الحوار المتمدن - موبايل



ومضات -1-2-

إبراهيم الوراق

2017 / 12 / 7
سيرة ذاتية


ومضات
-1-
ماذا يضيرنا لو عرينا الحجاب عن أوساخنا التي تتضمنها بشريتنا بالحقيقة، وظهرنا بملامحنا التي نمعن في أن نخفيها وراء القناع المزين باغترارنا، وخداعنا.؟ ألا يعني هذا أننا تصالحنا مع كلية ذواتنا، ولو فقدنا في رسوم المجتمع بعض مميزاتنا.؟ قد يكون هذا متعبا لمن يبنى حياته على ذوق الآخرين، ونشوتِهم بما يبرزه من المظاهر المحددة لمقتضى طهارتها. لكن، لو كنا واثقين في حقيقة طبيعتنا، وأيقنا بأننا لن نكون ملائكيين، فإن سنرى أن كثيرا مما نفصح عنه من كلام ثخين، نطيل ذيله بعنف، حتى يفقد إطنابه كل خصائصه الأسلوبية، لن ينجز معنى من المعاني في كياننا، ولا في مجتمعنا، لأننا سنتسامى بالصفات التي نكتسبها بما نبديه من طهارة، تستوجب التقديس في كثير من مواردها الغضة بالمنافع المستجلبة، والاستعلاء على الغير بلازم انتمائها إلى الهوية الميتافيزيقية، وفي الوقت ذاته، نفقد خصوصياتنا الماهوية، وسماتها النفسية، وعلاقاتها الاجتماعية، وقوانينها في تحديد الهوية الخاصة، والمشتركة، لأن ما نجعله وسيلة إلى كسب الحظوة، والشهرة، وأحيانا جلى، يُجعل ذلك سببا لنيل الثقة التي نستفيد بها من كساد العقول ما نقتنصه من وافر الرفاه، والدعة، ما هو في التباسه إلا محض التزييف، والتحريف، إذ لا يمكن لمجتمع يريد أن يحس برقيه، ويوقن بنمائه، أن يعيش جزءه الكبير بين دهاليز الكبت، والاختباء، وقليل منه، هو الذي نقتصد في إظهاره حين نؤسس لخيوط روابطنا، وعلامات صلاتنا.
ولذا، لا عجب إذا اختفت الطهارة (كمفهوم استعلائي) عند أول امتحان يبتلى به الاعتقاد، وزالت المساحيق التي تظهرنا على مرآة المجتمع أتقياء، وصلحاء، وانزوت الشجاعة عن بناء المواقف التي تتطلب تضحية، وتستوجب مجابهة، لأن ما يعول به كثير من أدعياء المعرفة المقدسة، والحقيقة المطلقة، ما هو في كثير من مشاربه الجونية، إلا تجارة تصاغ بدوافع العرض، والطلب، وتقاس بمقياس المنفعة، والمصلحة، إذ تنتقي تلك العفة عنها حين تتعارض الطاقات، وتتعاند الإرادات، ويصير كل واحد محتاجا إلى شبكة من الأقوال، وخليط من الأفعال، يصطاد بها لذاته المتموجة في غور قاعه، والمتهوجة بين عيني واقعه، أو إلى ترس يحمي به حوزته من أوجاع الحاجة، وأوضار الفاقة. بل لا غرابة إذا استعمل التدجين كل الأساليب المنمطة لأشكال الخداع، والكذب، والنفاق، ما دام الحظ موفور النصيب عند التحاصص، والتقايض.
وهنا، أتساءل: ما الذي استفادته أمتنا من احتماء هذه الصرخات، والصيحات، وهي تصك آذاننا بصخبها كل صباح، ومساء، ولا أثر لها في إنهاء ظاهرة سيئة، ورديئة، ولا في إبراز بيئة قابلة للخير، والحب، والجمال.؟ أليست هي السبب فيما انتشر من صراعات، وفتن، وتعصب، وطائفية، وعنف، وحروب، وإرهاب.؟ أليست هي التي عطلت مشروع التنمية في بلداننا الإسلامية، وأفضت بنا إلى خندق التخلف، والرجعية، والماضوية.؟ ربما من سوء حظ هذه الأمة، أنها ما زالت لم تجتز عصور الظلام الذي اجتازته أوربا قيل هبوب رياح تغييرها، وسطوع مصابيح أنوارها، لكي تتخلص من خطاب القداسة، وتتخلى عن مِعي الراهب النازف بدسم الهبات، وودك العطايا، ما فتئ يصر على أن يكون له دور في تحريك المجتمع بين مدار المادة الصلدة، ومراقبته من على صومعته بعدسة غير صافية، لأن تحول خطاب الدير إلى قيم السوق، وتفاعلها مع حركة الإنتاج، والتصدير، وتنافسها على المكاسب المادية، لن يتركه نظيفا في مسعاه، ولا أمينا في مبتغاه، وهو غير متهم بما يتداول بين الناس من حظوظ، ومجالب، إلا في حدود تخليق النيات، والغايات، ولن يفيد توجه الحياة من القبيلة إلى الفردانية في مفاهيم الأخلاق، والسلوك، وتحولها من ثقافة الريع والمشاع إلى مفاهيم التنظيم، والمأسسة.
ومضات
-2-
مررت على الزقاق المنتهي عند آخر عتبة يسكنها غول الفقر، والمرض، والجهل، وتستوطنها معرة الأعراض المنتشرة بين الدور المهمشة، والأزقة المنسية، والجدران المسودة. تذكرت كيف اجتزته في عهد البحث عن لحظة سانحة، وفرصة سارحة، وكيف كنت مرحا بنشاط أخفي من ورائه إخفاقي، وهزالي. كنت ذاهلا عما وقع، وغافلا عما يقع، وكأنني أصبت بنوبة غياب عن الماضي، والحاضر، والمستقبل، لأني بمقدار ما أقرأ فيه زمنا انجدل في متعة بلهاء، فإني أشهد عليه اليوم كطيف تنتهي التواريخ بغارات الزمن المفجع. والعجب أن له صورة كنت أرسمها حين تنتابني لحظات الملل، والسآمة، ومادة متحركة بين عيوني الذاهلة، وهو في الغاية القصوى، كل ما أرى غلوه من بؤس، ويأس، وشقاء، أو كل ما أحس به من ضيق، وحرج، وكدر. وجوه شاحبة، وأنظار غائرة، تمشي على الإسفلت المتهالك بطول السنين، وكأنها قطط ضالة، تجر ذيولها بين الدور المتهالكة، عساها أن تعثر على باب مفتوح إلى البيوت الكاسدة، أو على يد تجود بشيء من قطع الخبز الجامدة، أو على سطل مليء ببقايا الأطعمة الفاسدة. لكن يبدو لي أنه ما زال محتفيا بلحظتي التي أشاكلها بكياني، وأشاهدها في قاع قلبي، وأحاكيها بدبيبي، وهي التي تعبر عن عودتي إلى الأماكن المطلولة بعرق الإنسان المنكوب، وزؤام الحظ المكروب، وسعارِ ما يحترق فيه من أحلام قاتلة، وأورام فاتكة. أجل، إنها تعبر عني بجلاء، وتصفني بصفة حقيقية، وتضع قدمي على حواف زمن آخر، لا أثر فيه لما فقدت من أجله غرة عمري، وأهلكت بكربه حشاشة مهجتي، وأنهيت في طيه لذيذ بهجتي. فواها، واها، لم ينس خصف نعالي، ولا وخز عيوني، ولا وهج فكري، لأني ابنه الذي تربى بين غمز العيون، ولمز الألسن، وتعلم من إفلاس الضمائر، وإسفاف المظاهر. ولو عققته بغرة، وطيش، وسفه، ونابذته حين انحبس مني الوجدان بما صاغه الفلاسفة من مثال أجوف، فإني ما كنت حاضرا في المشهد بعقلي، ولا واقفا على حقيقته بخيالي، بل سلبني ذلك ما يهرف به كل متحدث عن الأوضاع الآسنة، أو ما يعول به من رسم حدود ما ترتجيه الأمم في الكون، والطبيعة. ولذا لم أجد لي في سككه نوالا، إلا ذلك الدرج الذي امتطيت خدعته، وارتقيت جبنه، وأنا أريد أن أتطهر مما أحمله من هم، وأجاريه من غم، إذ لا وجود للفتات الذي نأخذه من فرج الحياة التافهة، إلا فيما نغطي به وجوهنا من مساحيق باهتة، وأسمال بالية، لأننا حين نضيع بين الدروب الفقيرة، ونتوه عن السبل الموصلة إلى الحقيقة الجسيمة، لا ننتسب في نهاية الصيرورة، إلا إلى هذا الواقع الذي يدبرنا بما فيه من تناقض الإنسان، وأمراضه النفسية، وأدوائه العقلية، وأعراضه الاجتماعية، وإن كنا نزعم أننا سدنة كل فكر يحميه من الزوال، ويقيه من الدوال، إذ نحن لسنا في معترك الإرادات إلا نسخة لما تراكم فيه من تجارب التربية، والتعليم، والتثقيف.
إنها لقضية مصير يا أخياه، ونحن نهرول إليها خفافا، ونمشي في طريقها سراعا، وهي قريبة المنأى، وإن أبعدنا الرمي، وانتجعنا مريء القصود، وارتحلنا عن ناموس الأرض، لكي نعلن للعصاة أننا نشرب نجب الملائكة المطهرين، ونجالس الآلهة في باحة النور السرمدي. ربما تظن أنك بسهولة مخطوفة التدفق، يمكن لك أن تكون من سكانه، وتغدو من قطانه، وأن تتحدث عن فساد عقله، وعناء أهله، ثم تعلن الحرب على كل من خالفك في الفكر، أو من عارضك في الرؤية، لكن يصعب عليك أن تفارق خزيه، وعاره، وتعاند ما يتشكل فيه من قيم، وما ينشئ عليه من سلوك، وتحارب ما يتوارى خلف جبته من كيد، وحسد، وبدد، إذ ما نصنعه من أخلاق العناية، أو وسائل المنفعة، أو نواميس الاستعلاء، هو الذي نعبده بالطاعة، أو نعارضه بالعصيان، وهو الذي نؤله ما نبلغه فيه بالامتلاك لمعناه، والحيازة للذاته، لأنه واقع حيِّك الذي يحتضن معنى حاجتك، ومرضك، وعفنك، وعنفك. ويحتوي على كل غرائزك، ونزواتك، وشهواتك، ومتعك. إنه شبق، ونزق، وخرق، وفي الضفة الأخرى التي تتضاءل مساحتها، وبين أحشاء هذا الدرب الصامت في الهزيع الأخير من الليل، تعقل، وتبصر، واتزان، وبين حنادس لغزه، وسراديب سره، غلو، وإفراط، وتطرف، وفي بعض مناطق النور فيه، شيوخ يصلون، ورجال يشتغلون، وأطفال يغدون ويروحون إلى المدارس، ويحملون على أعناقهم عبء الآباء، والأمهات، وجور الزمن، وفقدانه للأفق المطلوب. والناس في كل الألحاظ التي يرسلونها نحو الطريق المتدفق بالظلمة، بين طرفي نقيض، متدينون، ولائكيون، وعلمانيون، واشتراكيون، وساقطون، وصاعدون، وخائفون، وغادرون. هويات مختلفة، ومشاريع حياة متعارضة، يتآلف فيها الشقاء، لكي يبني هذا المستقبل المقيد بالآمال الحسيرة. بل، هناك أوصاف أخرى، وعلل جلى، يحتملها هذا الكائن حين يريد أن يغلق باب بيته، لئلا يسمع صراخ المتعاركين حول عقب سيجارة عفنة، أو قنينة خمر فارغة، أو فتاة من بنات الليل، هامت على وجهها عارية، وهي تختفي من المشردين الذين لا مأوى لهم إلا هذا الصقيع الذي يفترشون برودته، أو محطات الحافلات الطازجة بالسماسرة، والبصاصين، أو الأماكن المهجور ما فيها من متعة، وبهجة. أجل، كل الألسن تجهر بوجود شيء ما في هذا المكان اللجِب بالأصوات الغاضبة، يحتاج إلى تفسير، أو إلى تطوير، أو إلى تغيير، وربما هو ذاك المعنى الذي يتاجر به من لا يستيقظ من نومه إلا بضجيج المارة المتشاجرين، وهم غائبون عن عقولهم بما أسرفوا فيه من مدامة، أو تخدير، أو عنف أسري، أو ضياع في مجتمع تحدده الأنانية الصلدة. هذا المكان الرطب بلزوجة الأفكار المدمرة، ليس كالحي اللاتيني، ولا كالفيلات التي تمتص ما في غصن حياتنا من أوكسجين، لكي يتخلف فينا تلوثها، ويتعالى فينا صوت وحشيتها، لأنه يعبر عن ذاته بالعبارة الصريحة، فيقول: هنا نعيش نوعا من الحياة، لم يسالمنا وهَجها، فلم نرد أن نفقد هوجها.! وربما قد يُسكت عن هذا لعلة ما يستفيده من بؤسه، لئلا يفقد صلته بما تشبع به من انتساب إلى تاريخ غارق في العماء، وهو يغرف منه ما يرغي به ذلك النائم على جريد النخل، حين يرمي أقداح حلمه هنا، وهناك، لكي تنطق أزلامه باسم يدل على مسميات تواطأ عليها الناس، وتآلفوا حولها، لعلها أن تكون سمة على النسب، والحسب. لكن، ولو سكت عنه هذا البائس الذي يموج مع الألم بين الدروب المترعة بالرغبة في محاربة الموت، والفوت، فهو موجود في طبيعة الأشياء المتعاركة الأنصبة، لأنه ولو كان مفقودا في سواد الأفق الذي يظلل سماءنا الغاضبة، فإن ما يفرق بين فلسفتنا في البيوت، هو الذي يجعل الأب لا يبرح دائرة الماضي، ويصير الأبناء ساهمين بين عروش التقنية، لكي يسيروا بسرعة الكون إلى مصرع تنتهك فيه كرامة الإنسان، وتهان فيه كل خصوصياته الآدمية، إذ ما يستهلك من صناعات بلا اكتشاف لمبانيها، ومعانيها، لا يثري إلا جيوب ملاك الشركات، والصناعات، لأنه يفقر يدنا، ويعقد حياتنا، ويكلفنا من الشدة ما لا طاقة لنا به، وهو متعب في تكلفة العيش، وظروفها التي لا ترفع هامات إلا إذا وضعت جباها، وخذلت أحلاما، وأماتت إنسانا.
شيء مريب، فهو وإن كان لتقريب المسافات في عالم الاقتصاد، والسياسة، والإعلام، فإنه هادم للأخلاق في عالم المثل، وفضاء القيم. فلم لا ألوم ذاتي حين رفضت هذه الروائح الكريهة، لكي تحس بتلك الرتوش التي تزخرفها الأماني الفارغة.؟ شيء له ظل في خرافة الوجود، ولا يرفضه إلا من لا جسد له، أو ربما له جسد مغروس في صحراء قاحلة، ولكنه يوارب بعقله المتشظي، لئلا تنشط الذاكرة، فتتذكر أنها ما وجدت لتسير إلى مصير الهلاك، بل صنعتها القدرة في سابق العهد القديم، لكي تكون حاملة للمعاني الجسيمة. أجل، هنا أرواح بلا أبدان، وأجرام بلا ظلال، وعقول واهمة، وبطون فارغة، لا تقتات إلا مما في حواصل حمالات الزبل من وضر، لأنه وإن لم ينه الحياة التي نسعد فيها بما نشعر به من وقوف، وقعود، فيكفيه أن أوجد شرايين الدم بين ذات الإنسان، وأوصل روحه بعظام هشيشة، دمرها هذا المخدر الذي ينسي شيئا من همنا بانتحارنا البطيء. أجل، رائحة عفنة، تزكم أنفي، وكل الأنوف التي تمر هنا قصدا، ورغبة، وأعمدة الدخان تلطخ سمائي، وتمنحني رؤية عتِمة إلى الجدران المسجاة بسواد، وظلمة. سجائر قذرة، ولفائف حشيش حقيرة، وأقراص مهلوسة، وأطفال تائهون، وكهول يجلسون على العتبات المتهرئة، يرمقون المارة. بعيون شزراء، وكأنها تتذكر في شريط ما تستعرضه من أحداث الماضي، كيف يغفل الإنسان حين يكون قادرا على الفعل، فيضيع فرصة حظه، ثم يبقى في أدبارها يتدبر. أجل، كل واحد يحمل أملا في سارح نظره، لكنه في ملح الأمل موءود، ومشنوق، ومنكود، كلا، بل مكتوب عليه أن يكون سمادا لقضية كبرى، يتضمنها العنوان الذي ترفعه المدن حين تحارب ما فيدور الصفيح من إقصاء، وإلغاء، وتريد أن تجد لها محطة في سوق التمدن، والحضارة. شيء من الغرور أصابها حين أرادت أن تسمي التخلف تنويرا، وربما هو نوع من الدجل الذي يسمعه كل واحد منا؛ في سيارة الأجرة، وفي الحافلة، وفي الحدائق، وعند الحلاق، وفي الحمامات، وفي الأسواق، وفي كل مكان يزفر فيه صوت الإنسان القلق الجوانح، ويرتفع فيه شتمه لواقع يراه ثقيلا على كاهله، وعاتقه.
سيان، أمر هذا المغازل لأنثاه، وهذا الفقير الذي يرى موج الحياة بين عينيه، فلا يجد سبيلا إلى قبلة، أو عناق، أو ليلة يقضيها على سرير ممتع بفراشه، وحديثه، وسعار جنسه. سقوط في الهاوية، وهبوط إلى المنحدر السحيق، واغترا ب بين قبور صنعها الفقر حين يكون بطلا مغوارا. كل ذلك هو القلم الذي يكتب المأساة، والمعاناة، ويدون صفحة التاريخ التي يمسح مدادها ذلك المتطفل على مائدة المعرفة، لكي يصف نقصه بأقدس النعوت. هناك أمور خفية، وهي كثيرة، تنتعش بين طيات الدرب المضني، لا يعرفها إلا الحذاق، أو الشطار. وسواء المومس التي اشتهرت بين طلابها بخلاعتها، أو المتحول جنسيا، وهو قد حارب الفوبيا الاجتماعية، أو المثلي الذي يتمايل بمشية خارقة، أو القوادة التي تتوسط بين طلاب المتعة الرخيصة، أو هذه الفتيات اللواتي يرقبن رسائل الواتساب على الأبواب، أو اللواتي تغريهن جمجمات الفايس على الصور البارعة، وهي العملية التي نتقنها لكسب الحب الذي فقدناه في الأسرة، وفي المجتمع، وفي الحياة، كل ذلك يطحننا، ويسحقنا، ويعلمنا كيف نكون، أو لا نكون، وسواء لعاب الألسن فيما تزدرده من فكاهة، أو من اغتياب، أو من نميمة، أو من خدعة، فجلها تؤمن بأن الحياة على الهامش لها مذاق خاص، لا يعرفه إلا من اكتوى برطوبة البيوت، وظلمتها، وروائحها العفنة. صالات الحلاقة، والتدليك، والتنكيف، وأجواق الشعبي، أو العيطة، أو المرساوي، وفرق نحاسية، ومنشدون، ومداحون، كل هذا، أو غير ه، تزمه الدروب بين حواصلها المترعة بصوت الإنسان، وصمته، وكبته. وهو يدل على احتراف، وامتهان، وتوسط إلى شيء من الرزق بما هو مملوك من الوسائل الرديئة، والجميلة، فسواء ما تأتي به المدية، أو ما تجيء به المنة. وإلى جانب هذه المعالم الملطخة برجيع الزمن، وقيئه، هناك أشياء كثيرة تبدو عند الضريح، حناء، وشموع، وقبور، وتوسلات، ومغازلات، وأطياف الحلم المغادر، وعريس هرب، وفتاة أرغمها الحظ على أن تتزوج البائس من الرجال، وبائر تخلفت عن الركب، ومهووسة، وموسوسة، ومريضة بالعصاب، ومخطوفة الهلوسة. نساء، ورجال، يتساقطون كالفراش على الدرابيز، يقبلون، أو يهمسون، أو يتمتمون. نيات مختلفة، وطقوس متنوعة. صعاليك، ومجانين، وقطاع الطريق، وباعة يبيعون كل شيء بلا امتناع. فالبخور، والند، وماء الزهر، وخيام تقرأ فيها شيخة خطوط الكف، أو رموز الكارطة، وآخرون يسيرون بين القبور، يقرأون، ويدعون، وآخرون ينتظرون الموتى، وآخرون ينثرون الورد، ويرشون الزهر. أصوات مختلطة، وألوان مزركشة، وأحيانا تحمل لونا داكنا، لكي تخبرنا بأننا ما زلنا نتآلف حول معنى واحد، وهو طلب الحياة التي حرمنا منها بما نعيشه تحت صقيع الحلم البارد، والمكسور. فلا أدري لم عمق المدينة في عنقها.؟ ولم كلام الإنسان في باطنه، لا في ظاهره.؟
أصوات المآذن، وأجراس الكنائس، وأطفال، ورجال، يهرعون إلى السماء، يحملون ريحانة السلام، وهم يروننا من خارج الكوة زنادقة، وملاحدة، وعصاة، وفساقا، ومنافقين، وكذابين. كلام في الدين، وفي الفلسفة، وفي الفكر، وفي الثقافة، وفي كل مواضيع المعرفة، لكنه كله صراخ، وعويل، ونحيب، وكثيرا ما يتحول إلى تجارة نافقة، ودجل يستحيل مع التكرار عادة سيئة، ثم يتحول إلى عقيدة قاتلة. فلا غرابة إذا كان هناك شيء ما يبحث عنه الإنسان، وهو الذي يجعله فاقدا للبوصلة بين الدروب المتكدرة، ويصيره أنثى في صورة رجل، وذكرا في جسد مستحر باللذات المعذبة. فلا كلام يسمع، ولا حرف يقرأ، ولا منهاج يتبع، ما دام القصد فيه غير مقرر للعيان، بل هو صعب في التحصيل الذي تستعذب به المتاعب، وتستلهم منه كل حواس المجالب، ومشاعر المناكب. فكيف لما يتراءى لنا في خيالنا أن يكون حقيقة.؟ أجل، هذه الدروب تعلمك كيف تكون كاتبا، وكيف تكون فنانا، وكيف تكتسب من المهن الحقيرة ما يسد رمقك، ويخفف أودك، ويمتعك بشيء هو شبيه بالوجود، لكنه هو الفوات المتباطئ، لأنها لفتة الإنسان حين تبرز كل يوم من غيابات صدره آهات، وأنات، فينادي بلسانه الحذر، أين النجاة. من هذه الآلام؟

يتبع









اخر الافلام

.. الحصاد-السعودية وإيران.. غزوات افتراضية


.. الحصاد-الصومال.. الأيدي الأجنبية


.. ارتفاع السكر في بداية الحمل يؤثر على قلب الجنين




.. أكثر من 8 آلاف قتيل منذ بدء عمليات التحالف


.. ألمانيا: انفجار في محطة قطار في هامبورغ