الحوار المتمدن - موبايل



في نقد طه حسين(4)

ميثم الجنابي

2017 / 12 / 17
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


لقد كانت النزعة النقدية عند طه حسين من حيث مقدماتها الأولية رد فعل ضد التقاليد الأزهرية. وهو كابوس ظل يجثم على عواطفه ومواقفه حتى آخر أيامه. وبهذا المعنى كان طه حسين نتاجا مصريا. إلا أن منهجيته النقدية كانت تترامى ما وراء جانبي النيل من خلال تناوله مصادر الوعي المشتركة للذات العربية الثقافية: الأدب العربي في مختلف مظاهره وشخصياته وتاريخه. إضافة إلى التشكيك في بديهيات تفكيرها.
فمن الناحية النقدية المعرفية لم تكن آراؤه جديدة تمام الجدة. إذ أننا نستطيع العثور على اغلب عناصرها في التراث العربي النقدي، وجدل الفرق الكلامية. حيث صاغت الثقافة العربية الإسلامية بشكل عام وفرق الكلام ومدارس الأدب والتاريخ جملة من الاعتراضات والشكوك في انتقاداتها المتبادلة حول قضايا أدبية ليس اقل مما في النقد الأدبي العربي نفسه. إلا أن قيمة شكوك طه حسين تقوم في استنادها إلى منهجية الشك العقلي باعتباره أسلوبا يسعى لبلوغ اليقين، على الضد من سيكولوجية الاطمئنان الإيماني. لهذا كان انتقاده لمختلف جوانب الأدب العربي هو نقد لثقافة الزيف والجمود السائدين في عصره، أي كل ما وصمه "بالسخف الذي يدرس في الأزهر والمدارس الرسمية" . وحدد ذلك جوهرية المذهب الديكارتي ومنهجيته بالنسبة لطه حسين. إذ اعتبر المنهج الديكارتي أفضل المناهج وان المستقبل له . انه لم يبحث فيه عن أسلوب للمعرفة الحقيقية فحسب، بل ولخصب المعرفة والأخلاق والحياة الاجتماعية ونموذج للتحرر أيضا . بل نراه يجد فيه "ضرورة لكل شيء بما في ذلك القراءة" . وأفرط في ذلك للدرجة التي جعلته يدعو لان تكون "عقليتنا وذهنيتنا ديكارتية غربية". واعتبر أن "المستقبل لمنهج ديكارت" .
طبعا إن هذا الابتهاج والانبهار الهائل بشخصية ديكارت وتراثه الفلسفي العقلاني والنقدي لم يكن معزولا عن الرحلة الشخصية إلى فرنسا بعد عقود من حياة مظلمة في القرية والأزهر! لقد كان طه حسين اقرب إلى حالة التقليد السليم. من هنا تناقض هذين المكونين. فالتقليد لا ينتج علما حقيقيا لأنه عادة ما يجتر ثقافة الزمن وليس مأثرتها التاريخية، كما أن السلامة في ميدان المعرفة والإبداع العلمي تفترض نفي التقليد أيا كان شكله ومحتواه ومصادره. وليس مصادفة أن تتسم رؤيته النقدية في ميدان التاريخ الأدبي بضعف التاريخ وقوة الأدب الخطابي، أي تقرير الأحكام وقلب المقدمات والنتائج عبر تحويلها إلى معادلات مثيرة لا غير، مثل قوله، بان القرآن يبتغي أن يكون مصدرا لقراءة الشعر الجاهلي وليس بالعكس! إنها نقدية من حيث مواجهتها ذهنية الأزهر، لكنها مشوشة من حيث وضعها الفعلي بالنسبة لدراسة هذه القضية.
إننا نقف هنا أمام معادلة مقلوبة لا غير. بينما تفترض أبجدية الرؤية التاريخية والعلمية القول بالاستعمال المتبادل. وينطبق هذا على حكمه من أن "القرآن هو اصدق مرآة لدرس حياة الجاهلية وشعرها أيضا . وهي خطوة إلى الوراء من حيث تخريبها فكرة المنظومة في الرؤية. فقد كان القدماء من مؤرخي الأدب والدراسات القرآنية وغيره أكثر حرية وتحررا ودقة وذلك لأنهم كانوا اقرب إلى التاريخ من حيث منطقه الفعلي، كما أنهم لم يعطوا للنص القرآني هذه الصيغة "المقدسة". لقد نظروا إلى التاريخ السابق للقرآن على انه مقدمة. كما نظروا إلى القرآن على انه استمرارا لتقاليد القدماء. أما الصحيح والمنحول في الأدب والشعر فهو قضية من طراز ومستوى آخر، ليست علاقته بالقرآن أو بالعكس سوى إحدى القضايا الجدلية. إضافة إلى أن معرفة حياة الجاهلية لا يمكن حصرها بالشعر والقرآن وما شابه ذلك . إلا أن صعود إشكالية الأدب والشعر "الجاهلي" ليس إلا الوجه الآخر لصعود فكرة الأدب الوطني والمشاعر الوطنية الجديدة من اجل إعادة بناء أو تأسيس النفس. كما أنها كانت الحلبة التي دارت فيها وحولها كل المواجهات الكبرى لفكرة النهضة والعقلانيات المتنوعة والوجدان القومي ووعي الذات التاريخي. ومن ثم فان التشكيك بالثوابت الراسخة في الوعي اللاهوتي أو مجرد إثارتها كان لابد له من أن يهيج مختلف مظاهر الوجدان والمشاعر شأن تحريك مستنقع آسن أو كور زنابير. وقد كانت الديكارتية هي العصا التي عثر عليها طه حسين في فرنسا. إذ لم تكن الديكارتية بالنسبة لطه حسين أكثر من قواعد بسيطة لنزعة الشك العقلية. بمعنى أنها لم تكن منظومة فلسفية، لاسيما وان طه حسين من حيث ثقافة ومستوى تأهيله كان ضعيفا في ميدان الرؤية المجردة بشكل عام والفلسفية بشكل خاص. وليس مصادفة على سبيل المثال أن نراه يكتب في معرض نقده للعقاد وبعض كتاباته "المعقدة" من انه وجد فيها شيئا شبيها بالفلسفة الألمانية وبالأخص فلسفة كانط وهيغل، التي وجد فيها فلسفة مرهقة وغير مفهومة ولا يستطيع هضمها! لهذا كان يقرأها بتفسير الفرنسيين، كما يقول عن نفسه . مع أن "اعقد" ما كتبه العقاد من أبحاث "فلسفية" لا تتعدى من حيث "صعوبتها" ما يجري كتابته لطلبة الصفوف الأولى لطلبة الدراسات الفلسفية.
من هنا نستطيع القول، بان الرجوع إلى ديكارت آنذاك كان بالنسبة للثقافة المصرية النقدية والعربية ككل خطوة إلى الوراء مقارنة بما هو سائد في الثقافة الأوربية التي تأثر بها طه حسين في مطلع القرن العشرين، لكنها كانت خطوة كبرى إلى الأمام في مشاريع الفطام التاريخي للعقلانية الجديدة. إن ولع طه حسين بديكارت لم يكن قضية شخصية، بقدر ما كان يعّبر عن مزاج المرحلة وطاقاتها في استيعاب ملامحها العامة، ومن خلال رؤيتها النقدية للواقع والتشكيك بما هو سائد فيه. مع ما في ذلك من إمكانية صياغة علمية للبدائل المعرفية. لهذا كانت الديكارتية هنا، المدرسة المناسبة للجيل الباحث عن عقلانية متجانسة. فالأخيرة ما كان بإمكانها في بداية القرن، أن تحلم بما هو أوسع وأعمق من ذلك، لأنها لم تستند بعد إلى قواها الخاصة. ومن الممكن رؤية معالم هذه الظاهرة في موضوع المنهجية الديكارتية لطه حسين، أي توجهها الأدبي، وإفراطها الجزئي، وحدودها الثقافية وإشكالاتها المعرفية.
لقد غلبت النزعة النقدية طه حسين بحيث أصبح أسيرا لها! بحيث اقترن احدهما بالآخر ضمن هذا التيار. ومن الممكن رؤية ذلك في جميع مفاصل ومستويات وميادين أبحاثه ودراساته ومواقفه. في مجال الرؤية النقدية الأدبية نراه يشدد ليس فقط على نقد حالة الانحطاط، بل ويتعداها إلى البحث عن رؤية مستقبلية مبنية على فكرة أن "أدبنا العربي كائن حي"، ويقصد بذلك وحدته التاريخية واستمراره على خلاف غيره من الآداب (كاليوناني وغيره). وفي هذا تكمن قيمته . ومع أن حصيلة الموقف في تأمل مستقبل الأدب العربي اقرب ما تكون إلى موقف تقريري منها إلى رؤية مؤسسة ودقيقة، إلا أنها تلامس الكثير من حقائق الأمور.
بينما نراه في ميدان الرؤية النقدية الاجتماعية والسياسية يسير في اتجاه نقد الذهنية التقليدية والواقع أيضا. وضمن السياق الأول يمكن وضع كل كتاباته التاريخية ذات الصلة بمصادر الاختلاف والشقاق الفكري والمذهبي مثل كتاب (الفتنة الكبرى) بجزأيه المتعلقين بعثمان وعلي، وكذلك كتاب (على هامش السيرة) وحتى (مرآة الإسلام) وغيرها من الكتب. بمعنى إننا نقف أمام رؤية تسعى لتنقية الذهنية التاريخية من ثقل المذاهب والأحكام الأيديولوجية وتدقيق بعض المفاهيم والأحكام بمعايير الرؤية الموضوعية إضافة إلى إبراز قيم الحق والعدل والحرية وغيرها من القيم الضرورية بالنسبة للتقدم الاجتماعي.
وفي مجرى نقده، على سبيل المثال، لحالة التخلف المصري، نراه يؤكد على أن هناك أمم اتصلت بالحياة الحديثة في نفس الوقت الذي اتصلت فيه مصر أو بعدها، لكنها كانت أسرع من مصر في الانتفاع كما هو الحال بالنسبة للمناطق التي كانت خاضعة للدولة العثمانية. ونراه يقف بالضد من الفكرة القائلة، بان سبب ذلك يكمن في كونها مناطق "نصرانية" وأنها كانت اقرب إلى أوربا. ووجد في هذه المواقف تبريرا للواقع، بينما المهمة تقوم في اخذ الأمور بالجد والحزم . من هنا موقفه من مهمة ما اسماه بإنقاذ مصر أو تطويرها بالشكل الذي لا يجعل من الغلاف معيارا للحكم على ما فيها. من هنا قوله، بان تغير النظام الحياتي في مصر وتطورها لا ينفي وجود حالات البؤس الشديدة في كل أنحاء مصر .
وبالمقابل نراه ينتقد حال التسييس الكبير للأدب في مصر. بحيث نراه في بعض الحالات ينتقد بصورة شديدة ظاهرة التسييس الهائلة واستحواذها على كل شيء بحيث قضت على حياة العقل والفكر، كما يقول طه حسين . لهذا نراه يضع موقفه السلبي من السياسة والتسييس على أساس انه إذا كان العلم والأدب ليس لهما وطنا، أي أنها خارج هذا التحديد الضيق، فانه ليس للأدب حزب سياسي . لهذا نراه يقول مرة بأنه يمقت المذهب السياسي للعقاد ويزدري كتاباته السياسية .
وفي مجال البحث التاريخي نعثر عنده على رؤية نقدية تجاه مصادر وتقييم القدماء والمحدثين. بحيث يتجاوز أحيانا، وان بصورة مبطنة وخجولة تقاليد التقديس القاهرة على العقل والضمير التاريخي العربي والإسلامي، كما هو الحال على سبيل المثال في موقفه من شخصية عثمان بن عفان. إذ نراه يعرض شخصيته على مثال عمر بن الخطاب في الموقف من المال العام والمصلحة العامة والدولة والأمة والدين .
وفي مجال نقد الأشخاص يمكن رؤية تقييمه العالي للطفي السيد من خلال إرسائها على أساس دوره الخاص في التفكير والكتابة والترجمة العقلية الذي يبرز أيضا في مواقفه وآرائه الإصلاحية ولكن من خلال إيجاد النسبة أو العلاقة الضرورية بين القديم والحديث . في حين نلاحظ موقفه النقدي المتناقض من العقاد، والداعم في القوت نفسه لأبحاثه الأدبية وبالأخص في موقفه من أبي العلاء المعري. في حين نراه يقيم كتابات سلامة موسى بعبارة :"انه ساذج سهل خفيف الروح خصب الكتابة" . لهذا نراه ينتقد كتاب سلامة موسى عن الحب. ولا يجد قيه فيه أو له. ويخلو من الفكر والتفكير . بل نراه يعتبره شخصا كثير القراءة كثير الكتابة من هنا عدم إتقانه لها، لكي يتجنب شيئا من السخف في الكتابة. انه مسرف وبالأخص في ازدراء الأدب العربي القديم .
وفي مجال نقد التقليد، نعثر عنده على صيغ عديدة ومتنوعة، بما في ذلك في موقفه من أوربا والحضارة الأوربية رغم استلابه الكبير أمامها. لكنه نقد متنوع يصب أساسا في توسيع مدى الرؤية النقدية. لهذا نراه على سبيل المثال ينتقد فكرة ما يسمى بالطابع المادي للحضارة الأوربية من خلال التدليل على أن ما يميزها في الأغلب هو كونها نتاج العقل والخيال، أي نتاج الروح الخصب المنتج، الروح الحي المتصل بالعقل . وبالمقابل نراه ينتقد ما يسمى بروحية الشرق. إذ اعتبرها عبارة "لا علاقة لها بنا. وذلك لان منطقتنا هي مهد هذا العقل الذي يزدهي ويزدهر في أوربا. وهو مصدر هذه الحضارة الأوربية التي نريد أن نأخذ بأسبابها" . بينما نراه في الوقت نفسه يقف بالضد من حالة التقليد الأجوف والفارغ لأوربا بين أوساط المثقفين المصريين. إذ وجد في الجيل الحاكم والمترقي للحكم في مصر "لا يعرفون من الحياة العقلية الأوربية إلا ظواهرها وأشكالها" . وفي كتاب (جنة الحيوان) نعثر على ملامح نقدية لحالة مصر وحالة المثقفين والمتأثرين بأوربا ، كما هو الخال على سبيل المثال في مقالاته المعنونة بالثعبان، وحديث الإوز، والقسوة، وشياطين البيان، والضلال الهائمة وكثير غيرها. إذ نراه يجد في هذا التقليد جزء من التخلف . ومن الممكن العثور على إحدى الصيغ الأكثر دقة بهذا الصدد ما أورده في (مستقبل الثقافة) في معرض نقده لظاهرة الرياء والنفاق عبر الدعوة إلى ما اسماه بالملائمة بين الأقوال والأعمال في الموقف من الحضارة الأوربية. وكتب بهذا الصدد يقول،"أنا لا ادع إلى إن ننكر أنفسنا، ولا أن نجحد ماضينا، ولا إلى أن نفنى في الأوربيين. كيف ذلك ونحن نعمل من اجل التحرر من سطوتها" !!
وقد يكون نقده لحالة الثقافة في مصر (بما في ذلك تقاليد ومستوى ونوعية التربية والتعليم) من بين أكثر النماذج عملية ووضوحا. فهو يدعو حالة الثقافة في مصر آنذاك بالخزي والحالة الشنيعة في مجرى انتقاده لإهمال الترجمة والنقل عن اللغات الأوربية الحية . واعتبر عمل وجود وزارة التربية والتعليم مناقضا لطبائع الأشياء! إذ وجد فيها نموذجا للأخلاق السيئة كالتباغض والتنافس والتحاسد"، واستهزأ بحالة "الوزارة التي تعرف ما يعرف الوزير وتنكر ما ينكر الوزير". من هنا استنتاجه الدقيق "أصبحت وزارة المعارف مرآة صافية أو قل مرآة كدرة للحياة السياسية في مصر" . ولم يترك أدق واصغر مظاهر الخلل في نظام التربية والتعليم دون توجيه النقد الصارم والساخر أحيانا منه. بحيث نراه يفرد صفحات لنقد "الامتحان" الذي وصفه بالآفة الأخلاقية والمعرفية، بحيث "أصبحت خطرة على التعليم وعلى الأخلاق وعلى السياسة" . كما نراه يشخص بصورة نقدية موقفه من صعود ونمو تأثير الصحافة والسينما والراديو. ومع انه دافع عن هذه الوسائل، لكنه أشار إلى خطورتها بالنسبة للثقافة وتأسيسها المتين. وفي معرض مقارنته لهذه الحالة مع مثيلتها الأوربية آنذاك نراه يشدد على أن الفكر الأوربي النقدي يقف من هذه الأدوات موقف الناقد، "إلا أن الفرق بين أوربا وبيننا هو أن الشعوب الأوربية قادرة كلها على القراءة، لأنها أخذت بالتعليم منذ عهد بعيد" . وفي معرض انتقاده للدولة وسلوكها العملي تجاه الثقافة، فإننا نراه يرفع من شأن المثقفين المصريين الذين بذلوا الكثير وفي ظل بيئة معادية للثقافة من اجل إرساء أسس الثقافة. وتعرضوا لها لمختلف أصناف المعاناة بما في ذلك السجن والنفي والموت .
لم تكن هذه الرؤية النقدية، والمزاج النقدي، والمنهجية النقدية بمعزل عن الانفتاح المثير لأعصاب الأدب العربي في بداية القرن، الذي وجد طه حسين في نماذجه الأوربية المثال الأعلى آنذاك. مما دفعه للبحث عما يمكنه أن يكون نموذجا منهجيا متجانسا في الرؤية النقدية. فقد كان العالم العربي بشكل عام والمصري بشكل خاص في حاجة آنذاك إلى روح نقدية أكثر من حاجته إلى نقد الروح. وليس مصادفة أن يعجب طه حسين أيما إعجاب بقدرة نيللينو على اكتشافه ما اسماه بطرق الوصول إلى حقائق الكنوز الدفينة في الثقافة العربية . فقد كان نيللينو نقديا بارعا وشكاكا عميقا. وهو ذات النمط السائد في كتابات مرجيليوس عن الشعر العربي الجاهلي. ومن خلالهما توصل طه حسين إلى ديكارت. مما جعل من شك الأخير ومنهجيته العقلانية أسلوبا في النقد الأدبي أكثر منه أسلوبا في المعرفة الفلسفية. لكنها كانت في الوقت نفسه خطوة كبيرة من حيث تأسيسها لأصول النقدية العقلانية في العالم العربي، أي كل ما نعثر على صداه العميق في موقفه من الشعر الجاهلي.
فقد كان التركيز على الشعر الجاهلي يتضمن من الناحية التاريخية محاولة تأسيس الوعي التاريخي العقلاني. وقد شقت هذه الصيغة لنفسها الطريق في براهينه على ضرورة ألا يكون الشعر طريق إلى فهم القرآن، بل القرآن طريقا إلى فهم الحياة الجاهلية. ولم يقصد هو بذلك سوى تدقيق الأحكام عن الحياة الجاهلية وشعرها، أي إعادة بناء وكتابة تاريخ الأدب العربي بالصيغة التي يمكنه أن يكون فيها قادرا على تعميق مشاعر الوعي القومي العقلاني. وكتب بهذا الصدد قائلا: "نحن لا نحب القديم من حيث هو قديم. بل نحب له أن يظل قواما للثقافة وغذاء للعقول، لأنه أساس الثقافة العربية. فهو إذن مقوم لشخصيتنا، محقق لقوميتنا، عاصم لنا من الفناء في الأجنبي" . ذلك يعني أن نقده للشعر الجاهلي هو شكل من أشكال بناء الروح العقلي المستقل في النظر إلى الذات القومية - الثقافية. ومن ثم احتوائه على إدراك الحقيقة القائلة، بأن استقلالية الروح هي استقلالية العقل أيضا. لكن هذه الأفكار ظلت تفتقد للتجانس. بمعنى أنها لم تتكامل في صياغة نظرية. لهذا كانت عرضة للتراوح بين الوضوح والغموض. وذلك بفعل تراوح إبداعه النقدي الأدبي حول موضوعات ظلت في إشكالاتها اقرب إلى الماضي من الماضي نفسه. فهي لم تستطع أن تتعدى حدود الإسهامات المباشرة وغير المباشرة في تأسيس العناصر المختلطة من الليبرالية والإصلاحية والدنيوية بمضامينها العقلانية ـ النقدية. وقد كمنت في هذه الأخيرة مأثرته الثقافية باعتبارها عقلانية الشك واليقين والنقد والتطمين، أي جزء من عقلانية الفطام التاريخي مع التقليدية السائدة. إذ أن القيم الكبرى لنزعته الشكوكية (النقدية ـ العقلانية ـ الديكارتية) تقوم لا في منظومتها ولا في عناصرها، ولا حتى في أفكارها ونتائجها. فهي في جوانبها هذه لم تكن أكثر من ترديد واستيعاب مبسط للعقلانية الفلسفية الأدبية. إذ لم تكن انتقاداته المثيرة في حينها عن الشعر الجاهلي سوى ترديد لانجازات الفكر الاستشراقي آنذاك. بل هي انتقادات يمكن العثور عليها بهذا القدر أو ذاك من الوضوح في جدل واتهامات الفرق الإسلامية القديمة. بصيغة أخرى، إن انتقاداته هنا كانت في اغلبها تقليدية المحتوى والموضوع، ونسبيا في أساليبها ونتائجها المباشرة أيضا. فهي لا ترتقي إلى مصاف المأثرة العلمية بحد ذاتها، إلا أن قيمتها التاريخية تقوم في إثارتها لبلبلة فكرية كان لها صداها الكبير في استثارة الجدل الفكري وشحذ الطاقات العقلية في محاربة التقليد الأعمى. أن طابعها النقدي كان يقوم في وضعها أسس العقلانية ومبدأ الشك الفلسفي في دراسة الأدب العربي. وهو ما نعثر على صداه في جميع كتاباته الفكرية والاجتماعية والسياسية. وإلا، فان ما وضعه طه حسين عن الشعر الجاهلي لم يكن أكثر مما كان متداولا في أبحاث المستشرقين آنذاك. إلا أن استنتاجاتهم لم يكن لها اثر واسع خارج حلقاتهم باعتبارها اجتهادات علمية. بينما كان لهذه "الاجتهادات" في ترديد طه حسين مذاقها النقدي الخاص.
فالشعر الجاهلي لم يكن آنذاك ولا الآن معضلة جوهرية بالنسبة للوعي العقلاني العربي. ولم يكن بإمكانه أن يؤسس لعقلانية القرن العشرين، لأنه كف عن أن يكون مصدرا في الوعي القومي والثقافي العربي، وذلك بفعل سريانه وانحلاله فيما أبدعته ثقافة الخلافة في عصورها المزدهرة. وهو ما يفسر أيضا الأسباب القائمة وراء استثارته ضجة كبرى حول قضية صغرى، أي إثارته لتناقض لا يتسم بالحيوية المعرفي والثقافية، بل وحتى الأدبية كما هو الحال بالنسبة لموضوع نقد الشعر الجاهلي. لكنه تناقض له قيمته المناسبة في تجربة العقلانية المتعثرة في العالم العربي. فهي عقلانية لم تنازع حقائق وجودها. لهذا كان بإمكانها أن تثير كل صيغ الافتراضات "المقدسة" دون أن تعمق في الوقت نفسه منظومة الفكر العقلاني، وذلك لأنها لم تبدع حديثا. فلقد كانت مواقف طه حسين النقدية في الأدب وشكوكه العقلية لعبة أطفال مقارنة بما وضعه المازني. أنها اقرب إلى المهاترات لأنها هاجمت أموتا لا أصناما جدد كما فعل المازني.
لكنها لعبة أطفال مثيرة بسبب طفولة الوعي النقدي والعقلاني الاجتماعي والسياسي. بعبارة أخرى، إن النزعة النقدية لطه حسين ظلت من حيث الجوهر تتسم بقدر كبير من الجزئية وانعدام ترابطها الداخلي وغياب أنساقها الذاتية. من هنا كانت اقرب إلى أطراف سائبة في جسد لم تكتمل معالمه بعد. من هنا ولعها بالإثارة والاستثارة. وليس مصادفة أن نقرأ في كل "المقدمات" التي كتبها طه حسين للمقالات التي جمعها في كتب إشارة إلى انه ما سيضعه سوف يثير الاعتراض والنقد والهياج والنفور وما شابه ذلك. بمعنى انه كان يرغب ويريد ويسعى ويحلم بكل ما سيثير "ضحكه" كما قال في أكثر من مرة بهذا الصدد.
غير أن الرؤية النقدية لطه حسين ظلت أسيرة الرؤية الأدبية. وبالتالي لم ترتق إلى مصاف التأسيس الفكري النظري. الأمر الذي طبعها في الأغلب بطابع الصيغة الخطابية والنفسية. من هنا عدم عمق وسطحية اغلب العبارات الخطابية التقريرية، مثل فكرة "أن لا نأخذ من القدماء أي شيء دون نقد وتمحيص" . وهي فكرة بسيطة تعج بها وتمتلئ كتب القدماء نفسها عما يسمى بنفي التقليد. لكنه في هذا بالذات كان يكمن أيضا سر استلطافها من جانب أنصاف المتعلمين . مع ما ترتب عليه من حب الإثارة والهياج أكثر مما كانت تنمو بمعايير التأسيس العقلي والفلسفي للرؤية المنظومية. من هنا تقلبها وتغيرها وتبدلها ولكن ليس معايير التراكم المعرفي، بل بمعايير الفكرة الجزئية والعابرة. وقد تكون المقدمة الصغيرة لكتاب (في الشعر الجاهلي) مؤشرا على هذه الحالة. فهو يشير فيها، كما يكرر ذلك في اغلب كتبه، من أن "ما سيقوله وسينشره سوف يثير غضب البعض وهجومهم وسخطهم" مثل "وما أكثر ما أعجب واضحك أحيانا مما سيقوله الناس عني بهذا الصدد" وما شابه ذلك من عبارات.
بعبارة أخرى إن الهاجس القائم وراء النزعة النقدية كان في الأغلب محكوما بأولوية الإثارة والشهرة (وهي تقاليد مستفحلة في الثقافة المصرية لحد الآن). وبالتالي لم تؤد هذه النزعة إلى تأسيس الإجماع العقلي حول مبادئ ومنهجية النقد العقلاني والعلمي. على العكس، أنها في حالات عديدة أدت إلى نتائج معاكسة. والسبب لا يكمن في ما أراد طه حسين قوله وفعله، ولا حتى في حالة ومقدمات الأزمة البنيوية آنذاك للتربية والتعليم والثقافة، بقدر ما كانت تكمن في ضعف الفكرة النقدية لطه حسين، أي افتقادها لمنظومة المنهج النقدي. لهذا ظلت اشد أحكامه النقدية جرأة مجردة ملهاة مثيرة، أي أنها لم تستطع إرساء أسس الرؤية النقدية المنهجية. وذلك لان ما أراده طه حسين من وراء النقد غير قابل للتحقيق. والسبب يكمن في أنه لا يمكن صنع إجماع (فكري أو ثقافي أو سياسي أو أيما نوع من الإجماع الضروري للمعرفة والعلم) خارج منظومة الرؤية العقلانية النقدية والعلمية الصارمة المتراكمة في مجرى تطورها التلقائي. فعندما يكتب طه حسين، على سبيل المثال، عما يسميه بالتخلي عن القومية والدين في التعامل مع تاريخ الأدب وتاريخنا بشكل عام! وان القدماء بفعل حبهم للإسلام قد تعصبوا له في كل شيء ، فان صوابها الشكلي يتعارض مع حقيقة العقل الثقافي، أي المتراكم في مجرى معاناة البحث عن مستوى علمي وموضوعي في التعامل مع التراث الذاتي. وذلك لان العلمية والموضوعية هنا هي كميات ونوعيات متراكمة في مجرى نقد الواقع وتأمل المستقبل مع البقاء الدائم ضمن التراث القومي الثقافي لكي لا تصبح "الموضوعية" شعارا وتقليدا ووهما أيديولوجيا. أما الجديد أو العلمي الذي يسعى إليه طه حسين هنا فلم يكن في اغلبه سوى نقل وترديد لما كتبه الأوربيون آنذاك. وهم كتبوا بمنطق وذهنية التقاليد الأوربية بما في ذلك العلمية منها. وبالتالي ليست معزولة عن قومياتهم وأديانهم وتراثهم وتاريخهم بوصفه صورة "منطقية" لمعاناتهم الخاصة. ومن ثم ليست "علمية" تامة بحد ذاتها، وإلا لم هذا الاختلاف والتباين الهائل؟







اخر الافلام

.. سوريا توافق على طلب توصيل مساعدات لمخيم الركبان


.. إيران: عقوبات أمريكا الجديدة قاسية


.. لماذا يلجأ الرجل إلى زوجة ثانية؟ شاركونا الحوار




.. جنان موسى تكشف كل ما تتعرض له المراسلة الحربية في الكواليس |


.. لماذا السعودية هي حليف قوي للولايات المتحدة..ترامب يجيب