صحَّ أن المنار يتلقَّى أموالاً من ابن سعود - وما هو بصحيح - لما صحَّ أن يجعل حجَّة على أن المنار أنشئ لجمع المال وإنما يُعَدُّ مساعدة على خطة دينية قديمة في خدمة الإسلام ونشر العلم لا على دعاية سياسية حادثة لأجل الملك؛ لأن المنار من أوَّل إنشائه وقبل قيام الدولة السعودية الحديثة وهو يدعو إلى التوحيد الخالص ومذهب السلف الصالح.( أى الوهابية ) ثم يختم مقالته بذكره أن العلاقة والرابطة بينه وبين ابن سعود رابطة دينية روحية خالصة لوجه الله - تعالى - لا تزيدها الإشاعات والتقوُّلات إلا قوة، ولا يقدر على حلها إلا الله – تعالى. وبلغ من إعجاب رشيد بالملك عبدالعزيز ما أسماه (السيف المسلول للسنة وهدي السلف الصالح).
5 ـ الواقع أن وهابية رشيد رضا تنفى عنه أنه مرتزق ينشر الوهابية بأجر . نحن نصدقه فى إخلاصه فى نشر دينه الوهابى فى مصر ، حتى قبل أن يتعرف الى عبد العزيز . كان رشيد منافقا فى علاقته بالانجليز فلم يثقوا به ، وكان منافقا فى علاقته بالشريف حسين برغم زعمهما بالانتماء الى الأشراف ، وما يعنيه هذا الزعم من قرابة بينهما . ولكن عبد العزيز ــ الذى لم يزعم النسب الهاشمى ــ كانت صلة رشيد رضا به أعمق لأنا مؤسسة على دين جمعهما.
6 ــ كان عبد العزيز يساعد رشيد رضا ماليا فى نشر الدعوة الوهابية ، ولكن الجهد المالى الأساس كان من رشيد نفسه . كان لرشيد بستان في بلده " القلمون " فى لبنان ، إيجاره السنوي خمسة آلاف قرش ، لم يكن يكفى فى تكاليف نشر المنار والكتب السلفية ، خصوصا وأن كثيرين من مشتركي " المنار " الفقراء لم يحرصوا على دفع اشتراكاتهم بانتظام . وفي رسائل رشيد شكوى متكررة من هذه الناحية .
وهو يقول لشكيب بتاريخ 10 من يونية سنة 1929 ان نفقات العمارة والإصلاح في داره قد زادت ، فاقترض من البنك خمسمائة جنيه على دفعتين ، إلى مدة سنة بغير ربح ولكن يحسب لها ربح بعد انتهاء السنة إذا عجز عن الوفاء ، وهو يرجو من فضل الله تعالى أن يقدر على الوفاء . ويذكر أيضا ان مجموع ما عليه من ديون لبنك مصر هذا العام المشار إليه تسعمائة جنيه ، وان الايراد الرسمي الثابت المعد لذلك هو مطبوعات الملك ابن سعود ، وان كان يجب السعي لغيرها .
7 ــ ويذكر شكيب ارسلان أن الملك عبدالعزيز حينما علم بضائقة رشيد المالية فرَّج عنه بعض كربتها. أى كان عبد العزيز يعلم بجهاد رشيد رضا فى نشر الوهابية وعجزه المالى ، وكان لا بد أن يجد حلا .




تحالف عبد العزيز آل سعود مع رشيد رضا : هل كان سببا فى إكتشاف البترول ؟
لا بد لعبد العزيز أن يصدق رشيد رضا، وهو يقول أن نصرته لابن سعود لم تكن لناحية دنيوية، وإنما هي نصرة للسنة ومذهب السلف، وانه كان يدافع عن الوهَّابية قبل معرفته بعبد العزيز ، وأنه صار للوهَّابية حزب كبير في مصر بإرشاد المنار، وأنه ينفق من جيبه لنشر الوهابية بدافع دينى . ولا بد أن يجد حلا يعالج به العجز المالى . وتمخض الأمر عن إكتشاف البترول .
ثالثا : عبد العزيز يجد الحل فى ( البترول )
الوهابية وكراهية الاجانب المستثمرين
1 ـ الصحفى المغمور الذى زار ( نجد والحجاز ) بعد ضم الحجاز وموقعة ( المحمل المصرى ) عكس فى كتاباته الثقافة النجدية الوهابية فى نظرتها للأجانب وكراهيتها لمن يأتى منهم بغرض الاستثمار .
قال فى صفحة 20 ) تحت عنوان ( فشل محاولات استعمارية ) : ( وقبل أن نغادر "الجوف " قصّ علي الأمير أن جماعة من السواح الأمريكان والإنجليز طالما حاولوا ارتياد ما بعد الجوف بحجة الاستطلاعات العلمية والجغرافية فلم يأذن لهم الملك ابن السعود مخافة أن يكون لهم شان آخر كهاتيك الشئون الاستعمارية التي بدأها أمثال هؤلاء في غير بلاد العرب...بمثل تلك الأسباب ثم كانت النتيجة بلاء على أهلها ،مثال ذلك أن رجلا إنجليزياً يُدعى مستر "ابشر" ذهب إلى "الجوف "على رأس قافلة من السيارت كلفته أموالاً طائلةً بحجة إقامة مصنع للفخارمن طينة معروفة بصلاحيتها لهذا النوع فلم يأذن له الملك ، وهكذا أصبح معروفاً في بلاد الغرب ان نجداً لن تصلح أرضها لوطء أقدام السياح والعلماء والخبراء والمهندسين الأوروبيين ، حتى إن أحدهم أكد أن في وسعه أن يفتح آباراً للبترول "بالرياض " عاصمة نجد ، فرُفض طلبه مع شدة حاجة اهلها إلى البترول وغلاء ثمنه . ) الواقع أن عبد العزيز لم يكن يرفض ، الرافضون كانوا الاخوان النجديين وعلماء الوهابية الذين كان لهم نفوذهم على الاخوان وعبد العزيز معا حتى هذا الوقت .
2 ـ ويؤكد الزركلى فى كتابه ( الوجيز ) ص 197 على معارضة العلماء لدخول الأمريكيين الكفرة الى بلاد الأحساء وشواطىء الخليج ( لأنه سيجر معه دخول المفاسد من خمر وفوتوغراف وسواهما . ) . ومعروف وقتها معارضة الاخوان وعلمائهم للمخترعات الحديثة ومزايداتهم على عبد العزيز لأنه أرسل ابنه سعود الى مصر ( المشركة ) وأرسل ابنه فيصل الى انجلترة الكافرة .
إنهاء معرضة الاخوان وعلمائهم والسيطرة المطلقة لعبد العزيز:
كان رشيد رضا وحافظ وهبة بجوار عبد العزيز فى مواجهته للإخوان النجديين ، ولا نستبعد أنهما نصحا بتكوينإخوان مصريين فى مصر بديلا عن إخوان عبد العزيز المشاكسين . وقد تحولت معارضة الاخوان النجديين الى قتال ، إنتصر فيه عبد العزيز عليهم فى معركة السبلة وما بعدها عام 1929 . بعد الانتصار إلتفت الى علماء الوهابية الذين كانوا يحرضونهم ، وكانوا يرتعشون خوفا من عبد العزيز . عقد لهم مؤتمرا حاشدا حضره الشيخ العنقري وابن زاحم وابو حبيب الشتري والقادة ورؤساء القبائل ،وبلغ عددهم حوالي الفي شخص، وقد خطب فيهم عبد العزيز فأعلن لهم عدة مبادئ محددة :
1-ان القرآن والسنة يجب ان يكون الأساس الذي تبني عليه القرارات الخاصة بالدين وليس التفسير الشخصي .
2-يجب طاعة الملك طبقا لما جاء في الشرع.
3-منع الاجتماعات التي تتناقش في الدين او الدنيا بدون موافقة الملك .
4- يجب احترام المسلمين والذين يحميهم المسلمون. ( أى الأجانب ( الكفرة ) الذين يحميهم الملك ).
5 ــ ووجه عبد العزيز تهديدا مباشرا حاسما للعلماء الوهابي ، بأن الأخوان قد خرقوا هذه المبادئ ،وانهم يمكن ان يتعرضوا لنفس المعاملة التي عومل بها الأخوان اذا ما أخلوا بتلك المبادئ او خرجوا عنها . ثم ذهب الملك الي فريضة الحج وتركهم يرتعشون فرقا وخوفا.
التنقيب على البترول :
1 ـ فى كتاب ( المـمـلـكـة )( تأليف: روبرت ليسي ) ( ترجمة: دهام العطاونة ) ، يقول المؤلف : ( كان عبد العزيز بحاجة ماسة للثروات المعدنية ـ أو ثروات من أي نوع كان في بداية الثلاثينات. وقد توحي قصة ((الرجل والحصان)) بأن كرين جاء إلى جدة في شهر فبراير 1931 فقط نتيجة لكرم الشيخ فوزان العربي الحق. ولكن الحقيقة هي أن عبد العزيز كان بحاجة ملحة للمال لدرجة أنه كان سيجد شخصا مثل تشارلز كرين في أي مكان، ولو أن كرين لم يكن على قيد الحياة، لوجد شخصاً آخر لتوفير ما كان الأمريكي يعرضه. )
2 ـ المؤلف الانجليزى لم يكن يعلم بخطط عبد العزيز فى نشر الوهابية فى مصر وحاجته الى المال بسبب هذا . لذا قال آراء متناقضة : (وكان سبب المشكلة هو الركود الذي أصاب الاقتصاد العالمي منذ عام 1929 وأدى إلى انخفاض كبير في عدد الحجاج. لقد اعتادت سلطات الحجاز ونجد في العشرينات اعتبار العدد 100.000 حاج بمثابة الحد السنوي الأدنى للحجاج إلا أن هذا العدد انخفض إلى 50.000 عام 1930 ثم إلى 40.000 عام 1931، وقد ظهر هذا الانخفاض في هبوط الطلب على صادرات نجد القليلة وخاصة التمور. كان الحج هو المهم. فقد قدرت بريطانيا دخل عبد العزيز أثناء الحرب العالمية الأولى في نجد بأقل من 3000 جنيه في الأسبوع بينما كانت الحجاز تصدر ما تزيد قيمته على مليون جنيه من الذهب سنويا ـ أرباح موسم الحج. إنه لا يمكن مقارنة هذه الأرقام على وجه الدقة إلا أنها تعطي فكرة عن الفرق في حجم اقتصاديات الحجاز ونجد والتحول الذي طرأ على موارد عبد العزيز المالية من جراء احتلال الحجاز. فقد أصبح عنده فجأة مال أكثر بكثير من السابق ـ ملايين بلا مبالغة. ولعب ثراؤه الجديد دورا كبيراً في هزيمته للإخوان. فقد قام عبد العزيز بكسب تأييد القبائل بعائدات الحج. وكانت هذه العائدات هي أحد الأسباب لذهابه إلى مكة المكرمة بعد انتصاره في معركة السبلة في مارس 1929. لقد أراد أن يضمن ان دخله السنوي يتم جمعه كما يجب، إذ أن الحج أصبح مصدر قوت الجزيرة بكاملها. ) هنا تناقض ، يتبعه قوله : ( لقد أدى انهيار عائدات الحج إلى انهيار موارد عبد العزيز المالية. فتهاوى دخله السنوي من ما يزيد على 5 ملايين جنيه استرليني إلى أقل من مليوني جنيه. ووجد نفسه فجأة مدينا بمبلغ 300.000 جنيه. وتحطمت عملته الجديدة ـ الريال ـ ، وبدأ تجار جدة يشترون الذهب ويصدرونه إلى بنوكهم في القاهرة لصيانته تماما كما فعلوا في أيام الشريف حسين العصيبة. وتعيّن على عبد العزيز أن يعلن تأجيل دفع ديونه المستحقة. وكان الوقع العام للأزمة المالية أنها جعلته يشعر بالكدر الشديد. وكان يشعر أنه دون مستواه أن يلجأ إلى التجارة مثل شيوخ عمان وقطر. غير أنه شعر في وجه هذه الأزمة أنه قادر على نسيان تحفظاته بخصوص منح امتيازات التنقيب عن المعادن في بلده. قال ذات يوم لفيلبي بسأم وهو يقود سيارته في طريقه إلى الطائف:(لو أن أحدا أعطاني مليون جنيه الآن فسيكون له كل الامتيازات التي يريدها في بلادي .). نقل ليسى هذا عن كتاب (فيلبى ) مستشار عبد العزيز الانجليزى ، وسمسار التنقيب عن البترول فى المملكة . وهذا القول هو الذى شجع فيلبى على التحرك . وهذا القول هو بيت القصيد فى موضوعنا . كان عبد العزيز فى حاجة ماسة للمال الذى يستقطب فيه ملايين المصريين ويجنّد فيه آلاف الدعاة للوهابية فى مصر .
3 ـ وتفجرت ينابيع البترول فى الأحساء ، يقول الزركلى فى كتابه : الوجيز فى تاريخ عبد العزيز : ص 148 : ( استعرض عبد العزيز منشئات النفط فى الظهران فى 18 ابريل عام 1939 ، وشهد بعدها أول حمولة بترول فى ميناء رأس تنورة . وحكى بعدها قصة البحث عنه .
البترول ونشر الوهابية فى مصر :
1 ـ بدأت آثار البترول تظهر فى أقوال ومواقف المفكرين المصريين والنشطاء المصريين ، ونقلها جلال كشك فى ثنايا كتابه ( السعوديون والحل الاسلامى ) : ( ص 44 : محمد حسين هيكل زعيم الاحرار الدستوريين سمى عبد العزيز نابليون العرب ) ( العقاد الذى دخل السجن بتهمة العيب فى الذات المكلية حين هدد بتحطيم رأس الملك فؤاد قال شعرا يمدح عبد العزيز . ) ( ص 45 : أحمد حسين زعيم مصر الفتاة زار المملكة عام 1948، ألف كتابا فى مناقب عبد العزيز ، واتهموه بأنه بالتمويل السعودى أصدر جريدة الاشتراكية التى مهدت لحركة الضباط الاحرار التى كان من ورائها الاخوان المسلمون ، وقال أحمد حسين فى جريدة مصر الفتاة : (أُعجبت با بن سعود الى الحد الذى حديثى عنه يُتّهم خاصة بعد ان عرف العام والخاص انه يشملنى دائما بعطفه ورعايته ويحبونى بكرمه وبره . ).
2 ـ الزركلى فى كتابه ( الوجيز ص 338 : 340 ) يذكر النشاط المصرى فى طبع ونشر المخطوطات : كتب السنة وكتب ابن تيمية وابن عبد الوهاب وابن القيم وابن حنبل . شراء كتب الحديث والتفسير وتوزيعها مجانا ، ومنها تفسير المنار لرشيد رضا ( 12 مجلدا ) تفسير سورة الاخلاص لابن تيمية ومسند الامام أحمد و ( عنوان المجد فى تاريخ نجد ) و ( حاضر العالم الاسلامى ) لشكيب ارسلان ، ومناقب الامام أحمد بن حنبل لابن الجوزى . )
3 ـ المفارقة تظهر فيما ذكره الزركلى فى ( الوجيز ) ص 127 :
بعد حادث المحمل ارسل عبد العزيز ابنه سعود الى مصر عام 1926 لتصفية الجو مع القصر الملكى فيها ، ولكن الجفوة استمرت . تغير الوضع بعد تفجر البترول وتجنيد آلاف المصريين عملاء للوهابية ، وبعد نجاح حسن البنا فى تأسيس الاخوان المسلمين ونشر فروعها خمسين ألف فرع فى العمران المصرى . يقول الزركلى ص 127 : ( دعا عبد العزيز الى تحكيم الشرع فى حديث صحفى ادلى به الى صحفى مصرى عام 1935 ، وقال فيه : لا خلاف بينى وبين مصر . وأمر المحمل متروك الى الدين والى احكام الشرع . فى مصر علماء علينا نستفتيهم ، وأنا معهم فيما يأتون به من الكتاب اوالسنة . أبلغ مصر عنى أن حكومتى على استعداد لكل تساهل تطلبه الحكومة المصرية يتفق مع الشرع . ) تغير الوضع خلال تسع سنوات فقط ( 1926 : 1935 ) . أصبح لعبد العزيز علماء وهابيون فى مصر يمثلون الشرع السنى ، ويتكلمون بالكتاب والسنة ( ولا يذكر الوهابية ) ، وهو يرفع هذا ( الشرع ) سلاحا ضد الحكومة المصرية . وليس مستبعدا أن يكون حافظ وهبة هو الذى كتب هذا الحديث .. ففى النهاية هو ومعه رشيد رضا ومحب الخطيب ـ هم مهندسو هذا التحول الخطير ، ليس فقط فى نشر الوهابية فى مصر ولكن فى تشجيع عبد العزيز على التنقيب عن المعادن والبترول فى مملكته ليقوم بتمويل نشر الوهابية فى مصر . الثلاثة معا ( رشيد : حافظ / محب ) فقهاء سنيون وهابيون يفقهون الدين السُّنى ومبدأ المصلحة ، خلافا لتزمت فقهاء نجد .
4 ـ لكن جهودهم لم تكن وحدها سبب الانتشار الوهابى فى مصر وخارجها .



مؤتمر الحجاز 1925 والتأثير الوهابى على مصر

مقدمة :
1ـ أثناء خدمته للشريف حسين زار رشيد رضا الحجاز ، ثم بعد هزيمة الشريف حسين وإحتلال عبد العزيز للحجاز ومبايعة الحجازيين لعبد العزيز دعا عبد العزيز الى مؤتمر إسلامى لبحث حال الحجاز ، وتم عقد المؤتمر عام 1344 هجرية 1925 ، واشترك فيه مندوبو 33 بلدا للمسلمين ،بالإضافة الى حضور جمع من الأئمة والفقهاء . وحضره رشيد حيث التقى سيده عبد العزيز لأول مرة .
2 ـ واضح أن عقد المؤتمر كان بترتيب حافظ وهبة الذى إستغل علاقاته الدينية بمشهورى الأئمة والحكام فى ذلك الوقت وإجتماع الناس فى فى موسم الحج ليثبت أحتلال عبد العزيز للحجاز وليهدىء مخاوف المصريين وغيرهم، كما أنه كان هناك دور لرشيد رضا فى داخل المؤتمر فقد أظهر فيه نشاطا كبيرا وأصيب في أثنائه بالحمى .
3 ـ ونعطى بعض التفصيلات :
أولا :
1 ـ ـ بسبب أصداء مذبحة الطائف حدثت تحركات من بعض الجهات الاسلامية ضد عبد العزيز وتداعت الى عقد مؤتمر وقت أن كان جيش عبد العزيز يحاصر (على ابن الشريف حسين ) فى جدة . كان لا بد لعبد العزيز من الاسراع بإحتواء الموقف ، فبذل جهوده حتى استولى على جدة وطرد عليا ابن الشريف حسين وحصل على بيعة أهل الحجاز له ملكا ، وبعدها اسرع بالدعوة الى مؤتمر بزعم البحث فى أحوال الحجاز ، كى يحصل به على إعتراف دولى بملكيته للحجاز وكونه ملكا عليه ليكون سلطان نجد وملك الحجاز معا .
2 ـ وتحدد يوم افتتاحه في 20 ذي القعدة 1344 ، وهذا في خطاب بعَثَه عبد العزيز إلى الشعوب والحكومات الإسلامية في 12 رمضان عام 1344هـ، وقال في خطابه المذكور: "خدمة للحرمين الشريفين وأهلها وتأمينًا لمستقبلها، وتوفيرًا لوسائل الراحة للحجاج والزوَّار، وإصلاحًا لحال البلاد المقدَّسة من سائر الوجوه التي تهمُّ المسلمين جميعًا، ووفاء بوعودنا وعهودنا التي قطَعناها على أنفسنا، وميلاً في تكاتف المسلمين وتعاضدهم في خدمة هذه الديار الطاهرة - ندعو إلى عقد المؤتمر في 20 ذي القعدة 1344هـ .
3 ـ ويبدو من صياغة الخطاب أن الذى متبه هو حافظ وهبة باسم سيده عبد العزيز الذى كان بدويا لا يجيد القراءة والكتابة. وقد تجنب الخطاب أى إشارة لوضع الحجاز الجديد تحت إحتلال عبد العزيز ، أى ينطلق من أرضية التسليم بتبعية الحجاز لابن سعود ، ولا يضعها محل نقاش بعد مبايعة اهل الحجاز له ملكا.
4 ـ تم أُرسِال الدعوة للمؤتمر إلى هيئات ودول إسلامية تمثِّل 18 مقاطعة إسلامية فقط منهم: ملك مصر وأفغانستان وإيران والعراق وإمام اليمن ورئيس تركيا ورئيس المجلس الإسلامي الأعلى في القدس، وكثير من الشخصيات والجمعيات الإسلامية، وقد استجابت أكثر هذه الدول والجمعيات باستثناء حكومتي العراق والأردن، وكذلك إيران؛ لعدائها المذهبي الشيعي.
5 ــ وعُقِد المؤتمر في موعده وافتتحه الملك عبدالعزيز، وألقى كلمة الافتتاح الشيخ حافظ وهبة، الذى أوضح أهمية هذا المؤتمر ( الإسلامي الأول) ، وأهمية توحيد كلمة المسلمين وتعاضدهم، بنفس ما جاء فى حطاب الدعوة . ودافع عن عبد العزيز وأنه قام بإنقاذ الحجاز من الأشراف. ووضع حافظ وهبة فى كلمته حدودا لمناقشات المؤتمر ، وهى عدم الخوض فى السياسة الدولية وفى الخلافات البينية بين دول المسلمين وعدم إثارة موضوع الحجاز بعد أن تقررت تبعيته لعبد العزيز . وبنفوذ حافظ وهبة ورشيد رضا جاءت قرارات المؤتمر إستجابة لما يريده عبد العزيز .
ثانيا : قرارات المؤتمر :
1 ـ تشكيل لجنة لحصْرِ أوقاف الحرمين الشريفين في العالم الإسلامي على أن تقدم اللجنة تقريرها في المؤتمر المقبل. وهذا يعنى إستيلاء عبد العزيز على الأوقاف الخاصة بمكة والمدينة والتى تبرع بها الملوك والسلاطين والأثرياء عبر القرون .
2 ـ الاستيلاء على إدارة خط سكة حديد الحجاز التي تُعَدُّ وقفًا إسلاميًّا وفقَ قرارات مؤتمر لوزان في يناير عام 1923م القاضي بتشكيل مجلس إسلامي يقوم بإدارة هذا الخط ويكون مركزه المدينة المنورة .
3 ــ التوصية بمدِّ سكة حديد بين مكة المكرمة والمدينة المنورة لراحة الحجاج، ويكون ذلك عن طريق تبرعات تدفع لحكومة الحجاز من العالم الإسلامي.
4 ـ جمع تبرعات من العالم الإسلامي لصيانة الأماكن المقدسة.
5 ـ تشكيل لجنة طبية لدراسة الحالة الصحية في الحجاز وتقديمها لحكومتها لإيجاد الحلول لها.
6ـ عدم إعطاء امتيازات اقتصادية في الحجاز لغير المسلمين ضمانًا لحريته واستقلاله
7 ـ بتأثير حافظ وهبة ورشيد رضا احتجَّ بعض أعضاء المؤتمر على إقدام بريطانيا على أخذ العقبة ومعان ـ وهي من أراضي الحجاز ــ وجعلها تحت سلطة شرق الأردن التى كان يحكمها الأمير عبد الله بن الشريف حسين . وقالوا أن هذه الامارة واقعة تحت سلطة أجنبية ، وطالبوا ملك الحجاز بالعمل لاستعادة هذه المنطقة . وقد عارضت وفود مصر وأفغانستان وتركيا هذا المطلب . أى كان عبد العزيز يريد أن يحتل كل ما كان تابعا للحجاز . لم يحصل عليه بالسيف فأراد أن يحصل عليه بهذا المؤتمر .
ثالثا : المؤتمر التالى 1926 :
1 ـ ثم تم عقد مؤتمر تكميلى فى موسم الحج التالى عام 1345هـ . وحضر بعض المندوبين وانتدبت الحكومة السعودية (كامل قصاب) مدير المعارف ليمثِّلها في المؤتمر. وفيه إشتدت الخلافات بين أعضائه . فكتب حافظ وهبة باسم الملك عبد العزيز خطابًا إلى المؤتمر حدَّد فيه البرنامج الذي يجب أن يسير عليه المؤتمر في ثلاث نقاط: عدم التدخل في الشؤون الداخلية في الحجاز.وعدم الخوض في الشؤون السياسية على الإطلاق.- النظر فقط فيما يفيد الحجاز ويحفظ حقوقه ويضمن راحة جميع الحجاج والوافدين.
2 ـ وواضح أن هذا المنع جاء ردا على معارضة قوية لعبد العزيز وإنتقاد لسيطرته على الحجاز وفرض المحاذير الوهابية فيه .
3 ـ ولكن هذا المؤتمر كان فرصة للدعاية للوهابية ، فلم تصبح ممقوتة جدا كما كانت من قبل ، فحضره وهابيون من مصر وغيرها برعاية رشيد رضا وحافظ وهبة ومحب الدين الخطيب ، وجرت اتصالات مع عبد العزيز فى خطط نشر الوهابية فى بلادها .
رابعا : المؤتمر الثالث : 1927
1 ـ وفشل المؤتمر الثالث رسميا ، ولم يهتم عبد العزيز بفشله ، إذ كان عبد العزيز قد نجح فى إحتواء الموقف وفى تبريد الغضب الثائر عليه وصولا الى التسليم بملكيته للحجاز . الواقع أن هذا المؤتمر كان غطاء لاجتماع عملاء عبد العزيز من مصر وغيرها فى مراجعة خطط نشر الوهابية خارج مملكة عبد العزيز .
2 ـ وقتها 1927 كانت أزمة عبد العزيز مع إخوانه النجديين قد تفاقمت ، واصبح الصراع العسكرى أمرا محتوما يتجهز له عبد العزيز وخصمه فيصل الدويش . وهو صراع سياسى إرتدى ثوب الدين الوهابى ، فهم يزايدون بوهابيتهم على سيدهم واستاذهم عبد العزيز ويتهمونه بالكفر بالوهابية وممالأة الكفار والمشركين . وفى هذه النوعية من الصراع الدينى السياسى الحربى لا مجال للحلول الوسط ، لأنها معادلة صفرية وصراع وجود ، إما هم وإما عبد العزيز . وعبد العزيز يدرك هذا فاستعد لهذا بجيش قوى وببذر الوهابية خارج حدوده ليكسب أراضى جديدة وينشىء أتباعا له جددا خارج حدوده يعملون لصالحه ، لتتكون منهم فى النهاية حركة سياسية تصل الى الحكم ، خصوصا مصر . وبإخوانه ( المصريون ) يكون له أفضل بديل من اخوانه النجديين المشاكسين .
خامسا : التحول الخطير فى مصر ( 1926 : 1928 )
1 ـ الدليل على هذا أنه جرى إنقلاب صامت فى مصر بعد عودة رشيد رضا .
علي المستوي الرسمي امكن تفادي حادث المحمل ،وعلي المستوي الشعبي والثقافي بدأ انقلاب خطير منذ سنة 1926 تمثل في بداية تحويل التدين المصري السني الصوفي الي تدين سني وهابي .
2 ـ ،ونتتبعه عبر الطرق الاتية:
2 / 1 : الجمعية الشرعية : أسسها الشيخ محمود خطاب السبكي سنة 1913 علي اساس الولاء المطلق للتصوف ،وفي اخضاع الفقه للتصوف كتب الشيخ محمود السبكي اولي مؤلفاته : اغلب المسالك المحمودية في التصوف والاحكام الفقهية .في اربعة اجزاء .ولكن في 1926 اتخذت مؤلفاته طابعا جديدا تحت شعار الدفاع عن السنة ،وبالطريقة الوهابية اخذ يهاجم التصوف تحت هذا الشعار ،وفي هذا الاتجاه الجديد كتب 26 كتابا الي ان مات سنة 1931 وعلي طريقه سار ابنه امين السبكي فقد كتب في الدعوة الوهابية تسعة من الكتب وتوفي سنة 1968 ،وهكذا . وبالنفوذ السعودي الذي ارساه رشيد رضا انتشرت مساجد الجمعية الشرعية ،وهي الان اضخم جمعية في مصر ،تسيطر على اكثر من الفي مسجد والوف الائمة الوعاظ ،وملايين الاتباع ،وكانت ولا تزال الاحتياط الاستراتيجي للاخوان المسلمين ، وهم – أي الجمعية الشرعية والاخوان المسلمون-هم مادة الفكر السلفي وحركته في المجتمع المصري
2 / 2 : جمعية انصار السنة في نفس العام 1926 اقامها الشيخ حامد الفقي احد الازهريين ،وقد انشأ له عبد العزيز آل سعود منزلا في حي عابدين كان مقرا للدعوة الوهابية ،وتخصصت هذه الجمعية في نشر الفكر الوهابي ومؤلفات ابن تيمية وابن القيم ،كما انشأ مجلة الهدي النبوي سنة1936 ولا تزال تصدر .
2 / 3 : جمعية الشبان المسلمين :أنشئت سنة 1927 بتخطيط محب الدين الخطيب رفيق الشيخ رشيد رضا الشامي في الدعوة السلفية ،وتولي رئاستها د.عبد الحميد سعيد ،والاتجاه الحركي يغلب علي هذه الجمعية وانتشرت وسط الشباب ،وكان حسن البنا هو اهم الشباب فيها ،ومع انه انشا الاخوان المسلمين علي غرار جماعة الاخوان التي انشأها عبد العزيز آل سعود،الا ان حسن البنا كان دائم التردد علي جمعية الشبان المسلمين ،وقد قتل امام ابوابها سنة 1948.
2 / 4 : أخيرا : جماعة الاخوان المسلمين :سنة 1928 وهي الاتجاه الحركي السياسي المسلح ،وكان انشاؤها بعناية رشيد رضا وتوجيهاته . ورشيد رضا هو الذي قام بتقديم الشاب حسن البنا الي اعيان السعودية واعمدة الدعوة الوهابية،ومنهم حافظ وهبة مستشار الملك عبد العزيز ،ومحمد نصيف اشهر اعيان جدة ،وابنه عبد الله نصيف هو الذي يتزعم رابطة العالم الاسلامي ،والتي يتغلغل من خلالها النفوذ السعودي الى العالم الاسلامي حتي اليوم ،وهي التي لعبت دورا في تجنيد الشبان للذهاب الي افغانستان وتدريبهم هناك .

أولا : إتصالات رشيد بعبد العزيز قبل مؤتمر الحجاز 1925:
1 ـ بموت الامام محمد عبده كان عبد العزيز قد بدأ من الرياض رحلة الغزو والاحتلال فى نجد وخارجها . وواكب هذا خروج رشيد رضا عن منهج استاذه محمد عبده ، وبدء دعوته الى الوهابية تحت مسمى السلفية . وقد أسّس مدرسة الدعوة والارشاد لتخريج الدعاة السنيين ( الوهابيين ) في جزيرة الروضة سنة 1912 وكانت تجاورها مؤسسة الزهراء للسلفي الشامي محب الدين الخطيب في نفس المنطقة. كما بدأت مجلته (المنار)ذائعة الصيت فى نشر مقالات متخصصة في الدعوة الوهابية تحت مسمى السّنّة والسلفية ,
2 ـ قبل مؤتمر الحجاز 1925 كانت هناك مراسلات بين عبد العزيز ورشيد رضا . وقتها كان رشيد رضا عميلا لبريطانيا متحالفا مع الشريف حسين باوامر بريطانية . ولم يمنعه هذا من التواصل بالرسائل مع عبد العزيز خصم الشريف حسين . ولقد كانت كثيرٌ من الرسائل بين رشيد وعبدالعزيز تبحث في نواحٍ سياسية ، وهذه الرسائل كانت يخضع لرقابة شديدة من قِبَل دوائر الاستعمار البريطاني التي كانت قد وضعت رقابة على البريد الصادر من وإلى الخليج والجزيرة العربية عن طريق بومباي، وفي بعض الأحيان كان يُتَرجَم الخطاب من قِبَل الجهات المختصة في الهند ثم يبعث به إلى لندن.
3 ـ وأحد الخطابات التي وقعت فى يد الانجليز خطاب موجَّه من الأمير عبدالعزيز آل سعود إلى رشيد رضا بالقاهرة، وقد ترجم الخطاب إلى الإنجليزية في 28 يناير سنة 1916م، ويتضمَّن الخطاب التحذير من مزالق السياسة والمؤامرات الأجنبية وحماية بلاد الجزيرة العربية منها. ويُشِير الخطاب إلى أن رشيد رضا قد عمل بصدد ذلك إجراءات وترتيبات لم يفصح الخطاب عن مضمونها وشكلها، إلا أن الأمير عبدالعزيز آل سعود قابَل هذه الإجراءات بحذر لخشيته من أن تتعارَض مع تقاليد بلاده وأحوال منطقته المتمسِّكة بحبل الدين ( الوهابى ) ، كما أشار الخطاب إلى علاقة الأمير عبدالعزيز آل سعود بشريف مكة في ذلك الوقت، وأنها هادئة بالرغم من وجود خلافات طفيفة لم يذكرها الخطاب، كما أشار إلى علاقته بالحكومة التركية وقال: "وفيما يختصُّ بمعاهدتنا مع الحكومة التركية لا نظن أننا من الضعف لدرجة الحفاظ عليها، فنحن نتبع رابطة الدم".. خطاب من ( الأمير عبد العزيز ) الى الشيخ رضا يبدأ بقول عبد العزيز الى رشيد رضا : (في الحقيقة يا صاحب الشرف الرفيع أنك تبذل نصحك بأمانة وإخلاص، نظرًا لغيرتك على الإسلام والعروبة"، كما ختم خطابه برجاء إلى رشيد رضا في أن يواصل كتابته إليه .
4 ـ ومن الواضح أن رشيد رضا عمل كمستشار خارجى لعبد العزيز عبر البريد ، يعطى النصح لعد العزيز ، وعبد العزيز يتقبل تلك النصائح بقبول حسن ، تعبيرا عن عُمق الثقة بينهما .
5 ـ وبعد هزيمة الشريف حسين ألقى عبد العزيز بنفسه تحت أقدام عبد العزيز ، وتكاثرت بينهما الرسائل . يقول د أحمد الشرباصى مؤلف كتاب عن رشيد رضا : ويظهر من هذا ان العلاقة بين ابن سعود ورشيد طيبة ، وستزداد هذه العلاقة مع الأيام توثقا وتعمقا ، وقد عثرت على رسائل من ابن سعود إلى رشيد يتضح منها عمق هذه العلاقة . ) .
6 ـ وفى رسائله ذكر رشيد مساوئ الإنجليز على المسلمين، وأنهم هم الذين يساعدون أعداء الوهَّابيين في الحجاز وهم (شرفاء مكة) ضد ابن سعود وذلك ليكون وسيلة لتدخُّلهم في الحجاز ، كما ذكر أنه حينما استولى ابن سعود على الحجاز وأعلن أنه لن يكون لأجنبيٍّ نفوذ فيه ساء ذلك إنجلترا وأرادت مساعدة علي بن الحسين بأسلحة من مصر . وفي موضع آخر يتعرَّض للموانع التي وقفت في وجه دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهَّاب وتجديدها لمجد الإسلام الديني والدنيوي، فيذكر أن هذه الموانع هي الدولة العثمانية، ومحمد علي باشا، و(دولة الدسائس) ويقصد بها بريطانيا وإن لم يصرح باسمها .
ثانيا : التحالف العلنى بين رشيد رضا وعبد العزيز :
1 ــ يرى د الشرباصى أنه ( كان الشيخ رشيد رضا يؤمن بزعامة الملك عبدالعزيز الإسلامية في المحيط السياسي للعالمين العربي والإسلامي، ويؤيِّد هذه الزعامة ويناصرها، خاصة بعد أن أتَمَّ الملك عبدالعزيز توحيد بلاده السعودية، وبالمقابل فالملك عبدالعزيز يقدِّر رشيد رضا كعالم إسلامي مُصلِح، ويستنير بآرائه ويصغي لنصائحه وتوجيهاته. وغنيٌّ عن البيان أن هذه العلاقة القوية بين الشخصيتين قامت على أساس اعتناقهما العقيدة السلفية، فالملك عبدالعزيز يُعَدُّ زعيم أتباع دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهَّاب السلفية في عهده ورشيد رضا أعجب بهذه الدعوة وناصَرَها وتأثَّر بها - كما مرَّ - حتى إن أعداءها يلقِّبونه بـ(الوهَّابي) - أمَّا أصدقاؤه وتلاميذه ومحبُّوه فقد جعلوه (زعيم السلفيين) في عهده ، والدافع القوي للسلفية في العصر الحاضر ، كما لقبوه بـ(محيى السنة)) .
2 ـ قبيل مؤتمر الحجاز عاد رشيد رضا الى مصر وقد جعل نفسه بوقا دعائيا لعبد العزيز، فأخذ ينشر على صفحات "مجلة المنار" كثيرًا من القرارات السياسية للدولة السعودية ويعلِّق عليها مؤيدًا لها؛ مثل البلاغ الذي أعلنه الملك عبدالعزيز عند دخوله الحجاز، ومثل وثيقة دعوة الملك عبدالعزيز لمؤتمر إسلامي في مكة لتقرير مستقبل الحجاز، وغير ذلك .
وبعد مؤتمر الحجاز نشر يؤيد الملك عبدالعزيز في سياسته الخارجية وإصلاحاته الداخلية ، وذكر أنه عمل في الجزيرة العربية أعمالاً لم يسبق لها نظير إلا في صدر الإسلام، وذلك بتحويله الأعراب إلى التوحيد والعلم والحضارة، وتوجيههم الوجهة الإسلامية الصحيحة، ووقف رشيد مؤيدًا للملك عبدالعزيز في حربه ضد "الإخوان النجديين " وقضائه على فتنتهم، ونشر تفاصيل ذلك في "مجلة المنار .
3 ـ وتكثفت المراسلات بينهما ، حيث لعب رشيد رضا دور الإمام الدينى الناصح للإمام السياسى ، ولم تقتصر النصائح حول أمور دينية بل إمتدت الى السياسة والفقه ، وقد ذكر الدكتور أحمد الشرباصي أنه عثر على أغلب رسائل الملك عبدالعزيز إلى رشيد، كما عثر على طائفة من رسائل رشيد إلى الملك . ) ويقول : ( والشيء المهم في هذه الرسائل التي يرسلها رشيد إلى الملك عبدالعزيز أنها تحمل ألوانًا من النصائح التي يوجِّهها رشيد إلى الملك عبدالعزيز فيتقبَّلها الملك بصدر رحب بالرغم ممَّا تحمله بعض تلك النصائح من الشدة في الأسلوب، وفي ذلك يقول عبدالرحمن بن عاصم - ابن عم رشيد -: "وإن أنسى لا أنسى أني وجدت شدَّة في خطابٍ منه إلى جلالة الملك عبدالعزيز وراجعتُه فيها، فغضب وقال: أتريد أن تعلمني المداجاة والجبن؟ اقفل المكتوب وأرسله إلى البريد، واعلم أن مزيتي عند الملك إخلاصي وصراحتي في النصيحة، ومزيته عندي أن يقبل النصيحة".. ثم ذكر أن من هذه الرسائل قوله في كتاب أرسله إلى الملك عبدالعزيز: "ولا أزال كذلك أجاهد معكم ما دمتم تجاهدون في سبيل الله وإعلاء دينه"، وفي كتابٍ آخر يقول رشيد: "وقد عاهدناكم على أن نؤيِّدكم ونخدمكم في إقامة السنة وهدم البدع، وإحياء الإسلام على منهاج السلف في أمور الدين ومستحدثات الفنون العصرية في أمور الحرب . وقد ذكر رشيد أنه يسلك في نصيحته للملك عبدالعزيز طريقة السلف الصالح في موعظة الخلفاء والأمراء، وأن الملك عبدالعزيز يحب هذه الطريقة . )
4 ـ وتكلم رشيد عن حديثه مع الملك عبد العزيز فى أول لقاء بينهما فى مؤتمر الحجاز ، قال : "قلت لابن سعود في أوَّل مجلس جلسته إليه عقب وصولي إلى مكة المكرمة: لقد أُوذِيتم من قبلُ ومن بعدُ فصبرتم، فنصركم الله كما وعد الصابرين، فحق لقومك أن يمتثلوا ويعتبروا بما حكاه الله - تعالى - عن بني إسرائيل مع موسى - عليه السلام - بقوله: ﴿ قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴾ [الأعراف: 129]. فعليكم أن تحسنوا عملكم بشكر هذه النعمة، فإن الله - تعالى - ينظر كيف تعملون، فيجزيكم به، فأجابني قائلاً: "إننا والله لا نخاف إلا من القرآن - فتأملوا هذه الجواب يا أولي الألباب. )
5 ـ وبسبب عمل رشيد فى نشر الوهابية فى مصر نائبا عن عبد العزيز فقد كان يتلقى منه تمويلا ، لذا إنضمت الأمور المالية الى الموضوعات الشرعية والسياسية ,
6 ـ والملك عبدالعزيز كان معجبًا برشيد رضا أيضًا، وما جاء ذكره في مجلس إلا وهو يُثنِي عليه، ومن ذلك ما رواه شكيب أرسلان في رسالةٍ منه إلى رشيد أن الملك عبدالعزيز قال: إن السيد رشيدًا لا يوجد مثله اليوم في علماء الشرع في كل العالم الإسلامي وأخذ يطنب في مزاياه، ويذكر شكيب أن الملك عبدالعزيز حينما علم بضائقة رشيد المالية فرَّج عنه بعض كربتها .
ثالثا : رشيد رضا يهاجم الأزهر بسبب كراهية الأزهر وقتها للوهابية
تصدى بعض شيوخ الأزهر للهجوم على الوهابية ، فواجهم رشيد رضا يعايرهم بالتخلف والجمود ، ذاهبا بالموضوع الى موضوع مختلف . قال " اتسع نطاق العلوم كلها : لسانية وعقلية وعملية ، فكثرت فروعها وتعددت طرق تعليمها ، وأهل الأزهر ومن على شاكلتهم من مقلدي الأموات على جمودهم ، لا ينقصون من كتب مشايخهم ، ولا يزيدون فيها ، حتى صرنا لا نرى شيئاً من الإصلاح في العلوم العربية ، حتى علوم اللغة ، إلا ممن تعلم في المدارس النظامية التي أصبح زمامها بأيدي الفرنج في كل قطر "(2) . ثم يتوسع رشيد في اللذع والإيجاع فينوه بكتب لأدباء مسيحيين جبر ضومط وجورجي زيدان .
رابعا : إخلاص الى آخر العمر :
1 ـ علاقة رشيد بالملك عبدالعزيز أخذت تزيدها الأيام رسوخًا وقوَّة، وبلغ من إعجاب رشيد بالملك عبدالعزيز ما أسماه (السيف المسلول للسنة وهدي السلف الصالح). وبالمقابل، فإن الملك عبدالعزيز كان معجبًا برشيد رضا أيضًا، وما جاء ذكره في مجلس إلا وهو يُثنِي عليه، ومن ذلك ما رواه شكيب أرسلان في رسالةٍ منه إلى رشيد أن الملك عبدالعزيز قال: إن السيد رشيدًا لا يوجد مثله اليوم في علماء الشرع في كل العالم الإسلامي وأخذ يطنب في مزاياه. ثم يقول رشيد: "كيف لا أنصر ابن سعود وأناضل خصومه من المبتدعين والخرافيين وقد فعل كلَّ هذا، ويرجى أن يفعل ما هو أتمُّ منه وأكمل". وفي الأخير يرى رشيد أنه مقصِّر في الثناء على ابن سعود وخدماته الإسلامية الجليلة،
2 ـ واستمر إخلاص رشيد لأل سعود حتى وفاة رشيد، بل إن قصة وفاته تدلُّ على عمق هذه العلاقة؛ فقد صادَف أن زار الأمير سعود بن عبدالعزيز - ولي العهد السعودي حينذاك - مصر في جمادى الأولى سنة 1354هـ (1935م)، وحرص رشيد رضا على الاجتماع بالأمير وحده ليفضي إليه بآرائه ونصائحه، فلم تسنح فرصة ذلك الاجتماع إلا صباح يوم سفر الأمير سعود من مصر، ثم رافَق رشيد الأمير سعودًا إلى السويس لتوديعه رغم إجهاد رشيد، فودَّعه وعاد سريعًا إلى القاهرة في اليوم نفسه متعبًا جسمه بركوب السيارة ذهابًا وإيابًا والطريق يومئذ ليست سهلة، فأُصِيب بدوار من ارتجاج السيارة وتقيَّأ ومات في ظهر يوم الخميس 23 جمادى الأولى سنة 1354هـ (22 أغسطس 1935م).
ولقد كانت آخِر الرسائل في تاريخ العلاقة بين رشيد رضا والملك عبدالعزيز برقيَّة التعزية التي بعث بها الملك إلى أسرة رشيد التي قال فيها: "أسأل الله - تعالى - أن يُحسِن عزاءنا وعزاءكم بفقيد الإسلام والمسلمين، وأن يعوِّضه عنَّا بجناته ورضوانه" .















الفصل الثانى : دور حافظ وهبة
فهرس الفصل الثانى : ( الفصل الثانى : دور حافظ وهبة
فهرس الفصل الثانى :دور حافظ وهبة : ( مقدمة :
أولا : دور حافظ وهبة فى تلافى آثار حادث المحمل : ( المحمل والأزمة مع مصر ـ المحمل والأزمة مع إخوان عبد العزيز ( الإخوان النجديين ) .
الصحفى المغمور الذى استقدمه حافظ وهبة ، ورحلته وكتابه : ( إستقبالات رائعة لصحفى مصرى مغمور فى ضيافة عبد العزيز ــ أولا : من هو الصحفى محمد شفيق مصطفى ــ رسائل بعث بها عبد العزيز للمصريين عبر الصحفى المصرى المغمور ــ اللقاء الأول بالملك عبد العزيز ـ حضور الصحفى المغمور مجلس عبد العزيز مع مستشاريه ـ الصحفى المصرى المغمور يحاور الملك عبد العزيز ــ الصحفى المصرى يقوم بالدعاية لعبد العزيز ـ حافظ وهبة هو المؤلف الحقيقى لكتاب ( فى قلب نجد والحجاز ) .
أخيرا: حافظ وهبة ودولة عبد العزيز )

الفصل الثانى : دور حافظ وهبة

مقدمة :
حافظ وهبة هو أهم مستشارى عبد العزيز ، ليس فقط لأنه مصرى من مدرسة محمد عبده ( ثم إرتد عنها شأن رشيد رضا ) ولكن لأنه كان خطيبا مفوها ومُتقنا للإنجليزية وصاحب علاقات واسعة داخل مصر وخارجها . حافظ وهبة كان أستاذا لإبنى عبد العزيز ، سعود وفيصل . وتعلما على يديه السياسة ، وكان مرشدا للأمير سعود فى رحلاته فى مصر ، كما كان مرشدا للأمير فيصل فى رحلته الى انجلترة . تأثير حافظ وهبة فى إقامة دولة عبد العزيز يحتاج بحثا مكتملا ، وخصوصا فى التنسيق بينه وبين رشيد رضا . فى موضوعنا هنا نقتصر على سياسة حافظ وهبة فى تلافى الآثار السيئة لحادث المحمل ، نأخذها على دهائه وإجادته اللعب من وراء ستار . وكان هذا دوره مع عبد العزيز ألذى كان شبه أُمّى وصعب التفاهم معه بسبب لهجته البدوية . إلا إن من ذكاء عبد العزيز أن إعتمد على مستشارين مختلفى الثقافة ، وكان ابرزهم حافظ وهبة .

أولا : دور حافظ وهبة فى تلافى آثار حادث المحمل

مقدمة عن حادث المحمل

1 ـ المحمل المصرى القادم الى الحرم كان دليل تبعية الحجاز لمصر . وأصبح خروج هذا المحمل من القاهرة ـ من بركة الحاج ـ بإحتفالية رسمية وشعبية من ملامح الحياة الدينية المصرية فى العصر المملوكى، يجرى التأريخ له ، وله مؤسسة رسمية خاصة تقوم بكسوة الكعبة وتسيير المحمل فى حماية العسكر الذين يقودهم أمير مملوكى أميرا للحاج ، ومعه كبار الفقهاء والأمراء والنفقات والحبوب والمواد الغذائية لسكان ( الحرمين ) ، والذين ينتظرون قدوم المحمل ، ويتعيشون من صدقاته من الأوقاف المصرية المحبوسة على رعاية ( الحرمين ) والسكان هناك . وبسبب سيطرة المماليك على سوريا فقد كان يخرج محمل آخر من نائب السلطان المملوكى فيها . لم ينقطع هذا التقليد بعد إحتلال العثمانيين لمصر وأملاكها فى سوريا .
2 ـ عندما تأسست الدولة السعودية الأولى وإحتل سعود الكبير الحجاز بعث برسالة جافة الى السلطان العثمانى سليم الثالث : ( 1789 – 1807 ) يقول له فيه:( إني دخلت مكة ، وأمنت أهلها على أرواحهم وأموالهم بعد أن هدمت ما هنالك من أشباه الوثنية ..…… فعليك أن تمنع والي دمشق ووالي القاهرة من المجيء إلى هذا البلد المقدس بالمحمل والطبول والزمور فإن ذلك ليس من الدين في شيء . ).
3 ـ بإحتلال عبد العزيز لمكة وسيطرته على شعيرة الحج واجهته مشكلة المحمل المصرى ولم يكن قد عمل حسابا لها . بإخوانه ( الوهابيين ) ووحشيتهم توسع مُلك عبد العزيز حتى إحتل الحجاز. بسيطرتهم على مكة ـ مع وجود عبد العزيز فيها ـ كان لا بد أن يحدث صدام بينهم وبين الحامية العسكرية المصرية التى جاءت بالمحمل المصرى ـ حيب العادة المستمرة قرونا .
4 ـ تنوعت روايات حادثة المحمل ، وموجزها أن الإخوان النجديين فوجئوا بقدوم المحمل بما يصحبه من موسيقى فهاجموه ، فتصدى لهم العسكر المصرى وأطلق عليهم النار ، وعلم عبد العزيز بالأمر فأسرع بنفسه يحجز بين الطرفين حتى لا يتفاقم الأمر .
5 ـ ونعطى بعض التفصيلات عن هذا الحادث .
أولا : رواية خير الدين الزركلى :
فى كتابه ( شبه الجزيرة في عهد الملك عبدالعزيز ) :يقول صفحة 661 )
( صرفت ثمانية عشر عاماً ، من 1353 ـ 1371هـ ( 1934 ـ 1952 م) منقطعاً إلى تمثيل الملك عبدالعزيز ، وقضاء مصالحه الإدارية والسياسية ، والخاصة والعامة ، في بلاد وادي النيل . وما كتب لي يوماً بشأن مصر ، ولا سمعته يتحدث في سر أو علن عن مصر ، إلا بما فيه الحرص والحض على حسن العلاقة ، وتوطيد الحب والصداقة ، بينه وبين المصريين حكومة وشعباً. تسلمتُ عملي ، مستشاراً، في "الوكالة العربية السعودية" بالقاهرة ، سنة 1353هـ (1934م) ، والدولتان ـ السعودية والمصرية ـ على غير وفاق . لا تمثيل دبلوماسي ولا اعتراف . وحديث " المحمل " على كل لسان . ) ( وكان من خبر" المحمل " بعد ذلك بقليل ، مالا يزال يذكره الكثيرون إلى الآن . في موسم حج تلك السنة ، في اليوم الأول من عيد الأضحى 10 ذي الحجة 1344 ( 22 يونيه 1926 ) وحجاج العالم الإسلامي من جميع الممالك والأقطار، مجتمعون في مخيماتهم ببلدة "منى " تلفت ٍعربان نجد ، وكانوا أكثر الحجاج عددا في ذلك العام ، فرأوا أمامهم " المحمل " القادم مع الحج المصري ،على جمل يتهادى بين الجموع ، تحيط به موسيقاه وعساكره ودبدباته. وتصايحوا: الصنم . الصنم ! ..وتهافتوا يرشقونه بالحجارة ، وهم بملابس الإحرام . ولم يكن من أمير الحج المصري "محمود عزمي باشا " إلا أن أمر بنصب المدافع والرشاشات وإطلاق نيرانها على الجموع .. وأخبرني ثقات من حجاج ذلك العام أن عبدالعزيز لما علم بالخبر ، وهو على رأس الحجيج ، نهض من سرادقة ، وأسرع يعدو ، إلى ان توسط مابين العربان ونار الجند ، وبسط ذراعيه يصيح : أنا عبدالعزيز ! أنا عبدالعزيز ! وكان من حسن حظ العرب والإسلام ، أنه لم تتناوله رصاصة طائشة أو متعمدة ، وهذا إطلاق النار ، وتدخل الجند السعودي ، وانكف الناس . وأمر بحجز المحمل عن الآنظار .ووصل الخبر إلى فؤاد الأول (ملك مصر يومئذ) وزيد عليه أن المحمل سيُمنع دخوله بعد الآن إلى الحجاز ، فازداد حنقاً على عبد العزيز . وكان من المعتاد أن ترسل مصر ، مع المحمل ، كسوة للكعبة ، ومبلغاً من المال من ريع أوقاف الحرمين في الديار المصرية، وبعض الهدايا ؛ فأمر الملك فؤاد بالانقطاع عن إرسال شيء من ذلك كله . وعلى الرغم من أن الملك عبدالعزيز ، أرسل كبير أبنائه " سعود بن عبدالعزيز " سنة 1346 هـ (1926م) إلى مصر ،لمعالجة عينية وتصفية الجو مع القصر الملكي فيها ، فإن الفجوة استمرت .
ماذا قررت مصر ؟
عرض ذلك على مجلس الوزراء في القاهرة ، في 10 ذي القعدة 1345 (12 مايو 1927) فقرر ما نصه (1) :
"العدول عن إرسال المحمل في هذا العام ، وإعلان الحجاج المصريين بأنهم بسفرهم قد يستهدفون لبعض المخاطر، وأنهم إذا رأوا ، مع ذلك السفر في هذه الظروف ، فإن ذلك يكون تحت مسؤوليتهم " . لا محل ولا حج رسمي : ومن هذا التاريخ انقطعت الحكومة عن إرسال المحمل ، وهن السماح ـ إلى حين ـ لحجاج مصر (رسمياً) بتأدية الفريضة .
آخر أيام الملك فؤاد
وظل البلدان متقاطعين (رسمياً ) إلى آخر أيام فؤاد . ودخل عليه رئيس ديوانه " علي ماهر " وهو يحتضر ، فقال :ألا تجعل في صحيفة عملك الدخول في مفاوضة مع بلاد الحرمين الشريفين ؟ فأشار : لا بأس .
معاهدة الصداقة :
ومات فؤاد سنة 1355 هـ ( 1936 م ) وانقشعت غمامة الجفاء ، وعقدت معاهدة " الصداقة " بين البلدين في 7 مايو ، من السنة نفسها ،وعُمل بها ابتداءً من 8 نوفمبر 1936م )
ثانيا : بحث للراحل د . يونان لبيب رزق عن المحمل منشور فى جريدة الأهرام



طالع قارئ الأهرام صباح يوم الخميس‏24‏ يونيو عام‏1926‏ خبرا أزعجه كثيرا‏,‏ فتحت عنوان معركة في الحجاز بين قوة المحمل والنجديين‏-‏ جرح ضابط وثلاثة من الجنود المصريين‏-‏ قتل‏25‏ من النجديين‏,‏ نشرت الجريدة برقية بعث بها أمير الحج اللواء محمود عزمي باشا إلي وزارة الداخلية‏,‏ كما نشرت في نفس الوقت بلاغا من مملكة الحجاز وسلطنة نجد وملحقاتها‏.‏
نص البرقية التي أرسلها أمير الحج بالشفرة‏:‏ اعتدي جمع من البدو مساء أول أمس‏(‏ أي مساء‏21‏ الجاري وهو يوم العيد‏)‏ علي ركب المحمل برمي الأحجار والرصاص بجوار‏(‏ مني‏)‏ وقد رددت علي الاعتداء بإطلاق بعض طلقات من المدافع والبنادق تسبب منها بعض الخسائر في أرواح المعتدين بعد ما ذهبت مساعي ابن سعود سدي وجرح الضابط علي أفندي موسي وثلاثة من العساكر جروحا بسيطة من رمي الأحجار وقتل بعض الجمال من الرصاص‏,‏ وقد تبادلنا رسائل رسمية مع ابن سعود نرجو تبليغ وزارة الحربية بما يخصها‏.‏
أما نص البلاغ‏:‏ جاء المحمل المصري من جدة وخيم في مكانه المعتاد من ضاحية مكة ثم انتقل منها يوم التروية إلي‏(‏ مني‏)‏ حيث بلغ آخرها بسلام‏,‏ وهناك ارتفعت أصوات أبواق حرس المحمل فاستنكرها العرب من النجديين وغيرهم الذين يعتقدون حرمة جميع المزامير ولا سيما في هذه المشاعر العظام‏.‏ فاجتمع بعض الغوغاء المجهولين منهم إلي مصدر الصوت وكثر اللغط في ذلك وكان مع المحمل بعض الحامية النجدية فأخذوا يردون الغوغاء بالضرب والتهديد‏,‏ وقد وصل الخبر لجلالة الملك فأرسل في الحال نجله سمو الأمير فيصل بقوة فذهب لمكان الحادثة وطلب من رجال المحمل أن يقفوا في أماكنهم وأخذ يقاوم الغوغاء وطلب زيادة قوة من أبيه فأمده بأخيه سمو الأمير سعود مع قوة معه‏,‏ وبينما جند الحكومة تدافع الغوغاء وإذا برجال المحمل يطلقون المدافع والأسلحة التي معهم بغير حساب علي الأماكن التي يخيم فيها الحجاج النجديون فقتل من الأبرياء الذين هم في أماكنهم خمسة وعشرين بين رجل وامرأة وطفل وقتل أربعون بعيرا‏.‏ ولما وصل الأمر لهذا الحد خرج جلالة الملك بنفسه يحف به جميع أولاده وأفراد عائلته وحاشيته‏,‏ وكان أهل نجد في أشد ما يكون من الحنق ولكنه خاطبهم وقال‏(‏ أذكركم بالله في هذا المقام ثم أذكركم بشرفكم وحجتكم وأخبركم بأن هذا المحمل لا يمكن أن يتجاوز عليه أحد وبأحد ممن معي بقية من حياة‏),‏ ولما سمع بذلك أهل نجد ورغما عما أصابهم من بلاء لم يستوجبوه رجع عاقلهم علي سفيههم حتي ارتدت جميع تلك النفوس ببضع دقائق إلي أماكنهم وطفئت الفتنة ثم سار المحمل محفوفا بقوة من جند الحكومة ولم يصب منهم أحد بأذي وساد السكون والأمان‏,‏ ولم يحصل ما يكدر بعد ذلك‏.‏
ونترك الخلاف بين الروايتين‏..‏ الرواية المصرية بأن رجال المحمل كانوا في حالة دفاع عن النفس‏,‏ ورواية ملك الحجاز وسلطان نجد بأن القوة المصرية قد أطلقت نيرانها بغير حساب ودون مبرر‏(!),‏ نتركهما لنروي طرفا من تاريخ المحمل‏,‏ هذا من جانب‏,‏ والظروف السياسية التي أحاطت بتلك المعركة من جانب آخر‏.‏
أما عن التاريخ فقد أمدنا الدكتور فؤاد الماوي في كتابه‏:‏ العلاقات الاقتصادية والمالية بين مصر والحجاز بتفاصيل كثيرة عن الأعباء المالية التي تحملتها مصر خلال العصر العثماني تجاه الحجاز‏,‏ وكان المحمل أحدها‏‏ أولا‏:‏ مصروفات حماية قافلة الحج التي تراوحت بين نفقات القوة العسكرية التي تصاحبها‏,‏ والتي كان يقل عددها إلي خمسمائة جندي في سنوات الاستقرار ويزيد ليصل إلي ألفين في أعوام القلاقل‏,‏ ومصروفات القلاع المنتشرة بطول درب الحجيج‏,‏ وعوايد العربان القاطنين علي جانبي هذا الدرب‏.‏
ثانيا‏:‏ الكسوة التي كانت تعلق علي الكعبة الشريفة‏,‏ وهي غطاء مطرز بالذهب‏,‏ ونهاية حوافه مطرزة بالفضة وملبسة بقشرة من الجواهر‏,‏ وكانت يشرع في صنعها في شهر ربيع الثاني لتصبح جاهزة خلال ستة أشهر‏,‏ وكان الوالي يفتش عليها بين الحين والآخر‏,‏ ويقوم بوزنها الذي كان يصل عادة إلي سبعة عشر قنطارا من الحرير‏,‏ وثلاثة قناطير من الفضة الخالصة‏.‏
ثالثا‏:‏ الغلال المرسلة للحرمين إذ كان علي الخزينة المصرية أن ترسل‏40‏ ألف أردبا من الغلال كل عام لإطعام أهالي مكة والمدينة‏,‏ وكان يتم نقلها بالطريق البحري من السويس إلي جدة‏,‏ ومعها تعيينات أشراف الحرمين التي كانت ترسل للأشراف‏,‏ وغالبا ما كانت تقدم علي شكل نقدي‏,‏ وهي تورث من الأب للابن مثلما يورث مركز الشريف نفسه‏.‏
وكان المسئول عن حماية القافلة وحمل الكسوة شخصية عسكرية كبيرة هو الذي لقب بأمير الحج‏,‏ وبلغ من الأهمية إلي حد أنه وضع في المرتبة الثالثة بعد كل من الباشا والدفتردار‏,‏ وكان يخرج في كل عام في موكب كبير وسط احتفالات شعبية عارمة‏..‏
قدمت لنا الدكتورة ليلي عبد اللطيف صورة لتلك الاحتفالات في كتابها عن المجتمع المصري في العصر العثماني كان مما جاء فيه أنها تقام في منتصف شهر شوال‏,‏ فيدور المحمل في احتفال كبير بعد أن يقوم أرباب الحوانيت التي سيمر بها بتزيينها وكان يحتشد الكثيرون من سكان القاهرة لمشاهدة الركب الذي توضع فيه الكسوة الثمينة علي جمل مزين يشق طريقه وسط زغاريد النساء ودعاء العامة وتهليلهم‏,‏ متقدما إلي قراميدان بالقلعة‏,‏ وأمام الموكب يسير فرسان الأوجاقات وتصطحبه فرق الموسيقي حتي يصل إلي القلعة فينزل الباشا لتسليم الكسوة الشريفة إلي‏(‏ أمير الحج‏),‏ يلي ذلك احتفال آخر يقام بخيمة في البركة لتسليم‏(‏ الصرة الإرسالية‏)‏ المرسلة لأهالي الحرمين الشريفين‏.‏
ومن التاريخ إلي السياسة‏,‏ فبعد مرور أكثر من قرن وربع علي نهاية العصر العثماني‏,‏ وفي عام حدوث واقعة المحمل علي وجه التحديد‏,‏ وبعد تطورات تاريخية عميقة عرفها المصريون إبان تلك الفترة‏,‏ قدمت الأهرام صورة للمتغيرات التي حدثت علي موكب الحج من حيث التركيب والاحتفالات والالتزامات‏,‏ ولم تكن كبيرة‏..‏
أمير الحج أصبح يعين بأمر ملكي جاء فيه نظرا لقرب أداء فريضة الحج هذا العام ولما نعهده في اللواء محمود عزمي باشا من الجدارة والاستقامة‏,‏ أمرنا بما هو آت‏:‏ عين اللواء محمود عزمي باشا وزير الحربية والبحرية سابقا أميرا للحج في طلعة سنة‏1344.‏
أما عن القوة العسكرية المصاحبة للحملة فقد قدمت الأهرام في عددها الصادر يوم السبت‏5‏ يونيو إحصاء لها جاء فيه أنها تتشكل من عشرين ضابطا علي رأسهم القائمقام جلال منير بك‏,422‏ صف ضابط وعسكري‏‏ وهم‏300‏ من رجال أورطة المشاة التاسعة‏,6‏ من الخيالة‏,89‏ من المدفعية‏,5‏ من القسم الطبي‏,2‏ من القسم البيطري‏,20‏ من الهجانة‏,‏ وأخيرا‏10‏ من المستخدمين الملكيين‏.‏
وأما عن الاحتفالات فقد بدأت بنقل الكسوة من محل صنعها بالخرنفش إلي ميدان محمد علي فسار أمامها بلوكان من أورطة المشاة التاسعة بموسيقاها وعلمها وتبعت الجماهير هذا الموكب الفخم حتي الميدان‏,‏ وفي المساء عرضت الكسوة في المصطبة وتوافد الناس زرافات لرؤيتها ولما انتظم عقد الحضور من الأمراء والأعيان أديرت عليهم المرطبات والحلوي وكان الشيخ أحمد ندا والشيخ علي محمود يرتلان آي القرآن الكريم حتي مضي الهزيع الأول من الليل‏.‏
في اليوم التالي أجريت مراسم احتفال تشييع المحمل والتي رأسها الملك وحضرها الوزراء وكبار موظفي القصر وغيرهم من كبار العلماء والموظفين والتجار والأعيان‏,‏ والكل بكساوي التشريفة الكبري والنيشانات‏,‏ وتم استعراض الحامية المصرية وأسلحتها أمام الملك وأطلق‏21‏ مدفعا عند تشريف جلالته ميدان محمد علي و‏21‏ مدفعا مثلها عند انصرافه منها‏.‏
أكثر من ذلك أن الملك بنفسه اعتمد برنامج الرحلة أو ما أسمته الأهرام مواعيد أسفار المحمل‏..‏ السفر من محطة مصر في الثامنة وخمس دقائق من صباح يوم الاثنين‏7‏ يونيو‏,‏ الوصول إلي السويس في الثانية بعد الظهر‏,‏ والسفر في اليوم التالي إلي جدة ليكون الوصول إليها بعد يومين‏,‏ يتوجه منها إلي مكة المكرمة ويبقي فيها حتي يوم‏25‏ يونيو ليسافر إلي المدينة المنورة ليصلها يوم‏7‏ من الشهر التالي‏,‏ حيث يبقي لمدة أسبوع يتوجه بعدها يوم‏14‏ يوليو إلي ينبع بعد ستة أيام‏,‏ ليقلع بعدها متوجها إلي الطور‏,‏ غير أنه لم يقدر لهذا البرنامج الملكي أن ينفذ‏,‏ فلم يكن رجال قصر عابدين ولا دوائر الحكومة المصرية قد وضعت حساباتها في ضوء التغييرات السياسية الكبيرة التي حدثت في الأراضي المقدسة‏!‏
فقبل نحو ستة أشهر‏,‏ وبعد هزيمة حسين ملك الحجاز علي أيدي قوات سلطان نجد عبد العزيز بن سعود‏,‏ الذي دعمه الجيش شبه النظامي من أبناء القبائل النجدية المعروف بالإخوان‏,‏ وفي يوم‏8‏ يناير عام‏1926‏ علي وجه التحديد نادي أعيان جدة ومكة بالقائد المنتصر ملكا علي الحجاز‏,‏ وما ترتب علي ذلك من وقوع الأماكن المقدسة تحت حكم الوهابيين المعروفين بتشددهم الديني‏,‏ وهو الأمر الذي تخوف منه المصريون وغيرهم‏.‏
غير أن نظام الحكم الجديد قد سعي إلي تهدئة مخاوف المسلمين في شتي أنحاء المعمورة مما نتبينه من البرقية التي نشرتها الأهرام يوم‏27‏ إبريل عام‏1926‏ وكان نصها‏:‏ لقد أصبحت جميع الأراضي الحجازية بنعمة الله مملكة هادئة وكل الناس أحرار أن يقيموا فيه تقاليدهم الإسلامية وأن يزوروا جامع نبي الله وإننا نضمن بعون الله طمأنينة ورفاهية الحجاج أثناء إقامتهم وتنقلهم في الأمكنة المقدسة في الحجاز‏.‏ وكل ما يقوله أعداء العدالة غير صحيح فإن غايتهم هدم الديانة الإسلامية بغية إرضاء مصالحهم الشخصية وإيقاع الضرر بشعب الأراضي المقدسة‏-‏ ملك الحجاز وسلطان نجد وملحقاتها‏-‏ الختم‏:‏ عبد العزيز بن سعود‏.‏
وفي اعتقادنا أن الملك عبد العزيز كان مخلصا في نواياه بتأمين شعائر الحج‏‏ رغبة منه في تهدئة مواقف الشعوب الإسلامي‏,‏ غير أنه‏-‏ في ظننا‏-‏ لم يكن سعيدا بقدوم المحمل المصري‏,‏ ولأكثر من سبب‏‏ ذلك أن قدوم أي موكب حج في ظل الحماية العسكرية للدولة التي يتبعها يحمل معني الانتقاص من سلطة الملك الجديد‏,‏ ثم أن الحجاج المصريين كانوا يصلون إلي الأراضي المقدسة ومعهم كثير من العادات التي تتعارض مع تعاليم الوهابية‏,‏ أولها تدخين النارجيلة‏,‏ فضلا عما كان يحصل عليه أشراف مكة‏,‏ خصومه التقليديين‏,‏ من معونات يحملها لهم أمير الحج‏,‏ ومن ثم لم يكن غريبا ما حدث‏!‏

في يوم‏11‏ يونيو عام‏1926‏ احتفل بوصول المحمل إلي جدة في استقبال خاص في دار القنصلية المصرية بالمدينة حيث اجتمع حاكم المدينة وأعيان وقناصل الدول وممثلوها والجالية المصرية وحيا الجنود العلم المصري وهتف الجميع لجلالة الملك‏..‏ وبدأ البحث عن الجمال اللازمة للسفر إلي المدينة بعد الحج عن طريق ينبع لأنها الأصلح والأوفق‏,‏ وبدا مع ذلك وكأن كل شيء يسير في طريقه المرسوم‏,‏ غير أنه لم يمض وقت طويل حتي حدثت الواقعة بكل مضاعفاتها‏,‏ والتي دخل معها تاريخ المحمل المصري أيامه الأخيرة‏!‏
أولي هذه المضاعفات بدت في ردود الفعل التي نتجت عن الحادثة‏,‏ فقد احتجت الحكومة المصرية لدي وكالة نجد والحجاز بالقاهرة علي العبارات التي وردت في البلاغ الذي كان قد أصدره ملك الحجاز وسلطان نجد‏,‏ والذي يفهم منه أن الجيش فعل ما فعل عن رعونة وبشكل غير مبرر‏,‏ وأن المجاملات السياسية بين الدول تقضي أن يتشاور الممثلون السياسيون مع الدولة المضيفة في حالة إصدار مثل هذه البلاغات التي تتصل بالعلاقة بين الطرفين‏.‏
بيد أنه تم تسوية الأزمة سريعا بعد أن قدم ممثل الملك عبد العزيز اعتذاره‏,‏ وأنه قبل بنشر البلاغ تحت إلحاح الصحفيين المصريين وانه يعمل دائما علي زيادة العلاقات الودية بين حكومته والحكومة المصرية‏,‏ وأنه واثق بأن الحجاج المصريين سيلقون كل حفاوة وتسهيل من جانب الملك ابن السعود وحكومته‏.‏
غير أن الجانب الديبلوماسي لم يكن الوحيد في الأزمة‏,‏ فقد كان هناك الرأي العام المصري‏,‏ والذي مثلته الصحف من مختلف الاتجاهات‏,‏ ففضلا عن الأهرام كان هناك البلاغ وكوكب الشرق الناطقتين بلسان الوفد‏,‏ والسياسة الناطقة بلسان الأحرار الدستوريين‏,‏ فضلا عن الاتحاد الناطقة بلسان الحزب الموالي للملك‏.‏
البلاغ وصفت الحادث بأنه مؤسف ولا يحسن موقعه في نفس أي مصري ولا نجدي ممن يحرصون علي السلم والوفاء‏,‏ وسخرت الجريدة مما قيل عن أن سبب اعتداء النجديين علي موكب الحجيج المصري أن أصواتا ارتفعت من أبواق حرس المحمل‏,‏ فلو أن ذلك الحرس كان يعزف بأنغام الموسيقي وألحان اللهو والتطريب لفهمنا العذر‏,‏ أما وهي أصوات عسكرية نظامية‏,‏ أو‏(‏ نفير حرب‏)‏ مباح في كل مكان كالذي يسمع في كل معسكر‏-‏ وفي معسكرات بن سعود أيضا‏-‏ فلا نفهم عذرا ما لتلك الحركة الحمقاء‏.‏
كوكب الشرق كانت أكثر حدة حين ذكرت بأن الأماكن المقدسة ملك لكل من يدين بهذا الدين الحنيف‏..‏ وبذلك فإن أقل حادث يحدث في هذه البلاد‏-‏ مهما كان طفيفا‏-‏ يؤلم نفس كل مسلم ويهز عاطفته حزنا وأسفا‏..‏ وإذن فليعلم الوهابيون أنهم إن أرادوا أن يميتوا الحجاز جوعا وعطشا‏-‏ لا قدر الله‏-‏ فليمضوا في غوايتهم‏,‏ وليسيروا في هذا التصلب الشاذ‏.‏
أما جريدة السياسة فقد استخدمت نغمة معتدلة في التعليق علي الواقعة‏,‏ غير أنها كشفت لنا عن حقيقة هامة وهي أن حكومة بن سعود كانت قد أرسلت إلي الحكومة المصرية تنصحها بعدم إرسال المحمل خلال ذلك العام‏,‏ وأثارت مع ذلك بعض الشكوك أن يكون أتباع الملك عبد العزيز وراء الواقعة‏!‏
بقيت الاتحاد صحيفة الحزب الموالي للقصر‏,‏ وكانت الأكثر اعتدالا فيما نتبينه من مطلع تعليقها عن الحادث‏,‏ والذي جاء فيه‏:‏ النجديون إخواننا في الدين‏,‏ ويفرحنا كثيرا أن يكون هناك فريق من المسلمين يتمسك بمذهب السلف الصالح‏,‏ كما يفرحنا أكثر وأكثر أن يكون لهذا الفريق سلطان علي البيت الحرام مصدر هذه الشريعة الطاهرة‏,‏ ولكن لكل شيء نهاية وحد‏,‏ وكل ما تجاوز حده استحال إلي ضده‏,‏ وخير الأمور أوساطها كما أن شر البدع مستحدثاتها‏.‏
وعلي غير عادة الأهرام‏,‏ فقد اكتفت في هذه المناسبة بنشر آراء الآخرين واحتفظت برأيها‏,‏ ويمكن أن يعزي ذلك إلي أن القضية ذات طابع ديني‏,‏ وأن المسئولين عن الجريدة من المسيحيين الشوام كانوا حريصين دائما في تلك المناسبات علي النأي بصحيفتهم عن إبداء الرأي فيها‏,‏ منعا من إثارة أية حساسيات‏,‏ وهي لم تنفرد بهذا الموقف فقد جارتها فيه الصحف المشابهة مثل المقطم والمجلات الصادرة عن دار الهلال‏!‏
وبعيدا عما كان يحدث في القاهرة واجه محمود عزمي باشا بعد الواقعة موقفا حرجا ربما لم يواجهه أحد من أسلافه القريبين حين كانت مهمتهم ذات طابع احتفالي‏,‏ وقد انبعثت مخاوف الباشا المصري مما هو معلوم عن أخلاق البدو من تقديس للثأر‏,‏ وكما كتب أحد قراء جريدتنا أنهم يضعونه في حياتهم في المنزلة الأولي بعد الدين‏,‏ فهم قد يطيعون ملكهم أو الإخوان ولكنهم لا يطيعونه في التقاليد الدينية أو ما يظنونه من الدين‏,‏ ولا في الثأر المتأصلة جذوره في نفوسهم‏!‏
انعكست هذه المخاوف في أنه قد ارتأي تجنبا للمخاطر ألا يكمل رحلته إلي المدينة برا‏,‏ وفضل العودة إلي جدة من حيث يستقل باخرة تنقله مع رجال المحمل إلي ينبع‏,‏ ويتجه من هناك إلي المدينة‏,‏ وقد حصل علي موافقة جميع الأطراف علي هذه الفكرة‏,‏ الحكومة المصرية التي أبرق لها بها‏,‏ وحكومة نجد والحجاز التي شجعته علي تنفيذها‏,‏ يدفعها إلي ذلك الرغبة في التخلص من مسئولية ما إذا تعرض الموكب للخطر‏,‏ خاصة وأنه كان سيتوجه إلي المدينة علي ظهور الجمال في رحلة تستغرق أكثر من عشرة أيام‏,‏ كما كان يدفعها أيضا الرغبة أن يفهم المسئولون المصريون أن الزمن لم يعد نفس الزمن‏!‏
يؤكد ذلك ما تعرض له موكب الحج المصري من مضايقات لم يعتدها خلال السنوات السابقة‏,‏ والتي تعددت مظاهرها‏,‏ فيما تضمنه تقرير طويل رفعه عزمي باشا إلي الحكومة المصرية بعد عودته‏‏ منها‏:‏ أن العادة كانت أن تطلق طوبجية المحمل المدافع في أوقات الصلاة يوم الوقفة وأيام العيد وقد أطلقت الطوبجية المدافع فعلا يوم الوقفة فجاء رسول يبلغ عزمي باشا اعتراض ابن سعود علي إطلاقها‏,‏ فأصر الباشا علي إطلاقها إلا إذا جاء كتاب من الملك ابن سعود بذلك وقد جاء هذا الكتاب‏!‏
ومنها أيضا أن الأمير فيصل طالب عزمي باشا أن يمنع استعمال الأبواق لأن النجديين يستنكرونها أشد الاستنكار ويسمونها مزامير الشيطان‏,‏ ولما لم تستجب قوات المحمل لهذا المطلب تعرضت للهجوم من هؤلاء‏.‏
ومنها ثالثا أن المحمل كان قد أخذ معه سيارتين ولوري للنقل وطلمبة مياه‏,‏ وما كادت تسير في مكة حتي صدر أمر بمنع ركوب السيارات بدعوي أنها تخيف الجمال‏,‏ وقيل أن الملك نفسه وأهل بيته سيمتنعون عن ركوب السيارات ويعقب عزمي باشا علي ذلك بالقول أنه رأي بعدئذ سيارات الملك وأفراد أسرته تسير في المدينة كعادتها فلم أجد بدا من العودة لاستخدام السيارات لنقل المرضي وغير ذلك من الشئون‏.‏
ومنها أخيرا أن العادة كانت قد جرت من قبل علي وضع المحمل في الحرم الشريف بعد العودة من مني مباشرة ويبقي به لحين السفر‏,‏ غير أن ابن سعود ورجاله أظهروا عدم رضائهم عن ذلك‏,‏ وعندما طلب الشيخ حافظ وهبة مستشار بن سعود من أمير الحج المصري إخراج رجاله رفض عزمي باشا مما دعا إلي إبلاغه بأنه إذا لم يخرج بالحسني فسوف يخرج بالقوة فطلب أمير الحج أمرا كتابيا بذلك فأطلعه علي الأمر الصادر‏..‏ وانتهت الأزمة ببقاء المحمل في الحرم إلي يوم السفر فخرج بالاحتفال المعتاد‏.‏
وقد عرفت الأيام التالية تحولا جذريا في برنامج المحمل‏,‏ فبعد أن كانت المشاورات تدور حول أنسب الطرق لاستكمال الرحلة بالذهاب إلي المدينة المنورة‏,‏ أخذت تدور حول الاكتفاء بزيارة مكة وأن تتم العودة إلي جدة لتقفل منها راجعة إلي أرض الوطن‏.‏
وانتهت المشاورات بالموافقة علي هذا الخيار الأخير‏,‏ فبعد اجتماع لمجلس الوزراء برئاسة عدلي يكن باشا يوم الأربعاء‏30‏ يونيو لبحث اقتراح وزير الحربية بعدم ذهاب المحمل إلي المدينة وعودته إلي مصر تمت الموافقة عليه متذرعا بوفاة قائد المدفعية المرافقة له‏,‏ البكباشي محمد توفيق بسكتة قلبية‏,‏ ومرض قائد حرس المحمل العام وقائد الهجانة‏,‏ وخشية من زيادة حوادث المرض بين الضباط والجنود والحجاج‏,‏ ولم يكن قراء الأهرام في حاجة إلي ذكاء كبير ليدركوا أن هذه ليست الحقيقة‏!‏
وفي يوم‏17‏ يوليو وصل المحمل المصري إلي القاهرة مبكرا عن ميعاده العودة المفترضة بأكثر من عشرة أيام‏,‏ غير أن ذلك لم يمنع من إقامة الاحتفالات المعتادة إذ خرج في السادسة والنصف من صباح ذلك اليوم من ميدان الحصوة في العباسية إلي ميدان محمد علي أمام القلعة في موكب فخم يتقدمه أرباب الطرق والأشاير فقوة من رجال الجيش فحرس المحمل فموظفوه يتقدمهم حضرة صاحب السعادة محمود عزمي باشا‏.‏
وكان أهم ما حدث بعد ذلك ما كشف عنه أمير الحج من بعض جوانب الواقعة في حديث طويل مع محمود أبو الفتح مندوب الأهرام نشرته الجريدة في أول أغسطس‏,‏ وكان رأيه أنها مدبرة‏,‏ وأن بعض رجاله سمعوا نفرا من هجانة الملك المرافقين للمحمل يقولون الإخوان متواعدون الليلة هنا‏,‏ وأن جمعا عظيما من هؤلاء قد أخذوا في رمي المحمل والركب بالحجارة وهم يصيحون يامشركين ياكفرة ياعباد العود‏!‏
كشف أيضا عن نية الحكومة المصرية علي التوقف عن دفع الإحسانات والصدقات التي ظلت تدفعها طوال العصر العثماني لأشخاص معينين مدي الحياة من الذين يشغلون وظائف بذاتها في الحرم‏,‏ خاصة وأن الملك عبد العزيز وقبله الملك حسين قد رفضا أن يتولي أمراء الحج توزيع هذه الصدقات علي الناس مباشرة‏,‏ وفضلوا القيام هم بتوزيعها مما لم يكن محل رضاء المصريين‏.‏
وقد تضمن التقرير الذي قدمه عزمي باشا للحكومة المصرية عشرات الأمثلة علي حصول من لا يستحقون علي تلك الإحسانات والصدقات‏,‏ لدرجة أن أحدهم كان له رأسمال يزيد عن عشرة آلاف جنيه‏,‏ وآخر كان يحصل علي أربعة مرتبات بصفات مختلفة‏,‏ وأنه قد عاد بأغلب المبلغ المخصص لها وقدره‏31‏ ألف جنيه بعد أن وزع منه أقل من‏360‏ جنيها‏!‏
ولا شك أن ما نشرته الأهرام وغيرها من الصحف في هذا الشأن مهد لانتهاء عصر المحمل ليحل محله بعثة الحج التي يترأسها موظف كبير لا يحمل لقب الأمير‏!‏







المحمل والأزمة مع مصر :
1 ـ بإستيلائه على الحجاز ومكة وبعد مذبحة الطائف التى إنتشر خبرها كان متوقعا أن يتحسّب عبد العزيز لموقف مصر بالذات ، وهو يعلم كراهيتها للوهابية . ويذكر خيرالدين الزركلي فى كتابه : ( شبه الجزيرة في عهد الملك عبدالعزيز) حرص عبد العزيز على كسب ود مصر ، يقول ص ( 661 ـ ) ( صرفت ثمانية عشر عاماً ، من 1353 ـ 1371هـ ( 1934 ـ 1952 م) منقطعاً إلى تمثيل الملك عبدالعزيز ، وقضاء مصالحه الإدارية والسياسية ، والخاصة والعامة ، في بلاد وادي النيل . وما كتب لي يوماً بشأن مصر ، ولا سمعته يتحدث في سر أو علن عن مصر ، إلا بما فيه الحرص والحض على حسن العلاقة ، وتوطيد الحب والصداقة ، بينه وبين المصريين حكومة وشعباً.تسلمتُ عملي ، مستشاراً، في "الوكالة العربية السعودية" بالقاهرة ، سنة 1353هـ (1934م) ، والدولتان ـ السعودية والمصرية ـ على غير وفاق . لا تمثيل دبلوماسي ولا اعتراف . وحديث " المحمل " على كل لسان .وقبله خبر " المؤتمر " وقبلهما " من يحكم الحجاز " ؟ ) .
2 ـ قبل أن يستولى عبد العزيز على جدة التى تحصّن فيها على بن الشريف حسين بعد هزيمته وإستيلاء عبد العزيز على مكة ـ دعا عبد العزيز الرؤساء والملوك العرب والمسلمين للنظر فى إصلاح الحجاز ، وكان توقيت هذا المؤتمر 1925 . يقول الزركلى فى كتابه السالف ( 662 ـ ): ( بعد إن استقر الملك عبدالعزيز ، في مكة سنة 1343 هـ (1924 م)وأقام يحاصر جدة وفيها الشريف ( الملك ) علي بن الحسين ومن معه ؛ بعث بكتاب في 11 ربيع الثاني 1344 (آخر اكتوبر 1925) إلى ملوك المسلمين والجمعيات ، والمنظمات الإسلامية ؛ يدعوهم فيه إلى إرسال مندوبين عنهم، للنظر في مستقبل الحجاز .).ولم يتم عقد هذا المؤتمر .
3 ـ جدّد عبد العزيز دعوته الى عقد مؤتمر آخر للنظر في إصلاح الحجاز. يقول الزركلى : ( فكتب عبدالعزيز إلى الحكومات والشعوب الإسلامية ، يدعوها إلى "مؤتمر " يُعقد بمكة في 20 من ذي القعدة 1344 (3/ 6/ 1926م) ولبى الدعوة من لباها ؛ ورفضها ملك مصر ؛ فكان هذا أول مظهر للخلاف بينه وبين عبدالعزيز ، ولم يأت المؤتمر بنتيجة . ) .
رفضت مصر حضور هذا المؤتمر ولكن حضره رشيد رضا ، وكانت أول مرة يلتقى فيها سيده عبد العزيز آل سعود . أى إن مصر الرسمية رفضت حضور المؤتمر الذى دعا اليه عبد العزيز تعبيرا عن رفضها إحتلاله الحجاز ، ولكن مصر الليبرالية سمحت لرشيد رضا بحضور هذا المؤتمر . وكان هذا مبعث تفاؤل لدى عبد العزيز وهو يلتقى لأول مرة رشيد رضا الذى شارك بكل حماسة فى هذا المؤتمر برغم إصابته بالحمّى .
ولكن نغّص عليهم حادث المحمل الذى حدث فى نفس شهر عقد المؤتمر فى عيد الأضحى 10 ذي الحجة 1344 ( 22 يونيه 1926 ) ..
4 ـ وسارع عبد العزيز بارسال ابنه الأكبر الأمير سعود الى مصر ومعه مستشاره حافظ وهبة لتطيف الأجواء مع مصر بعد حادث المحمل ولم تنجح المحاولة. يقول الزركلى : ( وعلى الرغم من أن الملك عبدالعزيز ، أرسل كبير أبنائه " سعود بن عبدالعزيز " سنة 1346 هـ (1926م) إلى مصر ،لمعالجة عينية وتصفية الجو مع القصر الملكي فيها ، فإن الفجوة استمرت .)
5 ـ بل على العكس أدّت رحلة سعود الى مصر الى تعميق الخلاف بين عبد العزيز والاخوان النجديين الذين فتحوا له الحجاز ومعظم ما قبل الحجاز . واضح أنهم رأوا زعيمهم عبد العزيز فى صراعهم مع المحمل الممثل لمصر ـ يبذل وسعه لارضاء مصر منحازا لمصر ضدهم . ومصر بالنسبة لهم مشركة ، وطبقا للديانة الوهابية وتعاليم ابن عبد الوهاب فإنه يحرم التودد للمشركين .
6 ـ جدير بالذكر أن الأمير سعود بن عبد العزيز وهو فى رفقة حافظ وهبة نصحه حافظ وهبه بتقديم تنازلات دينية يكتسب بها قلوب المصريين وبها تخفُّ عداوتهم للوهابية ، وهى أن يزور ضريح الامام الشافعى وضريح الحسين . وكاد الأمر يتم ، لولا أن رشيد رضا الذى كان قد عاد لمصر بعد مؤتمر الحجاز بعث الى عبد العزيز يحذّر من قيام ابنه سعود بزيارة هذين المسجدين حتى لا يعطى فرصة للإخوان فى المزايدة عليه . وإستجاب عبد العزيز فبعث برسالة سرية لابنه سعود يمنعه من ذلك ( جلال كشك : السعوديون والحل الاسلامى : 540 : 541 ).
توضيح هذه النقطة يستلزم الرجوع بضع سنوات لإعطاء لمحة عن بدايات التذمر بين عبد العزيز وإخوانه قبل المحمل ثم بعده.

المحمل والأزمة مع إخوان عبد العزيز ( الإخوان النجديين )
1 ـ بدخول عبد العزيز فى إتصالات ــ لا بد منها ـ مع الانجليز بدأت الفجوة بين متطلبات السياسة والمعيشة والتعاليم الوهابية الصارمة . وبدأ الخلاف بين عبد العزيز والفقهاء الوهابيين ومعهم تلاميذهم الاخوان النجديين . كان هذا هو فحوى الخلاف بينهما فى مؤتمر العلماء سنة 1919. حمل المؤتمر قضايا فقهية لكن بغرض سياسى يعكس حرص الاخوان على إشعار عبد العزيز أنه لا بد من مشاركتهم فى الحكم ، فبسيوفهم توسع ملكه وهم اصحاب حق فى مشاركته فيما أسهموا فيه . ثم تطور الأمر الى مؤتمر الارطاوية عام 1924 الذى تزعمه فيصل الدويش زعيم الاخوان ليضغط على عبد العزيز بالتعجيل بفتح الحجاز ، وهم يعلمون أن عبد العزيز يخطط لهذا على مهل ، ولكن فيصل أراد المزايدة على عبد العزيز باسم العقيدة ، واذعن لهم عبد العزيز فارتكبوا مذبحة الطائف . وعندما نشرت الصحف المصرية والسورية والإيرانية أنباء عن قتل الأخوان للنساء والأطفال في الطائف أرسل لتلك الصحف يستنكر نشر هذه الأخبار وكانت البرقية موقعة باسم ابنه الأمير فيصل ،وأرسل الرسالة الي حافظ وهبة مستشاره يؤكد فيها ضمانه الكامل لسلامة المدنيين وممتلكاتهم .
2 ـ وبدلا من تفاقم الأمر حاول منع الاخوان من ارتكاب المزيد من المذابح لأن العالم ـ لم يعد مثلما كان الأمر فى الدولة السعودية الأولى ـ أصبح يسمع ويرى ويحتج وتصله الأنباء فى يومها . إختار عبد العزيز بعد مذبحة الطائف الحصار والمفاوضة بدلا من الهجوم والاستيلاء بالقوة علي جدة والمدينة المنورة . كان فيصل الدويش زعيم الاخوان قائد الجيش المتوجه لفتح المدينة . وفى طريقه إستباح قرية العوالي القريبة من المدينة قتلا ونهبا، وقد صمم علي قصف المدينة بالمدافع واستباحتها كما فعلوا بالطائف. وعزل عبد العزيز فيصل الدويش، وعين ابنه محمد بن عبد العزيز مكانه وجرت مفاوضات انتهت بتسليم المدينة بلا حرب في صباح السبت 5/ ديسمبر /1925 . وغضب فيصل الدويش ، وغادر الى قلعته الارطاوية مغاضبا لعبد العزيز.
3 ـ بعد ضم الحجاز اكتملت أهداف عبد العزيز السياسية ولم يعد بحاجة الي قوة الأخوان ،كما لم يعد يتحمل مشاكلهم ،وأراد ان يعتمد علي أنظمة حديثة يساير بها التطورات العالمية دونما معارضة ،كما ان حماية أرجاء بلاده الواسعة تطلب تطويرا في حرب الصحراء وفي الأسلحة التي لم يكن للإخوان ان يتأقلموا عليها . ولذلك أعاد عبد العزيز الأخوان الي نجد مع مكافآت مجزية من المعاشات والأراضي وغنائم الحرب ،ولكنهم كانوا يريدون استمرار الجهاد والتوسع ،ولم يعرفوا انهم وصلوا الي الحدود المسموح بها دوليا ،وان الأمر اصبح بيد إنجلترا والقوي الدولية معا . وتألم الأخوان عندما وجدوا عبد العزيز يحسن معاملة الإنجليز الكفار و(المشركين) من الأردن والعراق والحجاز بل ويبعث بابنه فيصل الى لندن وابنه سعود الى مصر .!
4 ـ وأدى حادث هجومهم علي المحمل المصري الي تأكيد الأهمية عند عبد العزيز على عودتهم الي نجد ،حتي لا يسببوا لعبد العزيز المزيد من المشاكل في الحجاز ،حيث يضم الحجاز خليطا من البشر والثقافات ،وبينه وبين نجد عداء متراكم منذ العصور الوسطي ،وكانت علاقات الأخوان بالحجاز إحدى تجليات هذا العداء . كان حادث المحمل هو الحاضر الغائب فى مؤتمر الارطاوية .
5 ـ مؤتمر الارطاوية :في ديسمبر 1926 بعد زيارة سعود لمصر مباشرة :
أعدّه فيصل الدويش بدون حضور عبد العزيز ردا على ما إعتبروه موالاة لانجلترة ومصر ، وحضرة مشايخ مطير وعتيبة والعجمان ،ووجهوا لعبد العزيز الانتقادات الآتية :إرسال ولده سعود الي مصر و ولده فيصل الي لندن وهما من بلاد الشرك .دخول المحمل المصري الي مكة مسلحا .استخدام التليفون والسيارات والتلغرافات وهي من أعمال السحر .طلب تفسير لمنع التجارة مع الكويت .فان كانوا مسلمين تعاملنا معهم وان كانوا مشركين حاربناهم . المكوس والضرائب في نجد والتشريعات الوضعية .لماذا السكوت عن شيعة الاحساء والقطيف والتغاضي عن إدخالهم في دين الجماعة .لماذا السماح لبادية العراق وشرق الأردن بالرعي في مراعي المسلمين .وهدم القبور. .
6 ـ وتطورت المعارضة السياسية بالمؤتمرات ثم إنتقلت الى الصدام المسلح والذى إنتهى بتخلص عبد العزيز من إخوانه النجديين بعد فوزه عليهم فى موقعهة السبلة 1929 : 1930 ، وحكم منفردا ، ثم ما لبث أن اعطى دولته إسم عائلته عام 1932 .
أخيرا : حادث المحمل الذى فجّر الخلاف علنيا بين عبد العزيز والاخوان النجديين أدى الى تفكير عبد العزيز فى تكوين (إخوان ) فى مصر يقومون بحكم مصر وتحويلها الى عُمق لدولته ، ولكى ينجح هذا التطور السياسى لا بد من إقامة جمعيات سلفية وهابية تُحوّل مصر من دينها التصوف السنى الى الوهابية . وهنا تكمن أهمية رشيد رضا .
ولكنه لم يكن الوحيد . كان صاحب التأثير الأعلى هو حافظ وهبة مستشار عبد العزيز ، وهو الذى دبّر إستقدام صحفى مصرى ليكتب كتابا دعائيا عن مُلك عبد العزيز ، ليتلافى به الآثار التى خلّفها حادث المحمل .
ونتوقف مع هذا الصحفى وكتابه لندرك دهاء حافظ وهبة الذى كان هو المُخرج لهذه المسرحية ــ من وراء ستار .

الصحفى المغمور الذى إستقدمه حافظ وهبة ، ورحلته وكتابه :

إستقبالات رائعة لصحفى مصرى مغمور فى ضيافة عبد العزيز
مقدمة :
1 ـ لتلافى أثر حادث المحمل ولإجراء عملية تجميل للوهابية ولحاكمها الجديد الذى إحتل الحجاز بعد مذبحة الطائف إستضاف عبد العزيز صحفيا مصريا ليكتب عنه مقالات ينشرها فى الصحف المصرية. كان هذا أثناء زيارة الأمير سعود بن عبد العزيز للقاهرة ومعه مستشار والده المصرى الداهية حافظ وهبة . عثروا على ( محمد شفيق مصطفى ) .هو صحفى مغمور لا نعرف عنه إلا من خلال هذه المقالات ، وبالتالى نفهم ان هذه المهمة قد رفضها مشاهير الصحفيين والكُتّاب فى ذلك الوقت .
2 ـ هو صحفى متواضع المستوى ، يظهر هذا فى عبارات النفاق غير المعتادة لعبد العزيز بما يترفع عنه ــ فى هذا الوقت ــ أى كاتب صحفى محترم . ثم وهو يلعب دور الرحالة يكتب عن رحلته ( في قلب نجد والحجاز ) فإنه ينسى أهم شىء يحرص عليه من يكتب رحلته وهو تاريخ بدء وانتهاء رحلته وتاريخ تنقلاته . مقالات ( في قلب نجد والحجاز )لا تجد فيها مطلقا أى تاريخ باليوم والشهر والسنة ، كما لو أن الكاتب يحكى لنفسه .
3 ـ هذه المقالات نشرتها ( مكتبة الثقافة الدينية ـ القاهرة ). ونعطى بعض التفصيلات :

من هو الصحفى محمد شفيق مصطفى
1 ـ لم أعثر على ترجمة له ، وواضح أن عدم شهرته كانت سببا فى قبوله القيام بتلك الرحلة . ونستشف شخصيته وظروف قبوله هذه المهمة مما قاله فى مقدمة كتابه .
2 ـ يقول ص 7 : ( وعليه نتوكل وبه نستعين وبعد : فلست أنكر أنني كنتُ إلى ما قبل زيارة حضرة صاحب السمو الملكي الأمير سعود ـ ولي عهد نجد والحجاز ـ لمصر في صيف العام الماضي أجهل كل شيء عن أحوال البلاد العربية التي ندين وإياها بدين الإسلام الحنيف ، اللهم إلا القدر الذي يعرفه سواد المتعلمين من أبناء مصر وغير أبنائها . )
2 / 1 : لم يذكر تاريخ بدء رحلته ، ذكر فقط مقابلة الأمير سعود فى الصيف الماضى ).
2 / 2 : يلفت النظر أن المؤلف هنا يطلق على ( نجد والحجاز ) إسم ( البلاد العربية ) . وقتها لم تكن ثقافة العروبة والقومية العربية قد ظهرت . كان يُطلق على المنطقة لقب ( الشرق ) . بعدها بثلاثة عقود قام عبد الناصر بنشر ثقافة القومية العربية بينما قام أبناء ( الجزيرة العربية ـ النجديون السعوديون ) بنشر ثقافة الوهابية . ودار الصراع بين الثقافتين فى خصومة عبد الناصر مع الاخوان والسعوديين . عبد الناصر رفع أيدلوجيته المصنوعة ( القومية العربية ) الى الحد الذى أطلق على مصر إسم ( الاقليم الجنوبى ) حين إتحد مع سوريا وكوّن ( الجمهورية العربية المتحدة) . ومع سقوطها فقد سار على دين القومية العربية صدام والقذافى . وكم فى الشرق ( الأوسط / الأتعس ) من أعاجيب .
3 ـ ويقول فى ص 8 : ( وإن أنس لا أنسى ما أبداه سمو الأمير سعود أثناء زيارته مصر من هذه الرغبة السامية ودعوته المفكرين لزيارة بلاده واستطلاع شئونها ونشر الحقائق المجردة عنها للناطقين بالضاد ممن لا يزالون يجهلون عنها كل شيء . ) أى إن الأمير سعود فى رحلته لمصر دعا المفكرين لزيارة بلاده . لم يستجب أحد من المشاهير . فاستجاب هو ، وهذا هو السبب الأول لقيامه بالرحلة .
4 ـ يقول بعدها عن بقية أسباب رحلته : ( من أجل ذلك ولأنى من نعومة أظفارى أشعر بميل خاص الى إحتذاء أثر المستطلعين لأحوال الأمم والبلدان ، وكنت ـ ولا أزال ـ ممن يؤمنون بالتطور فى كل شىء حتى إنى كنت ارقب عن كثب خلال زيارة الأمير النجدى ( يقصد الأمير سعود بن عبد العزيز ) وحاشيته الكثيرة العدد مصرـ ما تحمله هذه الزيارة لمصر المتمدينة العظيمة التحضر فى نفوسهم من الأثر والتطور النسبى فى حركاتهم وسكناتهم ومقدار قابليتهم وإستعدادهم للأخذ بأسياب الحضارة ..) .
المؤلف هنا يتكلم عن أحوال نجد فى وقته ، وقد كان الإخوان النجديون يرفضون المحترعات الحديثة وقتها من التليغراف والتليفون والموتوسيكل ، وقد أتعبوا عبد العزيز بسبب هذا . المؤلف هنا يعرض بتلقائية بين تقدم مصر وتخلّف نجد .
5 ــ ثم يقول : ( فكنت ألمس أشياء كثيرة مما كنت أومن به فى هذه الناحية الحساسة ، سواء كان فى إجتماعاتهم بزائريهم من المصريين والأجانب ، أو معاملاتهم الخاصة ، وفى خلال مشاهداتهم لعظمة الحضارة المصرية وأسباب العمران الاجتماعى ، وما إقتناه سمو أميرهم من نفائس المصنوعات وبدائع الأشياء ، وتقديره لكل ما يقع تحت ناظريه مما كان يعدُّ فى نظره جديدا غريبا .) .
5 / 1 : واضح هنا أنه شاب صحفى أثار إنتباهه مجىء الأمير سعود بحاشيته الكثيرة ، وتتبعهم بفضوله الصحفى وإقترب منهم ، وتعرف الي الحاشية فقدموه الى الأمير سعود ، فرافق الأمير وكشف لنا عن أن سعود كان فى رحلته للقاهرة يقابل ليس المصريين فقط بل الأجانب ايضا ، وهذه من أكبر الكبائر فى الدين الوهابى ــ وقتئذ .
5 / 2 : ولقد إشتهر سعود فى حكمه بالاسراف الشديد ، والمؤلف يكشف عن هذه الخصلة فيه وهو أمير جاء لمصر فإنهمك فى الشراء منبهرا بكل ما يرى .
6 ـ ولا ريب أن المؤلف فى تزلفه الى الأمير سعود وحاشيته قد أعطاهم اُذنيه ـ منبهرا ـ بما يسمعه من اقوالهم فى مناقب الملك عبد العزيز. ويجعل هذا آخر أسباب رحلته، يقول: ( فإذا أضفت الى ما تقدم ما كان ينقله الى سمعى الرواة عن فعال جلالة الملك عبد العزيز ، سواء فى تدبير شئون بلاده من الوجهتين الاجتماعية والسياسية ، والأحاديث التى كانت تنشرها الصحف لجلالته ، مما يدل على سعة إطلاعه وحدة ذهنه وبُعد نظره فى جلائل الشئون ، وإتفاق قلوب رعاياه على حبه وإجلاله ، مع بقاء أكثرهم على بداوتهم .. كان كل ما تقدم من الأسباب المباشرة التى دفعتنى للقيام بهذه الرحلة الشاقة ..) .
5 ـ بإيجاز ، هو صحفى مصرى أنتجته الليبرالية المصرية وقتها،والتى كانت تُتيح له ولغيره الكتابة بحرية . وقد وجدها فرصة للمغامرة فلم يضيعها . قام بالرحلة وكتب عنها هذه الوثيقة التاريخية ، وهى مادة شيّقة للباحث التاريخى .

التخطيط المسبق للرحلة والالتزام بهذا التخطيط
1 ـ الهدف من هذه الرحلة هو الدعاية لعبد العزيز ، وشرح أهم إنجاز حقّقه ، وهو نشر الأمن فى ربوع البلاد التى حكمها بعد أن كان الأعراب يسلبون من يمرّ بهم . لذا لم يستعمل محمد شفيق مصطفى السيارة أو الطائرة ، ولم يذهب مباشرة الى لقاء عبد العزيز ، بل إرتدى زيا بدويا وركب الناقة وسار فى الصحراء فى الطرق المعتادة .
2 ـ وفى التخطيط المسبق لهذه الرحلة كان الجميع فى إستقبال الصحفى محمد شفيق مصطفى يحوطونه بالتكريم أينما حل ، لينقل صورة رائعة للمصريين والصحفيين المصريين فيما يكتب .
3 ـ يقول فى صفحة 9 : ( وإني لمدين بشيء كثير من الفضل في نجاح هذه الرحلة إلى تلك الخلال العربية الكريمة التي أبداها لي زعماء قبائل نجد عن طيبة خاطر وإلى استتباب الأمن في تلك الربوع ، وأخيراً ، بل وأولاً وآخراً إلى رعاية حضرة صاحب الجلالة الملك عبدالعزيز التي شملتني قبل ان يعلم بأمر رحلتي ، حتى بلغت "الرياض " أثر عودة جلالته إليها من الحجاز.)
3 / 1 : منطقة نجد التى كانت تُخيف الغرباء خصوصا بوجود الاخوان النجديين فيها قد تحولوا الى بشر مسالمين ، وهذا بفضل عبد العزيز وسياسته الأمنية القاسية . وهو هنا يعترف بأن عبد العزيز هو الذى أمر برعايته .
3 / 2 : والمؤلف يشير الى تاريخ رحلته وبلوغه الرياض بذكر حادث مشهور هو رجوع عبد العزيز من الحجاز الى عاصمته الرياض . ولم يذكر تاريخ اليوم والشهر والعام ، كما لو ان القارىء فى عهده يعرف .
نماذج من الاحتفال به :
1 ـ يقول فى : ص 13 : ( وما كدتُ أصل إلى " قريات الملح " وهي اول بلد يدخل في منطقة نفوذ ابن السعود وأبدي رغبتي لبعض زعماء القبائل لزيارة عاصمة نجد حتى أسرع إلى إعداد قافلة مؤلفة من خمسة جمال امتطيت أحدها ، وكان ركاب الأربعة الأخرى بمثابة خدم خاص . ). !
2 ـ ص 14 ( وقد استقبلني أمير قريات الملح على " مصطبة " كان يجلس عليها بجانبه سيفه ، وحوله عدد من أخصائه ، وبعد أن قُدمت لنا القهوة النجدية طلب إلي أن أظل في ضيافته أياماً ، ولكني اعتذرت لرغبتي بمواصلة السفر . )
3 ـ ص 15 : ( ومن ألطف ما لاحظته في رفاقي أنهم أثناء الصلاة كانوا يراعون واجب المجاملة باعتباري مصرياً فيبتهلون إلى الله بالدعاء لمصر وأهلها وجلالة مليكها المعظم ، فكانت هذه المجاملة في ذاتها تسري عني وعثاء السفر وتقرب القوم إلى قلبي كثيراً وتشعرني بعظمة الرابطة الإسلامية التي يدين بها شعوب الإسلام . )
4 ـ ص 17 : ( ووصلنا إلى بلدة " الجوف " ، فما علم رجال اميرها عبدالله بن عقيل بقدومنا حتى خفوا إلى لقائنا ، وكان الأمير ذاته على أبواب المدينة في انتظارنا ليحيينا ويدعونا لضيافته باسم جلالة الملك ابن السعود ، وهكذا لبينا الدعوة شاكرين . )
5 ـ ص 21 : ( وما كان فجر اليوم السابع ينبلج حتى وصلنا بلدة تدعى " جبة "ذات مبان من طين أبيض يلفت الأنظار ، فأخذنا حاجتنا منها بعد أن استرحنا قليلاً ، وما كان أكبر دهشتي حتى أقبل علينا نفر من أهل تلك البلد يحتفون بنا ويسألون عني بالاسم ...)
6 ـ ص21 ( ولما صرنا على قيد أميال من حائل كان نائب الأميرعبدالعزيز ابن مساعد بن جلوي ، وهو ابن عم جلالة الملك ابن السعود في استقبالنا ، وقد رحب بنا باسم أميره ، وسار بنا حتى دخلنا " حائل "
7 ـ ص 24 : ( في ضيافة امير حائل : وفي اليوم التالي لوصولنا دعانا الأمير عبدالعزيز بن مساعد إلى قصر الإمارة وقد استقبلنا فيه استقبالا حسناً وأنزلنا فيه بمنزل خاص ورتب لنا خدمة خاصة ، وهو مطلق الحكم في إقليمه وما يجاوره من ملحقات نجد الشمالية ، فهو الحاكم المسموع الكلمة النافذ الإرادة بعد الملك ابن السعود . )
8 ـ ص 26 : ( في بريدة : وكان أمير بريدة قد بلغه خبر قدومنا ، وهو يُدعى : مبارك بن مبيريك ، فخف لاستقبالنا باسم جلالة الملك ابن السعود استقبالاً هو غاية في الود ونهاية في الكرم ، وأنزلنا في داره ضيوفاً كراماً . )
9 ـ ص 29 : ( إلى الرياض : وحدث في الأثناء أن أُذيع خبر عودة جلالة الملك عبدالعزيز من المدينة المنورة إلى عاصمة نجد للمرة الأولى بعد فتحه الحجاز ، فاخترنا طريق المستوي كي نعجل بالوصول إلى الرياض لنشهد حفلات استقباله . ).
10 ـ ص 31 : ( تعطفات ملكية : وكان جلالة الملك قد علم بقدومنا فأرسل مندوباً عنه لاستقبالنا بباب المدينة ، وسار بنا إلى قصر جلالته ، وقد دخلنا عليه لأول مرة ، فإذا به يستقبلنا استقبالا ودياً كأننا كنا على صداقة قديمة بيننا وبين جلالته ، ولما علم بغرضنا من رحلتنا سُر وأظهر عطفه على رغبتنا في استطلاع أحوال شبه الجزيرة العربية ، وأمر بإعداد منزل خاص لإقامتنا ، وطلب إلينا أن نحظى بمجلسه في أي وقت شئنا ، ومن ثم أخذنا نتعرف بكبار ذوي الشان في عاصمة نجد لنستطلع ما جل ودق من شئون البلاد ، جملة وتفصيلاً . وبدأنا نجمع المعلومات الدقيقة عما كان قبل إعلان الحرب على الهاشميين ، وفي خلال تلك الحرب ،وما جرى بعد ذلك من التطورات حتى الآن ، مما سنأتي عليه .)
11 ـ ص 39 : ( حقيقة زواج الأميرة سارة : ودُعيت لحضور حفلة زواج الأميرة سارة ابنة جلالة الملك على ابن عمها الأمير فيصل بن سعود . ).
12 ـ ص 56: ( إلى أم القرى : تركنا " الرياض " وكان من حسن الحظ أن رافقنا في رحلتنا منها إلى أم القرى سعادة الطيب بك الهزازي ، رئيس ديوان جلالة الملك ابن السعود ، يحمل الهدية السعودية إلى صاحب السمو الأمير فاروق ولي عهد الدولة المصرية ، وهي الجياد الأربعة التي وصلت إلى مصر منذ شهرين . )
هذه الاستقبالات الرائعة .. لماذا ؟
1 ـ هذه الاستقبالات الرائعة وصلت الى دعوته لحضور زفاف بنت الملك عبد العزيز ، بل تعدت هذا فى مظاهر أخرى ، مثل مقابلته للأمير سعود وحفاوة الأمير به ، ومقابلته للملك عبد العزيز وحفاوته به وحضوره مجلسا سياسيا للملك عبد العزيز مع مستشاريه ، ثم الحديث الصحفى الذى أجراه مع الملك عبد العزيز والرسائل التى حمّلها له الملك وقبله الأمير سعود للشعب المصرى والصحافة المصرية .
2 ـ البحث فى هذا يدخل فى موضوع جديد ، هو إستخدام عبد العزيز لهذا الصحفى بوقا إعلاميا له ، يقوم بعملية تجميل للنظام السعودى فى مصر إثر حادث المحمل وما سبقه من إحتلال الحجاز ومذبحة الطائف .
3 ـ وهو ذكاء نادر يُحسب لمن خطط لهذه الرحلة . فليس ممكنا وليس منتظرا أن يقوم عبد العزيز بنفسه بالرحلة الى مصر كى يقابل صحافتها ويخاطب ليبراليتها مدافعا عن نفسه ودينه الوهابى . وقد رأينا موقف الاخوان من زيارة الأمير سعود الى مصر ، فكيف لو سافر أبوه ؟ الحل هنا أن تأتى مصر الليبرالية مُمثلة فى هذا الصحفى المغمور الذى يسهل إبهاره بما يراه من جديد ، ليس فقط فى إستقبال حافل به لم يكن يتخيله ، بل فى رؤية عالم ( وهابى ) مختلف ( ومتخلف : وقتها ) برغم أنه ليس بعيدا عن مصر . ثم أن تكون هذه الرحلة مع أهميتها ومع ثمرتها السياسية والدعائية ـ بأرخص التكاليف . تنقل ضيفا لم يكلف أضيافه سوى المشاركة فى الطعام الموجود والنوم فى الفراش المتاح . لا فنادق ولا سيارات ولا طائرات .
4 ـ ولو إفترضنا أن عبد العزيز أنفق الملايين على هذا الشاب الصحفى المغمور فإن العائد لكتابات هذه الرحلة أثمن من الملايين . يكفى أنها أصبحت وثيقة تاريخية تنبض بالدعاية لعبد العزيز . أى ذهب ما أعطاه عبد العزيز لهذا الصحفى وبقى ما أعطاه هذه الصحفى لعبد العزيز . وهذا من دهاء حافظ وهبة .

رسائل بعث بها عبد العزيز للمصريين عبر الصحفى المصرى المغمور
مقدمة :
فى مقابلاته مع الأميرين سعود وفيصل ووالدهما الملك عبد العزيز تم تحميل الصحفى المصرى رسائل غرامية فيها الهيام بالشعب المصرى وصحافته ، فى وقت كانت الوهابية لا تزال ممقوتة وكانت أصداء مذبحة الطائف لا تزال حيّة . كان لا بد من هذه الرسائل للتخفيف وللتبريد وللتلطيف . وإبتلع الصحفى المصرى الطُّعم وقام مخلصا بتوصيل الرسالة منبهرا بالجو الأسطورى الذى أحاطوه به ، فكان هو الأكثر إقتناعا بما ينقل . ونعطى تفصيلا :
أولا : لقاؤه مع الأمير فيصل حاكم الحجاز باسم والده عبد العزيز .
1 ـ فى ص 57 ، يقول : ( وفي مساء ذلك اليوم بلغنا أبواب مكة ، فكان أول ما قمنا به أن طفنا حول البيت الكريم وسعينا بين الصفا والمروة سبع مرات ، وهذا فرض واجب على كل داخل مكة . وكان رجال الحكومة قد أعدوا لنا منزلاً خاصاً قضينا فيه ليلتنا ، وفي اليوم التالي قابلنا سمو الأمير فيصل نائب جلالة والده في حكم الحجاز فشاهدنا فيه أميراً عربياً حلو الشمائل عذب الحديث ذكي الفؤاد ، وكان ارتياحه إلى رحلتي عظيماً ، ولم ينس أثناء الحديث أن يذكر مصر وجلالة مليكها ورجال الأقلام في مصر بنوع خاص بأحسن ما يذكر من طيب الحديث . ). اكرموا الصحفى بمنزل خاص ، ثم إلتقى الأمير فيصل ، ومدحه ، ونقل عنه مدحه للمصريين وملكهم فؤاد الأول ، وصحافة مصر وكُتّابها ( بنوع خاص ).! رسالة موجّهة لمن يهمه الأمر . وقد وصلت لمن يهمه الأمر .
2 ـ ونصب الصحفى نفسه مدافعا عن إحتلال عبد العزيز للحجاز وتولية فيصل حكم الحجاز بعد الشريف حسين . هذا يدل على تعمق تأثره بما أحاطوه به من رعاية وعناية . يقول ص 62 تحت عنوان ( الأمير فيصل ) : ( ولما كان جلالة الملك عبدالعزيز بحكم اضطراره لمباشرة شئون نجد على الأخص ، ولأنه في الواقع لا يريد أن يحصر همه في إدارة شئون الحجاز فقد اقتضت حكمته أن يولي سمو الأمير فيصل ، ثاني أنجاله ، بمثابة قائمقام له في إدارة حكم الحجاز ، بعد ما آنس من تعلق الحجازيين بذاته وميل الشعب الحجازي إلى تسيير شئون الحكم على مقتضى نظام الشورى . وقد أصاب في ذلك كل الإصابة ، وقد أظهر هذا الأمير الصغير السن حكمة الشيوخ ولباقة الحكماء ، فجمع القلوب حوله ، حتى إن ممثلي الدول الأجنبية الذين خالطوه بحكم مهامهم الرسمية شهدوا له بحدة الذكاء وبُعد النظر ورقة الجانب، وكانت رحلته في عواصم أوربا في خلال الصيف الفائت مما أيد حسن ظن هؤلاء وأولئك فيه فنشر دعاية العرب بين أمم الغرب من طريق غير مباشر، وعاد يحمل إلى قومه وبلاده ثقة الأمم المتمدينة بعد أن كان الاعتقاد السائد بينهم أن بلاد العرب يحكمها أناس بعيدون عن المدنية مجردون عن صفات التهذيب الإنساني . ).
الكاتب هنا فى إغراقه فى مديح الأمير فيصل يعرّض بطريق غير مباشر بالشريف حسين الذى ساءت سُمعته بعد هزيمته وظهور خيبته . ونعيد التذكير هنا أن مصطلح ( بلاد العرب ) و ( العرب ) كان يعنى سكان الجزيرة العربية خصوصا نجد والحجاز. كانت فكرة الغرب عنهم سيئة ، ويقول الكاتب فى مدحه لفيصل أنه فى لقاءاته مع الأوربيين نجح فى تغيير هذه الفكرة عن ( العرب ).

لقاؤه مع الأمير سعود .
1 ـ يقول ص 40 تحت عنوان ( عند الأمير سعود ) : ( وقد دعاني سمو الأمير سعود إلى زيارته في قصره الخاص ، فكان أول ما ابتدرني به قوله : لن أنسى ما عشت أهل مصر وحفاوتهم بي ، كما لا تبرح عن مخيلتي تلك المكارم التي طوقت بها عنقي الحكومة المصرية ، ولا أنسى على مدى الدهر عطف حضرة صاحب الجلالة الملك فؤاد الأبوي ، أثناء تشريفي بمقابلته السنية ، فهي صفحات ما فتئت أقلبها منذ وطئت قدماي أرض بلادي بعد عودتي من مصر .وإن قومي ليحفظون كل ذلك لمصر ، ويعدون كل ما نلته من مظاهر الحفاوة والتكريم إنما اختصوا هم به ، فكان موجههاً لهم بالذات .وقال : ولن أنسى كذلك أن أخص بالشكر رجال الصحافة المصرية الذي برهنوا على عظيم محبتهم للإسلام وأهله ،وإني لذلك ما زلتُ أدعو لمصر بكل خير ، وأتمنى من صميم قلبي إحكام صلات الود والصفاء بين البلدين ) .
هذه رسالة غرامية بلا شك .!!


اللقاء الأول بالملك عبد العزيز
ثم إلتقى فى نهاية المطاف بالملك عبد العزيز ليرحّب به الملك عبد العزيز .!!

1 ـ تحت عنوان ( أول حديث ملكي معنا ) يقول ص : 36 : ( وما يجدر بي ذكره أنه بعد أن مثلت بين يدي جلالة الملك كان أول ما ابتدرني به من الحديث أنه هنأني بسلامة الوصول ، وطفق يسألني باهتمام عما شاهدته أثناء سفري الطويل الشاق ، فكان يبتسم ابتسامات الإعجاب كلما أجبته عن سؤال بما لا يخرج عما أسلفتُ بيانه في مقالاتي السابقة . )
عبد العزيز يبدأ بتهنئة الصحفى المصرى ( المغمور ) بسلامة الوصول فى اول كلامه معه . ثم يأخذ من الصحفى تقريرا عن مشوار رحلته وما حدث له فى سفره الطويل ، أى يريد الاطمئنان على نجاح الخطة التى وُضعت لابهار الصحفى . وجاءت الاجابة إيجابية . بعدها أخذ الملك يحدث الصحفى ليزيد إبهاره . نعود الى المؤلف ، وهو يقول:
2 : ( ومن ثم بدأ جلالته يحدثني قائلاً : " وليس عندنا سوى دين واحد ، ومذهب واحد ، والجميع يؤذن للصلاة وراء إمام واحد ، وهذا ما نشكر الله سبحانه وتعالى عليه ، نعم إن المذاهب أربعة ، ولكننا نعتقد أن مذهب الإمام ابن حنبل هو أقرب المذاهب للسنة النبوية السمحة . فلا نجد عندنا إلا ما يقوله المسلم لأخيه المسلم : السلام عليكم ، وهم مرتبطون جميعاً بكلمة التوحيد ، وعلى هذا الأساس يقوم ملكنا والحمدلله ، نحن لا نبغي الملك لذاته ، فالملك لله الواحد القهار ، فوالله وبالله ، لو أُعطينا ممالك الأرض طراً وأحسسنا أن ببعضها شركاً لبعدنا عنها بُعد السماء عن الأرض ، وليس يعيننا أن نقاتل الكفار ، ولا نبغي عليهم إلا أن يهديهم الله سواء السبيل ، فما داموا بعيدين عنا فليس ينالنا منهم شيء ، ولا نحب أن نذهب إلى ديارهم ، ولا أن نتشبه بهم ، حتى ولا نرتدي شيئاً يلبسونه ، إن المسلم الحقيقي هو الذي يتبع أُصول دينه ، ويرعى أمر الله ، فمن شابه الكفار أو تشبه بهم فلا خير له في الدنيا ولا الحياة الآخرة "
2 / 1 : بعد أن وضع عبد العزيز ضيفه الشاب فى حالة الإبهار جعله يبتلع الأكاذيب ، منها أنه جعل مذهب الحنبلى أقرب المذاهب للتسامح.
2 / 2 : ـ وقوله : ( فلا نجد عندنا إلا ما يقوله المسلم لأخيه المسلم : السلام عليكم ) هو صحيح وفق الدين الوهابي الملاكى الذى يجعل أتباعه يحتكرون الاسلام لأنفسهم ، فهم وحدهم المسلمون يشيع بينهم السلام لأنهم وفق تشريع الدين السنى هم ( دار السلام ) وما عداهم ( دار الكفر والحرب ) ، لأن من عداهم فهم مشركون ( من بقية المحمديين ) أو كفرة ( أهل الكتاب ).
2 / 3 ـ وهذا هو معنى التوحيد عندهم ، فهم أصحاب مذهب واحد يقوم عليه ملكهم . وهم المسلمون الحقيقيون الذين لا يتشبهون بالكفار ، فمن شابه الكفار فلا خير فيه فى الدنيا والآخرة . أى إن لم تكن وهابيا فلا خير فيك فى الدنيا ولا فى الآخرة . والوهابيون وقتها كانوا يرمون غيرهم من المحمديين بالتشبه بالكفار .
حضور الصحفى المغمور مجلس عبد العزيز مع مستشاريه :
1 ـ نشرت صحيفة سورية خبرا يقول إن عبد الله بن عابد ترك مكة وحشد جيشا يحارب به عبد العزيز . هو خبر كاذب فقد أصبح ابن عابد من المقربين لعبد العزيز . وجدها عبد العزيز فرصة للتأثير على الصحفى المصرى ، فدعاه لحضور المجلس الملكى الاستشارى ، وقبله تعرف الى عبد الله بن عابد . وحضر الصحفى المصرى المجلس الملكى وكان ضمن الحضور عبد الله بن عابد . ووضعوا نسخة الصحيفة السورية بخبرها الكاذب بجانب الصحفى المصرى ، فقرأه واندهش من الكذب لأن ابن عابد المذكور يجلس فى المجلس مستشارا لابن سعود وليس ثائرا عليه ، لذا تجرّا الصحفى وتكلم منتقدا وناصحا وأثنى على الصحف المصرية فى تثبتها وعدم كذبها . وإلتقط منه عبد العزيز الخيط ، يمدح الصحف المصرية ويلفت النظر الى أنه ليس كل ما تكتبه الصحف يكون صحيحا ، . بالتالى فإن ما يقال ــ مثلا ـ عن مذبحة الطائف ليس كله صحيحا . هذا هو الغرض من إبهار هذا الصحفى الشاب بحضوره هذا المجلس الملكى . أن يرسل رسالة دعائية ودفاعية للشعب المصرية .
2 ـ نرجع الى رواية الصحفى فى كتابه : يقول ص 42 تحت عنوان (في المجلس الكبير ): ( ولهذه المناسبة أذكر أن جلالته تفضل بدعوتي إلى هذا المجلس . وفي الأثناء لفت نظري إلى نبذة في إحدى الصحف السورية جاء فيها أن السيد عبدالله بن عابد ترك مكة وانه حشد جيشاً على جلالة الملك ابن السعود ، في حين أن السيد المشار إليه كان بين الحاضرين في المجلس ! فلما قرأت هذا ابتسمتُ وقلتُ لجلالته :(وما آفة الأخبار إلا رواتها ) فلا يصح يا صاحب الجلالة أن تكون مثل هذه الرواية المكذوبة دليلاً قائماً على أن الصحف سواسية في هذا الباب ،يدلك على ذلك أن الصحافة المصرية مثلاً شديدة التدقيق في رواية الأخبار ، فهي لا تقنع من صحة رواية بما يصل إليها من مصدر معين إلا إذا تثبتت كل التثبت من صدقه ، وكذلك الشأن في كل صحيفة تحترم نفسها ، ولا تبغي سوى تقرير الحقائق وإنارة أذهان الجمهور بها . وهنا قال لي جلالته : إنه يجل الصحف المصرية ويعتبرها في طليعة صحف العالم الإسلامي ، وما كان يقصد من لفت نظري إلى تلك النبذة إلا ليلفتني كصحفي إلى أن كل ما يقال غير صحيح ، وأن جلالته وجيرانه وكل من يتصل بملكه من كبار رجال العشائر وأقطابها على اتفاق ووئام ، فأمن المجلس على قول جلالته وفي مقدمتهم السيد عبدالله المذكور. ).
دهاء عبد العزيز ـ بهذه المسرحية ـ يعنى أنه تلاعب بهذا الصحفى المصرى ذات اليمين وذات الشمال .!!

الصحفى المصرى المغمور يحاور الملك عبد العزيز

الحديث الصحفى مع الملك عبد العزيز
مقدمة : ـ لا نجزم أن هذا أول حديث صحفى يدلى به عبدالعزيز بعد إحتلال الحجاز ، ولكن نزعم أنه أول حديث صحفى يدلى به الملك عبد العزيز فى قمة إنتصاراته الى صحفى مصرى ( مغمور ) حرصا منه على الافلات بإنتصاره وإحتلاله الحجاز . ننقل فقرات الحوار ثم نعلق عليها .
الحوار وتعليق عليه
1 ـ فى ص 52 وتحت عنوان : حديث ملكي هام ، قال : ( بدأ جلالته حديثه قائلاً : أرجو ألا تكونوا قد تأثرتم بشيء مما بدا لكم من خشونة بعض سكان البادية وجفاء طباعها أو شدة تعصبهم للدين ، فلذلك أمر يرجع إلى الفطرة التي نشأوا عليها ، على أني شخصياً وكبار أقطاب دولتي لسنا على شيء من هذا ، يدلك على هذا أن مندوبي الدول ذات الشأن بنا يدخلون معنا في مفاوضات طويلة فلا نشتد وإياهم ، أو نسلك معهم مسلكاً ينأى بهم عنا ، بخلاف ما شاهدتموه أنتم شخصيا إذا طوحت بكم أحاديث كهذه مع قبائل البدو الذين هم على الفطرة ، وإني أحمد الله أن شعباً كهذا يلين بالولاء لمليكه ، ويرفع كلمته عند الشدة ، ويبذل مهجه عند الضرورة ، ويقنع بالقليل من أود الحياة ، ولعل أخبار حربنا مع الشريفين وما أبداه شعبنا من بسالة وإقدام وتفان في رفع راية مليكه اكبر شاهد على ما أقول .)
تعليق :
الملك هنا يجعل فارقا بينه وبين الاخوان النجديين المتعصبين الذين يجعلون كراهية الآخر فرضا دينيا ، وهو يعلل هذا بأنهم بدو ، متناسيا أنه هو الذى علمهم الوهابية فى المستوطنات التى أعاشهم فيها يحفظون كتب ابن عبد الهاب ويخرجون منها يقتلون ويغزون ويفتحون البلاد لسيدهم عبد العزيز. وهو يستشهد على تسامحه بأنه وكبار دولته يتفاوضون مع أقطاب الدول الأخرى . أى يمتنّ على زعماء الدول بأنه يفاوضهم ولا يقاتلهم . وهو مضطر للتفاوض معهم لأن هذا هو المتاح وغير المتاح قتالهم لأن قتالهم يعنى القضاء عليه .
2 ـ ( سألنا جلالته : وهل تتنازلون جلالتكم ببيان الأسباب المباشرة لقيام الحرب الحجازية الأخيرة ؟ . فأجاب :
نعم ، وإني لأقسم لك بأني ما كنت أبغي الحرب معهم ، لولا ان الشريف حسيناً هو الذي ألجأنا إلى قتاله بما ارتكبته عصابته في السنوات الأخيرة من سوء معاملة حجاج بيت الله الحرام ، ليس بالنسبة للنجديين وحدهم ، بل وسواهم من أُمم الإسلام الأُخرى ، ولقد صبرنا عليهم صبراً جميلاً وفوضنا الأمر فيهم لله تعالى ، فما ازدادوا إلا بغياً وعدواناً وأنذرناهم بداءة بدء بسوء المصير ولكنهم تمادوا عتواً، وأعمل رجالهم صلفاً وإرهاقاً مما لا قبل لنا على المزيد من الصبر عليه ، فاضطررنا في نهاية الأمر إلى تسيير جيشنا إلى الحجاز ، وإذا سمعت مني كلمة : جيش فليس ذلك الجيش إلا أولئك البدو البواسل الذين تشاهدهم حولك هنا وهناك ، فعلنا ذلك وكان يقيناً أننا نطهر أرض الحجاز من أهل البغي ونؤمن طريق الحجاج ونحمي أرواح المسلمين ، ليس في نيتنا أن نتملك الحجاز لذاته او نزيد ملكنا بسطة وسلطاناً فقد كنا نعلم أن لأهل الحجاز عقائد وتقاليد تخالف عقائدنا ، وهناك عصابات القتل والنهب والإخلال بالأمن من الصعب قطع دابرها أو تحويل عقائدهم وأحكامهم إلى مثل الحال في بلادنا ، نجد ، وكنا نعلم أكثر من ذلك ان امتلاك الحجاز ربما يسبب لنا متاعب ويفتح الباب لتدخل بعض الدول الأُوربية معنا ، ولكنا خضنا الحرب مع ذلك تحت تاثير غرضنا الأسمى ، الذي أسلفت لك بيانه ، وهكذا كُتب لنا النصر بعد حرب لم تدم طويلاً بسبب تذمر الحجازيين من سوء حكم الشريف ، حتى لقد كان رجالنا لا يلقون في أكثر المواقع الحربية مقاومة تُذكر ، وكنا كلما دخلنا مكاناً أهل بنا أهله كافة ، بل ما كدنا نطرد الشريف وعصبته ونقبض على ناصية الأمور في الحجاز ونعلن لأهلها عدم رغبتنا في حكم الحجاز حتى اجتمع زعماؤه وأصحاب الكلمة فيه وأجمعوا رأيهم على مبايعتنا الملك فيه، وهكذا لم نر بداً من أن نقبل هذه البيعة وأن نقبل حكم الحجاز بدين الله وسنة نبيه الكريم .)
تعليق :
1 ـ لو تخيلنا وجود الشريف حسين فى المجلس يدافع عن نفسه قائلا الصدق لاعترف بمساوئه فى معاملة رعيته وفى إستغلال الحجاج . ولكن السيئات التى فعلها لا مجال لمقارنتها بالكبائر الذى ارتكبها الوهابيون عندما استولوا على الحجاز فى الدولة السعودية الأولى وفى إحتلال عبد العزيز له. يكفى ذبحهم لأهل الطائف مرتين . ثم إن الوهابيين تحكموا فى الحج فمنعوا مخالفيهم من الحج ، فعلوا هذا فى الدولة السعودية الأولى . ولم يجرؤ عبد العزيز على ان يفعل ذلك فى وضعه وهو يستجدى سكوت مصر عنه . ولكنه فعلها أبناؤه فيما بعد من حرمان المصريين من الحج فى عهد عبد الناصر وحرمان الايرانيين بعدها .
2 ـ ويكذب عبد العزيز فى زعمه أنه لم يكن يريد إحتلال الحجاز إلا إنه إضطر لذلك بسبب فساد حكم الشريف . وهل هو المُطالب بتأديب الشريف وهل هو المُخوّل وحده بالضرب على يد الشريف ؟ . واقع الأمر أن منهج عبد العزيز هو إسترداد ما يزعم أنه كان مُلكا لأسلافه ، وطالما إستولى أسلافه على الحجاز لسنوات قلائل فلا بد أن يستعيده الى ممتلكاته ، سواء كان حاكم الحجاز فى فساد الشريف حسين أو فى تقوى عمر بن عبد العزيز.
3 ـ ويكذب عبد العزيز فى زعمه ترحيب أهل الحجاز بحكمه وبجيشه ، فمذبحة الطائف جعلت أهل مكة والمدينة وجدة بين أمرين : المقاومة وما تعنيه من ذبح الجميع أو الحياة فى ظل حكم عبد العزيز . بعث عبد العزيز بإخوانه المتوحشين وهو يعرفهم ويعرف ثقافتهم فى الاستحلال للدماء والأمول على أنه الجهاد الذى يعنى دخول الجنة . وبعد أن أرعب سكان الحجاز بذبح سكان الطائف تدخل يمسح الجراح ويلعب دور القديس ، فوجد اهل الحجاز فيه القشة التى يتعلقون بها من الغرق فى بحر الدماء . فالاخوان لا يزالون ـ وقتها ـ موجودين ، والتهديد بهم قائم . ولو ثار أهل الحجاز فلن يوجد من يدافع عنهم بعد طرد الشريف حسين وأسرته. أى لم يبق لهم سوى الاختيار بين عبد العزيز ( المنافق الذى يظهر الاعتدال ) والاخوان الذين كانوا يطبقون خاتمة العقد بين ابن سعود وابن عبد الوهاب ، وهو شعار : الدم الدم الهدم الهدم .
3 ـ ( وسألنا جلالته ـ وماذا أبدلتم من نظام الحكم في الحجاز ؟
فأجاب جلالته : إن النظام الأساسي لحكومته لم يتغير ، فأبقينا كبار الموظفين الذين عهدنا فيهم الصدق والإخلاص لنا ، بل الذين كانوا في مقدمة الذين بايعونا الملك وكل ما أحدثناه هو إبدال القوانين التي شرعها لهم الشريف باتباع حكم الشرع ، كما هو الحال في نجد ، وقد استقبل الناس ما شرعناه لهم بمزيد الابتهاج . والرضى ، وقد كان لذلك اثره الفعال في سرعة تبدل الحال واستتباب الأمن وقطع دابر الفوضى من أرض الحجاز ، كما سنرى عندما تزورها . )
تعليق :
1 ـ سارع كبار الموظفين فى الحجاز الى مبايعة عبد العزيز فأبقاهم فى مناصبهم طالما يضمن إخلاصهم لهم. ما فعله ببساطة هو إخضاع الحجاز للوهابية باسم حكم الشرع ، فهم الشرع مع ان شرعهم هو صناعة بشرية وأقوال فقهاء نجديين يجترون ما كتبه الحنابلة السابقون ، وأن ما يوجد فى الحجاز من قوانين هى أيضا صناعة بشرية لكنها لا تزعم قدسية الشرع الالهى كما تفعل الوهابية .
2 ـ قوانين الحجاز التى أبطلها عبد العزيز كانت أكثر عصرية بحكم أن الحجاز كان الأكثر حضارة وإنفتاحا على العالم ويعيش فيه بشر من مختلف أنحاء العالم عكس نجد وانغلاقها وتزمتها . ومن الطريف أن الكاتب عرض للتخلف الذى كانت تعيش فيه مملكة عبد العزيز من حيث الأنظمة الحكومية ، بحيث يمكن القول أنه لم تكن هناك حكومة بالمعنى المألوف . ثم إضطر عبد العزيز بعد ظهور البترول الى إستحداث قوانين جديدة ليواكب العصر . وقد شرحها الزركلى فى كتابيه عن عبد العزيز . ولم ير عبد العزيز فى (أنظمته ) الجديدة خروجا على الشرع .
4 ـ ( وسألنا جلالته : قلتم لنا إنه لم يكن بد من تدخل بعض الدول في شأن من يحكم الحجاز ، فماذا تقصدون بتلك الدول ؟
فأجابنا : تعلمون أن أكثر دول أوربا وفي مقدمتهم إنجلترا تحكم أمما إسلامية ، فكان من البديهي أنها تهتم بشئون حجاجها . مثل ذلك أن الأزهر الشريف فيه رواق لكل دولة ومن حقها أن تتدخل مع الحكومة المصرية في كل ما يمس شئون شيوخه وطلابه ، فالمسألة في حكم الحجاز من حيث تدخل الدول لا تتعدى هذا الشأن فقط ، وإذا جاز لي ان أخص بعض الدول بالثناء فإنما هي إنجلترا التي برهنت في أكثر من موقف على أنها لا تبغى بنا تحكماً فيما هو خارج عن حدودها ، فمادام رعاياها من الحجاج في أمن واطمئنان وأسباب رعاية صحتهم متوفرة بينهم فهي لا تحرك شأناً ، قل أو عظم .)
هنا رسالة ذكية من عبد العزيز للحكومة المصرية ، بمعنى إذا كانت انجلترة التى تحكم الهند ومصر وغيرهما لا تتدخل فى أمور الحجاز طالما كان الحجاج من مستعمراتها فى سلام فالأولى بالحكومة المصرية ألا تتدخل فى شئون الحجاز طالما كان الحجاج المصريون فى أمان . ينسى عبد العزيز أن لمصر حقوقا تاريخية فى الحجاز من ألف عام قبل ظهور محمد بن سعود عميد الأسرة السعودية . وإذا كان عبد العزيز يرى لنفسه حقا فى الحجاز لأن الدولة السعودية إحتلته سنوات فى القرن التاسع عشر ، فماذا عن مصر ؟
5 ـ ( سألنا جلالته : وما رأيكم في الخلافة الإسلامية ولماذا لا ترغبون فيها ؟
فأجابني مبتسماً : لإني أعتذر لك عن الخوض في هذا الشأن الخطير لأسباب أراها لا تتفق مع تمسك أهل بلادنا بنصوص حكم الشرع ، ولا أرى من اللياقة وحسن المجاملة أن أنبسط معك في هذا الموضوع .).
هى لياقة فعلا من عبد العزيز ألا يتكلم فى موضوع الخلافة لأنه قد يتعرض الى عدم أحقية ملك مصر فؤاد الأول الطامع فيها . ويرى عبد العزيز أنه الأحق بهذا المنصب الدينى ، لكن الوقت غير مناسب ، خصوصا مع سياسته فى التمهل ومراعاة المناخ السائد ، وهو يريد تحييد مصر وعدم إثارتها عليه ليسهل عليه غزوها فكريا ودينيا بالوهابية ، وعندما تدين مصر بالوهابية تصبح تابعة لأسرته السعودية . وهذا ما يحدث الآن . اصبحت السعودية (المولودة عام 1932)هى الشقيقة الكبرى لمصر (المولودة من خمسين قرنا قبل السعودية ).
6 ـ ( قلنا لجلالته : وما رأيكم في توظيف أذكياء المصريين في وظائف دولتكم ؟
فأجابنا جلالته قائلاً : إن حبي وتقديري لأبناء مصر فوق ما تتصور أنت ، فهذا مستشاري الأمين وساعدي الأيمن فضيلة الشيخ حافظ وهبة ، له عندي المقام الأسمى وعظيم التقدير ، وإني أُرحب بمن يرغب في تولي مناصب البلاد من أبناء هذا البلد الغني الوفير الخيرات ، وإني أرجو الله أنهم يتسع نطاق العمران في بلادي على مدى الأيام وتزيد موارد دولتي فيكون المجال فسيحاً أمام هؤلاء الإخوان الذين أتمنى وجود أكثر عدد منهم بين موظفي حكومتي . )
عبد العزيز هنا يفضحه لسانه . يريد من مصر (إخوانا ) يعملون لديه . وكان فى هذا الوقت يعمل لنشر الوهابية فى مصر ليؤسس له وهابيين فى مصر يكونون إخوانا له بعد أن أيقن أنه لا بد له من الصدام مع (إخوانه ) النجديين .
7 ـ ( قلنا لجلالته : وما رأيكم في حادث المحمل المصري ؟
فأطرق جلالته قليلاً ثم قال :
ليت تلك الساعة العصيبة التي وقع فيها هذا الحادث المنكود لم تكن مسطورة في حساب الدهر ، فقد جرها اناس لا ينظرون إلى أبعد من اُنوفهم ، وهم في ساعة غليان ، أحمد الله الذي كتب لحامية المحمل المصري السلامة ولم يحملنا وزر ما جرى أوما كان ان يكون ، فمصر هي أقرب دول الإسلام جواراً لنا ، وجلالة مليكها فؤاد الأول له في فؤادنا أجل مكان ،وإني أؤكد لك بأنه على توالي الأيام سيدرك أمثال الذين أثاروا هذه الحادث برعونتهم أن لا شيء أحب إليهم من تمتع الأراضي المقدسة بأعظم انواع السلام والطمأنينة .) .
هنا مربط الفرس ، والسبب الذى جىء بهذا الصحفى الى حضرة عبد العزيز . أن يزيل الآثار المترتبة على حادث المحمل . وكلام عبد العزيز أبرع ما يقال فى هذا المجال .
8 ـ ويختم الصحفى حديثه فيقول : ( وكان هذا خاتمة حديثنا مع جلالته. وبعد أن شكرنا ما لقينا في بلاده من ضروب الحفاوة والإكرام وما خصنا به جلالته وسائر أفراد أسرته الكريمة من الرعاية والعطف استأذناه في السفر الى مكة المكرمة . )
أخيرا : نحن ننسب الاجابات لعبد العزيز وفقا لما كتبه الصحفى المغمور . ولكن الواقع أن الذى كتب الأسئلة والاجابات هو ذلك الداهية حافظ وهبة . هو المخرج الذى كان وراء ستار . وتلك كانت وظيفته مع عبد العزيز مستشارا له .

الصحفى المصرى يقوم بالدعاية لعبد العزيز
مقدمة
كل كتاب الصحفى محمد شفيق مصطفى هو دعاية للملك عبد العزيز بن سعود . منها دعاية غير مباشرة ، ودعاية صريحة واضحة فجّة . هنا نعرض لبعض هذه الدعاية الصريحة الفجّة .
أولا : فى مدح الملك عبد العزيز وأهله :
1 ـ يخاطبه بألفاظ الجلالة ، وعبارات النفاق بما يخرج عن الحياد المفترض ، وينسحب هذا على والد عبد العزيز وأولاده بل وشقيقته . يقول مثلا يصف جدول أعمال الملك عبد العزيز ص 43: ( وبعد أن ينفض ذلك المجلس يذهب جلالته إلى القصر الخاص الذي يُقيم فيه والده الشيخ ، وهو ـ رغماً عن كونه في العقد التاسع من عمره ـ على جانب عظيم من الذكاء وسرعة البديهة ورقة الجانب ، فضلاً عن كونه محبوباً من سائر أهل نجد . وبعد ان يقضي في حضرته برهة ينتقل إلى زيارة كبرى شقيقاته الأميرة "نورة " التي يجلها جلالته ويضعها في مكان خاص من نفسه ، فقد جرت عادة اهل نجد أنهم يخصون كبرى شقيقاتهم بأجلى مطاهر التوقير والإجلال .ومما أذكره أيضا بالشكر والثناء لهذه الأميرة الجليلة ذلك الكرم العربي ومكارم الخلال ، فقد كانت تبعث إلي يومياً بمختلف أنواع الطعام ولا تنفك تستفسر عن حالي وتبالغ في إكرام جانبي . )
2 ـ وفى ص 41 يقول عن حياة الملك اليومية : ( وبعد ذلك يستقبل وفود الأخوان ، فيقضي في الاحتفاء بهم ومسامرتهم وسماع ما يدلون به إليه من الأقوال والأحوال وقتاً غير قليل . ومما يُذكر أن أولئك الإخوان يتحدثون إلى مليكهم كأنما يخاطبون واحداً من إخوانهم البدو في الصحراء . مثال ذلك أني رأيتُ أحدهم يخاطب مولاه الملك بقوله : " يا عبدالعزيز! فاستكبرتُ ذلك منه وكدتُ لا أُصدق سمعي لحقارة شأن المتكلم وسعة صدر جلالة الملك ، لولا أن أحدهم همس في أُذني قائلاً : "ذلك هو الدستور الذي شرعه لنا الملك ،فهو يقبله على العين والرأس ولا يرضى سواه بديلاً". ) .
المؤلف هنا يتكلم عن شيوخ القبائل ويخلط بينهم وبين الإخوان النجديين الذين كانوا وقتها فى خصومة معلنة مع عبد العزيز ، ولا نتصور ـ كما يقول المؤلف ـ أنه كان يقضى وقته يحتفى بهم ويسامرهم ويسمع لهم . شيوخ القبائل إعتادوا مخاطبة عبد العزيز باسمه المجرد . وهذا ينسحب على البدو العاديين وقتها ، وقد ذكر المؤلف عنهم ص 15 : (ومع أن أؤلئك البدو لا يزالون على سذاجتهم فهم يدلون بأقوالهم وأفعالهم عن فطنة وانتباه إلى ما يصدر منهم ، فلا يتخذون من الشئون السياسية والمباحث الخاصة برجال دولتهم مثارا للبحث أو التسلية ، كما يفعل غيرهم من أبناء الأمم الشرقية الأخرى ، فهم يقتصرون على ترديد هذه العبارة " الملك لله ثم لعبدالعزيز بن السعود " ) .
الدعاية هنا مؤثرة لدى المصريين ، بالذات . لأنها تدفعهم الى المقارنة بين ( الملك عبد العزيز ) و ( الملك فؤاد ). الملك عبد العزيز يتسامر مع رءوس الناس وينادونه بإسمه المجرد ( يا عبد العزيز ) ، بينما الباشوات وكبار المصريين يركعون أمام الملك فؤاد يقبلون يده وينادونه بصاحب الجلالة . ويأتى مدح المؤلف لعبد العزيز بقوله : ( وكدتُ لا أُصدق سمعي لحقارة شأن المتكلم وسعة صدر جلالة الملك ، لولا أن أحدهم همس في أُذني قائلاً : "ذلك هو الدستور الذي شرعه لنا الملك ،فهو يقبله على العين والرأس ولا يرضى سواه بديلاً". ) . هذا الكلام إختراع من المؤلف لأنه من المستبعد أن يتحدث أحد من ( نجد ) قائلا (ذلك هو الدستور الذي شرعه لنا الملك ) . فكلمة الدستور لم تكن معروفة أو مستعملة وقتئذ بين النجديين والعرب عموما. هى مستلزمات الدعاية التى تخاطب المصريين بثقافتهم ، أى إذا كان لديكم دستور وملك تركعون له فإن الدستور العملى فى مملكة ابن سعود أن يخاطبه الناس بإسمه المجرد كأنه واحد منهم . ومن المستحيل أن يقول أحد الوهابيين ( .. الذى شرعه لنا الملك ) ، لأن التشريع لا ينسبونه للبشر بل لرب العزة جل وعلا . وتشريعات الفقهاء السنيين ينسبونها لرب العزة على أنه شرع الله .
3 ـ وللدعاية فإن المؤلف يؤكد حٌبّ الملك عبد العزيز للملك فؤاد بقوله ص 43 :
( وقد رأيت بين سيارات جلالته سيارة يهتم بها جد الاهتمام ، ولا يركبها إلا في الحفلات الهامة ، تلك السيارة الفخمة التي أهداها له حضرة صاحب الجلالة فؤاد الأول ، صاحب النيل . )
4 ـ ومن فنون الدعاية ما سبقت الاشارة اليه فى حديث المؤلف عن الرعاية والحفاوة والتشريف الذى تمتع به فى رحلته وفى لقائه بالملك وإبنيه سعود وفيصل حاكم الحجاز . وهو هنا يقول ص 67 عن رحلته من مكة الى جدة : ( قد انتهينا من رحلتنا واستوعبنا ما يهم قومنا وبلادنا الاطلاع عليه ، واعتزمنا مبارحة مكة ، فودعنا سمو الأمير فيصل ، الذي كان على الدوام لا يكف عن التلطف بنا والاستفسار عنا . ) .
ثانيا : فى موضوع الاخوان :
1 ـ ربما لم يلتفت مؤرخو عبد العزيز الى هذا الكتاب الذى كان فيه المؤلف شاهدا حيا على ظروف خاصة ودقيقة حين إحتل عبد العزيز الحجاز بسيوف الاخوان النجديين ، وتوترت العلاقة بين عبد العزيز وإخوانه . كان الاخوان لا يزالون فى المشهد السياسى بعد حادث المحمل ، ونقل مشاعر الاخوان ضد عبد العزيز وإتهامهم إياه بأنه إنحاز للمصريين ضدهم فى موضوع المحمل .
2 ـ يقول ص 44 تحت عنوان : ( بين زعماء قبائل نجد ) ويقصد بهم الاخوان النجديين : ( وعلى ذكر ماروته بعض الصحف أثناء وجود سعادة الطيب بك الهزازي رئيس ديوان جلالة الملك ابن السعود في مصر أخيراً عن وجود خلاف بين بعض زعماء قبائل نجد أمثال فيصل الدويش ، زعيم قبيلة الأرطاوية ،( الارطاوية ليست قبيلة وإنما هى إسم للمستوطنة أو الهجر التى كانت تحت قيادة فيصل الدويش ) وسلطان بن مجاد ( الصحيح : ابن بجاد )، زعيم قبيلة الغطغط ، من جهة ( الغطغط أيضا هو مستوطنة وليس قبيلة ، ونسى المؤلف أن يذكر الزعيم الثالث للإخوان ، وهو ضيدان بن حثيلين )، وبين جلالة ابن السعود ، من جهة اخرى ، أقول : إني سمعتُ شيئاً في هذا الموضوع أثناء وجودي في" الرياض " ذلك أنهم يعزون وقوع ذلك الخلاف إلى حادث الاعتداء على المحمل في منى ، فقد قيل : إن القتلى من النجديين كانوا من قبيلة فيصل الدويش ، وقد اعتبر بعض غلاة هذه القبيلة أن تصرف جلالة الملك عبدالعزيز كان مُهيناً لهم ، وكان من واجبه أن يثأر لهم ، ولكن ما كان أخيب رجاء الغلاة عندما علموا ان فيصلا هذا ذهب إلى " الرياض " عقب وصول جلالة الملك بعد ان تعرف على الحقيقة من جلالته وأمن عليها وانقضى بذلك كل قيل وقال .أما سلطان بن مجاد فقط قيل: إن نزاعا قام بينه وبين جلالة الملك على تطبيق بعض الأمور الشرعية ، ولكنه بعد أن تبين الحقيقة قصد إلى "الرياض " وقابل جلالة الملك وخرج من لدنه شاكراً .ولكن يظهر أن بعض دعاة السوء أرادوا بث دعايتهم في قلب نجد بعد أن فشلوا في الحجاز فلم يفلحوا ، وهكذا عادت المياه إلى مجاريها وانقضى الأمر. )
3 ـ المؤلف هنا ينقل يعض معلومات خاطئة لمجرد الدعاية . إذ لم يتم الصلح بين عبد العزيز والاخوان بل تطور الى معارضة سياسية دينية بالمؤتمرات ثم تصاعدت الى الحرب بينهما . ولكن صحيحا ما يقوله المؤلف عن شعور الاخوان بالاهانة من تحيز عبد العزيز للمصريين فى حادثة المحمل وبعدها . وقد استنكروا فى مؤتمر الارطاوية سفر سعود الى مصر بلد الشّرك فى عقيدتهم الوهابية .
4 ـ الرسالة الدعائية الواضحة هنا أن عبد العزيز إنحاز للمصريين ضد إخوانه النجديين .
ثالثا : هجاء الشريف حسين ومدح الملك عبد العزيز .
يقول ص 63 : 64 : تحت عنوان ( الحج ومراسيمه ) :
( ومما يذكر حيال الحج ومراسيمه أن جماعات المطوفين كانوا إلى ما قبل حكم الملك ابن السعود في الحجاز أشبه بجماعات التراجمة الذين يصاحبون السياح الأجانب في مصر ، فيمثلون معهم شتى ضروب القبائح ويرسمون أمام انظارهم أشنع صنوف الموبقات ، ويصورون لهم الأمة المصرية تصويراً ذميماً ، مما حمل الصحافة المصرية في الأيام الأخيرة أن تطلب من الحكومة المصرية الوقوف في وجههم ومصادرتهم وسن اللوائح لإيقافهم عند حدهم محافظة على كرامة مصر مصر وسمعتها .
وقد كان أولئك المطوفون يتلقفون الحجاج ، ولاسيما بسطاؤهم فيبتزون أموالهم ويلقنونهم أقولاً خرافية منافية للشرع والعقل معاً ،مثال ذلك أن يمسك احدهم بحاج ساذج ويلقنه العبارة التالية ، بصوت خافت على باب الحرم الشريف ،كأنما هو ينزل عليه آية من السماء ، وهذا هو :" اللهم إني نويتُ إعطاء مطوفي مبلغ كذا من المال بنية الله ورسوله " فإذا ما نطق الحاج بهذه الكلمات حسب أنها سجلت عليه في لوح مسطور لا سبيل إلى نقضه بحال حتى إذا فرغ من طوافه أدى ما تعهد به لذلك المطوف المحتال بغير إمهال ، وهكذا دواليك . وأكثر منه مما كان يجري في السر والعلانية ، وقد يكون بعضه مما يُغضب الله ويندى له وجه الآداب
أما الآن فقد قضى نظام الحكم الجديد على تلك المظالم والبدع السخيفة ، ووضع أولئك المطوفون تحت مراقبة شديدة ، فإن أقل شكاة يرفعها أحد الحجاج ضد أحدهم تكون كافية لإبعاده عن حظيرة المطوفين .
أما مشكلة الأمن العام التي كانت هي في الواقع أم المشكلات ، ورأس كل الخطايا ، مما كان يحسب له المسلمون الراغبون في حج بيت الله الحرام أكبر حساب ، فقد كانت طليعة المشكلات التي استطاعت الحكومة الجديدة حلها على أهون سبيل ، فمنذ حل حكم الشرع محل القانون المدني والجنائي وأدرك دعاة الشر والإجرام ما هو حكم الشرع حيالهم نزعوا عنهم ثيابهم وغسلوا أيديهم من أوزار الماضي ووضعوا أنفسهم رهن ما قضى به حكم الشرع ،إذا ما حدثتهم نفوسهم بمخالفة ما تقضي به هاتيك الأحكام ، فكان أهم ما انقطع دابره تلك الفعلة المشئومة التي كان يلجأ إليها أشرار البدو الحجازيين، ولا سيما رجال قبيلة عتيبة وبني هذيل وحرب ،الذين كانوا يستدينون الأموال من بعضهم بعضاً على أن يقوموا بسدادها من أسلاب الحجاج وما يغنمون من أموالهم ،فقد عمد الملك عبدالعزيز فوق اعتماده على إنفاذ حكم الشرع إلى بسط يده بالإحسان إلى فقراء هؤلاءالبدو ، وبذلك أمنت القوافل التجارية على ما تحمله من بضائع وسلع مهما بلغت قيمتها ، وأمن الحجاج كذلك على أرواحهم ومتاعهم ، يدلك على ذلك أن رجال المحمل المصري عندما سافروا العام الماضي أثبت سعادة أمير الحج في تقريره لولاة الأمور أن عصابات البدو التي اعتادت غزو المحمل ورجاله لم يبق لها اثر في الحجاز ، وفي هذا العام سافر الحجاج المصريون وعادوا دون أن يصيبهم أقل اعتداء ، حتى قال لنا احد الحجاج :" إن امرأة مصرية تستطيع أن تبرح مصر بمفردها وتقصد إلى قلب الحجاج وتقوم بفريضة الحج ثم تعود دون أن يصيبها أقل مكدر" . والظاهر أن استقرار حالة الأمن حملت أحد أعضاء مجلس الشيوخ المصري على التصريح رسمياً بأن المحمل وحرسه أصبح بدعة يجب إبطالها ، وقد تألفت لجنة خاصة للنظر في هذه المسألة .
رابعا : عودة الى حادث المحمل :
ثم يعود المؤلف الى موضوع المحمل فيقول موجها دعايته وحديثه لأولى الأمر فى مصر تحت عنوان ( موضوع المحمل ) ص 65 : ( على أن هناك رأياً آخر هو أنه إذا استقر الرأي في نهاية الأمر على منع سفر المحمل فليس من العدل أن يحرم فقراء الحجاز من الميرات وخيرات الواقفين التي اعتادت مصر إرسالها إلى الحجاز من قديم الزمان ، ولعل ذوي النظر البعيد من ولاة الشأن في مصر سيراعون هذه النظرية بما تستحقها من العناية والاهتمام .)
أخيرا : خاتمة الكتابة دعاية فجّة ونفاق واضح لابن سعود
يقول ص 69 : 70 : ( الخاتمة :
هكذا تطورت الحال في مملكتي نجد والحجاز وتم لهما ذلك الاندماج المتين فخرجت " نجد " من عزلتها الطويلة عن بقية الشعوب الإسلامية المتحضرة ،وأصبح ملكها هو صاحب الكلمة النافذة والصوت المسموع في الأراضي المقدسة وشئونها ، وبات اسمه علماً بين ملوك الإسلام يشار إليه بالبنان ، وقد أثبت بالفعل لا بالقول أنه جدير بهذا الملك المترامي الأطراف ، الجليل الشان في عيون سائر المؤمنين ، وانه بعد أن طهر الاراضي المقدسة من أدران المفاسد والمظالم التي نشرها رجال الحكم البائد استطاع أن يقطع دابر عصابات النهب والسلب ويضرب بعصا من حديد على أيدي قطاع الطريق ، فأمن سبل الحج لكافة المسلمين ونظم شئون الصحة العامة ، وأقام حكم العدل بين سائر رعاياه ، لا فرق بين نجدي وحجازي .
ومما لا ريب فيه أن بلادا كهذه وقد خرجت من عزلتها ووضعت يدها بأيدي جاراتها من البلاد المتحضرة سيكون لها حظها من الحضارة بحكم المجاراة على مر الأيام .
ومن يعلم ما كانت عليه الحجاز قبل ان يحكمها جلالة الملك عبدالعزيز آل سعود كيف كانت الفوضى ضاربة أطنابها وأموال الناس وأرواحهم في خطر دائم من أعتداءات البدو الحجازيين واستخفافهم بالنظام والحكومة القائمة بالأمر، وهذا ركب المحمل المصري كان على الدوام هدفاً لاعتداء المعتدين ، وفتك الفاتكين ، فبات الحجاج يسافرون أفرادا وجماعات حتى دون أن يرافقهم حرس المحمل ، ثم يعودون دون أن يصيبهم أقل أذى ، ولم يكن هذا شأن حجاج مصر وحدهم بل هي الحال مع سائر المسلمين الذين يحجون بيت الله الحرام .
وإذا كان كل شيء في أوله صعباً فلا عبرة البتة ببعض ما قام من وجوه الخلاف في الرأي بين الحكومتين المصرية والحجازية بشأن المحمل المصري ، وقد يأتي وقت تضع فيه حكومتا البلدين اتفاقاً متيناً يرتب شئون الحج ومراسمه في المستقبل وطبقا للتطورات الحادثة بين الأمم والآراء العامة .
وكذلك فإذا كان بعض الذين لا يحلو لهم الصيد إلا في الماء العكر قد زين إليهم أن يثيروا العواصف ويشيعوا الأكاذيب عن حكم الحجاز وآراء الوهابيين الدينية قصد تنفير الأمم الإسلامية من حكم جلالة الملك عبدالعزيز فحسبنا أن مثل هذا وأكثر منه يقع عادة بين سائر الأمم ، ولاسيما عقب الفتوح والانقلابات السياسية ولسوف يضرب هؤلاء وأولئك من حسن نيات الملك ابن سعود وضروب الإصلاح في بلاد الحجاز ذاتها ما يسكت ألسنتهم وينطقهم بالحق من حيث لا يشعرون ،على أن دعاة هذه الدسائس ـ والحمدلله ـ ليسوا من البراعة والدهاء ما يخشى شرهم ويؤثر سوء فعلهم فجلهم من حثالة الناس ، أو أذناب الحسين وأنصاره ، ممن لا يعتد بشأنهم ولا يؤبه بحالهم .
وإنا لنسأل الحق جلت قدرته أن يكتب للإسلام والمسلمين اتحاد الكلمة ورفع راية الإسلام بين الأنام ، وأن يوطد دعائم الحب والولاة بين ملوك الناطقين بالضاد وأمرائهم ، وأن يوفقهم إلى ما فيه مرضاة الله ورفع شأن المؤمنين بمنه وكرمه .
انتهى . )

حافظ وهبة هو المؤلف الحقيقى لكتاب ( فى قلب نجد والحجاز )
1 ـ وقع على عاتق حافظ وهبة مستشار عبد العزيز حلّ أزمة المحمل وتأثيرها على علاقات عبد العزيز مع مصرـ فى وقت حسّاس بعد إستيلاء عبد العزيز على الحجاز التابع عُرفيا للنفوذ المصرى . صحب حافظ وهبة الأمير سعود بن عبد العزيز فى رحلته الى مصر ، وأتفق مع هذا الصحفى المغمور للقيام بهذه الرحلة البرية الى نجد والحجاز ، وأرسل معه طاقما للمعاونة . والصحفى يتحدث بضمير الجمع عن نفسه والمرافقين له، يقول مثلا : ( ووصلنا إلى بلدة " الجوف ")( ولما صرنا على قيد أميال من حائل ) (وكان أمير بريدة قد بلغه خبر قدومنا )( وكان جلالة الملك قد علم بقدومنا ). أى أن حافظ وهبة الذى نظّم هذه الرحلة هو الذى ارسل مع هذا الصحفى موكبا و( زفّة ) ، وترك الصحفى الشاب ينبهر بالاستقبالات والترحيبات .
2 ـ ونتصور أن الصحفى كتب وقائع رحلته بما يتناسب مع كونه صحفيا مغمورا . ولكن الاسلوب الذى نراه فى هذه الرحلة يقطع بأن حافظ وهبة الكاتب المتمرس هو الذى قام بتنقيح الكتابة . وفى غمرة تلهفه على أن يكون الكتاب بلسما وعلاجا لأزمة المحمل وتداعياتها فقد نسى حافظ وهبة أن يكتب تواريخ تنقلات الرحالة مجمد شفيق مصطفى، لأن الكتاب قد تم إعداده على عجل ليخاطب مجتمع المصريين المثقفين ـ وقت تداعيات أزمة المحمل .
3 ـ عبد العزيز كان عقلية إستثنائية فى محيطه العربى فى الجزيرة العربية لكنه كان لا يجيد القراءة والكتابة ولا يجيد صياغة الكلام ، وكان بلهجته البدوية النجدية لا يستطيع التفاهم مع المصريين أو غيرهم . بينما كان حافظ وهبة كاتبا متمرسا وخطيبا مفوها وسياسيا بارعا . تعلم مت تجربته فى مصر وفى الكويت ألا يصطدم بالسلطة ، بل يخدمها كى يركبها . وافضل طريقة أن يلعب دور المُخرج السينمائى الذى يتحكم فى الفيلم دون أن يظهر فيه . رضى حافظ وهبة أن يكون فى الظل سواء فى موضوع هذه الرحلة والكتاب الذى صدر عنها أو فى الحوار الذى زعم المؤلف أنه أجراه مع الملك عبد العزيز ، أو حتى فى تصريحات سعود وفيصل تلامذة حافظ وهبة عن غرامهما بمصر .
4 ـ إن صحفيا قاهريا يزور نجد لأول مرة يستحيل عليه أن يفهم لسان أهلها ولسان مليكها عبد العزيز . ويستحيل على عبد العزيز الذى لم يكن مثقفا أن يدلى بهذا الحوار الذى جاء فى هذا الكتاب . كل هذا من صناعة المخرج السياسى حافظ وهبة . ولأنه يقف خلف الستار فهو الذى يمسك بحركات الممثلين ويضع الكلمات على أفواههم .
5 ـ حافظ وهبة هو أيضا الجندى المجهول وراء معاهدة جدة ( فى 20 مايو 1927 ) والتى إعترفت فيها إنجلترة ( بالاستقلال التام المطلق لممالك صاحب الجلالة ملك الحجاز ونجد وملحقاتها )، والتى تختلف فى اسلوبها وفى شروطها عن معاهدة دارين عام 1915 والتى جعلت عبد العزيز حاكم محمية تابعة لبريطانيا . حافظ وهبة بدوره فى هذه المعاهدة أضاع على مصر ( التى يحتلها الانجليز ) أى مطالب بشأن الحجاز . الطريف أن الذى وقّع المعاهدة عن الطرف السعودى كان الأمير فيصل بن عبد العزيز ، وكان وقتها فى العشرين من عمره لا يعرف الانجليزية ولا أُسس التفاوض مع أعظم امبراطورية وقتها ، كان تفاوض بالنيابة عنه استاذه حافظ وهبة .

أخيرا : حافظ وهبة ودولة عبد العزيز
1 ـ من مواليد حى بولاق الشعبى عام 1989، تخرج فى الأزهر ثم فى مدرسة القضاء الشرعى ، وكان من تلامذة الامام محمد عبده ، وبسبب نشاطه السياسى نفاه الانجليز من مصر مع بداية الحرب العالمية الأولى ، فرحل الى الكويت عام 1914 ، واشتهر فيها مدرسا وواعظا وتاجرا ، وتوثقت علاقته بالمشاهير هناك ، وأحدث قلاقل لأمير الكويت مبارك الكبير حين دعم الشيخ محمد الشنقيطي في تحريض الكويتيين على الإنجليز، ثم ترك الشنقيطي يُقاتل مع جيش الدولة العثمانية ضد الانجليز في معركة الشعيبة في البصرة. وتعرض حافظ وهبة الى تقريع شديد من مبارك الكبير أمير الكويت نتج عنها أن فكّر فى ترك الكويت.
2 ـ كان حافظ وهبة قد قابل الأمير عبد العزيز آل سعود حين زار الأمير السعودى الكويت عام 1916 ، إثر معاهدة العقير التى عقدتها بريطانيا لرسم الحدود بين نجد والكويت عام 1915. بعد جفاء العلاقات بين حافظ وهبة وأمير الكويت أخذ حافظ يتقرب الى عبد العزيز ، فكتب اليه بنصائح أبهرت عبد العزيز . وهى طريقة ذكية ليعمل عنده ، فاستدعاه عبد العزيز ليعمل عنده ، فإلتحق بخدمة عبد العزيز بن سعود فى الرياض عام 1923مستشارا له فى علاقاته الخارجية خصوصا مع مصر وانجلترة وفى شئونه الداخلية .
3 ـ تأثير حافظ وهبة بخلفيته الفقهية الأزهرية فى دولة عبد العزيز آل سعود لا يقارنه مستشار آخر لعبد العزيز من الأجانب . هو الجندى المجهول فى تعامل عبد العزيز مع الاخوان النجديين بما أدى الى القضاء عليهم . وهو الجندى المجهول فى إخضاع شيوخ الوهابية المتزمتين الجهلاء الرافضين للتعليم والمخترعات الحديثة ، وهو الذى أنشأ فيها تعليما حديثا، وهو القائم ـ من وراء ستار ـ بتحويل مملكة ابن سعود الى دولة حديثة. وهو المرشد لإبنى عبد العزيز سعود وفيصل . ثم كان ممثلا لعبد العزيز قنصلا وزيرا مفوضا فى لندن عام 1930 ، وهو العام الذى شهد إنشاء أول وزارة للخارجية السعودية وتعيين الأمير فيصل أول وزير لها ، ثم صار حافظ وهبة سفيرا للسعودية فى لندن عام 1948 ، وظل فى منصبه ثلاثين عاما ، وهو الذى أقام علاقات للمملكة مع هولندة وأصبح وزيرا مفوضا فيها عام 1931 ، وأسس علاقة السعودية باليابان ، وهو الذى صمّم العلم السعودى ، وهو العضو الهام فى مجلس إدارة أرامكو. تاثير حافظ وهبة فى دولة عبد العزيز إمتد من نجد الى اوربا واليابان،ومن التعليم الى أرامكو وأمستردام.
ثالثا : حافظ وهبة والوهابية
1 ـ حافظ وهبة هو الذى بدأ نشر الوهابية بين المسلمين فى انجلترة من خلال تأثيره الكبير فى أول مسجد أُنشىء فى لندن عام 1910 حين عمل إماما وواعظا فيه . وهو أشهر مؤسسى المركز الثقافى الاسلامى فى لندن والذى وضع حجر الأساس له الملك جورج السادس عام 1944 ، وبنفوذه فى لندن تبرعت الحكومة البريطانية بموقع المركز في وسط لندن من أملاك التاج البريطاني، وبقي المركز في المبنى القديم إلى أن أقام له الملك فيصل مسجد كبيرا عام 1978 م، ثم قام الملك فهد بتوسعته عام 1994 .
ولا تسأل بعدها عن تعمق الوهابية فى إنجلترة وأوربا ، فقد وضع بذورها حافظ وهبة ، وتدفع بريطانيا وأوربا الثمن الآن . ولا يزال مستمرا تأثير حافظ وهبة فى نشر الوهابية بين الناطقين بالانجليزية. يتمثل هذا فى ترجمة القرآن الكريم والتى قام بها عبد الله يوسف على و ومحمد مرمادو . وتأثرهما واضح بالوهابية ، وكانا من تلامذة وأصدقاء حافظ وهبة . وتوفى حافظ وهبة فى روما عام 1967 .
2 ـ إذا كان هذا تأثير حافظ وهبة فى نشر الوهابية فى أوربا ، فماذا عن تأثيره فى نشرها فى وطنه الأم مصر ؟ إنّ له الأثر الأكبر فى نشر الوهابية فى مصر ـ بمساعدة رشيد رضا و محب الدين الخطيب . هؤلاء الثلاثة أنشأوا مؤسسات السلفية الوهابية فى مصر من الشبان المسلمين الى أنصار السّنة وتحويل الجمعية الشرعية المصرية من دينها الصوفى الى الوهابية ، ثم أخيرا تأسيس الاخوان المسلمين .
ولكن يتميز حافظ وهبة عن رشاد رضا ومحب الدين الخطيب أنه مصرى له معارف مشاهير وجذور فى مصر ، وإستخدم معارفه وصداقاته فى تيسير عمل السورى محب الدين الخطيب واللبنانى رشيد رضا ، وإستخدم كل هذا فى خدمة عبد العزيز وفى نشر الوهابية .
3 ـ وجاء فى كتاب ( فى قلب نجد والحجاز ) حوار مع الملك عبد العزيز قيل أن المؤلف محمد شفيق مصطفى أجراه مع الملك . جاء فيه تصريح هام : ( قلنا لجلالته : وما رأيكم في توظيف أذكياء المصريين في وظائف دولتكم ؟ فأجابنا جلالته قائلاً : إن حبي وتقديري لأبناء مصر فوق ما تتصور أنت ، فهذا مستشاري الأمين وساعدي الأيمن فضيلة الشيخ حافظ وهبة ، له عندي المقام الأسمى وعظيم التقدير ، وإني أُرحب بمن يرغب في تولي مناصب البلاد من أبناء هذا البلد الغني الوفير الخيرات ، وإني أرجو الله أنهم يتسع نطاق العمران في بلادي على مدى الأيام وتزيد موارد دولتي فيكون المجال فسيحاً أمام هؤلاء الإخوان الذين أتمنى وجود أكثر عدد منهم بين موظفي حكومتي . ). كان عبد العزيز محتاجا الى وهابيين مستنيرين ــ إذا صحّ ـ وجود هذا الصنف بين البشر ــ ليكونوا بديلا عن الشيوخ الوهابيين المتزمتين . وفعلا إستقدم حافظ وهبة وفى فترة مبكرة مدرسين ومطاوعة من مصر الى مملكة ابن سعود أعانته بعد إستغنائه عن الاخوان النجديين وشيوخهم فى التزمت والانغلاق .
4 ـ أصبح حافظ وهبة فى مصر مقصدا للفقهاء السنيين الفقراء ينتظرون قدومه ليعينهم . ومنهم أحمد عبد الرحمن محمد البنا الساعاتي ، وهو اصلا من مدينة المحمودية فى شرق الدلتا ، والذى كان يعمل فى إصلاح الساعات فى الاسكندرية ، كان سنيا هاويا ، سعى الى مقابلة حافظ وهبة فساعده فى نشر مؤلفات عديدة منها ( ترتيب مسند الإمام أحمد ) مع مفتاح له يسهل الوصول إلى أحاديثه، وله أيضاً كتاب ( بدائع المنن في جمع وترتيب مسند الشافعي).( أحمد عبد الرحمن محمد البنا ) هو والد ( حسن البنا ) مؤسس الاخوان المسلمين .
أخيرا : حافظ وهبة من اسباب بلاء المصريين اليوم
1 ـ الفارق هائل بين تلك الصورة الارشيفية التى يركع فيها حسن البنا ليقبل يد الملك عبد العزيز وبين ما كانت عليه مصر بالنسبة للسعودية ودولتها الأولى والثانية والثالثة فى عهد عبد العزيز .
2 ـ آخر حاكم للدولة السعودية الأولى كان يخاطب الوالى محمد على يصف نفسه بأنه ( خادمكم وعبدكم المطيع الخادم المطيع عبد الله بن سعود ) ونفس الخطاب كان يرسله الأمير عبد الله بن فيصل بن تركي ــ جد عبد العزيز ــ فى الدولة السعودية الثانية إلى سيده الخديوي عباس, وكلها ممهورة ومختومة بتوقيع ( خادمكم وعبدكم المطيع ابن سعود ).
3 ـ وفى الوقت الذى ركع فيه حسن البنا يقبل يد الملك عبد العزيز ـ وفى أيام حكم الملك فاروق كان لا يجوز جلوس أمراء آل سعود باستثناء أبيهم عبد العزيز في حضرة الملك فاروق. وهنالك صورة للملك فاروق وهو يجلس على الكرسي وخلفه يصطف الأمراء السعوديون على رأسهم فيصل بن عبد العزيز.
4 ـ وفى الهوان المصرى الحالى نسمع الرئيس عبد الفتاح السيسى يصف السعودية بأنها الشقيقة الكبرى لمصر ، بل ويتنازل للسعودية عن جزيرتين مصريتين ، وقد كان الحجاز تابعا لمصر . وهذا السيسى إخترع هوانا لمصر غير مسبوق ، أن يجرى سعيا فى إستقبال الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود ، ويصعد اليه فى طائرته وينحنى مسلما عليه بينما الملك متربع فى كرسيه .
5 ـ ربما كان حافظ وهبة يفعل ذلك مع عبد العزيز ومن تولى بعده .!..

















الفصل الثالث :
محب الدين الخطيب ناشرا للوهابية فى مصر
فهرس الفصل الثالث : ( فكرة عامة عنه ـ محب الدين الخطيب ينشر الوهابية فى مصر ــ محب الدين الخطيب يتكلم عن نفسه فى مذكراته ــ صلته المبكرة بعمودى الوهابية عبد العزيز إبن سعود ورشيد رضا ــ محب الدين الخطيب فى مذكراته يتكلم عن تأسيسه جمعية الشبان المسلمين )


الفصل الثالث : محب الدين الخطيب ناشرا للوهابية فى مصر
أولا : فكرة عامة عنه
موجز حياته
محب الدين الخطيب مولود فى دمشق عام 1886 من أسرة سنية متدينة ، تعلم على أيدى علماء سنيين فى دمشق ثم واصل تعليمه فى بيروت واستاتبول ، وتأصلت لديه إهتمامات بالعروبة والسُنّة ، وأسس فى استانبول جمعية النهضة العربية مع ( كرد على ) و ( عارف الشهابى ) ، فتعرض لاضطهاد الاتحاديين المسيطرين على تركيا فهرب الى دمشق وانتقل الى اليمن ثم عاد الى دمشق مطالبا بحقوق العرب التى هضمها حكام تركيا ( الاتحاد والترقى ) فطاردته السلطات التركية الحاكمة فى دمشق ثم فى بيروت ، فانتقل الى القاهرة وتعرف فيها بالشيخ رشيد رضا . وبدءا معا مرحلة جديدة من التعاون فى نشر الوهابية تحت مسمى السنة والسلفية .استمر فى دعوته الى ان مات فى القاهرة فى30 ديسمبر من عام 1969م.
قبيل الاستقرار النهائى فى مصر
شارك في جريدة المؤيد، وفي سنة 1913م ، وحين أسس رشيد رضا مدرسة الدعوة والإرشاد قام الشيخ محب الدين بالتدريس فيها . فى الحرب العالمية الاولى وثورة الشريف حسين على تركيا إنضم محب الدين الى الشريف حسين وسافر الى مكة وأسس فيها المطبعة الاميرية وأصدر للشريف جريدة ( القبلة ) الناطقة باسمه . وعمل مستشار للشريف حسين . ولما دخل الجيش العربى دمشق بقيادة فيصل ابن الشريف حسين عام 1918 عاد محب الدين الى دمشق وعمل لدى الأمير فيصل فأصدر له جريدة ( العاصمة ). هرب محب الدين من دمشق حين دخل الفرنسيون سوريا عام 1920 ، ووصل الى مصر واستقر فيها .
محب الدين الخطيب ينشر الوهابية فى مصر
1 ـ عمل في تحرير ( الأهرام ) خمس سنوات. وأسس المكتبة السلفيّة ومطبعتها، حيث قام بطباعة الكتب السلفيّة، ونشر كثيراً منها، وأصدر جريدة الفتح ثمّ تولّى تحرير مجلة الأزهر ست سنوات، ثمّ ساهم في إنشاء جمعية الشبان المسلمين فى القاهرة . إستخدم كل هذا فى نشر الوهابية فى مصر ، وبوهابيته وقف موقفا متعصبا معاديا لغير المسلمين ولغير السنيين .
2 ـ مواجهة غير المسلمين :حمل الخطيب وهابيته معه الى مصر التى كانت ليبرالية فى هذا الوقت تتفاعل وتتحرك فيها سائر التيارات الفكرية . لم يعجب هذا محب الدين الخطيب ، فهاجم في مجلة المؤيد الجهود الخيرية التى يقوم بها البروتستانت. واجه الملحدين والعلمانيين ،وأدى الصراع بينه وبينهم الى إحالته الى النيابة ، فقبض عليه وحكم عليه بالسجن لمدة شهر.
3 ـ هجومه على دعوة التقريب بين الشيعة والسنة : جاء لمصر الشيخ الشيعى «محمد القمي» عام 1947 داعية للتقريب بين السنة والشيعة وأصدر مجلة"رسالة الإسلام" ، واسس ( ار التقريب ) . هاجم محب الدين الخطيب هذه الدعوة بضراوة ، وسماها ( دار التخريب ) وهاجم المنضمين اليها بأنهم منتفعون ماليا . ونسى أنه نفسه عميل للسعودية ووهابيتها . وربما كان قدوم هذا الشيخ الشيعى رد فعل لما قام وكان يقوم به رشيد رضا ومحب الخطيب . وبسبب دعوة التقريب نشأ خلاف بين حسن البنا ومحب الخطيب . حسن البنا إعتنق سياسة النفاق وتجميع كل التيارات الدينية خلفه طلبا للهدف السياسى وهو الوصول الى الحكم . لذا رحب بدعوة التقريب ، هذا مع أنه كان يتردد على مكتبة محب الخطيب ويكتب في صحيفته " الفتح " : وثار جدل بين البنا والخطيب فى هذا الشأن ، شأن الجدل الذى يحتدم أحيانا بين الاخوان المسلمين والسلفيين ، مع كونهم جميعا وهابيين .
4 ـ كان التصوف السُنى هو السائد والمسيطر حتى وقتها . لم يجرؤ محب الخطيب على مهاجمة الطرق الصوفية المصرية العريقة كالأحمدية والشاذلية والدسوقية فهاجم طريقة صوفية جديدة وافدة من السودان ، وهذا فى كتاب ( حقائق عن الفرقة الصوفيّة التيجانيّة).
5 ـ كما إجتهد فى نشر الوهابية والهجوم على أعدائها تحت مسمى (عقيدة أهل السنة والجماعة ) بمؤلفاته ودار النشر التى كان يملكها :
5 / 1 ـ مؤلفاته ، ومنها : توضيح الجامع الصحيح للإمام البخاري، شرح صغير. هجومه على الشيعة فى كتابه : الخطوط العريضة التي قام عليها دين الشيعة الاثنى عشريّة. هجومه على البهائية فى كتابه ( البهائية ). كتب فى مناقب الصحابة : ( مع الرعيل الأول )، وكتاب ( حملة رسالة الإسلام الأولون) وكتاب ( رسالة الجيل المثالي ) . الدفاع عن عثمان فى كتاب ( ذو النورين عثمان بن عفان ) ترجمة كتاب ( الغارة على العالم الإسلامي ) .
5 / 2 ـ طبع ونشر أشهر كتب السنة ، مثل : رسائل وكتب ابن تيمية. دفاعه عن الصحابة ورد الشبهات عنهم ويتجلى ذلك في نشره كتاب« العواصم من القواصم» لابن العربى ، السنى المتعصب الذي حاول فيه تكذيب الروايات التي تتحدث عن ما حصل بين الصحابة من فتن وانشقاق. نشره كتاب فتح الباري بشرح البخارى ) لابن حجر، مع تعليقات الإمام ابن باز. ( الأدب المفرد للبخارى ) .
6 ـ تأسيس ( جمعية الشبان المسلمين ) الوهابية التى كانت دعوة حركية تتنقل بها الوهابية وتتحرك بين الشباب المصرى في القاهرة وغيرها .
ثانيا : محب الدين الخطيب يتكلم عن نفسه فى مذكراته :
1 ـ مذكراته منشورة بعد وفاته فى كتاب ( محب الدين الخطيب ) . كتب الناشر عنه وعنها فى مقدمة الكتاب : ( هذه صفحات كتبها الأستاذ محب الدين بنفسه وصل بها إلى هذه المرحلة وامتد به العمر بجهاده على هذه الوتيرة إلى ما كان من تأسيس جمعية الإخوان المسلمين ورياسة تحرير جريدتهم وما تولاه بعد ذلك من رياسة تحرير مجلة الأزهر .. وبقي على خدمته للعروبة والإسلام ونشره وتحقيقاته العلمية في الفتح والأزهر ومطبوعاته إلى يوم وفاته ، تغمده الله برحمته ونرجو أن نوفق إلى استكمال هذه السلسلة من سيرته وأثرها في عصره وحركاته . )، وننقل عنها هذه المعلومات :
صلته المبكرة بعمودى الوهابية عبد العزيز إبن سعود ورشيد رضا :
1 ـ يقول صفحة 57 : تحت عنوان ( في الخليج العربي ) : ( ولما كانت الأقطار العربية التي لها صلة بالدولة العثمانية ينبغي أن يؤخذ رأيها في ذلك الموقف العربي ، فقد قررت إيفاد مندوبين إلى زعماء العرب لمفاوضتهم في هذا الأمر وأخذ رأيهم .وقد أُختير محب الدين للسفر إلى الخليج العربي في محاولة الاجتماع بأمير نجد والإحساء الأمير عبدالعزيز آل سعود وطالب بالسيد بك النقيب زعيم العراق الجنوبي ، وغيرهما من الزعماء العرب إن أمكن .وكان في مقدمة المهتمين بهذا الأمر جماعة (الوحدة العربية ) التي كان من أركانها السيد رشيد رضا ورفيق بك العظيم .وفي أواخرذي القعدة 1332 تشرين الأول ( أكتوبر ) 1914 )
2 ـ صفحة 62 ينقل عن أحدهم قوله : ( عدت يوما الى داري فوجدتُ بطاقة ،(اي بطاقة بريد ) ، باسم الأستاذ محمد رشيد رضا ( صاحب مجلة المنار المصرية ) وكُتب على ظهرها ما يأتي : "إن محب الدين الخطيب وعبدالعزيز العتيقي قد توجها إلى البصرة بمهمة سياسية فأرجو أن تروج مهمتهما " . أسرعتُ إلى محل إقامتهما ، فعلمتُ أن الشرطة قد أوقفتهما.) كان الخطيب فى مهمة يقف خلفها رشيد رضا .
3 ـ تحت عنوان : (غرض الرحلة والعودة : يقول : ( كان الغرض من الرحلة توحيد الجهود مع الإمام عبد العزيز آل سعود في الشؤون العربية العامة المشتركة " ومفاوضته فيما كان ينبغي للعرب أن يقوموا به لوقاية بلادهم من شرور الحرب العالمية الأولى ونتائجها ، ولكن لم يتمكن صاحب الترجمة من إتمام مهمته ورحلته في سبيل العروبة والإسلام . ) .
ثالثا : محب الدين الخطيب فى مذكراته يتكلم عن تأسيسه جمعية الشبان المسلمين
1 ـ تحت عنوان ( تعريب مصر الفكري والثقافي وموازينه المختلفة ) يتحدث عن تأسيسه جمعية الشبان المسلمين ، ليواجه بها الآخرين من المصريين الذين لا يعتبرهم مسلمين ، محتكرا الاسلام لنفسه وأقرانه طبقا لدينه الوهابى المتعصّب . يقول فى صفحة 78 : ( وكان جو القاهرة الفكري والثقافي في ذلك الحين متشبعا برطوبة الأخذ بثقافة الغرب بكل ما فيها من خير وشر وجد وهزل " وأكثر القائمين على الأندية والعاملين في الصحافة والمترددين على الأندية والمجتمعات يعدون كل نزعة إسلامية رجعية وجموداً وكان العالم الإسلامي قد أُصيب حينئذ بظهور الدعوة الكمالية ( كمال أتاتورك ) إلى الفصل بين الدين وشؤون الدنيا وتردد صدى ذلك في مصر على صفحات كتاب " الإسلام ونظام الحكم " لعلي عبدالرازق وأنصاره الكثيرين في ( حزب الأحرار الدستوريين ) (جمعية الرابطة الشرقية )(ونادي القلم ) وفي ، ( كلية الآداب التي أعلن زعيمها طه حسين) أن للقرآن أن يقول وللتوارة أن تقول .. والعلم غير مقيد بما يقولان ....)
2 ـ عن الطابع التآمرى فى تأسيس جمعية الشبان المسلمين . يقول: ( كانت الدعوة إلى تأسيس جمعية الشبان المسلمين مهددة من كتاب الصحف ورجال هذه الهيئات الثقافية بحملات التشكيك والتنفير لو وصل خبر تأسيسها إلى ألسنتهم وصفحائهم وأجوائهم ، فتقرر من الساعة الأولى أن تكون الدعوة إلى هذا العمل الجدي منطوياً في مسار الكتمان ، وأن تكون عملاً متواضعاً بعيداً عن الثرثرة والتشدق ، واستمر الحال على ذلك إلى أن صار للشبان المسلمين نحو ثلاثمائة عضواً ، وكلهم لا يعرفون جهة يترددون عليها " ويصلون خيوطهم بخبالها إلا المطبعة السلفية في شارع الاستئناف بباب الخلق .) . اى كان الأعضاء لا يعرفون ماهية الجمعية التى ينتسبون اليها . وكان لا بد من عقد أجتماع لهم . يقول : ( ومست الحاجة إلى عقد اجتماع ابتدائي لهؤلاء الأعضاء لتوضيح الأغراض التي جمعتهم والأهداف التي يرمي إليها عملهم فكان أقرب مكان لهذا الاجتماع في المبنى رقم 30 شارع (غيط العبد ) بباب الخلق وفي صبح اليوم المقرر أن يتم الاجتماع الأول في مسائه لقى ( أحد دعاة الشباب المسلمين ) عبدالفتاح كيرشاه الشيخ عبدالعزيز جاويش فأخبره بخبر الجمعية وما فيها من خطوات إلى ذلك اليوم ، وبمكان ووقت الاجتماع ، فحضر الشيخ شاويش ( عبد العزيز جاويش ) ، وبعد أن خطب السيد محمد الخضر ( الشيخ الخضر حسين الذى أصبح شيخا للأزهر ) ومحب الدين الخطيب ببيان الجمعية وأهدافها ، قام الشيخ عبدالعزيز شاويش فقال : إن العمل الذي مضيتم فيه كنت أنا أفكر فيه ، ولكن اختلفتُ معكم في الطريق ، فأنتم صعدتم السلم من درجاته الدنيا ، وأنا فكرتُ أن أبدأ من درجاته العليا ، زرتُ الأمير محمد طوسون وفلانا ـ وشتم الاثنين ـ فطلبتُ منهم التبرع لإنشاء دار محترمة للشبان المسلمين ثم ندعو الشباب إلى الالتحاق بها ، فلم يجيبا طلبي ، وأنتم بدأتم بتكوين الجمعية من الشباب على أن يتعاون معكم فيما بعد في إنشاء درا لهم ، فنجحتم من حيث فشلتُ أنا ، لذلك أتيت لأهنئكم وأتعاون معكم .) .
3 ـ وتحت عنوان ( طلعت حرب وأمير الشعراء ) يقول محب الدين الخطيب : ( ولما وصل المشروع إلى هذه المرحلة التي لا يخشى عليها من دسائس الملاحقين الذين يرون أن كل عمل إسلامي رجعية وجمود ، بدأ التفكير في عقد إجتماع عام يتلى فيه مشروع قانون الجمعية وتُجرى فيه الانتخابات لمجلس الإدارة الأول . واقترح بعض الأعضاء أن يكون ذلك في مسرح الأزبكية الذي يشرف عليه (طلغت حرب باشا ) والطلب منه بأن يسمح بذاك لبضع ساعات يُعقد فيها اجتماع تاريخي يكون من مفاخر المكان الذي يتم فيه . ولما كاشف الوفد طلعت حرب باشا بذلك ، اعتذر لأنه يقوم بأعمال اقتصادية يتعاون فيها مع عناصر غير إسلامية من إسرائيلية ومسيحية ، وأنه لا يستطيع أن يتعامل في عمل له صبغة إسلامية لا تسر العناصر التي يتعاون معها . فخرج الوفد من عنده يجر أذيال الخذلان. ولما حضر الوفد إلى موفديه ليبلغهم ما لقي وكان ( أمير الشعراء شوقي بك )حاضراً يسمع ، فقال اختاروا أي مكان آخر يمكن الحصول عليه بأجر ما وأنا مستعد لدفع أجره من جيبي ، فوقع الاختبار على دار سينما كوزمو ، وبالفعل ذهب شوقي بك مع بعض أعضاء الجمعية إلى تلك الدار السينمائية واتفق على استئجارها في يوم معين ودفع الأجر مقدماً .)
4 ـ وعن إختيار رئيسها يقول محب الدين الخطيب تحت عنوان ( عبدالحميد سعيد الرئيس الأول للجمعية ): وكان من المطالب المهمة اختيار رئيس للجمعية فحددتُ صفات معينة له ، كأن يكون مثقفاً قوياً وذا مكانة في المجتمع وأن لا يكون معمماً لئلا توصف الجمعية بأنها ذات نزعة خاصة . فقال السيد محمد الخضر أنه تعرف في تركيا وأوربا بعبدالحميد سعيد ، ولعله أجمع من غيره لهذه الصفات المطلوبة . وحينئذ نهض محب الدين إلى سماعة التليفون واتصل بعبدالحميد سعيد في منزله وأخبره بأن جمعية للشبان المسلمين في دور التأسيس ، وأنهم يقترحون أن يعرضوا عليه رئاستها إن لم يكن عنده مانع من ذلك ، فطلب أن يزوره بعض ممثلي الجمعية ليزداد معلومات عنها ، وبالفعل زاره بعض الأعضاء وأطلعوه على مشروع القانون وذكروا له بعض أسماء القائمين بالعمل ، وأخبروه أن شوقي بك استأجر لهم دار سينما كوزمو ليكون انتخاب إدارة الجمعية في اجتماع يُعقد هناك . وتم الاتفاق على كل شيء .)
5 ـ وعن ( المجلس الإداري الأول ) يقول محب الدين الخطيب : ( وفي مقدمة لمحب الدين الخطيب كتبها في أول كتاب " الطريق " للدكتور يحيى الدرديري ( الذي كان عضواً في مجلس إدارة الجمعية والمراقب العام لها سنوات ) تفصيل عن كيفية اختيار أعضاء مجلس الإدارة الأول للجمعية ، وكيف أقصى من كانوا يتزاحمون على عضويته ومناصبه ، وكيف أُختير غيرهم بغير علم منهم ، وهذه المقدمة جديرة بأن يطلع عليها من يحب أن يقف على الاتجاهات في مثل هذه المواقف .وتم انتخابات الإدارة الأول للجمعية برئاسة عبدالحميد سعيد على أن يكون الشيخ شاويش وكيلاً ـ وكان حريصاً جداً على أن يكون رئيساً ـ وأُختير أحمد تيمور باشا لأمانة الصندوق زمحب الدين الخطيب كاتم السر للجمعية .)
6 ـ ويقول فى صفحة 81 : ( واستؤجرت للجمعية دار كبيرة في شارع قصر العيني تجاور مجلس النواب وساهم أحمد تيمور باشا بدفع اجرة هذه الدار .)
7 ــ وعن تأثير تأسيس هذه الجمعية من وجهة نظره الوهابية التى تحتكر الاسلام يقول : ( كان تأسيس هذه الجمعية في مصر حادثاً عيظيما من أحداث الحركة الإسلامية ، وكان ذلك مفاجأة لدعاة الإلحاد والتضليل ، ولدعاة التبشير بالمسيحية ، لأنهم بعد تأسيس كلية الآداب وتكوين الكليات الجامعية ، وبعد ظهور الحركة الكمالية في تركيا ، وطبع كتابي الإسلام وأُصول الحكم وفي الشعر الجاهلي وتأييد الأحرار الدستوريين لما يُنشر في جريدة السياسة من الآراء المنحرفة ، وظنوا أن قيادة الراي العام أفلتت من أيدي ممثلي الإسلام من أزهريين وغيرهم وانتقلت إلى أيديهم ، فما ليثوا أن رأوا شتات أنصار الإسلام من شباب وشيوخ يجتمعوا حول هذه الجمعية التي ظهرت لهم على حين فجأةولم يشعروا بها في دور التكوين ليقضوا عليها قبل أن تولد .
8 ـ وعن ( ردة الفعل واستعداء القضاء) يقول : ص 81 : ( رأى دعاة الإلحاد والتضليل والقائمون على بيئات التبشير وأكثرهم من الأجانب ، أن هذه الجمعية جاءت ضربة لهم لم تكن في الحسبان ، فأخذوا يتربصون الدوائر بصاحب الترجمة ويراقبون ما ينشر في صحيفة الفتح على الخصوص ، إلا أن عثروا له فيها على مقال افتتاحي في العدد 119 الصادر في 11 جمادى الأول سنة 1347 ـ 5 تشرين 1928 بعنوان ( الحرية في بلاد الأطفال ) حمل فيه صاحب الترجمة على الملك (أمان الله خان ملك الأفغان لقتله (بير صاحب ) وهو أكبر علماء الأفغان العاملين وتناولت الحملة في هذا المقال (كمال أتاتورك ) أيضاً لأن أمان الله كان يقلده في مراحل حركة نحو التفرنج والابتعاد عن الأنظمة الإسلامية والروابط الثقافية بالشرق الإسلامي فتلقت النيابة بلاغاً يقول فيه كاتبه أن صاحب الفتح ارتكب جناية يؤاخذ عليها القانون المصري في المادة 152 عقوبات لاتهامه بالعيب اثنين من رؤساء الدول الصديقة لمصر وهما الجلالة أمان الله خان ملك الأفغان ومصطفى كمال أتاتورك رئيس الجمهورية التركية ، فقُبض على صاحب الترجمة وقُدم للتحقيق معه أمام رجال النيابة العمومية يومئذ وهو الأستاذ ( أحمد زكي سعد ) وبعد اعتراف صاحب الترجمة بأنه هو كاتب المقال وأنه لم يشاركه أحد أودع سجن مصر في إحدى زنزنات المتهمين بالجناية وعُين موعد للنظر في القضية أما محكمة الجنايات ، وانتُدب للدفاع عن الأستاذ (أحمد بك رمزي ) وكان وقتئذ وكيل مجلس النواب ، وهو صديق لصاحب الترجمة من أيام تحريره في جريدة المؤيد لصاحبها " الشيخ علي يوسف " وانضم إليه في الدفاع " الأستاذ عبده المويلحي " المحامي لتنوير الجانب الإسلامي في هذه القضية . وقد بذلت "النيابة " أقصى أدلة القانون والقضاء للإدانة ورافع ممثلوا الدفاع بأن الحكومة ترى في هذه المادة أن الملوك ورؤساء الجهوريات غير مسؤلين عن الحكم لأن الحكم في النظام المصري يُناط بالوزارات المسؤولة دون الملوك والرؤساء ، ولكن ملك الأفغان ورئيس جمهورية تركيا تنازلا عن هذا الامتياز بأخذهما على عهدتيهما مسؤلية أعمالهم ، فإن كانت معرفة نسب الشرف إليهما لا إلى المسؤلين من أتباعهما ، وإن كانت عكس ذلك كان عليها لا على حكومتيهما . وقدم الأستاذ أحمد رمزي المحامي مجموعة من مجلة " الزهراء " التي كان يصدرها صاحب الترجمة إلى هيئة المحكمة دليلا على مكانة المتهم في الصحيفة الاجتماعية والأدبية وذكر ماضيه في خدمة المجتمع من أيام كان محرراً في جريدة " المؤيد " إلى أن صار بعد ذلك من محرري الأهرام .وكانت جلسة المحاكمة خاصة بالطبقة العليا من الرجال الإسلاميين وفي طليعتهم أحمد تيمور باشا وعبدالحميد سعيد ورجال الأزهر ، والطبقة العليا من أضدادهم الذين أرادوا إذلال الحركة الإسلامية بإدانة صاحب الترجمة والحكم الجنائي عليه . وكانت نتيجة المرافعة من جانبي النيابة والدفاع النيابة والدفاع الحكم بالحبس شهراً واحداً مع وقف التنفيذ ، فضجت دار المحكمة بتصفيق أعضاء جمعية الشبان المسلمين والطلبة الأزهريين وأمثالهم ، واعتبروا الحكم فوزا ، لأن المادة صريحة ولم يكن ممكناً النجاة من عقوبتها بأقل من ذلك . وكان من رأي بعض طيبي القلوب من أصدقاء صاحب الترجمة ومحبيه أن يستأنف الحكم ، وكان رئيس الاستئناف يومئذ " عبدالعزيز فهمي " باشا وهو كمالي أكثر من كمال اتا تورك نفسه ، لذلك أبى صاحب الترجمة أن يستأنف الحكم عليه ، ورضي بهذه النتيجة . )




الباب الثالث : الاخوان المسلمون
الفصل الأول : الاخوان المسلمون صناعة سعودية وهابية
فهرس الفصل الأول : (الباب الثالث : الاخوان المسلمون
الفصل الأول : الاخوان المسلمون صناعة سعودية وهابية
حسن البنا والسعودية : بداية صلة حسن البنا بعملاء السعودية :
صلته برشيد رضا : صلة حسن البنا بالشيخ محب الدين الخطيب و حافظ وهبة
حسن البنا يقابل الملك عبد العزيز . سياسة عبد العزيز مع حسن البنا والاخوان المسلمين . الاخوان المسلمون يتقربون لعبد العزيز بقتل إمام اليمن : علاقة الملك عبد العزيز بإمام اليمن ــ علاقة الاخوان المسلمن باليمن وتفجيرهم ثورة الميثاق. )

الفصل الأول : الاخوان المسلمون صناعة سعودية وهابية
أولا : حسن البنا والسعودية
مقدمة : لسنا فى بحث متعمق فى الاخوان المسلمين ، وسبق لنا نشر الكثير عنهم ، ولكن نكتفى هنا بلمحة عن دور السعودية فى خلقهم ودورهم فى خدمة السعودية ، الى أن حدث الطلاق السياسى بينهما مع إنتمائهما معا الى الوهابية .
نبدأ بعلاقة حسن البنا بالسعودية

حسن البنا والسعودية
أولا : بداية صلة حسن البنا بعملاء السعودية :
صلته برشيد رضا :
1 ـ كان حسن البنا طالبا بكلية دار العلوم وتخرج فيها عام 1927 ، وفى أثناء الدراسة فيها كان يحضر ندوات رشيد رضا فى دار العلوم . وفى مقر مجلة المنار . واستمرت الصلة بينهما .
2 ـ ، وبعد وفاة رشيد رضا تولّى حسن البنّا إصدار الأعداد الأخيرة من المنار قبل توقفها النهائي. وقد كتب حسن البنا بعد أن ترأس تحرير المنار تحت عنوان ( في الميدان من جديد ) : ( بعونك اللهم وفي رعايتك وتحت لواء دعوتك المطهرة وفي ظل شريعتك القدسية وعلى هدي نبيك الكريم العظيم سيدنا محمد ﷺ تستأنف هذه المجلة (المنار) جهادها وتظهر في الميدان من جديد ) ومما كتبه عن رشيد رضا : ( ولقد كان السيد رحمه الله صادق العزم مخلص النية في آماله هذه فاستجابها الله له، وشاءت قدرته وتوفيقه أن تقوم على المنار (جماعة الإخوان المسلمين) وأن يصدره ويحرره نخبة من أعضائها، وأن ينطق بلسانها ويحمل للناس دعوتها .يا سبحان الله، إن جماعة الإخوان المسلمين هي الجماعة التي كان يتمناها السيد رشيد رحمه الله، ولقد كان يعرفها منذ نشأتها ولقد كان يثني عليها في مجالسه الخاصة ويرجو منها خيرًا كثيرًا، ولقد كان يهدي إليها مؤلفاته فيكتب عليها بخطه: من المؤلف إلى جماعة الإخوان المسلمين النافعة؛ ولكنه ما كان يعلم أن الله قد ادخر لهذه الجماعة أن تحمل عبئه وأن تتم ما بدأ به، وأن تتحقق فيها أمنية من أمانيه الإصلاحية وأمل من آماله الإسلامية. ) ( وإننا لنرجو أن نكون أسعد حظًّا من صاحب المنار رحمه الله في حسن معاملة المشتركين فيها، فإن مال الدعوة مهما كثر قليل بالنسبة لنواحي نشاطها وتشعب أعمالها فليقدِّروا هذه الحقيقة وسيجدون ما ينفقون في هذه السبيل عند الله هو خيرًا وأعظم أجرًا. ستعود المنار إن شاء الله إلى الميدان تناصر الحق في كل مكان، وتقارع الباطل بالحجة والبرهان، وشعارها الدعوة إلى الإسلام والدفاع عنه وجمع كلمة المسلمين والعمل للإصلاح الإسلامي في كل نواحيه الروحية والفكرية والسياسية والمدنية.) .
3 ـ معنى هذا أن حسن البنا سرعان ما إحتلّ مكانة رشيد رضا فى مجال الدعوة السلفية بالاضافة الى عضويته فى جماعة الشبان المسلمين . الأهم من هذا أن أحتلاله لموقع رشيد رضا واكب تغيرا فى وضع المملكة السعودية الاقتصادى. كان رشيد رضا يعانى من ضيق ذات اليد ، وكان ينفق أحيانا من عنده ، وكان عبد العزيز حريصا ما استطاع على أن يساعد رشيد رضا ماليا . إختلف الحال بظهور البترول ، وكان هذا فى صالح حسن البنا الذى بذل كل وسعه ليحظى بالقبول لدى عبد العزيز حتى ينال (عطفه المالى ) .
4 ـ والاستاذ جمال البنا شقيق حسن البنا يعترف بتلك الصلة بين شقيقه الاكبر ووالده والسلطات السعودية ،في كتابه (خطابات حسن البنا الشاب الي ابيه ).
والدكتور محمد حسين هيكل في مذكراته عن السياسة المصرية يشير الي معرفته بالشاب حسن البنا في موسم الحج سنة 1936 ،وكيف ان حسن البنا كان وثيق الصلة بالسعودية ويتلقي منها المعونة .
5 ـ وكان حسن البنا يمسك بيد من حديد بميزانية الجماعة، ولذلك فان الانشقاقات عن الاخوان ارتبطت باتهام الشيخ حسن البنا بالتلاعب المالي واخفاء مصادر تمويل الجماعة عن الاعضاء الكبار في مجلس الارشاد .
وعن طريق الدعم السعودي استطاع البنا ــ وهو المدرس الالزامي البسيط ــ أن ينشئ خمسين الف شعبة للاخوان في العمران المصري من الاسكندرية الي اسوان .
صلة حسن البنا بالشيخ محب الدين الخطيب و حافظ وهبة
1 ـ أثناء دراسته بكلية دار العلوم إتصل حسن البنا أيضا بمحب الدين الخطيب فى تردده على المكتبة السلفية ، واصبح عضوا فى جمعية الشبان المسلمين التى أنشأها محب الدين الخطيب.
2 ـ وإعترف حسن البنا في مذكراته (الدعوة والداعية) بصلته بالشيخ حافظ وهبة والدوائر السعودية، وقد جاء للقاهرة حافظ وهبة لانتداب بعض المدرسين المصريين ليقوموا بالتدريس فى مدارس الحجاز ـ بعد أن إحتل عبد العزيز الحجاز . واتصل حافظ وهبة بجمعية الشبان المسلمين، فتكلم محب الدين الخطيب بحسن البنا فى ترشيحه فوافق البنا . والتقى البنا مع حافظ وهبة فى مقر جمعية الشبان المسلمين يوم 6 نوفمبر سنة 1928. ولم يتم هذا التوظيف ، ولكنه كان بداية التعارف بين حافظ وهبة وحسن البنا . واستمر حسن البنا مدرسا إبتدائيا فى مدينة الاسماعيلية . ولكنه إكتسب معرفته بحافظ وهبة . واستمرت الصلة بينهما بطبيعة الحال .
ثانيا : حسن البنا يقابل الملك عبد العزيز
1 ـ كان حسن البنا وأتباعه حريصين على جذب إنتباه الملك عبد العزيز والقريبين منه ، وبعد محاولة الاعتداء على الملك عبد العزيز في الحرم من قبل أحد اليمنيين، أرسل المؤتمر الثالث لجماعة الإخوان عام 1939 تهنئة للملك عبد العزيز بنجاته وإستنكارا لمحاولة إغتياله .
2 ــ في عام 1936 توجّه حسن البنّا للحج أوّل مرةٍ في حياته. كان عبد العزيز يوجه الدعوات لكبار ( علماء المسلمين ) حيث يعقد لهم مؤتمرا يحضره بنفسه، ولم يكن الاخوان المسلمين وقائدهم الشاب ضمن كبار علماء المسلمين فى تقدير عبد العزيز . قرر حسن البنا أن يحج بأتباعه وأن يلفت نظر عبد العزيز بطريقة مبتكرة . وربما كانت هذه الطريقة بإقتراح الداهية حافظ وهبة . كان مع حسن البنا مائة من إخوانه ، حضر بهم المؤتمر فى هيئةٍ موحدة هي الجلباب الأبيض والطاقية البيضاء. وفي الموعد المحدد فوجئ علية القوم المجتمعون بمائة رجل في هذه الهيئة يخطون خطوةً واحدةً يتوسط الصف الأول منهم رجل منهم هو المرشد العام ، وطلب حسن البنا الكلمة ، وإرتجلها ، وحازت الاعجاب . ونشرت جريدة أمّ القرى فى صدر صفحتها (خطاب للأستاذ حسن البنا المرشد العام للإخوان المسلمين) .
3 ـ كان هذا أفضل مسرحية لتقديم الاخوان المسلمين الى عبد العزيز. ونجح مسعى حسن البنا ، فقابل الملك عبد العزيز فى هذا العام ، وطلب منه إنشاء فرع للإخوان المسلمين فى مملكة عبد العزيز ، فرفض عبد العزيز قائلا ( كلنا إخوان مسلمون ) .
ثالثا : سياسة عبد العزيز مع حسن البنا والاخوان المسلمين
1 ـ لم يفطن حسن البنا الى خطة عبد العزيز ومخاوفه . تجربة عبد العزيز مع إخوانه النجديين تعلم منها ألّا يعيد التجربة ، بل الأفضل له أن يستغلهم فى مصر ، فهم تنظيم سياسى وهابى طامح للحكم ، أى هم خطر عليه فى بلاده ولكن طموحهم فى مصر قد يصل بهم الى حكم مصر ، فتتحول مصر على أيديهم الى دولة وهابية تابعة دينيا لعبد العزيز ، وبالتالى تكون تابعة سياسيا له . من هنا كان الرفض حازما من عبد العزيز ، لا وجود للإخوان المسلمين فى دولته ، مع مساعدته لهم فى حركتهم فى مصر وخارجها . لذا عمل عبد العزيز على إحتضان الاخوان المسلمين وهم فى مصر ، ومساعدتهم فى توجيه نشاطهم خارج مملكته إنطلاقا من مصر .
2 ـ لهذا ـ برغم رفض عملهم فى المملكة فقد توثقت الصلة بين حسن البنا والملك عبد العزيز ، فالمراسلات إستمرت بينهما ، يعززها وجود حافظ وهبة مستشار الملك عبد العزيز ، وهو الذى رسم خطة تحويل مصر للوهابية عن طريق الاخوان وبقية الجمعيات الوهابية الدعوية السلفية .
3 ـ وأصبح الإخوان أبرز المدعويين لحضور موسم الحج والأكثر نشاطا فيه . وقد تهددت حياة حسن البنا بالخطر فى مصر عام 1948 ، وقام بالحج ، وقيل أن الحكومة المصرية أعدت خطة لإغتياله فى موسم الحج والصاق التهمة ببعض اليمنيين ـ بعد فشل ثورة الميثاق فى اليمن وسنعرض لها ــ وكان أمير الحج المصري حامد جودة – رئيس مجلس النواب الذي ينتمي إلى الحزب السعدي – قد صحب معه بعض الأشخاص الخطرين، ولكن الحكومة السعودية استشعرت ذلك فأنزلت حسن البنا ضيفًا عليها وأحاطت مقره بحراسة شديدة وقدمت إليه سيارة خاصة بها جندي مسلح لحمايته .
4 ـ من ناحيتهم كان الاخوان المسلمون هم ( شعب عبد العزيز فى مصر ) . إستخدموا نفوذهم فى مصر ( الليبرالية ) فى إعداد إستقبالات شعبية له عندما زار الملك عبد العزيز مصر عام 1945. فقد أعدّ له الاخوان المسلمون إستقبالا شعبيا حافلا . استقبلته جوّالة الإخوان المسلمين في مطار القاهرة بالمشاعل والهتافات الإسلامية مرحّبين بمقدمه . وحين تحدد موعد زيارته للإسكندرية تجمّعت فرق جوّالة الإخوان بالإسكندرية في ملعب الأولمبي لتنظيم برنامج الاستقبال في الساعة الثامنة من صباح ذلك اليوم.وتزوع الاخوان المسلمون على أماكن الاستقبال من محطة السكة الحديد إلى قصر الملك فاروق في رأس التين.
5 ـ ودعا الاخوان لعقد مؤتمرٍ عربيٍ من أجل فلسطين، وحضر المؤتمر زعماء عرب ومسلمون توافدوا على مقر المركز العام للإخوان ، وكان ممن توافد الأمير فيصل بن عبد العزيز آل سعود والأمير أحمد بن يحيى ومعهما بعض إخوتهما، أوفدهم والدهم الملك عبد العزيز . وبحث المجتمعون مع الحكومة المصرية وحسن البنا ما يجب عمله لإنقاذ فلسطين.
6 ـ وعقدت إنجلترا فى لندن مؤتمر( المائدة المستديرة ) لبحث مشكلة فلسطين ، وضم المؤتمر ممثلين عن العرب واليهود والحكومة البريطانيةصاحبة الانتداب على فلسطين . وحضر من المملكة السعودية الأميران فيصل بن عبد العزيز وأحمد بن يحيى. واشترك الإخوان في المؤتمر باعتبارهم سكرتيرين للأميرين ومترجمين لهما.
7 ـ وأقام الاخوان المسلمون مظاهرة شعبية تجمعت بميدان الأوبرا في القاهرة تأييداً لفلسطين في شهر ديسمبر 1947 بعد تقسيم فلسطين ، وخطب حسن البنا وآخرون ، وحضرها الأمير فيصل بن عبد العزيز .

أخيرا :
نعترف بندرة المادة العلمية التى تتحدث عن علاقة الاخوان المسلمين بالسعودية ، فالاخوان المسلمون كانوا ولا يزالون تنظيما له واجهة علنية وأخرى سرية ، والعلاقات بينهم وبين السعودية فى هذه الفترة كانت فى الخفاء ، وما يترشح عن هذه العلاقة يكتبه أفراد من الجماعة بصورة دعائية . والسعودية تلتزم الكتمان ، وما يكتبه عملاؤها هو مجرد تبرير أو تأييد . وليس امام الباحث التاريخى إلا إستقراء الأحداث العلنية . وهذا ما سنحاوله فى الخدمة التى قدمها الاخوان المسلمون للملك عبد العزيز فى قلب نظام الحكم فى اليمن والانتقام له من إمام اليمن .
الاخوان المسلمون يتقربون لعبد العزيز بقتل إمام اليمن

مقدمة : قمنا بفصل الجزء الأول من كتاب ( نشأة وتطور أديان المسلمين الأرضية ) ليقتصر على عصر الخلفاء من الراشدين الى العثمانيين . وتم نشره. ونبدأ بنشر فصول الجزء الثانى الذى يتوقف مع الوهابية ، نشأتها ودولتها السعودية الأولى ، ثم إنتشارها بجهود الدولة السعودية الثالثة الراهنة ، بدءا من مصر ثم العالم . وتم تعديل ابواب وفصول هذه الجزء الثانى ، ونحن الآن فى الباب الرابع ،الفصل الثانى :
الاخوان المسلمون يتقربون لعبد العزيز بقتل إمام اليمن.!
نتتبع خيوط الموضوع كالآتى :
أولا : علاقة الملك عبد العزيز بإمام اليمن :
1 ـ كانت منطقة عسير موضع نزاع بين الامام يحيى حميد الدين والملك عبد العزيز . نشبت بينهما الحرب عام 1934 ، وانتصر عبد العزيز وتقدم جيشه من تهامة حتى ميناء الحديدة اليمنى ، وآثر عبد العزيز عقد الصلح مع امام اليمن ، وعقد اتفاقية جدة ، وقد اعترض مستشاره فيلبى قائلا : ( هل تتاح لأحد فرصة ضم اليمن ويتركها ؟ضيعت ملك آبائك يا عبد العزيز ..!! فناداه الملك وقال له :اولا لم يملك آبائي اليمن من قبل، وما استطاع احد ان يوفر الامن في اليمن، فمن الذي يستطيع ان يحكم اليمن بزيودها وشيعتها ؟و مشاكلها؟وستري ما سيجري فيها ،ثانيا: ان حربي لم تكن لضم اليمن وانما لانهاء المطالب في عسير ونجران وجيزان وهذا ما حققناه ).
2 ـ جرت محاولة لإغتيال الملك عبد العزيز قبيل طلوع الشمس من اول ايام عيد الأضحى وهو يطوف بالكعبة فى عام 1353 هـ (مارس 1935). يقول الزركلى فى كتابه : شبه الجزيرة في عهد الملك عبدالعزيز: صفحة :619 ) : ( فلما كان عند باب الكعبة ، برز رجل من فجوة في شمالي حجر إسماعيل ، وقد سل خنجرا ، وصاح صيحات منكرة ، فيها تهديد ووعيد وسباب .وقفز منقضا على الملك ، ومن ورائه . وما كان من سعود إلا أن ألقى نفسه على أبيه ، يقيه الطعنة، ودفع المجرم بيده . وانطلقت في رأس المجرم رصاصة أردته قتيلا . وعلت صيحة "كامن " آخر كان في فجوة ثانية من فجوات الحجر ، وانقض بخنجره يريد الملك ، فمس الخنجر أسفل الكتف اليسرى من ظهر سعود ، وجرحه . ووثب ثالث ، مقبلاً من ناحية الركن اليماني ،فلمح صاحبيه مضرجين بدمهما ، فانطلق يبغي الفرار ، وكان مقتل الأول برمية عجيبة من بندقية حارس الملك الخاص ـ واسمه عبدالله البرقاوي ـ فقد خشي ان يطلقها مصوبة فتصيب مع المجرم غيره ، فوثب ناكساً بندقيته ، وابهامه على الزند ، وصب الرمية صباً . وقُتل الثاني برصاصة من حارس الأمير سعود ـ واسمه خير الله ـ اما الثالث فلم ينج من رصاص الجند ، ولكن ظل فيه رمق من الحياة فاستطاع المحققون ان يعرفوا منه اسمه وهو " علي " والثلاثة من غالية اليمن . ) ، ويقول ( وكان الحج اليماني كبيراً ذلك العام ، يقارب عشرة آلاف حاج ، بينهم عبدالله بن الوزير من سادة اليمن ودهاة رجاله . .. وتلقى الملك البرقية من الإمام يحيى ، يستنكر بها الحادث ويستفظعه ، ويبرأ إلى الله من جريرته . وتهامس الناس فيمن تعلق به التهمة في تدبير هذه المؤامرة بصنعاء ، فاتجهت إلى "سيف الإسلام أحمد " كبير أبناء الإمام يحيى .) .
3 ـ وصلت برقية من جماعة الإخوان بتهنئة للملك عبد العزيز بنجاته وإستنكارا لمحاولة إغتياله . الغريب أن الاخوان إغتالوا رئيس الوزراء المصرى احمد ماهر عام 1945 . وكانت تحركاتهم فى مصر بعلم من سيدهم الملك عبد العزيز . لذا فالمنتظر أن يستعين بهم عبد العزيز فى الانتقام من يحيى إمام اليمن ، الذى ردّ جميل عبد العزيز بمحاولة إغتياله فى الحرم . هذا مفهوم من دراسة سياسة عبد العزيز ، التى تميزت بالتأنى وأن يستعمل آخرين فى تنفيذ الأعمال القذرة . وهكذا فعل بالاخوان النجديين ، إستخدم وحشيتهم فى تكوين دولته ، وصبر على معارضتهم وتطاولهم الى أن جاء الوقت المناسب ، فقضى عليهم ، وفى إنتظار هذا الوقت المناسب كان عملاؤه قد أسسوا له جماعة الاخوان المسلمين المصريين بديلا على إخوانه النجديين . لم تكن للملك عبد العزيز مطامع فى اليمن ، ولا يرد الدخول فى مشاكلها ، ولكنه لا ينسى محاولة إغتياله فى الحرم . كان منتظرا أن ينتقم من إمام اليمن . لا ننسى هنا وجود عبد الله بن الوزير القائد اليمنى وقت محاولة الاغتيال ، ووصول تهنئة الاخوان لسيدهم عبد العزيز .
4 ـ قبل ذلك كانت للإخوان صلات ببعض رموز اليمن من عام 1929، وبالتمويل السعودى أصبح للإخوان التنظيم الدولى و من أعضائه الغامضين الجزائرى أبو الفضيل الوريتلانى . واثناء الخصومة السعودية اليمنية ظهر تحرك اخواني في اليمن إستثمر تلك العلاقات مع بعض الرموز اليمنية ، وظهر عبد الحكيم عابدين صهر حسن البنا فى اليمن ومعه أبو الفضيل الوريتلاني ، وأقاما مشروعات تجارية ، كانت ستارا لتحالفت سياسية فجرت ثورة الميثاق في اليمن سنة 1948 بقيادة ابن الوزير، ونجحت الثورة في قتل الامام يحيى . وكادت الثورة أن تنجح لولا أن تحركت القبائل اليمنية ضد ابن الوزير فبعث يستنجد بعبد العزيز فرفض، وتخلى عنه ، فقد حقق غرضه فى قتل خصمه الامام يحيى ، فسقطت الثورة .
كسب عبد العزيز مرتين ، إنتقم من خصمه الامام يحيى، فقتله بيد آخرين ، وهو الذى حكم اليمن سبعا وأربعين عاما ، وإكتسب محبة ابن الامام يحيى ( احمد بن يحيى ) الذى تولى مكان أبيه .
5 ـ ثورة الميثاق اقصر الثورات عمرا ( فبراير / مارس 1948 ) ومع ذلك هزت اليمن وبلاد العرب. نقتطف منها هذه الشذرات التى تؤكد دور الاخوان المسلمين فيها :
5 / 1 ( فشلت المحاولة الأولى لاغتيال الامام يحيى ، فاستدعى الإمام يحيى ولي عهده أحمد من تعز إلى صنعاء ليعتقل ابن الزيروغيره من المشتبه فيهم . وبادر المتآمرون الى مقابلة ولى العهد فى تعز وعرضوا عليه ( الميثاق ) الذى ينظم طريقة الحكم ، فرفض . وكان ضمن القادة الاخوانى الفضيل الوريتلانى .
5 / 2 : تنفيذ الاغتيال : شعر الأحرار اليمنيون بأن الإمام يحيى حميد الدين في طريقه لاكتشاف شخصياتهم ، وبالتالى سيضرب ضربته ضدهم، فقرروا اغتياله، وجاء وقت التنفيذ في يوم الثلاثاء 7 ربيع الثاني 1367هـ الموافق 17 فبراير 1948 وقد أعد علي السنيدار و محمد الكبوس سيارة من سيارات شركة الفضيل الورتلاني التي أنشأها في اليمن، عليها خمسة أشخاص مسلحون يسوقها أحمد ريحان، واعترضت موكب الإمام يحيى عند قرية حزيز، التي تبعد عن صنعاء بعشرة كيلو مترات، فانطلقت رصاصات من مدفع رشاش استقر خمسون منها في جسد الإمام، فمات في الحال، ومعه آخرون وطفل .
5 / 3 : حسن البنا هو الذى وضع ( الميثاق الوطني المقدس )عام 1947 . وفور إعلان الثورة قامت ( حكومة الدستور ) وألفت الحكومة اليمانية الجديدة من مجلس الشورى يتألف من ستين عالما وفقيها من نخبة الأمة اليمنية . وقرر مجلس وزراء حكومة الثورة تعيين الفضيل الورتلانى (مهندس الثورة) أول مستشار عام للدولة، وطلب من الشيخ حسن البنا والفريق عزيز المصري، أن يكونا من المستشارين العموميين للحكومة، وأعلنت إذاعة صنعاء أن حسن البنا عيّن أحد المصريين وهو مصطفى الشكعة مديرا للإذاعة اليمنية وباقى زملائه مذيعين وهم من الإخوان، لتعمل الإذاعة أربع ساعات يومياً . وفي مصر وصفت جريدة الإخوان المسلمين في عددها يوم 21 فبراير عام 1948 الإمام الجديد عبد الله الوزير بالتقى، والعالم، والفقيه.
5 / 4 : استأجر الإخوان طائرة خاصة أقلت عبد الحكيم عابدين السكرتير العام للجماعة و أمين إسماعيل سكرتير تحرير صحيفة الإخوان و عبد الرحمن نصر مدير وكالة الأنباء العربية. وحمل الوفد معه مكبرات للصوت بهدف دعوة القبائل لتأييد الثورة. أصبح عبد الحكيم عابدين خطيب الثورة في إذاعة صنعاء ، وكان يساعده في الخطب ووضع برامج الإذاعة الإخوان المسلمون المصريون الذين يعملون مدرسين في صنعاء.
5 / 5 : ذهب وفد الثورة لمقابلة الملك عبد العزيز ، كان من أعضائه ابن قائد الثورة والفضيل الوريتلانى . أيقن الملك عبد العزيز حتمية فشل الثورة لأن القبائل ثارت ضدها ، ثم إنه لا يريد أن يفتضح دوره ، ورأة أن مصلحته فى تأييد الأمير بن يحيى ، لذا تلاعب بوفد الثورة ،وماطلهم لمنح الأمير أحمد الوقت الكافي لتعزيز قواته قبل وصول بعثة الجامعة العربية إلى اليمن ، وبالفعل توجه الوفد إلي الرياض، لمقابلة الملك عبد العزيز، وظل الوفد بالرياض حتى سقطت صنعاء في يد قوات سيف الإسلام أحمد . أى رتّب الملك عبد العزيز أموره مع أحمد بن الامام يحيى من وراء ظهر الاخوان المسلمين .
5 / 6 : اجتمع مجلس الشورى لأول مرة في تاريخ اليمن وأدى الإمام الجديد ابن الوزير اليمين الدستورية وأقسم بالعمل على سعادة اليمن وأهلها ، أفرجت الثورة عن أكثر من ثلاثة آلاف من المعتقلين ، طلب الإمام الجديد ابن الوزير رؤية المرشد العام حسن البنا ولكن الحكومة المصرية منعت سفره ، وفي القاهرة أعلن سيف الإسلام عبد الله أنه تلقى برقية من شقيقه الأمير أحمد بن الامام يحيى يعترض فيها على نشاط الإخوان المسلمين في اليمن.
وعجز عبد الله الوزير عن تدبير المال لدفع رواتب الجيش المتأخرة وتأمين ولاء القبائل بالمنح. بينما أعلن الأمير أحمد للقبائل أن صنعاء مُباحة لهم للسلب والنهب . وبهذا ضمن وقوف القبال معه . وفشلت الثورة ، وتم إعدام قادتها. وهرب الفضيل الوريتلاني فى سفينة ومعه سبائك من الذهب ، ورفضت السعودية استقباله فظل يهيم فى البحر ،الى أن رتب له اخوانه الحياة فى لبنان ، ومنها تنقل متنكرا بضع سنوات .
وهناك الكثير عن دور "الأخوان" في اليمن قبل الاغتيال الامام يحيى وبعده، منه ما نشرته الصحف المصرية آنذاك، ومنه ما نشر ضمن الأدبيات التي تناولت تلك المرحلة أو تاريخ الحركة. وهناك تقرير سري بعثته السفارة الأميركية في القاهرة إلى خارجيتها عن بعض الدور الذي قام به "الأخوان" ودوافعهم، واعتمد التقرير على مقابلة بين حسن البنا والسكرتير الأول في السفارة، وأيضاً على مصادر وتحليلات السفارة نفسها. وأبرز ما ذكره التقرير على شكل نقاط:
البنا من أول من عرفوا بنبأ الاغتيال عن طريق الزبيري.
البنا يشيد بدور الإخوان في الإنقلاب.
درجة هذا الدور غير متضحة بسبب تكتم البنا على التفاصيل. ويمكن استنتاج حجم الدور من خلال معرفة طبيعة العلاقة بين الإخوان وبين حركة "الأحرار". فـ"الميثاق المقدس" الذي قامت عليه حكومة الانقلاب صيغ من قبل حركة "الإخوان" في مصر.< دور الورتلاني اساسي في توجيه الأحداث في صنعاء من خلال التقرير الذي كتبه عبدالقادر حمزة، مراسل صحيفة الأهرام. توجد تقارير تفيد أنه طلب من البنا القدوم إلى اليمن وأنه قام من أجل ذلك باستئجار طائرة وتوقع منه المغادرة إلى صنعاء مطلع آذار. وذكرت صحيفة الأهرام أنه سيأخذ معه مجموعة من الميكروفونات لمخاطبة القبائل اليمنية وحضها على طاعة الوزير. حركة الإخوان بدأت من خلال صحافتها شن هجومٍ متواصلٍ على الإمام يحيى خلال العام 1947.
وهناك تفاصيل فى بحوث للأستاذ عبد الوهاب سنان النوارى منشورة فى موقع (أهل القرآن ) بعنوان (حقيقة دور الإخوان المسلمين في ثورة (1948م) اليمنية )
http://www.ahl-alquran.com/arabic/show_article.php?main_id=13940



الباب الثالث : الاخوان المسلمون صناعة سعودية وهابية
الفصل الثانى : الطلاق السياسى بين السعودية والاخوان المسلمين
فهرس الفصل الثانى : ( أولا : أثر ثورة الميثاق فى نفور الملك عبد العزيز من الاخوان المسلمين . ثانيا : هجرة الاخوان المسلمين الى السعودية بعد موت عبد العزيز . أخيرا ـ
أصل الاختلاف بين السعودية والاخوان المسلمين : بالنسبة للسعودية الوهابية ـ بالنسبة للإخوان المسلمين الوهابيين ـ درجة الخطورة بين الوهابيين السعوديين والوهابيين الاخوان المصريين ــ جيل حسن البنا ( الجيل المحروم الساخط الناقم )
الفصل الثانى : الطلاق السياسى بين السعودية والاخوان المسلمين
أولا : أثر ثورة الميثاق فى نفور الملك عبد العزيز من الاخوان المسلمين :
1 ـ نتصور رد الفعل لدى الملك عبد العزيز ، وقد عقد معاهدة جدة مع غريمه الامام يحيى ، وقد حفظ فيها كرامته بعد هزيمته ، فلم يحتل أرضه ولم يعزله عن عرشه بمثل ما فعل مع آخرين فى الجزيرة العربية . ثم يتعرض عبد العزيز لمحاولة إغتيال ــ دبرها إمام اليمن ــ نجا منها بأُعجوبة ، وقد حدثت فى طوافه بالكعبة وسط تجمع المسلمين فى عيد الأضحى ، والتوقيت والمكان غاية فى الأهمية ، ليس فقط لاغتيال عبد العزيز جسديا بل لإغتياله معنويا ، فكيف يقوم على حماية الحجيج وهو الذى عجز عن حماية نفسه . ومع نجاته ـ غير المتوقعة من محاولة الاغتيال المحكمة ـ فإن آثارها المعنوية ظلت عالقة بعبد العزيز وهو حىُّ ، لا يمحيها من وجهة نظره إلّا بقتل إمام اليمن .
2 ـ من هنا أحكم عبد العزيز الخطة ، بتعاون بين ابن الوزير وحسن البنا وجماعته المتخصصين فى تدبير الاغتيالات. لم يكن إحتلال اليمن فى تفكير عبد العزيز . ربما كان يأمل فى تغير نظام الحكم وقيام حكم جديد هناك تابع له بحيث لا ينكشف دوره فى الثورة وتغيير نظام الحكم . هذا إذا نجحت الثورة . أما إذا فشلت فالخطة واضحة فى قطع الصلة بها سريعا وتأييد نظام ابن الامام يحيى بعد قتل أبيه، وقتل أبيه يحيى هو الهدف الأصيل . بوقوف القبائل فى صف احمد ابن الامام يحيى تحتم فشل الثورة ، وتحتم على عبد العزيز أن ينفض يده منها ، وأن يمد يد العون لأحمد ابن يحيى .
3 ــ ولكن لم يكن هذا هو السبب الوحيد . كان هناك سبب آخر ، ربما إكتشفه عبد العزيز فى الاخوان ( المصريين ). هؤلاء الاخوان المسلمون ( المصريون ) إعتنقوا الوهابية سُلّما للوصول الى الحكم فقط . ومع وهابيتهم هذه فقد كانت لهم خلفية سياسية من مصر الليبرالية تخالف ثقافة عبد العزيز البدوية التى تمزج بين الحاكم وشيخ القبيلة . قدم الاخوان نظريتهم ـ الميثاق ـ فى صورة ليبرالية بعض الشىء ، تحمل إصلاحا سياسيا وإجتماعيا ، يعتبره عبد العزيز خطرا على حكمه فى مملكته وهو الذى عانى من قبل من معارضة الاخوان النجديين وإصرارهم على المشاركة فى الحكم . وبالتالى لا يريد عودة الماضى أو أن يزحف اليه من خلال اليمن بظام حكم ساعد فى إقامته فيها . وفشلت ثورة ( الميثاق ) فى اليمن ، ولكن ظل ( ميثاق الاخوان المسلمين ) الذى جعلوه عنوانا لهذه الثورة يؤرق عبد العزيز ، ويجعله لا يثق فى الاخوان ، ويجعله يؤكد خطته من البداية ، أن يساعد الاخوان فى مصر بقدر المستطاع ، وأن يمنع تأثيرهم فى مملكته ـ أيضا ـ بقدر المستطاع .
4 ـ وقوف الملك عبد العزيز ضد الثورة أذهل الإخوان المسلمين ، وهم الذين كانوا يعولون عليه فى نجاحها . وفهموا بعدها خشيته على عرشه من ( الميثاق ) . وأبدى الإخوان غضبهم من الملك عبد العزيز لوقوفه ضدّ هذه الثورة، يقول محمود عبدالحليم مؤرخ الاخوان : ( وبعد هذا التلكؤ قام الوفد –أي وفد الجامعة العربية- ولم يتوجّه إلى اليمن مباشرةً كما كان ينتظر بل اتجه إلى السعودية ومكث في السعودية أياماً تلقى نصائح العاهل السعودي الذي قد لا يسعده أن يقوم حكم في جارته المتاخمة له يضرب بنظام الوراثة والأسر المالكة عرض الحائط ويختار الأصلح غير عابئ بالأسرة التي ينتمي إليها. ).
ومن هذا الموقف، أصبحت السعودية حذرةً في تعاملها مع حسن البنّا. قال فهمي أبو غدير: ( سعدت بصحبة أستاذي الأستاذ البنّا في مكّة موسم حج 1367هـ 1948 وتوثقت الصلة بيني وبين أحد النجديين المتحركين المتصلين.. نصحني لله ألا أعود لمصر هذا العام، الاعتقالات والسجون والمنافي والمحاكمات والمشانق والاغتيالات في انتظاركم!! وعهد الله أنني أجوب معك نجد والحجاز داعين إلى درب الإخوان المسلمين.. تبسّم البنّا عندما سمع بذلك (وقال: ) “ألا تعلم أنّ الحكومة السعودية لم تسمح لي بالحج هذا العام إلا بعد أن تعهّدتُ بعدم الخطابة والكلام في السياسة” قلت: بلى “فكيف تسمح بالدعاية للإخوان؟ ) .
فالملك عبد العزيز منع حسن البنا من الخطابة والكلام فى السياسة فى موسم الحج عام 1948 ، بعد فشل ثورة الميثاق . وهناك متعاطفون مع الاخوان المسلمين داخل المملكة يريدون الدعوة الى (درب الاخوان) وهذا ما يتخوّف منه عبد العزيز سلفا . عبد العزيز كان قد أطلق على المملكة إسم اسرته السعودية ، وصار الحاكم المستبد الذى لا يُسأل عما يفعل ، وصار رجال دينه الوهابى يجعلون طاعته ( طاعة ولى الأمر ) فرضا دينيا . وفى إتصالات الاخوان ببعض من يعيش فى المملكة وبإعلان ميثاقهم اصبح هذا هو ( درب الاخوان ) الذى يعطى هامشا من المشاركة فى الحكم ، وصار هذا الدرب أملا لمن عرف الاخوان ، يتمنون تطبيقه فى المملكة التى يمتلكها عبد العزيز . وهذا ما يرفضه عبد العزيز السعودى مالك ( السعودية ).
ثانيا : هجرة الاخوان المسلمين الى السعودية بعد موت عبد العزيز
1 ـ أدت ثورة الميثاق اليمنية الى إنتباه نظام الحكم المصرى الى خطورة الاخوان ، وكيف إستطاع حسن البنا إشعال ثورة فى اليمن ب ( الريموت كنترول )، وتسارعت الأحداث ووصلت الى إصدار رئيس الوزراء المصرى محمود فهمى النقرشى حل الاخوان فى 8 ديسمبر 1948 ، فإغتاله الاخوان بعدها بعشرين يوما .ودخل الاخوان فى صدام مع الدولة المصرية نتج عنه إغتيال حسن البنا في 12 فبراير 1949 وتولّى الهضيبي مكانه في 19أكتوبر 1951 ، ثم قامت حركة الجيش ، وكان الاخوان خلفها . ودخل الاخوان فى عصر جديد .
2 ـ وما لبث أن شبّ الصراع بين الاخوان والعسكر ، وعصف عبد الناصر بالاخوان المسلمين ، وقام بحل جماعة الاخوان، ثم موجة الاعتقالات عام 1954 فى عصر الملك سعود بن عبد العزيز ، وكانت الموجة الثانية من الاعتقالات عام 1964 . من نجا منهم من سجون عبد الناصر وجد ملاذا آمنا فى المملكة السعودية ودول الخليج .
3 ـ لجأ الاخوان المسلمون المصريون الى السعودية آلافا بعائلاتهم ، وتولّوا مناصب حسّاسةٍ وحصل عددٌ منهم على الجنسية السعودية وبعضهم حظي بالجواز الديبلوماسي. لم يكن هذا مجرد كرم سعودى ، بل إحتاجت لهم السعودية فى مواجهة المدّ الناصري الثوري ، حيث ناصب عبدالناصر الملكيات العربية ( الرجعية ) العداء، وسعى إلى الإطاحة بها ، ونجح مسعاه في ليبيا واليمن وضربت طائراته المناطق الجنوبية في السعودية، فواجهته السعودية فى اليمن ، وتبنّت دعم الإخوان المسلمين والشعار ( الاسلامى ) ليس فقط في وجه المدّ الناصري بل واليسارى والقومى البعثى . وبعد موت عبد العزيز بشخصيته القوية عاد تزمت شيوخ الوهابية يعرقل تقدم المملكة وتحديثها ، وأصدر ( الشيخ محمد بن ابراهيم بن عبداللطيف آل الشيخ ) كتابا فيه تكفير الأنظمة الحديثة التى أدخلتها الدولة السعودية، أى يعيد مأساة الاخوان النجديين مع عبد العزيز . وكان لا بد من الاستعانة عليهم بالاخوان المصريين وهم الأقدر على تحديث الوهابية بما يلائم العصر .
4 ـ وإستغل الاخوان هذا فى تدعيم وضعهم فى الدولة السعودية بالسيطرة على العملية التربوية والجمعيات الخيرية والاسلامية، وبخبرتهم فى العمل السرى تغلغلوا فى مفاصل الدولة . وانتعش الاخوان فى السعودية بعد وفاة عبد الناصر والإفراج عن حسن الهضيبي والإخوان المسلمين عام 1971 ، وانتهز الهضيبي فرصة الحجّ سنة 1973 فعقد أوّل اجتماعٍ موسّعٍ للإخوان في مكة ، وكان هو الاجتماع الأوّل من نوعه منذ محنة 1954 .. ونظراً لأن معظم الإخوان في الخارج قد هاجروا إلى منطقة الخليج والجزيرة العربية أو البلاد الأوروبية والأمريكية فقد تركّز عمل لجنة العضوية في تلك المناطق: فتشكّلت لجنة الكويت، ولجنة قطر، ولجنة الإمارات، وثلاث لجانٍ للسعودية في الرياض، وفي الدمّام، وفي جدّة”، وقد سهّل على الهضيبي هذه المهمة انتشار الإخوان في السعودية والخليج وتنظيماتهم المحكمة هناك.وتكون مجلس الشورى العام الذي يمثل السلطة التشريعية لجماعة الإخوان المسلمين من 38 عضواً، ثلاثة أعضاء ثابتين بالتعيين مباشرةً من المرشد العام وبموافقة مجلس الشورى العام (أخ سعودي وآخر سوري والثالث مصري) و2 من تنظيم الأردن و2 من اليمن و1 من العراق و1 من الإمارات العربية المتحدة و1 من البحرين و2 من السعودية. ولوحظ أنّ أقطار الخليج والسعودية ممثلة بقوة نظرا للحاجة الى التمويل .
5 ـ وصل نفوذ الاخوان المسلمين فى السعودية الى ذروته فى عهد الملك فيصل ، وفيها سيطر الاخوان المسلمون وأنصارهم على العملية التعليمية والاعلامية . وقام الملك فيصل بنشر الوهابية فى أوربا وفى أمريكا فإحتاج الى التنظيم الدولى للإخوان ، والى فروعه وكوادر الاخوان فى الغرب. وسعى فيصل للتقريب بين الاخوان والرئيس السادات ، وبجهوده عاد الاخوان للسيطرة على مصر فى عصر السادات ، ومن عباءتهم خرجت كل التنظيمات الدعوية السلفية والسياسية الحركية ، واهمها الجامعة الاسلامية والجهاد والتكفير والهجرة ، وعلى أيديهم لقى السادات حتفه . الملك فيصل أنفق عشرات البلايين فى نشر الوهابية ــ باسم الاسلام ــ فى العالم ودفع العالم الثمن فى مذابح لا تزال مستمرة حتى الآن . نشر الملك فيصل حمامات الدم فى العالم فى سبيل أن يجعل من أسرته السعودية زعيمة للمسلمين فى العالم .
6 ـ إنتبهت الدولة السعودية مؤخرا الى خطر الاخوان عند غزو صدام للكويت ، ووقوف الاخوان الى جانب صدام ، وتبين أن المعارضة الوهابية التى تزعمها المسعرى والفقيه من تلامذة الاخوان . إنتقم الاخوان مما فعله بهم عبد العزيز عندما تخلى عن ثورة الميثاق ، فقاموا بتعليم المثقفين ( السعوديين ) حقوقهم المسلوبة وفق ( الميثاق ) الذى وضعوه والذى لا مكان فيه لتوارث الحكم فى أسرة بعينها بل هو للأصلح . خلق الاخوان المسلمون طموحا سياسيا مشروعا لدى المثقفين ( السعوديين ) الذين تعلم معظمهم فى مصر واوربا والغرب تعليما عاليا ، ومنهم من تخصص فى العلوم الطبيعية ، فأكبوا برغم ذلك على دراسة الوهابية وتفوقوا على علماء السلطة من آل الشيخ ليكسروا إحتكارهم للدين الوهابى ، وليزايدوا بوهابيتهم على الأسرة السعودية ، كل ذلك بسبب طموح سياسى زرعه فيهم الاخوان المسلمين الذين تخصصوا فى ( التربية ) تلك المرحلة التى تسبق عندهم مرحلة ( التمكين ) . ثم حدث زلزال الخليج بغزو صدام للكويت ، وهرعت الأسرة السعودية تستنجد بأمريكا بما يعنى عجزها عن الدفاع عن مملكتها برغم مئات البلايين التى أنفقتها على التسليح . لذا نشأت المعارضة السعودية . وهنا أيضا حدث الطلاق السياسى بين السعودية والاخوان . والتفاصيل فى كتابنا عن المعارضة الوهابية فى الدولة السعودية فى القرن العشرين ، وهو منشور حلقاته هنا .
7 ـ كان الأمير نايف وزير الداخلية هو الذى واجه المعارضة السعودية فى التسعينيات . يقول عن الاخوان فى حوار لصحيفة السياسة الكويتية : ( جماعة الإخوان المسلمين أصل البلاء. كل مشاكلنا وإفرازاتنا جاءت من جماعة الإخوان المسلمين، فهم الذين خلقوا هذه التيارات وأشاعوا هذه الأفكار.. عندما اضطهد الإخوان وعلّقت لهم المشانق لجأوا إلى السعودية فتحمّلتهم، وحفظت محارمهم وجعلتهم آمنين” ويضيف “أحد الإخوان البارزين أقام 40 سنة عندنا، وتجنّس بالجنسية السعودية، وعندما سئل عن مثله الأعلى قال حسن البنّا”! ويكمل الأمير نايف تعليقا على الغزو العراقي للكويت: “جاءنا عبدالرحمن خليفة والغنوشي والزنداني فسألناهم هل تقبلون بغزو دولة لدولة واقتلاع شعبها؟ فقالوا نحن أتينا للاستماع وأخذ الآراء” ويضيف “بعد وصول الوفد الإسلامي إلى العراق فاجأنا ببيانٍ يؤيد الغزو”!) .
أخيرا :
1 ـ أدرك أبناء عبد العزيز فى نهاية القرن العشرين خطورة الاخوان المسلمين المصريين عليهم فى عُقر دولتهم السعودية ، وهذا ما فطن اليه أبوهم عبد العزيز من قبل وتحسّب منه بسبب تجربته المريرة مع الاخوان النجديين قبل الاخوان المسلمين .
2 ـ الذى ربما لم يدركه أبناء عبد العزيز أن دينهم الوهابى يتيح للمستبد أن يمارس إستبداده بالدين ( الوهابى ) ، ولكن هذا الدين الوهابى نفسه يتيح للطامحين للحكم أن يزايدوا على نفس المستبد دينيا وسياسيا ، وأن يثوروا عليه . والفيصل هو القوة ، والحكم لمن يغلب ، أو بالتعبير السُنّى ( المتغلب على الحكم ) . هذا المعارض الوهابى إذا تغلّب على الحكم وأزاح المستبد الوهابى فهو حاكم شرعى ـ طبقا للدين السنى الوهابى ـ إلى أن يتغلب عليه معارض وهابى آخر .
3 ـ وفى ضوء هذا نفهم أن أعدى أعداء الدولة السعودية هم صنائعهم من الوهابيين داخل دولتهم وخارجها، لا فارق بين داعش والقاعدة والاخوان المسلمين .
4ـ ومن هنا فالحل الذى يحقن الدماء هو أن تعلن الأسرة السعودية تحللها من العقد الذى عقده جدهم محمد بن سعود مع محمد بن عبد الوهاب عام 1745 ، ذلك العهد الذى تحولت به الدرعية الى دولة توسعت فى الجزيرة العربية حتى أسقطها الوالى محمد على عام 1818 . آن الأوان لكى تتحرر الدولة السعودية من هذا الالتزام بالوهابية وأن تتحول الى مملكة عادية مثل مملكة الاردن والمغرب ، مع إصلاحات ضرورية تمنع سيطرة الوهابية على سكان المملكة وتتيح لهم حريتهم الدينية ، مع بعض إصلاحات سياسية تكون به نوعا ما مملكة دستورية .
5 ـ هذا إذا أرادت الدولة السعودية أن تستمر على قيد الحياة وسط الزلزال الذى تمر به المنطقة والذى سببته وهابيتها .

أصل الاختلاف بين السعودية والاخوان المسلمين

أولا : بالنسبة للسعودية الوهابية :
1 ـ منذ عقد الاتفاق بين محمد بن عبد الوهاب ومحمد بن سعود عام 1745 وقد تحددت ماهية الدولة السعودية ، وذلك بإقتسام السلطة بين الأمير والفقيه ، وصار ساريا أن للاسرة السعودية السياسة ولأسرة آل الشيخ الدين الوهابى الملاّكى . الأسرة السعودة تحكم الرعية دنيويا وأسرة آل الشيخ تحكمهم دينيا . وبقيام الدولة السعودية الأولى ( 1745 : 1818 ) تحدد دور ابن عبد الوهاب فى اتهام الآخرين بالكفر، والامير تحددت مهمته فى حربهم والاستيلاء على أرضهم وضمها لدولته . بالتالى فهما متقفان على تكفير الآخر وعلى تطبيق الشريعة الوهابية عليه بحربه وضم أرضه ، ثم إضطهاده وإكراهه فى الدين إذا كان تحت الحكم السعودى الوهابى.
2 ـ كانت الأمور بسيطة فى الدولة السعودية الأولى وهى تتوسع فى الجزيرة العربية على حساب الإمارات القائمة فيها ، ثم إصطدمت بالدولة العثمانية بإستيلائها على الحجاز ، فإستدعى هذا حملة محمد على التى دمرت هذه الدولة السعودية . معنى هذا أن هذه الدولة كان ممكنا إستمرارها لو لم يحدث هذا الاحتكاك بالخارج . والحجاز هو نافذة الجزيرة العربية للخارج ( المسلم ) وتمثله الدولة العثمانية . ولم تهتم أوربا بالتدخل حينئذ ، إذ لم يؤثر توسع الدولة السعودية المحلى على مصالحها ومستعمراتها .
3 ــ إختلف الوضع فى الدولة السعودية الثالثة التى أسّسها عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل . واكب تأسيس هذه الدولة الثالثة ذروة النفوذ الانجليزى وتوسعه ما بين الخليج وباب المندب والنيل والرافدين . واصبح حتما على ( عبد العزيز ) أن يتعامل سياسيا مع المشركين ( مصر ) ومع الكفار ( انجلترة ) ، وهذا يصطدم بأُسُس الوهابية التى وضعها محمد بن الوهاب فى عصره حسب رؤيته للعالم القريب منه . المشكلة أن عبد العزيز قام بتربية الاخوان ( النجديين ) على مؤلفات محمد بن عبد الوهاب وأبنائه الذين إنغلقوا عليها ولم يدركوا متغيرات العصر فى القرن العشرين وضرورة مواكبتها . هنا حدث ما لم يحدث فى الدولة السعودية الأولى ، وهو التعارض بين شيوخ الوهابية وبين مستلزمات السياسة الاقليمية والدولية التى ينتهجها عبد العزيز . الاخوان النجديين الذين أقاموا مُلك عبد العزيز والذين تعلموا الوهابية على أيدى دُعاة عبد العزيز كانوا يدا واحدة مع أئمة الوهابية ضد عبد العزيز ، وحدث التعارض ووصل الى تكفير عبد العزيز ( وهابيا ) ثم الحر ب بينهما ، وأثناء هذا الخلاف عمل عبد العزيز ــ كما قلنا ـ على نشر الوهابية فى مصر ، وكان من جهود عملائه فيها تكوين الاخوان المسلمين المصريين بديلا عن الاخوان النجديين .
4 ـ فارق هائل بين الاخوان النجديين وبين الاخوان المسلمين المصريين . النجديون لا يرون حلولا وسطى . من ليس منهم فهو كافر ، وهم وحدهم المسلمون محتكرو الاسلام ومحتكرو قتل الآخر باسم دينهم . ليس لديهم منطقة رمادية ، إما أن تكون منهم وإما أن تكون عدوهم وفريستهم . وهم حتى حين إختلفوا مع سيدهم عبد العزيز أقاموا مذابح للوهابيين المسالمين لأنهم لم ينضموا اليهم ، ووصل القتل الى النساء والأطفال .
5 ـ وهناك فارق أيضا بين دولة عبد العزيز آل سعود والاخوان المسلمين المصريين . عبد العزيز يريد لدولته ألّا تسقط ، فقد سقطت قبل ذلك مرتين ، الأولى بتدخل خارجى مصرى ، والأخرة بتنازع داخلى فى الأسرة السعودية . وهو قد وضع نظاما لولاية العهد منعا لهذا التنازع ، ونشر الوهابية فى مصر لتكون عُمقا لدولته . ثم هو لا يريد التوسع حتى لا يصطدم بالقوى الخارجية فيفقد كل شىء . هو يريد فقط إستعادة ما إعتبره مُلكا لأسلافه السعوديين . ولو حدث وأقام الوهابيون نظم حكم خارج دولته السعودية فلا بأس . وبهذا كان نشره للوهابية فى مصر ومساعدته فى نشأة الاخوان المسلمين المصريين .
6 ـ الذى أدركه عبد العزيز هو خطورة الاخوان المسلمين المصريين على دولته . وربما لم يعرف أنّ السبب هو فى نشأة الاخوان المسلمين المصريين فى مصر الليبرالية . تلك النشأة التى تجعلهم مختلفين عنه وعن إخوانه النجديين السابقين ــ هذا مع إعتناقهم جميعا دينا أرضيا واحدا هو الوهابية .
ثانيا : بالنسبة للإخوان المسلمين الوهابيين
1 ـ يُلاحظ أن إستعمال مصطلح الوهابية نادر فى أدبيات الإخوان المسلمين ، هذا مع ( وهابية ) حسن البنا ، وتوليه الاشراف على مجلة المنار التى أسّسها رشيد رضا أكبر سلفى وهابى فى مصر ، ومع عضويته لجماعة الشبان المسلمين ومنهجها الوهابى الحركى . حقيقة الأمر أن حسن البنا إكتفى بمضمون الوهابية الدينى دون ذكر إسمها مكتفيا بالتركيز على مصطلحات ( السُّنّة ) و ( السلفية ) .
2 ـ أكثر من هذا فإن الدعوة الوهابية لتحطيم القبور المقدسة ـ وهى من أولويات الوهابية السعودية ـ لم تكن ضمن أولويات حسن البنا وإخوانه المسلمين الوهابيين . بل تم تغييبها عمدا فى صالح الهدف الأول وهو الوصول الى الحكم . فى سبيل الوصول الى الحكم لم يهتم حسن البنا بمقولات ابن عبد الوهاب في ( توحيد الالوهية والربوبية ) و (الولاء والبراء )، أى التبرؤ من غير الوهابيين ، خصوصا وأن البنا فى شبابه كان صوفيا أخذ العهد على شيخ الطريقة الحفصية ، ثم تعامل البنا مع الأحزب السياسية ، وهم مشركون فى العقيدة الوهابية التقليدية . وأتباع حسن البنا جرؤوا على نقده أولى الأمر ( الوهابيين السعوديين ) ، وأتبعوا تعاليم حسن البنا أكثر من إتباعهم لابن عبد الوهاب .
3 ـ وبينما ركزت الوهابية السعودية على تكفير من ليس وهابيا وإستحلال دمه وعرضه وماله ووطنه فإن وهابية حسن البنا تسامحت فى هذا ، وفتحت أبوابها لكل المتدينين من السنيين والصوفية وعوام الناس ، وجعلت هدفا موحدا للجميع هو الوصول الى الحكم .
وكان هذا نقطة خلاف بين حسن البنا وشيخه رشيد رضا . رشيد رضا مع تعامله مع الانجليز والشريف حسين خدمة لدينه الوهابى ولعبد العزيز آل سعود فقد كان صلبا فى عقيدته الوهابية ، ولم يتوان عن الهجوم على شيوخ الأزهر المخالفين للوهابية ، ورشيد رضا كان يجاهر بوهابيته يفاخر بها . عكس تلميذه حسن البنا الذى وضع أمله فى الأزهر وجموع المسلمين ، ورفع شعارات فضفاضة ليس فيها كلمة الوهابية ، حتى ينضوى تحت لوائه كل من هبّ ودب من المحمديين ، وهو (إن الإسلام عقيدة وعبادة ووطن وجنسية ودين ودولة وروحانية ومصحف وسيف.» وأيضا : ( الله غايتنا ، والرسول قدوتنا ، والقرآن دستورنا ، والجهاد سبيلنا ، والموت فى سبيل الله أسمى أمانينا ). هدف حسن البنا هو تجميع كل أطياف المحمديين تحت شعار مشترك لتحقيق الهدف الأسمى والموت فى سبيله ، وهو الوصول للحكم ، لذا كان الجدال المذهبى محظورا ، بل أى جدال كان ممنوعا ، ليس فقط خوف الانقسام ، بل أيضا لتركيز مفهوم الطاعة ومنع النقاش ، والاصطفاف نحو الهدف الأسمى وهو الوصول للحكم .
4 ـ عبد العزيز إنصب هدفه على إستعادة مُلك أسلافه والمحافظة على دولته حتى لا تسقط ـ الى درجة عدم إلتفاته الى دعوة إحياء الخلافة بعد سقوط الخلافة العثمانية، وعلى العكس من ذلك كان حسن البنا الذى توسعت آماله فى إقامة خلافة ( إسلامية ) واحدة ، وفى سبيلها لم يكن مهما عنده ( الوطن المصرى ) . ولقد منحته مصر الليبرالية حرية الحركة سياسيا ودعويا وتنظيميا ، و مع هذه الحرية المُتاحة له فى مصر فقد كان يبحث عن وطن آخر يقيم فيه دولته ( الاسلامية ) إستعجالا لتحقيق الهدف الأسمى وهو الحكم .
ثالثا : درجة الخطورة بين الوهابيين السعوديين والوهابيين الاخوان المصريين
1 ـ خطورة الاخوان تفوق خطورة آل سعود . المفروض فىمن يسعى لإقامة دولة ايدلوجية أن يحدد النطاق المكانى لدولته ، وان ينشر فيه أيدلوجية دولته أولا ، ولكى ينشرها لا بد أن يوضحها ، يضع النقاط فوق الحروف . ثم يقيم بهذه الايدلوجية دولته فى هذا المكان لمحدد . تحقق هذا فى الدول الشيوعية وفى الدولة السعودية الأولى ، وفى الدولة الفاطمية فى مصر وفى الخلافة والدولة العباسية . ولكن الشاب حسن البنا شديد الطموح لم يدرك هذا . لم يحدد المكان بل جعله عاما بطول اتساع دول المحمديين ، ثم حافظ على شريعة الوهابية السنية كما هى . لم يدخل فى تصحيح أو تنقيح أو إصلاح خوفا من أن يتفرق أتباعه ، ومنهم السنى الحنبلى والمالكى والشافعى والحنفى ، ومنهم الوهابى المتزمت ومنهم الصوفى ومنهم العلمانى الراغب فى الوصول الى السلطة .
2 ـ ولقد كتبنا كثيرا عن المعضلة التى ستواجه الاخوان المسلمين إذا وصلوا للحكم وتعين عليهم تطبيق الشريعة التى ينادون بتطبيقها ، يزايدون بها على الحاكم . وفى كتابنا عن أحوال ( المجتمع المصرى فى ظل تطبيق الشريعة فى عصر السلطان قايتباى) ، وهو منشور هنا ــ إستعرضنا عقم هذه الشريعة ومظالمها ، مع أنها كانت فى تناسق مع المظالم السائدة فى العصور الوسطى ، فكيف بتطبيقها كما هى اليوم فى عصر حقوق الانسان والديمقراطية ووعى الشعوب ؟ . وقلنا فى ندوات فى رواق ابن خلدون فى أواخر التسعينيات وفى كتابات لاحقة إن الاخوان لو وصلوا الى الحكم سيواجهون تحديا أكبر فى الموائمة بين التشريعات الحديثة وتشريعات الفقهاء فيما يسمى بالشرع . تشريعات الفقهاء تتناقض حتى فى الصفحة الواحدة ، وهى تعتمد على أحاديث متضاربة . ونقد هذه الأحاديث يعتبر كفرا . وبعد وصول الاخوان الى الحكم فى مصر كتبنا فى أن الاخوان ظلوا ثمانين عاما يعملون للوصول الى الحكم ، ولم ينفقوا ثمانين دقيقة فى التفكير فى كيفية الحكم ، وتنبأنا مقدما بفشلهم . وكتبنا أن شريعة الاخوان الحقيقية هى : إما أن نحكمكم وإما أن نقتلكم .!.
3 ــ نقول هذا لأن الشعارات الفضفاضة الهلامية لحسن البنا قد ساعدت على نشر دعوته فى مصر وخارجها ، فأنتشرت فروع الاخوان فى مصر وفى الشرق الأوسط وفى اوربا وأمريكا . ولكن هذا الانتشار الواسع كان جريا وراء سراب ، ومحاولة تحقيقه لا بد فيها من اللجوء الى السلاح ، وفق الشريعة الوهابية التى يأخذ منها حسن البنا والاخوان ما يروقهم . ونظرا لأن الطرف الأقوى هو خصم الاخوان ( الأنظمة القائمة ) لذا يلجأ الاخوان الى سياسة النفاق السياسى وزعم الاعتدال فى الظاهر مع تكوين منظمات مسلحة فى الباطن ، تأتمر بأمرها ، وهى تزعم الخصومة مع الاخوان ، فى توزيع أدوار رائع . وسلاح الاخوان فى تنظيماتهم السرية لا يمكنهم من مواجهة الجيوش ، لذا يكون سهلا عليهم إرتكاب ما يعرف بالارهاب . وفى النهاية فإن إرهاب الاخوان المسلمين مستد من الشريعة الوهابية ، وتتحمل الوهابية وزره .
رابعا : جيل حسن البنا ( الجيل المحروم الساخط الناقم )
1 ـ خلافا لمنطقة ( نجد ) بغلظتها وجفائها وقسوتها وتطرفها ودمويتها ـ عبر التاريخ ، كانت مصر على النقيض ، بإعتدال مناخها ووداعة أهلها وخضوعها للحاكم ، وتسامحها الدينى ـ قبل الغزو الوهابى.
2 ـ قبل الغزو الوهابى عاش جيل حسن البنا فى أسرة أقرب الى الفقر ن ,لأب متعلم سُنّى حنبلى مع إنتماء للدين ألرضى السائد وهو التصوف السُّنّى ، الذى يجمع بين الشريعة السنية وتقديس الأولياء الصوفية . وعاش الابن يحمل هذه الموروثات ، كما يحمل مرارة جيله من المتعلمين الذين لم يجدوا فرصة فى المشاركة السياسية .
3 ـ أحدثت ثورة 19 تغييرا إجتماعيا فى مصر، إرتفع به المشاركون فى هذه الثورة من الطبقة الوسطى الى طبقة الباشوات ، وتولوا الوزارة ورئاسة الوزاة ، بينما حكموا على المتعلمين من أبناء الفقراء أن يظلوا فى خدمتهم يهتفون لهم فى المظاهرات ، ويضيعون وقتهم وطاقتهم فى الانحياز لهذا الحزب أو ذاك ، من الوفد وما تفرع عنه ومن الأحرار الدستوريين وغيرهم . كل القادة من أبناء نفس الطبقة التى تتعامل مياشرة مع السراى ( الملك ) والمندوب السامى الانجليزى ، يختلفون ويتشاجرون بالنهار ويتسامرون بالليل يتقاسمون المصالح ، بينما الشباب المتعلم النشط سياسيا يتقاتلون فيما بينهم لصالح هذا الباشا أو ذاك ، دون امل فى الوصول الى مكان تحت الشمس ، فالأماكن محجوزة سلفا للابناء والأحفاد .!
4 ـ إزدهرت طبقة الأفندية فى مصر ، بدأ ظهورها مع ازدهار التعليم فى عصر اسماعيل ونشاط مطبعة بولاق من عام 1820 والتوسع في كمية الكتب المطبوعة. وتنوعت طبقة الأفندية المتعلمين فكان منهم المحامون والمهندسون والأطباء والصحفيون والمدرسون والموظفون والكُتاب والأدباء. حتى إذا جاء القرن العشرون تكاثر عددهم بالتوسع فى التعليم ونعموا بالليبرالية المصرية وأسهموا فيها ، ولكنها كانت ليبرالية بلا عدالة إجتماعية . يعنى لك أن تشارك بالهتاف وبالكتابة دون أن تجد عملا ، أى تحافظ على فقرك ووضعك الاجتماعى فى الطبقة التى تنتمى اليها ، حتى لو كنت من ( الأفندية ).
5 ـ جيل حسن البنا هو الجيل الطموح المحروم المتشوق الى نصيبه فى المشاركة السياسية رغم أنف الباشوات والسراى والانجليز . ولأنه لا نصيب لهم فى كعكة الحكم فليذهبوا الى الاحتجاج . جيل الشباب الناقم تنوع بين تيارت ثلاث أساسية :
5 / 1 : القومية المصرية تأثرا بالشيفونية الايطالية والألمانية والطورانية التركية ، فظهر أحمد حسين عام 1923 بجماعة ( القمصان الخضر ) أو ( مصر الفتاة ). وكانت لها صلات بالاخوان المسلمين والحزب الوطنى ( الذى اسسه مصطفى كامل ومحمد فريد )
5 / 2 : الاتجاه الماركسى تأثرا بظهور الاتحاد السوفيتى عام 1917 ، وإعلان تأسيس الحزب الاشتراكى المصرى عام 1921 ، بزعامة سلامة موسى وآخرين ، ومالبث أن تشقق وتعرض لاضطهاد حكومة سعد زغلول عام 1924 .
4 / 3 : الاخوان المسلمون ، فى عام 1928 ، وكانوا الأكثر نجاحا ، لأنهم إعتمدوا على الدين السائد ( التصوف السُّنّى ) وأخفوا عقيدتهم الوهابية وصلتهم بالدولة السعودية وتمويلها لهم فى الخفاء . ولأنهم فتحوا أبوابهم للجميع ، ليس فقط على المستوى المصرى بل والعربى ، ووقفوا بقوة مع أزمة الفلسطينين وثورتهم بقيادة الشيخ أمين الحسينى . وبهذا تحولت الاخوان من مجرد جماعة تفرض نفوذها باسم الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فى مدينة الاسماعيلية الى حزب سياسى ( غير معلن ) بمقر مشهور فى القاهرة ، يتقرب اليه على ماهر والأمين العام للجامعة العربية عبد الرحمن عزام ، وتأتى اليه الوفود من داخل مصر وخارجها .
5 ــ إستغل حسن البنا هذا الزخم فى تأسيس خمسين ألف شعبة للإخوان فى مصر ، وفى تكوين فرقة للجوالة ، وتنظيم آلاف الأعضاء الذين تربوا على الطاعة العمياء ، وأسّس التنظيم العالمى للإخوان المسلمين ، وجهازا سريا للإغتيالات جمع له السلاح ،وإغتال إثنين من رؤساء الوزارات المصرية وقاضيا ، وأسهمت قواته فى حرب فلسطين ، وكانت مدخلا للتسلل الى الجيش وضم بعض ضباطه ( الضباط الأحرار ) الذين قاموا بالانقلاب العسكرى عام 1952 .
أخيرا
لا يزال الاخوان المسلمون رقما صعبا فى السياسات الاقليمية والدولية برغم ما يتعرضون له من ملاحقات أمنية وعسكرية . ليس لبراعتهم وقوتهم ولكن لأن خصومهم ـ على مستوى العالم ـ لم يعرفوا الطريق الأمثل للقضاء عليهم سلميا .!!.
الباب الثالث : الاخوان المسلمون فى مصر صناعة سعودية وهابية
الفصل الثالث : الاخوان المسلمون يطبقون شريعتهم الوهابية فى مصر الليبرالية
فهرس الفصل الثالث : (الباب الثالث : الاخوان المسلمون فى مصر صناعة سعودية وهابية
الفصل الثالث : الاخوان المسلمون يطبقون شريعتهم الوهابية فى مصر الليبرالية
أولا : الاعتدال المزعوم للإخوان المسلمين
ثانيا : اشهر الغزوات الاخوانية الوهابية فى مصر الليبرالية قبل 1952 ـ إغتيال أحمد ماهر ـ تفجيرات متنوعة ــ السيارة الجيب ـ إغتيال القاضي أحمد الخازندار . اغتيال اللواء سليم ذكي حكمدار القاهرة ، إغتيال النقراشى ـ العصف بالاخوان فى وزارة عبد الهادى وتبرؤ البنا من أتباعه . الاخوان المسلمون هم قتلة حسن البنا .
ثالثا : وهابية الاخوان المسلمين والحكم العسكرى فى مصر : مقدمة ـ أولا : الاخوان والعسكر
ثانيا : التحالف بين الاخوان والسادات وإستمرار الاخوان فى شريعتهم الوهابية . )

الفصل الثالث :
أولا : الاعتدال المزعوم للإخوان المسلمين
1 ـ كان الاخوان النجديون الذين ربّاهم عبد العزيز ـ صرحاء ، لا يعرفون النفاق . يعتبرون الآخر عدوا ، يجب أن يكرهوه باسم دينهم ، وان يحاربوه ويقتلوه . إختلف الاخوان المسلمون المصريون ( المشهورون بالاعتدال ) أى النفاق . إنه الفارق بين الكافر الصريح والمنافق المتلوّن.
2 ـ إضطر الاخوان المسلمون الى لعبة النفاق بسبب وجودهم فى مجتمع ليبرالى وفيه مسيحيون بمذاهب مختلفة ، وفيه محمديون بأديان مختلفة ، مع العلمانيين والأجانب والشوام والمتمصرين واليهود والشراكسة والاحتلال الانجليزى والقصر والثقافة العلمانية السائدة بليبراليتها .
3 ـ وعليه ، كان للإخوان المسلمين ظاهر وباطن. يؤمنون بالوهابية ولا يعلنون إسمها ، يأخذون منها ما يناسبهم ويؤجلون غيره الى مرحلة لاحقة . يعلنون أنفسهم أهل دين وهم يعملون بالسياسة ، يرفعون لواء الاسلام وأن ( الله ) غايتهم بينما الحكم والطموح السياسى هو غايتهم . يقولون القرآن دستورنا والرسول قدوتنا ، وهم يرتكبون الجرائم ويرهبون الناس ، وقد أرسل الله جل وعلا رسوله رحمة للعالمين وليس لارهاب العالمين . يعملون بالسياسة وليس من السياسة أن تجعل نفسك المُختار من رب العالمين ضد الفرقاء السياسيين لأن هذا يصادر العمل السياسى مقدما ، إذ حكمت مقدما بمصادرة حق الآخر السياسى فى الخلاف معه ، وحكمت مقدما بنفى وجوده من الساحة السياسية ، وبالتالى إنعدمت السياسة التى تعنى المشاركة والمعارضة والمنافسة . ثم هم يطلقون على أنفسهم ( الاخوان المسلمون ) أى يتهمون غيرهم من ( المسلمين ) بأنهم غير مسلمين ، فكيف يحكمون شعبا غير مسلم طبقا لتسميتهم وإحتكارهم الاسلام ؟ وما هو مصير هذا الشعب طبقا لشريعتهم الوهابية ؟
4 ـ إغتيال خصومهم السياسين ينفى اعتدالهم المزعوم . لم يقوموا بإبادة من يخالفهم فى المجتمع المصرى ، فهذا فوق طاقتهم . طبقوا الشريعة الوهابية فقط على خصومهم الذين يخشون منهم . وبدأ هذا التطبيق حين اصبحت لهم قوة وجهازا سريا للإغتيالات . وكان هذا قبل أن تقوم لهم دولة . كان هو ( الحوار السياسى ) الذى يعرفونه .
5 ـ فى البداية أسسوا جهازهم السرى للإغتيالات . ثم فى عصر السادات وتغلغهم فى الدولة العميقة وأجهزتها الأمنية والحكومية إخترعوا طريقا آخر ، هو أن يستقل عنهم البعض فيؤسس تنظيا سريا ، ويقوم عنهم بالاغتيالات . ومن أربعينيات القرن الماضى وحتى الآن فإن زعماء المنظمات الارهابية فى مصر وخارجها خرجوا من عباءة الاخوان المسلمين ، ويعلن الاخوان المسلمون تبرأهم من أعمالهم . وتجد حتى الان من يصدق أن الاخوان المسلمين معتدلون .
ثانيا : اشهر الغزوات الاخوانية الوهابية فى مصر الليبرالية قبل 1952
إغتيال أحمد ماهر :
1 ـ خطّط الاخوان بدهاء لإغتيال أحمد ماهر. أحمد ماهر هو رئيس الوزراء الذى أقنع البرلمان لتدخل مصر الحرب على ألمانيا فى الحرب العالمية الثانية لتدريب الجيش المصرى ولكى لا تكون لانجلترة حجة فى بقائها لتحمى قناة السويس . إعتبره الاخوان عدوا لأنهم إتهموه بأنه الذى أسقط حسن البنا فى الانتخابات البرلمانية فى الاسماعيلية . إغتالوه فى يوم 24 فبراير 1945 ، إذ عقد البرلمان المصرى جلسته لتقرير إعلان الحرب على أمانيا والمحور وإنضمام مصر للأمم المتحدة ، ونجح أحمد ماهر فى إقناع المعارضين ، وبعد الحصول على الموافقة الرسمية للبرلمان قرر ماهر التوجه مباشرة إلى مجلس الشيوخ لطرح حجته عليهم ، وأثناء مروره بالبهو الفرعوني قام شاب يدعى محمود العيسوي بإطلاق النار عليه وقتله في الحال. بعد الحادث ألقي القبض على حسن البنا وأحمد السكري وعبد الحكيم عابدين وآخرين من قيادات الاخوان . ثم تم الإفراج عنهم بسبب اعتراف العيسوي بانتمائه للحزب الوطني. كانت طريقة الاخوان هى دفع بعض عناصرهم السرية لإنضمام الى الأحزاب الأخرى للتجسس عليها . وتم تكليف أحد عناصرهم المنضمة للحزب الوطنى بإغتيال أحمد ماهر. وبثبوت عضوية القاتل للحزب الوطنى تم الافراج عن حسن البنا ورفاقه .
2 ــ فى كتابه ( بقايا ذكريات ) إعترف الشيخ الباقورى بدور الجهاز السرى للإخوان ( النظام الخاص ) بتدبير إغتيال أحمد ماهر ، وقال : ( وأما النظام الخاص فلم يكن المنتسبون إليه معروفين إلا في دائرة ضيقة ولآحاد معروفين، وقد كان لهؤلاء اجتماعاتهم الخاصة بهم، وربما كانوا يعملون في جهات مختلفة يجهل بعضهم بعضا جهلاً شديداً.. ) وقال إن هذا النظام الخاص رأى أن ينتقم لاسقاط المرشد في الانتخابات بدائرة الإسماعيلية. وكان من أشد المتحمسين لفكرة الانتقام هذه محام شاب يتمرن على المحاماة في مكتب الأستاذ عبد المقصود متولي، الذي كان علما من أعلام الحزب الوطني وهو المحامى الشاب محمود العيسوي. فما أعلنت حكومة الدكتور أحمد ماهر باشا الحرب على دول المحور لكى تتمكن مصر – بهذا الاعلان – من أن تمثل في مؤتمر الصلح إذا انتصرت الديمقراطية على النازية والفاشية. رأى النظام الخاص أن هذه فرصة سنحت للانتقام من رئيس الحكومة، ووجه محمود العيسوى إلى الاعتداء على المرحوم أحمد ماهر باشا، فاعتدى عليه في البرلمان بطلقات سلبته حياته التى وهبها لمصر منذ عرف الوطنية رحمه الله رحمة واسعة").
تفجيرات متنوعة
في 20 يونيو 1948 اشتعلت النيران في بعض منازل حارة اليهود، وفي 19 يوليو تم تفجير محلي شيكوريل وأركو وهما مملوكان لتجار من اليهود، وتوالت الانفجارات في ممتلكات اليهود بتفجيرات عنيفة راح ضحيتها الكثيرون، وخلال أسبوعين دمرت محلات بنـزايون وجاتينيو وشركة الدلتا التجارية ومحطة ماركوني للتلغراف اللاسلكي . وفي 22 سبتمبر دمرت عدة منازل في حارة اليهود ثم وقع انفجار عنيف في مبنى شركة الإعلانات الشرقية.
السيارة الجيب
فى 15 نوفمبر 1948 أمسكت الشرطة سيارة جيب بها للإخوان فيها مستندات بمخططات تفجير و إغتيالات قادمة ، ومستندات كل عمليات التفجير التي تمت في الأونه الأخيره فضلا عن بعض القنابل والمتفجرات ،مع أسماء اثنين وثلاثين من أهم كوادر الجهاز السري ، وعلى وثائق وأرشيفات الجهاز بأكمله بما فيها خططه وتشكيلاته وأسماء الكثيرين من قادته وأعضائه .
اغتيال القاضي أحمد الخازندار
هو القاضى الذى حكم بالإدانة على بعض الاخوان فى محكمة الاسكندرية ، وحكم عليهم بالأشغال الشاقة المؤبدة يوم 22 نوفمبر 1947 . كان ينظر قضية أخرى هى تفجيرات سينما مترو ، وكان المتهمون فيها من الاخوان . خرج من بيته فى حلوان في صباح يوم 22 مارس 1948 ، وملفات القضية معه . أطلق عليه حسن عبد الحافظ ومحمود زينهم وابلا من الرصاص فسقط قتيلا . طاردهما بعض سكان الحى ، فقام أحدهما بإلقاء قنبلة على الناس الذين تجمعوا لمطاردتهما فأصابوا البعض، لكن الناس تمكنوا من القبض عليهما. كانت معهما وثائق تثبت إنتماءهما للإخوان . ولكن البنا أنكر معرفته بهما .
اغتيال اللواء سليم زكي حكمدار القاهرة
نصب البنا نفسه المدافع الأول عن فلسطين ليرسّخ زعامته ، وليدرب أتباعه على القتال . وكان شباب الجامعة من الإخوان وغيرهم يغلي رفضاً للشروط المهينة التي خضعت لها الحكومة في اتفاقية الهدنة في فلسطين. وحتى يخفف البنا الضغوط عليه الأمنية عليه خطّط لاغتيال حكمدار القاهرة ( مدير أمن القاهرة ) باستدراجه الى مظاهرة يتم فيها إغتياله ويضيع دمه فى الزحام . إشتعلت المظاهرة إحتجاجا على الموقف المصرى فى إتفاقية الهدنة . تم إعداد المظاهرة فى جامعة القاهرة لتكون مسرحا لإغتيال حكمدار القاهرة . وخرج البوليس لمواجهتهم ، ودارت معارك مسلحة أمام فناء كلية طب القصر العيني أحد مراكز القوة بالنسبة لطلاب الإخوان ، واستخدم البوليس الرصاص، واستخدم الإخوان المتفجرات، وكان حكمدار العاصمة سليم زكي يقود المعركة من سيارته ، حيث سُددت نحوه قنبلة أصابته إصابة مباشرة، واتهم بيان حكومي جماعة الإخوان المسلمين بقتله، وعلى أثر ذلك، صدر قرار من الحاكم العسكري، (كانت الأحكام العرفية معلنة بسبب حرب فلسطين) بإيقاف صحيفة الجماعة في الرابع من ديسمبر 1948
إغتيال النقراشى :
1 ـ كان عام 1948 مليئا بمفاجآت الاخوان . فى بدايته أشعل الاخوان ثورة الميثاق فى اليمن ( فبراير مارس 1948 )، وقد فشلت ولكنها نجحت فى تنبيه الدولة المصرية الى خطورة الاخوان ، خصوصا وأنه فى نفس العام وصلت مشاركة الاخوان العسكرية فى حرب اسرائيل الى الذروة، بالإضافة الى الجرائم السابقة .
2 ــ بهذا أصبحت مواجهة الإخوان حتمية ، فتضاعف الضغط الأمنى على ( حسن البنا ). وحاول البنا يائساً إنقاذ الجماعة، فاتصل بكل أصدقائه وحتى خصومه، وحاول الاتصال بالملك، وبإبراهيم عبد الهادي رئيس الديوان الملكي، وبعبد الرحمن عمار (صديقه الشخصي وصديق الجماعة) وكان وكيلاً لوزارة الداخلية، ولأن البنا قد فقد أسباب قوته، فقد بدأوا يتلاعبون به، ففي الساعة العاشرة من مساء يوم 8 ديسمبر اتصل به عبد الرحمن عمار وأكد له أن شيئاً ما سيحدث لتحسين الموقف وإنقاذ الجماعة، واطمأن الشيخ وقبع هو ومجموعة من أنصاره في المركز العام ينتظرون "الإنقاذ"، فإذا بالراديو يذيع عليهم قرار مجلس الوزراء بحل الجماعة بناء على مذكرة أعدها عبد الرحمن عمار نفسه!!.ولما حاول البعض الخروج من مقر المركز العام وجدوه محاصراً، ثم اقتحمه البوليس ليلقي القبض على كل من فيه باستثناء البنا، الذي تُرك طليقاً بحجة أنه لم يصدر أمر باعتقاله، وكانت حريته هذه هي عذابه .
3 ــ واشتملت مذكرة عبد الرحمن عمار المرفوعة إلى مجلس الوزراء بشأن طلب حل جماعة الإخوان المسلمين على قرار اتهام طويل يعيد إلى الأذهان كل أعمال العنف التي ارتكبتها الجماعة، حتى تلك التي ارتكبتها بإيعاز من السلطات ولخدمة مصالحها!.
4 ـ وبناء على هذه المذكرة أصدر الحاكم العسكري العام محمود فهمي النقراشي باشا قراراً عسكرياً من تسع مواد تنص مادته الأولى على: "حل الجمعية المعروفة باسم جماعة الإخوان المسلمين بشعبها أينما وجدت، وغلق الأمكنة المخصصة لنشاطها، وضبط جميع الأوراق والوثائق والسجلات والمطبوعات والمبالغ والأموال وكافة الأشياء المملوكة للجمعية، والحظر على أعضائها والمنتمين إليها بأية صفة كانت مواصلة نشاط الجمعية، وبوجه خاص عقد اجتماعات لها أو لإحدى شعبها أو تنظيم مثل هذه الاجتماعات أو الدعوة إليها أو جمع الإعانات، أو الاشتراكات أو الشروع في شيء من ذلك، ويعد من الاجتماعات المحظورة في تطبيق هذا الحكم اجتماع خمسة فأكثر من الأشخاص الذين كانوا أعضاء بالجمعية المذكورة، كما يحظر على كل شخص طبيعي أو معنوي السماح باستعمال أي مكان تابع له لعقد مثل هذه الاجتماعات، أو تقديم أي مساعدة أدبية أو مادية أخرى". وتنص المادة الثالثة على: "كل شخص كان عضواً في الجمعية المنحلة أو منتمياً لها وكان مؤتمناً على أوراق أو مستندات أو دفاتر أو سجلات أو أدوات أو أشياء أن يسلمها إلى مركز البوليس المقيم في دائرته خلال خمسة أيام من تاريخ نشر هذا الأمر".
أما المادة الرابعة: فتنص على "تعيين مندوب خاص مهمته استلام جميع أموال الجمعية المنحلة وتصفية ما يرى تصفيته، ويخصص الناتج للأعمال الخيرية أو الاجتماعية التي يحددها وزير الشؤون".
5 ــ جدير بالذكر ان الصحفى مصطفى امين حذّر النقراشى من خطورة هذا القرار على حياته وتنبأ بمقتله . وفعلا ، بعدها كان إغتيال النقراشى فى 28 ديسمبر، القاتل هو الاخوانى عبد المجيد حسن الذى كان طالبا بكلية الطب البيطري بجامعة فؤاد الأول بالقاهرة. تنكر القاتل فى زي ضابط شرطة، لهذا لم يُشَك فيه حين دخل وزارة الداخلية ـ وكان النقراشى وزير الداخلية مع رئاسته الوزارة . فأطلق عليه الرصاص وهو يدخل المصعد .وإعترف الجانى .
العصف بالاخوان فى وزارة عبد الهادى وتبرؤ البنا من أتباعه
1 ــ سلّط ابراهيم عبد الهادى سلطات الأمن ضد الاخوان فى الوقت الذى فقد فيه سيطرته على جهازه السرى وتتبع الأمن أتباعه ، وإزدحمت بهم السجون . ووصل عددهم الى اربعة آلاف معتقل ، تعرض معظمهم لأقصى درجات التعذيب . وفي الزنازين قامت أجهزة الأمن بتعليق الآية (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يُقتّلوا أو يُصلّبوا أو تُقطّع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الحياة الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم) وهذا ردا على آيات الاخوان التي كانوا يرفعوها ضد الحكومة والملك.
2 ــ وفى محنة الاخوان هذه أصدر البنا كلمته الشهيرة يتبرأ من أتباعه فى السجون قائلا : أنهم ( ليسوا أخواناً وليسوا مسلمين. )"! وهنا انهار المتهمون جميعاً، فقد كان صمودهم واحتمالهم للتعذيب يستمد كل صلابته من "البيعة" التي أقسموا بها بين يدي الشيخ أو من يمثله في حجرة مظلمة، فإذا تخلى زعيمهم عنهم وعن فكرة "الجهاد" كما لقنها لهم، فماذا يبقى؟!، لقد صمد عبد المجيد حسن قاتل النقراشي ثلاثة أسابيع كاملة في مواجهة تعذيب وحشي ضده لكنه ما لبث أن انهار تماماً عندما قرأ بيان الشيخ البنا الذي نشرته الصحف، ويوقع البنا بياناً بعنوان "بيان للناس" يستنكر فيه أعمال رجاله ورفاق طريقه، ويدمغها بالإرهاب والخروج على تعاليم الإسلام.
3 ــ وبعد يومين من صدور "بيان للناس" قبض على أحد قادة الجهاز السري وهو يحاول نسف محكمة استئناف مصر!، فيضطر الشيخ إلى كتابة بيان أو مقال يتبرأ فيه من القائمين بهذا الفعل بعد مفاوضات مع الحكومة، عنوانه "ليسوا إخواناً وليسوا مسلمين"! يقول فيه: "وقع هذا الحادث الجديد، حادث محاولة نسف مكتب سعادة النائب العام، وذكرت الجرائد أن مرتكبه كان من الإخوان المسلمين فشعرت بأن من الواجب أن أعلن أن مرتكب هذا الجرم الفظيع وأمثاله من الجرائم لا يمكن أن يكون من الإخوان ولا من المسلمين"، وليعلم أولئك الصغار من العابثين أن خطابات التهديد التي يبعثون بها إلى كبار الرجال وغيرهم لن تزيد أحداً منهم إلا شعوراً بواجبه وحرصاً تاماً على أدائه، فليقلعوا عن هذه السفاسف ولينصرفوا إلى خدمة بلادهم كل في حدود عمله، إن كانوا يستطيعون عمل شيء نافع مفيد، وإني لأعلن أنني منذ اليوم سأعتبر أي حادث من هذه الحوادث يقع من أي فرد سبق له اتصال بجماعة الإخوان موجهاً إلى شخصي ولا يسعني إزاءه إلا أن أقدم نفسي للقصاص وأطلب إلى جهات الاختصاص تجريدي من جنسيتي المصرية التي لا يستحقها إلا الشرفاء الأبرياء، فليتدبر ذلك من يسمعون ويطيعون، وسيكشف التحقيق ولا ك عن الأصيل والدخيل، ولله عاقبة الأمور".
الاخوان المسلمون هم قتلة حسن البنا
ولذا يرى بعضهم أن الحكومة لم يكن من صالحها قتل البنا بعد أن تخلى عن أتباعه وألقى بنفسه تحت أقدام الملك والحكومة . ويرجحون أن من قتل البنا هم بعض أتباعه ، بعد أن باعهم و خانهم . وكان متوقعا أن ينتقموا منه وفقا لتعليمات البنا نفسه بقتل الخائن .
وكان إغتيال البنا فى 12 فبراير 1949 .
أخيرا :
تاريخ الاخوان ( السياسى ) مع مصر الليبرالية ( 1928 : 1948 ) يؤكد عدم إيمانهم بالديمقراطية مهما تغزلوا فيها . حوارهم السياسى هو الاغتيال والعنف . فماذا فعل الاخوان فى حكم العسكر ؟

وهابية الاخوان المسلمين والحكم العسكرى فى مصر
مقدمة :
1 ــ فى بدايته الأولى فى الاسماعيلية كان حسن البنا يأمر الناس بالمعروف وينهاهم عن المنكر ، ويمارس هذا فى الشوارع والمقاهى . كانت معه مجموعة قليلة تفتقر للنفوذ الذى يقوم بتغيير المنكر طبقا للدين الوهابى . والنفوذ لا يتأتى إلا بالقوة ، القوة المالية والعددية والعسكرية .
2 ــ ترك الاسماعيلية الى القاهرة ، وسعى لأصحاب النفوذ . أعطاه السراى 500 جنيه ، وقبلها أعطاه الانجليز 500 جنيه ، وتقرب لرشيد رضا ومحب الخطيب وتعرف الى حافظ وهبة ، واصبح تابعا سريا للملك السعودى يتلقى منه الأموال . إستغل كل علاقاته فى تكوين جماعة قوية منظمة تدين له بالطاعة بلا نقاش ، ولها هدف واحد هو الوصول الى الحكم ، وتطبيق شريعتهم ، ومنها ( تغيير المنكر بالقوة ) وفقا للوهابية ، هذا مخالف لليبرالية والممارسة الديمقراطية ، ويعنى الخروج على نظام الحكم . ولنظام الحكم قواته المسلحة وقواته الأمنية .
3 ـ لذا كان حتميا لحسن البنا أن تكون له قواته المسلحة السرية . وضع البنا خطته فى مرحلتين : التربية والاعداد ( دعويا وعسكريا ) للوصول الى ( التمكين ) أو الحكم . بعد عشر سنوات ،أى في عام 1938م ــ بدأ حسن البنا ( عسكرة ) جماعته ، فأنشأ فرق الرحلات التى تطورت الى فرق ( جوالة ) بلباس عسكري ، ثم تطورت إلى كتائب تحولت الى تنظيم مسلح ، هو الجهاز الخاص أو التنظيم السري، كانت شروط الإنضمام إليه بالغة الصعوبه لأن عناصره يتم اختيارهم بدقة بالغة. لتحقيق الوصول الى الحكم ، أو التمكين .
4 ـ وبدأ البنا بإرسال شباب الإخوان من مصر إلى فلسطين في بداية الثلاثينيات خلسة، حيث تسللوا الى فلسطين من الشمال ، وشاركوا مع الاخوانى عز الدين القسّام فى القتال ، ودخل قسم من الإخوان تحت قيادة جيوش العرب ، وبلغ مجموع الإخوان المسلمين الذين استطاعوا أن يدخلوا أرض فلسطين بشتى الوسائل 10 آلاف ، وقاموا بنسف مقر قيادة اليهود وقاتلوا في مدينة الفالوجة .
5 ــ واكب هذا التدريب العسكرى ــ سرا ــ لشباب الاخوان ، و فى يناير 1948 م أعلن البوليس أنه اكتشف بمحض الصدفة مجموعة من الشبان تتدرب سراً على السلاح في منطقة جبل المقطم، وأنه بمداهمة المجموعة - التي قاومت لبعض الوقت - ضبط البوليس 165 قنبلة ومجموعات من الأسلحة، وقال زعيم المجموعة سيد فايز (وتبين بعدُ أنه أحد قيادات التنظيم الخاص ) : "إن السلاح يجري تجميعه من أجل فلسطين وإن الشباب يتدرب من أجل فلسطين".
6 ــ وفى هذا النشاط توثقت الصلة بين حسن البنا وبين من سمّوا أنفسهم ( الضباط الأحرار ) ، وهم مجموعات سرية من الناقمين على أحوال الجيش وأحوال الوطن ، هؤلاء الضباط من نفس جيل الاحتجاج الذى ينتمى اليه حسن البنا . كانوا فى حاجة الى ظهير شعبى مدنى بقدر حاجة حسن البنا الى ظهير عسكرى . إلتقت المصالح بين الناقمين المدنيين ( الاخوان المسلمين ) ، والناقمين من الضباط العسكريين .
7 ـ العصف بالاخوان المسلمين وإغتيال حسن البنا لم يقض عليهم. جزء كبير من الاخوان لم يكن معروفا للسلطة ولا حتى لمشاهير الاخوان . مثلا المستشار الهضيبى الذى خلف البنا لم يكن معروفا للجزء الأكبر من الاخوان . كان مديرا لإدارة النيابات، ثم رئيس التفتيش القضائي، فمستشارًا بمحكمة النقض . ثم ظهر للعلن فجأة حين استقال من سلك القضاء وليصبح مرشدًا عامًا للإخوان فى اكتوبر 1951م..
8 ــ قبلها وفى عام 1950 اتفق الوفد مع الاخوان المسلمين علي تأييد مصطفي النحاس باشا في الانتخابات مقابل الافراج عن جميع الاخوان المعتقلين في هذا الوقت ، وبعد فوز الوفد الساحق في هذه الانتخابات وفى أكتوبر 1951 ألغى النحاس باشا رئيس الوزراء قرار حل الجماعة ، إحتاج النحاس باشا الى ظهير شعبى بعد أن ألغى معاهدة 1936 . وهكذا عاد الاخوان الى الشارع السياسى يعزز وجودهم الصراع الحزبى وضعف النظام فيما بين 1951 : الى يولية 1952 .
9 ـ ضعف النظام مهّد لنجاح حركة الضباط الأحرار ، بما أُطلق عليه أولا ( حركة الجيش ) ثم تحولت الى ( إنقلاب عسكرى )، وبتأييد الإخوان وهتافاتهم فى الشارع حملت إسم ( الثورة ) . ونجحت (الثورة) المصرية .
10 ــ ووصل عبد الناصر الى الحكم ، وألغى الأحزاب ، وتحالف مع الإخوان وابقى عليهم . ثم بدأ يتخلص من الكبار الذين عاونوه ، سواء من كان عسكريا مثل اللواء محمد نجيب أو مدنيا كالاخوان المسلمين . لم تكن هناك قوة للرئيس محمد نجيب ، فكان سهلا إعتقاله وإهانته . ولكن لم يكن سهلا التخلص من الاخوان المسلمين . إستلزم التخلص منهم صراعا ، فاز فيه عبد الناصر، ولكن استمر الصراع بين الاخوان والعسكر حتى الآن . فى هذا الصراع إستعمل الاخوان المسلمون شريعتهم الوهابية التى تعنى الاغتيال والتفجير ، وما يسمى الآن بالارهاب فى مواجة جيش العسكر وقواته الأمنية .
11 ــ ونعطى لمحة سريعة .
أولا : الاخوان والعسكر :
1 ـ فى عام 1946 تمكن الضابط الاخوانى محمود لبيب من تجنيد خالد محيي الدين وجمال عبد الناصر وكمال حسين للعمل مع النظام الخاص، وقد أقسم ثلاثتهم في يوم واحد على المصحف والمسدس بالولاء للجماعه والتنظيم السري والتضحيه بالنفس، وكان ذلك أمام عبد الرحمن السندي مسؤول التنظيم . وتابع الصاغ محمود لبيب تجنيد آخرين من أكبر الرتب ، منهم عبد المنعم عبد الرؤوف، وأبو المكارم عبد الحي، وتم إلحاقهم بالنظام الخاص تحت قيادة عبد الرحمن السندي. ودخل آخرون فى تنظيم الاخوان بعد عودة الجيش مهزوما من حرب 1948 ، وتنوعوا بين تابعين للإخوان أو متعاونين معهم .
2 ـ خفّف عبد الناصر من تبعيته للإخوان ، وجعل اللجنة التأسيسية للضباط الأحرار التى يشرف عليها مستقلة عن الاخوان . وقام بعزل تنظيم الضباط الأحرار بعيدا عن سلطة الاخوان ، وأتباعهم فى الجيش . هذا فى الوقت الذى واصل فيه عبد المنعم عبد الرؤوف عضو اللجنة التأسيسية للضباط الأحرار تجنيد المزيد من الضباط لحركة الاخوان ، بل ويدعو الى دمج تنظيم الضباط الأحرار الى الاخوان المسلمين ، مما جعل عبد الناصر يعزله من الهيئة التأسيسية للضباط الأحرار .
3 ـ وبسبب تغلغل الاخوان فى تنظيم الضباط الأحرار يزعم بعض الاخوان أن الاخوان هم الذين قاموا بتكوين الضباط الأحرار داخل الجيش المصرى . وأن حسن البنا كوّن نظاماً خاصاً للإخوان المسلمين يضم مدنيين وعسكريين يؤهلون تأهيلاً عسكرياً للقيام بأعمال فدائية يتطلبها نشاط الجماعة. فلما تكاثر عدد الضباط بدأ الأستاذ حسن البنا يفكر في تشكيل قيادة خاصة لهؤلاء الضباط وتكون مستقلة عن النظام الخاص ، وأسند رئاستها للصاغ محمود لبيب وكيل الجماعة باعتباره ضابطاً سابقاً بالجيش. وكان محمود لبيب يري أن يجعل لهذا النشاط اسماً حركيا بعيداً عن الإخوان المسلمين فسماهم " الضباط الأحرار ".
3 ــ بعدنجاح ثورة 23 يوليو 1952م، طلب عبد الناصر أن يرشح لهم الاخوان أسماء للاشتراك في الوزارة، فرشَّح مكتب الإرشاد لهم ثلاثة من أعضاء الجماعة، ولكن عبد الناصرأراد شخصيات مشهورة مقبولة شعبيا ، من أمثال الشيخ أحمد حسن الباقوري، والشيخ محمد الغزالى . وعرض عبد الناصر وزارة الأوقاف على الشيخ الباقوري، فقبل، وإستقال من الاخوان . وكان هذا بداية الخلاف بين الاخوان وعبد الناصر ، وتعزّز بسبب رغبة المرشد العام للإخوان أن يكون المرجعية لعبد الناصر .
4 ـ فى 9 سبتمبر 1952 أصدر عبد الناصر قانون الاصلاح الزراعى ، فرفضها الهضيبى مرشد الاخوان ، فأمر عبد الناصر بإعتقاله فى 13 يناير 1953 . ثم أفرج عنه فى شهر مارس من نفس العام،وبعث اليه بكبار الضباط يعتذرون له .
5 ـ حلّ تنظيم الاخوان والعصف بهم عام 1954 : حاول محمود عبد اللطيف إغتيال عبد الناصر في ميدان المنشيه عام 1954 ، فأصدر عبد الناصر قرار حل الجماعة ، وإعتقل منهم عددا كبير منهم ، تعرض بعضهم للتعذيب . وفى ديسمبر 1954 صدر الحكم باعدام المرشد العام ، ثم تم تخفيف الحكم إلى المؤبد. وبعد عام من السجن أصيب بالذبحة ، ولكبر سنه نقل إلى الإقامة الجبرية. وبسبب قسوة التعذيب ظهر التطرف الاخوانى العنيف ممثلا فى ( مذهب القطبية ) نسبة لسيد قطب بداية من عام 1955. وقد أصبح هو المسئول عن الدعوة والفكر .
6 ـ العصف بالاخوان عام 1964 : أفرج عبد الناصر عن جميع الاخوان من السجون عام 1960 ، مع صرف حقوقهم ومستحقاتهم بأثر رجعى وعودتهم الى وظائفهم ، لإعادة إدماجهم فى المجتمع وتأهيلهم فى الثورة ، ولكن خرج معظم الاخوان من السجن يحملون آثار التعذيب مؤمنين بالانتقام طبقا لفكر سيد قطب الذى وضعه فى كتاب ( معالم على الطريق ) . وبعد اطلاق سراحهم بدأت عودة تنظيم الاخوان بقيادة سيد قطب وعضوية علي عشماوي وعبد الفتاح اسماعيل وعوض عبدالعال ومحمد عبدالفتاح شريف وغيرهم. وتوفر لهم تمويل خارجي كان الشيخ عشماوي سليمان هو حلقة الاتصال المسؤول عن توصيل هذا التمويل الى الداخل. ووضع التنظيم الجديد قائمة بالاغتيالات تشمل عبد الناصر وعدداً كبيراً من رجال الدولة والكتّاب والادباء والصحافيين والفنانين وأساتذة في الجامعات وغيرهم رجالاً ونساء. وخططوا لإدخال بعض عناصرهم في القوات المسلحة عن طريق الالتحاق بالكلية الحربية، كما حاولوا اختراق الشرطة ايضاً بالاسلوب نفسه، يضاف الى ذلك تجنيد عدد لا بأس به من شباب الجماعات خاصة في كليات العلوم والهندسة لاعداد المتفجرات بأيسر الطرق، كما كان داخل التنظيم قسم لتجميع المعلومات يتولى مسؤوليته احمد عبد المجيد الموظف بإدارة كاتم اسرار حربية بوزارة الحربية. كانت لعبد الناصر عيونه داخل هذا التنظيم ، فأسرع عام 1964 باعتقال من تم الافراج عنهم من الإخوان مرة أخرى، وبالأخص سيد قطب وغيرهم من قيادات الإخوان، وأعدم سيد قطب مفكر الجماعة في عام 1966 ومعه خمسة من قيادات الإخوان. وذاق الاخوان تعذيبا قتل منهم حوالى 350 .
ثانيا : التحالف بين الاخوان والسادات وإستمرار الاخوان فى شريعتهم الوهابية
1 ـ فى عام 1973 قام السادات يغلق السجون وبدأ التحالف مع الاخوان ، وبدأ الاخوان التعبير عن وهابيتهم بدعوة المرشد عمر التلمسانى الى فرض الجزية على الأقباط وإعتبارهم أهل ذمة ، أى ليسوا مواطنين مصريين . وبدأ الاخوان بهذا تطبيق شريعتهم فى بث الفتنة الطائفية ، فتأسست مبكرا العمليات الارهابية ضد الأقباط وكنائسهم . وفى عام 1977 الهضيبي أعلن مأمون الهضيبى مرشد الاخوان وجوب منع الاقباط من التجنيد فى الجيش المصرى متهما اياهم بالخيانة الوطنية .
2 ـ وفى ابريل 1974 كانت حركة صالح سريه لقلب نظام الحكم والاستيلا ءعلى الكليه الفنيه العسكريه واستخدامها لعمل انقلاب عسكري . وفى يوليو 1977 قتلوا الشيخ الذهبي وزير الأوقاف لأنه كتب ضد الوهابية .
3 ـ وبدأت الملاسنة بين السادات والاخوان ، فى حوار علنى بينه وبين الطالب الاخوانى عبد المنعم ابو الفتوح عام 1977، وفيها اتهم السادات بأن من يعمل معه مجموعة من المنافقين . ثم فى حوار علنى آخر مع المرشد التلمسانى عام 1979 . وأعلن السادات عام 1981 ندمه على التحالف مع الاخوان ، وصار واضحا بعد قرارات سبتمبر 1981 بإعتقال الاخوان أن إغتيال السادات قريب . وإغتالوه فى السادس من اكتوبر عام 1981 .
أخيرا :
1 ـ إحتاج مبارك الى تدعيم حكمه بسياسة التخويف من الاخوان ودولتهم القادمة ، فقام برعاية الوهابية ونشرها فى التعليم والاعلام والمساجد ، وإضطهد أهل القرآن الذين تصدوا لمواجهتها ، وفى نفس الوقت إضطهد الاخوان كتنظيم . أى مكّن لدين الاخوان بينما إضطهد تنظيم الاخوان . وبدأت ظاهرة غريبة ، أن يتشبع الشباب بدين الاخوان الوهابى ، ثم إذا تصرف على أساسه وجد نفسه فى السجن يتلقى العذاب . أى أصبح النظام مؤسس الارهاب ، ينشره دينا ، ويدعمه بسياسة الإفقار والفساد ليؤسس جيلا ناقما مستعدا للتحرك ضد لدولة ، وعند أى بادرة يجد نفسه فى المعتقل.
2 ـ ادت سياسة مبارك الى إشعال أكبر ثورة شعبية مصرية فى تاريخها ، وبعد طرده تولى الجيش مؤقتا ، ثم تأخر الجيش خطوة تكتيكية فأتاح للإخوان فرصة للحكم ، ومعلوم مقدما فشلهم فيها . وفشلوا سريعا ، فعاد الجيش للحكم بتأييد شعبى ساحق كراهية فى الاخوان .
3 ــ وبوصول السيسى حاكما باسم الجيش تصالح مع الوهابية وركع للسعودية واذاق الشعب المصرى صنوف الهوان والحرمان .




الباب الثالث : الاخوان المسلمون فى مصر صناعة سعودية وهابية
الفصل الرابع : السلفية الوهابية فى مصر
أولا : مقدمة
1 ـ قلنا إن شجرة الاخوان المسلمين زرعها عبد العزيز آل سعود فى مصر عن طريق عملائه فى مصر. بدا بالسلفية وأبرز زعمائها رشيد رضا ، ثم أنصار السنة ، والشبان المسلمين ، ثم أخيرا الاخوان المسلمون عام 1928. وذلك بعد أن قضى عبد العزيز على (الإخوان النجديين ) التابعين له والذين أنشأ بهم ملكه. وإثناء الصراع بينه وبين الآخوان ( النجديين )، وبمجرد الاستيلاء على الحجاز ومكة وشعيرة الحج استقطب له أنصارا من مصر ، وعمل مبكرا فى وجود الاخوان النجديين على إقامة ( إخوان ) آخرين فى مصر ، فتحولت الجمعية الشرعية المصرية الى الوهابية عن طريق شيخها الشيخ السبكى ، وأنشأ عملاء عبد العزيز له ( أنصار السّنة ) و( الشبان المسلمين ) لنشر الوهابية ، ثم إختير ( حسن البنا ) من داخل الشبان المسلمين لتولى تأسيس ( الاخوان المسلمين ). ليعوّض بهم رفاقه المشاكسين ( الاخوان النجديين ) ، وليستغلهم فى الوصول لحكم مصر لتصير مصر عمقا تابعا له ولأسرته.
2 ـ مع إتحاد الاخوان والسلفيين فى الدين الوهابى إلا إن الهدف الأول للإخوان هو الوصول للحكم ، وما يستلزمه هذا من صراع ونفاق وإزدواجية الخطاب . على العكس من ذلك ، يمتاز معظم السلفيين الدعاة بالصراحة فى التعبير عن معتقداتهم الوهابية فى أنهم الممثلون لله جل وعلا والمحتكرون وحدهم للاسلام ، وبالصراحة فى رفض المختلف معهم دينيا ومذهبيا وسياسيا وفى اعتبار الديمقراطية كفرا . وحين عملوا مؤخرا بالسياسة كانت محاولة كبح جماح صراحتهم وتعليمهم التقية والنفاق وإخفاء أنيابهم مرحليا حتى الوصول للسلطة، ومع ذلك فإنه لا تزال فلتات لسانهم تفضح حقيقة توجهاتهم السياسية والدينية . وحتى الآن فالاخوان المسلمون ورثوا وتعلموا من رائدهم حسن البنا أصول النفاق ، وتميزوا بهذا عن السلفيين المصرين . السلفيون المصريون ـ فى معظمهم ـ عاشوا وتعايشوا على حفظ رسائل ابن عبد الوهاب وابن تيمية وابن القيّم فى إنفصال تام عن الحاضر .
3 ـ فى عصر مبارك أتيح لهم التوسع والانتشار واخترقهم ( امن الدولة ) واستغلهم فى أعماله القذرة . لم يعملوا بالسياسة ولم يتعلموا حنكة الاخوان ودهاءهم ونفاقهم . وبعد أن تحرروا من سيطرة ( أمن الدولة ) بسقوط مبارك ظهروا مرة واحدة فى المشهد السياسى المصرى. وبعضهم تعلم الارهاب على ايدى العسكر حين خدم العسكر ، أو بسبب تعذيب العسكر .
4 ــ ونعطى لمحة سريعة
أولا : بين الاخوان والسلفيين
1 ـ فى سياسته فى التجميع كان السلفيون أهم مجموعة يبدأ بها حسن البنا، خصوصا وقد بدأ بهم أول إتصالاته ، وكسب ثقة رشيد رضا ، وتولى بعده رئاسة المنار ، وإكتسب ثقة محب الدين الخطيب ، وبعد موته قال عنه محب الدين الخطيب : ( إن الأستاذ حسن البنا أمة وحده ،وقوة كنت أنشدها في نفس مؤمن فلم أجدها إلا يوم عرفته ...وكنت (ابن صنعة) يوم اكتشفت بيني وبين نفسي حاجة الاسلام إلى هذا الداعية القوي ، الصابر المثابر،الذي يعطي الدعوة من ذات نفسه ماهي في حاجة إليه من قوة ومرونة ولين وجلد وصبر وثبات إلى النهاية . وكثيرًا ما كنت أفكر في هذا الجيش اللجب من الإخوان المسلمين ومالهم من مئات الشُّعَب وكيف استطاع رجل واحد أن يحقق ذلك بعد أن كان أملاً بعيدًا لكل غيور على الإسلام ).
2 ـ وأتيح لحسن البنا أن يقود فصيلا من السلفيين من خلال اشرافه على مجلة المنار بعد موت رشيد رضا. وإستطاع ان يجتذب كثيرا منهم الى جماعته الاخوان . وإنتشر الاخوان وتشعبوا داخل مصر وخارجها ، وكان السلفيون الأكثر إنتشارا بسبب تخففهم من العمل السياسى وتركيزهم على الدعوة الوهابية باسم الاسلام . دخل الاخوان فى صدام مع مصر الليبرالية ثم مع مصر العسكرية من عبد الناصر وحتى الآن ، بينما كان السلفيون يتغلغلون فى مصر بآلاف الجمعيات ومئات الالوف من المساجد تحت شعار الاسلام و ( الكتاب والسنة ) .
3 ـ وبينما نشب الخلاف وتم الطلاق بين السعودية والاخوان فإن السلفيين حظوا برعاية السعودية بسبب ولائهم للسلطان القائم وتفرغهم للدعوة ،فتقاطر عليهم التمويل من السعودية والخليج ، ونشطت تجارة إقامة المساجد الوهابية ، واصبحت وسيلة هامة فى تكوين الثروات ، وصارت مساجد إستثمارية ، تتكون من مستشفى ودروس خصوصية و محلات تجارية .
4 ـ عبد الناصر لم يتعرض للسلفيين حين عصف بالاخوان فى الخمسينيات وفى الستينيات ، لأنه لم يشعر بالخطر منهم ، بل ترك تنظيماتهم الدعوية تعمل بنشاط دون تحجير ، ولهذا ظلت الجمعية الشرعية وأنصار السُنّة تعمل فى عهد عبد الناصر العروبى ( العلمانى ) المعادى للسعودية .
5 ــ ثم دخلت الوهابية فى انقلاب خطير فى عصر السادات وتحالفه مع السعودية والاخوان والسلفيين معا. أراد أن يركبهم جميعا بإعتباره الرئيس المؤمن الذى يتشبه يتشبه بالخليفة عمر بن عبد الخطاب . وكان مجلس الشعب على وشك إقرار ( الشريعة الوهابية ) تحت مسمى الشريعة الاسلامية ، ومنها ( حد الردة ) . وظهر قادة وهابيون جُدُد ، إشتهروا فى عصر السادات ، كان منهم الشيخ الاخوانى صلاح أبو إسماعيل ( 1927 : 1990 ) ، الذى سادت شهرته طيلة عصر السادات وحتى عصر مبارك . وفى نضاله ضد العسكر كان ينجح فى الانتخابات رغما عنهم بسبب شعبيته الكبيرة والانتشار الهائل للسلفية الوهابية. وبعد موته ورث شهرته ابنه حازم الذى تحالف مع الاخوان ، وأرتكب أعمالا ارهابية فى فترة الاضطراب التى جاءت بعد عزل مبارك . شهرة صلاح ابو اسماعيل وابنه حازم من بعده تعطى مؤشرا على علو النفوذ السلفى . فليس لهما تميز علمى ، سوى الشهرة فى خطاب العوام .
6 ــولم يمنع الصدام بين السادات والاخوان تراجع النفوذ السلفى ، بل زاده توسعا بسبب حاجة السادات للأزهر والسلفيين حتى يحتفظ بمسحته الدينية فى مواجهة خصومه من اليساريين والماركسيين والقوميين العروبيين . كان السلفيون ينتشرون بمساجدهم وتنظيماتهم فى العمران المصرى فى كل مدينة وكل قرية وكل حىّ . وأتيح لهم ــ مع الاخوان ــ السيطرة على التعليم والاعلام والأزهر والأوقاف ، بإعتبارهم انهم ( الاسلام ). وفى عصر السادات إنبثقت من الوهابية تنظيمات مختلفه وأطياف متنوعة من الجهاد والجماعة الإسلامية وازدهرت حركات مختلفة. وحين تصدى لهم قتلوه .
7 ـ بعد إغتيال الاخوان للسادات ومجىء مبارك وضع أمن الدولة المصرى عينيه على الجماعات السلفية ،فهى التى تمثل ( الاسلام ) من وجهة نظر المجتمع المصرى ، وليس لها طموح سياسي ، بل هى تعمل فى خدمة أمن الدولة ليتمتع قادتها بالثروة والسلطة فى عصر الفساد الذى تغلغل فى مصر بتغلغل السلفية فيها . وصار ملحوظا هذا التناغم بين إنتشار الفساد وإنتشار التدين السطحى بفعل الوهابية السلفية وإحترافها الدينى . وبينما حارب مبارك الأخوان وما ظهر وما بطن من تنظيماتهم فقد سيطر امن الدولة على الجسم الأكبر للدعوة الوهابية ، وهو الجمعيات السلفية .وبالتمويل السعودي والدعم المصري تمدد وتشعب التيار السلفي الدعوى أكثر وأكثر ، وانتشرت تنظيماته وتكاثرت مساجده بالآلاف ، وتسلل إلى الأزهر والتعليم والأعلام والنوادي .. وبتأثيرهم انتشر الحجاب والنقاب ، ووقع الأضطهاد على أهل القرآن لمجرد أنهم يواجهون الوهابية من داخل الإسلام ، بل وتفرغ التيار السلفي لمطاردة المفكرين العلمانيين بمحاكم التفتيش أو " الحسبة " ومطاردة الأقباط ،
8 ـ إقترف السادات خطايا عُظمى : التحالف مع الوهابية والسعودية ( محور الشّر ) دون أن يدرك خطورة اللعب مع العقرب الوهابى ، هذا لأنه أراد أن يستمر فى الحكم الى النهاية ، بإعتباره الرئسس المؤمن الذى يحرم عزله . لذا قام بتغيير الدستور ليمنحه أن يظل رئيسا مددا بلا تحديد ، وأرضى الوهابيين المصريين بالنصّ على مبادىء الشريعة ( الاسلامية ) مصدرا للتشريع ، وأعطى للرئيس فى الدستور سلطة مطلقة دون مُساءلة ـ بنفس شريعة الوهابيين . ولأنه حين كان نائبا لعبد الناصر فقد تآمر على جمال عبد الناصر وإغتاله لصالح السعودية، فقد كان حريصا على أن يكون نائبه بلا لون ولا طعم ولا رائحة ، خاليا من أى طموح ومن أى موهبة ، فإختار حسنى مبارك . بهذه الخطايا العظمى الثلاث وصل مبارك الى الحكم بعد أن شارك فى قتل السادات بيد خالد الاسلامبولى وفرقته . وصل مبارك للحكم ومعه دستور يعطيه الحق فى الترشح للرئاسة والبقاء فى الحكم طالما ظل على قيد الحياة ، وان يمارس سلطته دون مساءلة . رفض مبارك من البداية والى النهاية تعيين نائب له حتى لا يتآمر هذا النائب على حياته بمثل ما فعل السادات مع عبد الناصر وبمثل ما فعل هو مع السادات . تعاون مبارك مع فريق من الوهابيين فى إغتيال السادات وخوفه من الاخوان المسلمين جعله يركز على إستمالة السلفيين والدفاع عن الوهابية فى نفس الوقت الذى يضطهد فيه الاخوان ومن ينتقد الوهابية أيضا .
9 ـ فى هذا السياق وصل التعاون بين جهاز أمن الدولة فى عهد مبارك والسلفيين الى مرحلة خطيرة ، إذ استغلهم أمن الدولة في احداث القلاقل التي تبرر تمديد قوانين الطوارئ .
وبتسلل امن الدولة إلى جسم الحركة السلفية امكن إنشاء تنظيمات مختلفة تعمل لصالح الأمن. بل نجح الامن في عقد صفقة مع زعماء المساجين من الجماعة الإسلامية والجهاد فيما يعرف بالمراجعة الفكرية وبها يتخلون عن " العنف " والعمل السياسي وطريق الاخوان ويتراجعون إلى المربع الأول أي الدعوة ، أي معسكر السلفية التى تعمل في خدمة امن الدولة وتنظيماتها السلفية السرية ، ومنها ما يتولى لأمن الدولة تنفيذ العمليات القذرة ، مثل تفجير كنيسة القديسين في الأسكندرية ،وتفجيرات شرم الشيخ في سيناء .
ثالثا: بعد سقوط مبارك
1ـ سقط مبارك وسقط أمن الدولة وظهر جسم الحركة السلفية متحرراً من سيطرة الأمن ، يملك التوسع والأنتشار والنفوذ بين العوام والأزهر والأوقاف والتعليم والأعلام ، وأهم من ذلك ملايين الأتباع والأنصار في القرى والنجوع والأحياء الشعبية ، وظهر تأثيرهم السياسى واضحا يشير إلى طموح سياسي انطلق فجأة يستثمر الوضع القلق بعد عزل مبارك وحالة السيولة التي تعيشها مصر وقتها ـ مع انفلات أمنى ، وهذا فى وقت مفصلى بين غروب دولة بوليسية وملامح فوضى متفرقة ومظاهرات ومطالب فئوية ، ومجلس عسكري لم يكن أعضاؤه جاهزين لإدارة دولة مدنية ، وبقايا أمن الدولة ونظام قديم لا يزال يعمل في الظلام لإسترداد ما سبق أو حتى على الأقل للإفلات من العقاب بإيقاع مصر في الفوضى ، والسبيل إلى ذلك أن يتعاون العسكر وبقايا نظام مبارك مع البلطجية ومتطرفي السلفيين لإحداث فوضى بتدمير الكنائس أو الأضرحة . وهذا ما كان .
2 ـ فى هذه الفترة تحتم على السلفيين العمل ، إمّا مع الاخوان أو العسكر . زعماء السلفيين الحاليين هم صنائع أمن الدولة ، وقد تربوا على التعامل مع أمن الدولة في عصر مبارك طيلة ثلاثين عاماً .لذا إختار السلفيون التعاون سرا مع العسكر ضد الاخوان ، وخدعوا الإخوان . وضاع الاخوان وإحتل السلفيون مكانهم ، وعادوا الى سيرتهم الأولى أدوات للعسكر فى قهر الشعب المصرى .
3 ـ الخطورة هنا ان عمل بعض السلفيين مع أمن الدولة وقيامهم بأعمال ارهابية لصالح دولة العسكر أدخل أولئك السلفيين فى مربع الارهاب ، أو ممارسة السياسة بالمفهوم الارهابى العسكرى والاخوانى . لم يعودوا دُعاة بل إرهابيين . فصيل آخر من السلفيين لعب فى المربع الرمادى بين الاخوان والسلفيين فتعرض للسجن والتعذيب فخرج ناقما ، ورضى أن يتعاون مع الأمن أو أضمر الكيد للأمن ، وبالطريقين ترك الدعوة وأصبح إرهابيا محترفا ، زالت الفوارق بينه وبين الاخوان المسلمين الارهابيين .
4 ــ وتنوقف مع أهم الجمعيات والجماعات السلفية فى مصر .

الجمعيات السلفية فى مصر : الجمعية الشرعية
أولا : تأسيس الجمعية الشرعية وأئمتها :
1 ـ الجمعية الشرعية : أسسها الشيخ محمود خطاب السبكي ( 1858 : 1933 ) سنة 1913 علي اساس الولاء المطلق للتصوف. ولأنه كان صوفيا يؤمن بعلو التصوف على الفقه ( السنى ) بطريقة الصوفى عبد الوهاب الشعرانى فقد كتب أول مؤلفاته في اربعة اجزاء ، في اخضاع الفقه للتصوف ، وهو : ( اغلب المسالك المحمودية في التصوف والاحكام الفقهية ). وإسم ( المحمودية ) يشير الى إسمه ( محمود ) على طريقة الأولياء الصوفية ، حيث كانت الجمعية الشرعية وقتها أقرب الى الطريقة الصوفية ، غير أن مؤسسها كان من علماء الأزهر . وعاش الشيخ السبكى معظم حياته صوفيا ( 1858 : 1926 )
2 ـ ظلت الجمعية الشرعية على ولائها للتصوف وبالتالى على عدائها للوهابية حتى عام 1926، إذ تحولت الى النقيض ، أى الدفاع عن ( السُّنّة ) أى الوهابية . واتخذت مؤلفاته طابعا جديدا ، هو الهجوم على التصوف ، وحمل لقبا جديدا توارثه من جاء بعده وهو ( إمام أهل السنة والجماعة ) . فى الترويج للوهابية وفي هذا الاتجاه الجديد كتب 26 كتابا ،خلال سبع سنوات فقط ، منها كتاب "الدين الخالص"، و"المنهل العذب المورود في شرح سنن أبي داود". و مات سنة 1933 . إشتهرت الجمعية الشرعية بعد عام 1926 بالهجوم على الصوفية ، وقيل عن أرباب الجمعية الشرعية : ( كان الصوفيون ينبذونهم بالـ "وهابية" و كراهية الأولياء ...الخ... كما كانوا سلفيين أقحاح في أغلب مسائل العبادات و المعاملات. و كانوا أول من دعى في مصر - في هذا العصر - إلى صلاة التراويح ثمانية ركعات كما هي السنة. )
3 ــ وعلي طريقه سار ابنه امين السبكي الذى تولى رئاسة الجمعية حتى وفاته 1968 . وقد قام بتحقيق مؤلفات والده ، وكتب في الدعوة الوهابية تسعة من الكتب . منها "إرشاد الناسك إلى عمل المناسك"، و"الفتاوى الأمينية" التي تضم فتاواه في مناحي الحياة المختلفة. وفي عهده انتشرت مساجد الجمعية في كثير من أرجاء مصر.
4 ـ وتولى بعده الشيخ عبد اللطيف مُشتهري، وهو من أشهر رؤساء الجمعية بعد مؤسسها، وشهد عهده انطلاقة كبيرة للجمعية وأنشطتها في مصر، وتوفي في (28 من أغسطس 1995م).
5 ـ تولى بعده الشيخ محمود عبد الوهاب فايد: وكان من العلماء ومن المشتغلين بالصحافة، وله مؤلفات منها "صيحة الحق". توفي في ( 12 من يونيو 1997م).
6 ـ ثم الشيخ الدكتور فؤاد علي مخيمر: وقد تفرغ لعمل الجمعية حتى إنه ترك بيته بعد تولي رئاستها، وسكن في مقر الجمعية . ومن مؤلفاته الوهابية "السنة والبدعة بين التأصيل والتطبيق"، و"الشباب وقضايا العصر"، و"قبسات من المنهج التربوي في السنة". توفي في (24 من إبريل 2002م).
7 ـ ثم الشيخ د . محمد المختار محمد المهدي: كان أستاذ الدراسات العليا بكلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنين بجامعة الأزهر وعضو مجمع البحوث الإسلامية بالازهر، وعضو هيئة كبار علماء الأزهر ورئيس لجنة القرآن وعلومه والإعجاز العلمي بالمجلس الأعلى للشئون الإسلامية. من أبرز أعماله إصدار وتحرير مجلة التبيان، وتطوير معاهد إعداد الدعاة للدارسين والدارسات واختيار مناهجها واعتمادها من وزارة الأوقاف وإطلاق نشاط الجمعية داخل مصر وخارجها عن طريق المجلس الإسلامي العالمي للدعوة والاغاثة. ومات فى 1 فبراير 2016 .
8 ــ قررت الحكومة المصرية عام 1967 دمج "الجمعية الشرعية" مع جماعة "أنصار السنة"( و هم سلفيون أقحاح) في جمعية واحدة بسبب توحدهما فى الوهابية . و ظل الدمج قائما حتى منتصف السبعينيات تقريبا قبل انفصالهما مرة أخرى. واستمرت الجمعية الشرعية أكبر مركز للدعوة الوهاببية السلفية ، وفازت بجائزة الملك فيصل العالمية لخدمة ( الاسلام ) عام 2009 .
ثانيا : ملاحظات على الجمعية الشرعية :
1 ـ وجهها الأزهرى : جذبت اليها الكثيرين من الأزهريين ، وكل أئمتها من شيوخ الأزهر. وللجمعية الشرعية "هيئة من كبار العلماء" من الأزهريين وهم يتصدون للفتوى ، وبشيوخها الأزهريين أنشأت الجمعية 26 معهداً لإعداد الدعاة، ينتسب إليها الراغبون في الانضمام لفريق الدعاة إلى الله، من غير خريجي الأزهر الشريف، من الرجال والنساء على السواء.
2 ـ هى أكبر جمعية دينية فى مصر، وتنشر الدعوة الوهابية من خلال قرابة 6000 مسجد وزاوية، منتشرة في مختلف قرى ونجوع مصر من أقصاها إلى أقصاها. ويتخرج فى معهدها للدعاة خطباء ووعاظ بالمساجد التابعة للجمعية الشرعية . كما يقوم فريق من علماء الجمعية بتشكيل "قوافل الدعوة" التي تجوب المحافظات، للدعوة الى الوهابية ومواجهة ( المفاهيم المغلوطة التي يبثها أعداء الإسلام بين أبنائه) . وللجمعية الشرعية مجلة أسبوعية شاملة .
3 ـ تتميز بأعمالها الخيرية والاجتماعية والطبية الصحية والتعليمية والتى تجذب بها التمويل وتكتسب الارباح والأنصار.
ثالثا : الجمعية الشرعية والاخوان :
1 ـ التمويل السعودى والخليجى هو سبب الانتشار الهائل للجمعية الشرعية فى مصر ، به تحولت الى أكبر جمعية دينية ، تتغلغل فى أحشاء المجتمع المصرى . وكان من الطبيعى أن يتسلل اليها الاخوان المسلمون ، يستغلون إنتشارها فى العمران المصرى .
2 ـ برز من أعمدة الاخوان المرتبطين بالجمعية الشرعية د منير جمعة استاذ مساعد بجامعة ام القرى من عام 2008 ، و أ.د. طلعت عفيفي وزير الأوقاف السابق فى عهد محمد مرسى ، والشيخ مصطفى إسماعيل. وأبرز قيادات الجمعية الشرعية هو مفتى الاخوان المسلمين الشيخ الأزهرى د . عبدالرحمن البر،المشهور بأنه مفتى الارهاب أو مفتى الاخوان .
رابعا : د . عبد الرحمن البر
هو محصلة سيطرة الوهابية على الأزهر والاخوان والجمعية الشرعية . ونأخذ عنه لمحات : 1 ـ هو ( عبدالرحمن عبدالحميد أحمد البر) المشهور بلقب ( مفتي جماعة الإخوان). ، ولد بقرية سنبخت مركز أجا بمحافظة الدقهلية عام 1963، وتخرج فى كلية أصول الدين والدعوة بالمنصورة . قسم التفسير والحديث عام 1984. حصل على ماجستير في الحديث وعلومه من كلية أصول الدين عام 1989، إضافة لحصوله على الدكتوراه في ذات التخصص عام 1993، من كلية أصول الدين بالقاهرة، وتدرج البر في العمل من معيد في قسم الحديث وعلومه بكلية أصول الدين والدعوة بالمنصورة عام 1985، إلى أن أصبح أستاذا بنفس القسم والكلية عام 2004، إضافة لكونه عضو مكتب الإرشاد بجماعة الإخوان المسلمين. وإلى جانب عمله «مفتي الجماعة»، شغل البر عددا من المناصب، وشارك في نشاطات أخرى، من بينها عضويته في الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وعضو الجمعية التأسيسية لوضع الدستور المصري في 2012، وعضو مجلس إدارة جمعية جبهة علماء الأزهر عام 1995. ودرس البر بمعاهد إعداد الدعاة بالجمعية الشرعية ووزارة الأوقاف. وأشتهر "البر" بتصريحاته المثيرة من على منصة اعتصام جماعة الإخوان برابعة العدوية، وبعد فض اعتصامي رابعة والنهضة في 14 أغسطس عام 2013. وتمكنت الأجهزة الأمنية من القبض على عضو مكتب الإرشاد والمكني بـ "مفتي الجماعة" في إحدى المناطق السكنية بـ6 أكتوبر.
2 ـ من فتاويه : أجاز لأعضاء الإخوان مقاتلة الآخرين، وبالجهاد والإمساك بالسلاح ضد الشرطة والجيش واعتبار كل من هو ليس معهم يكون ضدهم ويوجب عليهم القتال ضده حتى لو كان سلميا. واضطر الأزهر ودار الافتاء الى رفض فتاويه .
3 ـ صدر الحكم عليه بالإعدام، ثم قضت محكمة جنايات شبرا الخيمة، المنعقدة بمعهد أمناء الشرطة بطرة، الخميس، بمعاقبة عبدالرحمن البر، مفتى الإخوان، و2 آخرين بالسجن 5 سنوات في إعادة محاكمتهم في قضية «قطع الطريق الزراعي بقليوب».



أنصار السُّنّة
مقدمة :
جمعية انصار السنة اقامها الشيخ حامد الفقي احد الازهريين فى عام 1926 ، للدعوة الوهابية تحت مسمى ( السُّنّة ) ، وقد انشأ له عبد العزيز آل سعود منزلا في حي عابدين يتكون من ثلاث طوابق ، كان مقرا لإقامته ولمكتبته وللدعوة الوهابية ،وتخصصت هذه الجمعية في نشر الفكر الوهابي ومؤلفات ابن تيمية وابن القيم ،كما انشأ مجلة الهدي النبوي سنة 1936
أئمة أنصار السنة :
الأول : مجمد حامد الفقى : مولود عام 1892 فى اسرة ريفية متدينة ، ثم تعلم فى الأزهر ، ملتزما بالمذهب الحنبلى . ومارس الدعوة للحنبلية قبل وبعد تخرجه فى الأزهر 1917 . ولفتت جهوده عملاء عبد العزيز آل سعود ، فكان إشهار ( أنصار السُّنة ) عام 1926 . إشتهر بما يعرف بالتفسير . وبنشر مؤلفات ابن تيمية وابن القيم الجوزية والسيوطى والهروى وغيرهم . وتوفى يوم 16 يناير 1959 .
الثانى : عبد الرزاق عفيفى : وهو مصرى ينتسب الى قبيلة نجدية . مولود عام 1905 وتوفى فى الرياض فى اول سبتمبر عام 1994 ، تعلم فى الأزهر وتخصص فى الفقه ، وعمل مدرسا بالأزهر ، ثم استدعاه عبد العزيز آل سعود عام 1950 ليقوم بالتدريس في كلية الشريعة في الرياض إبان إنشائها. ثم عين مديرا للمعهد العالي للقضاء ثم دار الإفتاء، ثم عضوا في هيئة كبار العلماء، وفي اللجنة الدائمة للإفتاء، حتى صار نائبا لرئيسها، وذلك إلى أن توفي. تولى الإشراف العلمي على عدد من الرسائل العلمية العالية، الدكتوراه والماجستير. من تلامذته أشهر علماء الوهابية السعوديين : مثل ابن عثيمين والجبرين وابن قعود وصالح الفوزان .
الثالث : عبد الرحمن الوكيل ( 1913 : 1970)
1 ـ نشأ فى بيئة ريفية أزهرية وتخرج بتفوق فى كلية أصول الدين بالأزهر ، وعمل أول تخرجه مدرسا ثانويا ، ثم أُنتدب للتدريس بالسعودية بالرياض عام 1952م. وفي الستينيات انتقل إلىٰ كلية أصول الدين مدرسًا بها. في عام 1936م التحق بجماعة أنصار السنة المحمدية بتزكية خاصة من السيدة نعمة صدقي صاحبة كتاب التبرج، حيث شارك بعدها في أعمال الجماعة المختلفة، إلى أن أصبح وكيلا أولا للجماعة، وزادت مكانته الخاصة عند الشيخ محمد حامد الفقي، وقد عرفه قراء مجلة الهدي النبوي بقدرته الفائقة على الإقناع، وإفحام خصومه من أصحاب الطرق وأهل الأهواء والفرق؛ من قأديانية وبهائية وغيرهم، من خلال سلسلة الأبحاث التي كان يحررها تحت عنوان "طواغيت" ولذلك لقبه







اخر الافلام

.. قرقاش: -الإصلاح- اليمني يبتعد عن الإخوان


.. كل يوم - عمرو أديب: الوحيد اللي كان ممكن يحرر القدس هو -محمد


.. أسامة الأزهرى: الوطنية معيار التدين والمحب لبلده الأكثر قربا




.. مظاهرات في بغداد ل-محاكمة من تسببوا- في دخول تنظيم -الدولة ا


.. انا وانا - محمد حفظي يتحدث عن استدعاء النيابة لفيشاوي .. ويؤ