الحوار المتمدن - موبايل



ظواهر القراءة لدينا ولديهم ... ايقاظ المتلقي النائم

شكيب كاظم

2017 / 12 / 19
الادب والفن


مرة، قرأت في كتاب (نقد النقد) لتزفتان تودوروف ان الشعب الفرنسي من اقل شعوب اوربا قراءة فعلقت على ذلك وكتبت: لعل ذلك هو السبب في وعورة اساليب الكتاب الفرنسيين والنقاد خاصة، والذين جاءوا بنظريات النقد الحديثة: البنيوية والتفكيكية وكأنهم يرومون من وراء ذلك ايقاظ هذا القارئ النائم، انهم يدقون على صفحات الكتب، عَلَّ هذا القارئ الافتراضي يستيقظ ويعود الى عالم الحرف، عالم الكتاب والمجلة والصحيفة، مثلما حاول الماسيدوني الكسي زوربا، الانسان المدهش المملوء بحب الحياة وبهجتها، النساء، بطل رواية (زوربا) رائعة الكتاب اليوناني نيكوس كازانتزاكي (1885 – 1957) برقصته ودقه على الارض بكعب حذائه، ايقاظ النيام وقول ما عجز عن قوله لسانه، كانت رقصة تحد وعناد وتمرد، وغضب على واقع الحياة وهو ما استلهمه الروائي السوري الكبير، سناً وفنا (حنا مينة) في رائعته (الشمس في يوم غائم) حيث كان الخياط يعلم الراوي كلي العلم، الرقص ودق الارض لعل ابنة الكلبة تستيقظ، ارضنا النائمة، ليقظوها، وستستيقظ، في نص روائي جميل متخوم بالمرموزات السياسية اليسارية التي يمررها حنا مينة بانسياب وهدوء.
اقول: فاذا كان القارئ الفرنسي، قارئا كسولا افتراضيا فأين سنجد القارئ العراقي وقد سحقته الازمات ومتطلبات الحياة المتسارعة؟ او العربي الذي تضربه الامية الابجدية فضلا على الامية الثقافية، فحتى الذي يعرف القراءة والكتابة، عطل هذه النعمة، التي جاد بها الزمن عليه، وتركها تحت جليد الحياة وصقيعها، وصخبها، المتسارع المُدَوَّم، دون ان يفكر وقتا باستخراج هذه النعمة، الهبة والنهل من افضالها، وقد طغى العزوف عن القراءة، حتى على من يمارسون الكتابة، واكثر من واحد اباح لي بانه قد بارح زمن القراءة، وهذا هو زمان الكتابة!!، فقلت له: كتابة من دون قراءة، ليست كتابة، بل تسطير حروف على رمل ساف، لا بل طال حتى الجامعة، ولا اقصد طلابها، فهذا امر مفروغ منه، بل الكثير من اساتذتها!!.
استذكر هذا وانا اطالع شذرات موحية من حياة الشعوب ولقد التقطت احداها، وانا اقرأ الكتاب المهم (يوميات القراءة: تأملات قارئ شغوف في عام من القرءة) للكاتب الارجنتيني البرتو مانغويل، ونقله الى العربية، المترجم العراقي المغترب عباس المفرجي، واصدرته (دار المدى) سنة 2008، هذه الشذرة الجميلة المحملة بالمعاني، التي ترد في ضمن حديث مانغويل عن عالم القراءة والمكتبات في دنيا الله، اذ يذكر انه سأل احد اصحاب المكتبات في كوفنت كاردن بلندن، بدافع الفضول والبطر، وليس بدافع الرغبة واللهفة على اقتناء كتاب عنوانه (جزيرة دكتور مورو) فسأله البائع عن اسم مؤلفه فذكر له اسمه أج. جي. ويلز، الكاتب الايرلندي الذي اشتهر بكتابه (طعم الالهة)، فسأله هل هو حديث الصدور، فاجابه مانغويل، كلا انه مؤلف قديم ويأتي الجواب، الصاعقة الذي يحمل الف معنى ومعنى، والذي يؤكد من جانب آخر تخلفنا وبؤسنا المعرفي، وبأننا نحيا خارج حركة التاريخ والجغرافية.
البائع، صاحب المكتبة يجيب مانغويل، اذا كان مضى على الكتاب الذي تطلبه شهر واحد، فانه يكون قد نَفِدَ من مكتبتنا وهو غير متوفر لدينا الان لكن بامكاننا ان نطلبه اليك!!.
واذ بحث عن عنوان الكتاب في الكومبيوتر ولم يجده اضاف قائلا لمانغويل.
- ربما نَفِدَت نسخه!!.
بعد ان يكون قد مضى على صدور الكتاب شهر واحد، يصبح الكتاب قديما في نظر صاحب هذه المكتبة اللندنية، فما هو حال مكتباتنا التي لا يكاد يؤمها شخص واحد في اليوم؟؟ وهذا الامر لا ينطبق على العراق، بل كل دول المنطقة، او اغلبها ويوم مررت على احدى المكتبات العامرة في مدينة حمص، يوم كنت اعيش في قرية من قراها، الضاحية العمالية قرب مصفاة حمص النفطية عامي 2007 و2008 قال لي صاحبها بلهجة حمصية سورية محببة.
- ما في حدا بيقرا!!
لماذا ما في حدا بيقرا في بلادنا العربية، واوربة والغرب يصبح الكتاب فيها قديما بعد شهر من زمان صدوره؟. وتطبع رولينغ الروائية البريطانية ملايين النسخ من روايتها (هاري بوتر) ولا تكاد كتبنا تتجاوز المئات عداً على اصابع اليدين، او اليد الواحدة!! واغلب المطبوع او كله ينام في المخازن لعدم وجود من يسوقه، بعد الغاء الشركة العامة للتوزيع والاعلان عندنا؟؟.
وبودي ان انقل صورة جميلة، من عالم الكتب والمكتبات، التي بقدر ما تبهجنا وتفرحنا، لوصول الناس في دنيا الله الواسعة، الى هذا المستوى الراقي، احترام العلم والكتاب، فانها تثير في نفوسنا الاسى والالم ونحن نقارنها بحالنا، الدكتور يحيى الجمل، احد الوجوه الثقافية الحقوقية البارزة في مصر، يذهب الى هولندة لغرض اكمال دراسته والحصول على درجة الدكتوراه في موضوع (الاعتراف) اعتراف الدول ببعضها بعضا، يتوجه الى مبنى اكاديمية القانون الدولي، وهي تشغل جزءا جانبيا من محكمة العدل الدولية – قصر السلام – في لاهاي، وكانت مكتبة العدل هي مكانه الاثير في البحث عن مصادره ومراجعه الدراسية، واذ كانت قلة المراجع معضلة فأن كثرتها اشد اعضالا لانها توقع الباحث في الحيرة والارباك، وماذا عساه ان يقول او ان يأتي بجديد من هذه الكثرة من الدراسات والابحاث؟.
واذ كان موضوع الاستاذ يحيى الجمل – وهو ما فصله في كتابه الممتع والمفيد المعنون (قصة حياة عادية) ونشر ضمن سلسلة (كتاب الهلال) الصادر عن دار الهلال في شهر تموز/ يوليو من عام 2000 ويحمل الرقم 595 - الاعتراف فانه يعثر على مرجع فيه دراسة عن (الاعتراف بثورة الجزائر) فيطلبه ويأتيه الجواب من سكرتارية المكتبة بأن المرجع غير موجود، فاعاد الطلب بعد يومين، وجاء الجواب نفسه، غير متوفر واعاد طلبه بعد يومين آخرين، فاذا بمديرة قاعة المطالعة، وكانت سيدة كبيرة السن، رقيقة الجسم، مهيبة الطلعة بيضاء الشعر، تأتي اليه بنفسها لتقول للطالب المصري يحيى الجمل:
- يبدو انك بحاجة ماسة الى هذا المرجع لانك طلبته ثلاث مرات، فاخبرها انه يكتب في موضوع الاعتراف وانه عربي، وانا بحثاً عن الثورة الجزائرية يعنيه، فهزت رأسها موافقة لكنها اجابته بأن المرجع قد اعير الى احد قضاة المحكمة الدولية، ولا توجد نسخة ثانية منه لانه بحث مكتوب في دورية، وان هذا القاضي يُمضي اجازته في بلده لذا يتعذر عليها تزويده بما يطلب!!.
هذا الجواب اشعره بالاسى والالم، لكن المديرة الحضارية الوقور، وقد رأت سيماء الاسى على وجهه، قررت اجتراح ما لن يستطيع احد في بلداننا اجتراحه لقلة الشعور بالمسؤولية ان لم اقل انعدامها: اطرقت برهة لتقول: اصبر سأجد لك حلا!!.
ولم يمض غير يومين حتى كانت السيدة الوقور التي تعرف مسؤوليتها وواجباتها وتنفذها على احسن وجه، لا بل تتجاوز الصلاحيات خدمة لصالح الناس والمجتمع.
تأتي السيدة، مدير قاعة المطالعة اليه وهو جالس في مقعده ذاك، يبحث ويقرأ في مكتبة محكمة العدل الدولية بلاهاي في هولندة، التي هي اصغر من جانب الكرخ ببغداد والتي وسَّعَت مساحتها بَطمرِ اجزاء من البحر المحيط بها، جاءته هي وما استدعته اليها وفي يدها كتاب، قائلة له مبتسمة، لا متجهمة كحال اكثر موظفينا يتصنعون الوقار والانفة، ويتصاغرون امام ادنى الاسعار!!.
قالت له: هذا هو المرجع الذي طلبته، ارسلنا طلبا الى جامعة ليدن بهولندة كذلك واستعرناه منها، لما علمنا او شعرنا بحاجتك اليه!!.
واذ وصلت الى هذه الخاتمة التي تقترب من اليوتوبيات وحياة اهل المدن الفاضلة التي بَشَّرَ بها الفارابي والفابيات نسبة الى المفكر الاشتراكي الطوباوي فابيوس، عَلَّقَ العبدُ الفقير، قارئ هذا النص الله اكبر هل هم ملائكة ام ماذا؟ ولماذا لا نصبح مثلهم؟!!!.
في حين علق الدكتور يحيى الجمل كاتب هذا النص، يا سبحان الله، الى هذا المدى الاحساس بالمسؤولية، والى هذا المدى الجدية، والى هذا المدى الرغبة في مساعدة الجادين؟.
والى هنا نسكت عن الكلام المباح، كما سكتت جدتنا شهرزاد من قبل، فهذا الذي سقناه من واقع يخرس جهيزة كل مقال وما عسانا ان نقول اضافة الى ما ذكر وقيل؟!!.







اخر الافلام

.. استمع لموهبة سورية في الغناء – محمد كندو -جيران


.. كأس العالم.. كرنفال عالمي للموسيقى


.. بالفيديو: فنان سوري خاطر بحياته من أجل الباليه




.. مثقفون من -الأعلى للثقافة-: إصدارات مصطفى الفقى أيقونة علمية


.. ست الحسن - رأي -أ. محمد عبدالرحمن- في إرادات أفلام عيد الفطر