الحوار المتمدن - موبايل



جواد غلوم وإناقة ُالقصيد(1) .........

هاتف بشبوش

2017 / 12 / 25
الادب والفن


جــواد غلوم وإنــــاقة ُالقصيــــــــــــــــــد(1) .........

أراني مغتبطا وجذلاً وأنا أقرأ لشاعرٍ مضى شوطا كبيرا في لغة البوح وآلام السياسة والحياة التي تضيق وتثُقل بنا في معظم الأحيان حتى نشعر انّ أجسادنا لاتستطيع حمل ثيابنا . شاعر يكمن وراء الجمالات والخصوصيات التي تجبرنا على أن نلتفت ونقرأ جواد غلوم الكامن وراء فطحلته . هذا الجواد لم يجزع من يساريته رغم كل ما أصاب الشيوعية من إنكسارات في عالم بات خطراً للغاية من جراء إستفراد الإمبريالية العالمية . شاعر إزداد ألقا بعد تخطي الخامسة والستين وازداد حزنا بعد مصابه الأخير في موت الحبيبة والزوجة رفيقة الحب الطويل التي أعطته مصل الإستمرار في النضال والإصرار والتحدي ثم ودعته والى الأبد باكيا متوجعا على أثرها ، ذارفا الدمع فوق قبرها عند صحراء النجف حيث رقدت هناك كما سنبين لاحقا.
في العام 1949 هب النسيم النجفي ليبشر ذوي الشأن بقدوم بشارة ذكورية التي أطلقت بكاءها الأول قبل أن تسمى جواد غلوم . نشأ هناك بكل شقائهِ وأفراحه ثم إستقر في بغداد الكاظمية حتى حصل على البكالوريوس في الآداب قسم اللغة العربية ثم عرفناه مدرسا في في السبعينيات ، صحفياً وناشرا في طريق الشعب والفكر الجديد والتآخي ، ثم هاجر الى ليبيا نتيجة العسف الصدامي وعاد الى العراق بعد سقوط الصنم . صدرت له ثلاث مجموعات شعرية ، حبال لأرجوحة متعبة ، ثم حكاية الميمك الحزين ، وحب إمتناعٍ لأمتناع . ثم كتاب (مذكرات مثقف عراقي اوان الحصار) .
الشاعر جواد محبُّ وفيّ للمرأة على الدوام ولذلك حينما نقرأ له نتعرّف على كل المشوّقات التي تدخلنا في العوالم الغير مألوفة ، عالم اللمسات الناعمة التي تؤطر أعناق النساء وعيونهن الصادحات بالإثارة والحب والحنان معا ، وكل مايتعلق مع فن التجميل الذي بإمكانه أن يغير من شكل المرء سواء ان كان رجلا أم إمرأة ، ولذلك راح يتصور في مخيلته الواسعة من انّ المرأة هي القصيدة أو القصيدة هي المرأة فراح يضيف اليهما كل مايراه مثيرا في صالونات التجميل ليس للمظهر الكاذب الذي يخفي وراءه عكس ما نراه بل مثلما نزيّن طفلاً لغرض التباهي بالاهتمام الحقيقي من قبلنا إتجاه الطفولة . أو مثلما جوني ديب الممثل الوسيم الذي عمل في أحد أفلامه( يد أدوارد المقصية Edward Scissorhands 1990) مشذبا لشعور النساء وخصوصا العجائز فيجعلها تبدو وكأنها تخطت عامل الزمن عكسيا وسرقت من سنين العمر فرجعت نظِرة جذابة تليقُ بغرامٍ جديد . لنقرأ الشاعر في نصه البديع (في صالون تجميل القصيدة) :

صديقي الشاعر الذي أحبّ
أراك تلفّعتَ بإزارك الابيض
كمّمتَ فمَك وشحذتَ مشرط قلمك
أصقلتَ مراياك بوَرَقِ القلب
نشرتَ الإضاءة في صالة ذكرياتك
ها أنت تجهز لتزفّ قصيدتك الينا
تُلبسها وشاحها الليلكيّ الغارق بالعطر
وتصفّف شَعرها الناعم الاملس
معذرةً وأنا القارئ المشوق لطلّتها
أتوسّل اليك وأنا تلميذك المطيع
لاتلقم القصيدة كلماتٍ مترهّلة
لئلا تصاب بالتخمة

جمالية عنوان النص جاذبة للناقد والقارئ على حد سواء ، الموسومية الجميلة كانت المدخل والباب الى الجنة التالية ، إذا كانت الباب هكذا في مستوى إبهارها ، حتما ستكون الدواخل في غاية الروعة . المدخل له من الأهمية للنواظر المارقة مثلما لطلّة النساء في وجوههن ، صبوحات ام مسائيات أم حالكات مكفهرات . الباب كان من الأساسيات لدى احد الفلاسفة اليونانيين وهو الشهير ( إفلاطون ) ، كان يضع في مدخل الجامعة لوحة تقول ( لاتقترب يامَن ليس لك علماً في الرياضيات) . لذلك أنا أرى من أنّ إسم القصيدة كان عنصراً جاذبا علاوة على إنثوية النص التي تتلائم والبوح المتتالي الذي رأيناه في أجواء القصيدة بأكملها ، بحيث أدخلها جواد في صالون التجميل ومن تدخل لايمكنها أن تخرج كما كانت بل تظهر في شكلها الآخر التي أراد لها الشاعر جواد أن تكون .
في بداية القصيدة نجد هناك مخاطبة رائعة للصديق الأحب على قلب الشاعر ، فلكل إمرءٍ صديقُّ يذكره للتأريخ . الشاعر خلدون جاويد صديقا وفياً حينما كتب نصا عزائياً يواسي به جواد غلوم بعنوان ((مواساة الشاعر جواد غلوم ) . الشاعر عبد الفتاح المطلبي وصف صديقا له بالغادر في نصه ( ظننتك لي أخاً)، وهناك صديق سارق وصفه الشاعر يحيى السماوي . وهناك من يقول (ينبغي مد أيدينا للصديق دون طي الاصابع ...ديوجين) . الصداقة لاتبنى على رؤية الاشخاص انفسهم بانتظام وحسب . بل انها الإلتزام والوعود والثقة المتبادلة مع شخص قادر على أن يفرح بسعادة الآخر . وهناك من يقول من انّ الصداقة هي الشكل الأخلاقي من الآيروتيك . كثيرة هي الأمثلة عن الصديق بكل تجلياته .
يستمر الشاعر في وصف القصيدة التي لابد لها أن تخرج من صالون البوح كما العرائس وأن تتزين بالأنامل الخبيرة في فن تجميل القصيدة أو تجميل النساء لأن الأنامل هي الاساس في صب البوح من الدماغ (من أطراف أصابعي ينساب نهر) وهي الأساس في وضع اللمسات الخفيفة في وجوه وأجساد النساء . وهنا الشاعر يريد أن تحتوي القصيدة الحقيقية كل المعاني التي يتوجب أن تكون في الشاعر الحقيقي الذي يأن مع الناس ويفرح معها ، لأنها هي الهوية الرئيسية التي من خلالها التعرف على الشاعر ورسالته . قد تكون القصيدة متخمة بالخزعبلات أو الكلام الفارغ الذي يشي عن عدم القدرة في بث روح جميلة في جسد القصيدة الرشيق بحيث تتلائم وروح العصر السريع . لنقرأ ماذا يقول جواد أدناه بهذا الخصوص من نفس النص :

ليكن جسد القصيدة رشيقا
أهيفَ القامة ، خاليا من النحول
مشذّباً من البدانة
خذْ من دهان الكلمات أكثرَه ليونةً ونضارة
ضع زِنّاراً من حروفٍ مزركشةٍ على خِصرها
اقصصْ من شَعرها الهائج ما كثّ وتجعّـدَ
انثرْهُ امام مرآةٍ كوافير متقنة النصاعة

هنا أرى جواد قد وصف الجمالات التي زيّنها فأعطتنا العلاقة التبادلية بين اللوحة والشاعر ، بين دافنشي والموناليزا ، بين إيغون شيلي وكل أعماله العارية ، بين جواد سليم ونصب الحرية ، بين جواد غلوم وصالون القصيد لأنه الشاعر و الرجل الذي يحترم المرأة . وهذا النوع من الرجال غالبا ماتراه هماما مقداما لأن المرأة في حياته هي المحرضة على التفاني بشتى انواعه ... ولذلك نرى جواد كان متماهيا للغاية من خلال هوية أشعاره وبوحه الجلي دون أي مواربة أو تورية تحجبه عنا أو تجعله غامضا بعيدا عن فهمنا الحقيقي .

ايّاك ان تفرط في زرق إبرِ " البوتوكس "
لئلا تَـثقل شفتاها ، وتتعثّر في النطق
خوفي أن تنتـفخَ طلعتها وتـلثـغ
فتكون مثار استهزاء القارئ
أزلْ ماعلق من دمامل الكلمات الناشزة
استأصلْ بقايا الثالول بحِبْرٍ حارق
لترشق امام من يهواها
ويشتهي الانصات لنغماتِ حروفها
يتطلّعُ لرشاقتها كعاشقٍ في أوّلِ لقائهِ بأنثاه
يراها مثل منحوتةٍ جميلة تأسرُ ناظريه
تتمشّى في أوصالهِ مثل نشوةٍ
لا تدري أين تحطّ
تتلاعبُ غنَجا وقفزا في خيال جامح
وتستقرّ اخيرا في ارجوحةٍ عائمة بين القلب والعين

يقول اوسكار وايلد من انّ الحياة لها روائعها مثل الشعر والنحت والرسم. ولذلك أراد جواد من خلال ادخال القصيدة صالون التجميل كي يغرز فيها الحياة ومن ثم يستمتع بمظاهرها الخلابة والمبهرة وروائعها التي تتجسد بمعانيها الإنسانية .
جواد ألبسّ القصيدة( المرأة ) فستان العرس وأصرّ على تجميلها في الصالون الذي هو بمثابة التنقيح للقصيدة قبل إعتمادها بشكلها النهائي . لكنه يخاف على القصيدة من داء القلاب مثلما يخاف على شفتي المرأة من جرعة زائدة للبوتوكس . حقا يجب أن تكون القصيدة هكذا لأنها مؤنثة ، وصدق من أطلق عليها بالقصيدة ( أنثى) لا تعبيرا ذكوريا والا كنا أصبنا بالدوار من شكلها المتخم ذي الكرش المتدلي . هنا دعوة من الشاعر من أننا نقرأ بعض قصائد اليوم التي تسد النفس ، فنراها بدون أي شكل أو معنى نستطيع من خلاله أن نقرأ مايفيدنا كي نغير من هذا العالم المتردي .
مستوى جودة بعض القصائد يثير القيء على شاكلة ( وقفت على البابِ راكضة ً / تبكي ضاحكة بعينيهاالمغلقتين والمفتوحتين من الضياء ) .. لا اعرف كيف واقفة وراكضة وكيف تبكي وتضحك ، لكن الشاعر الواهن سيقول لك من أنها معنىً مجازيا ورمزيا مكثفاً . لكنني أقول إنما هذا يدل على ضعف القوة الشعرية والبصيرة والخيال والبوح في آن واحد . نحن في عالم محطم وقبيح يتوجب علينا تلميعه . حتى القصيدة التي نتفوه بها يجب علينا ترميمها كي نستطيع أن نقف بها أثناء تقديمنا لها في المهرجانات ، فيجب أن تكون بمستوى المرأة ( القصيدة ) الخارجة من صالون جواد غلوم كي تستقر في القلب والعين ومصدر السمع وفي قضية الوطن الأساسية التي لايمكن أن تغيب عن شمس أي شاعر وطني وحقيقي على شاكلة جواد غلوم الذي أنهى ردحا كبيرا من حياته في حب الوطن واليسار . فلنقرأ ماذا قال بخصوص ذلك في نصه (قبلاتٌ بشفاهٍ ريّا لوطنٍ بلا وجه) :

يتبــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــع في الجـــــــــــــــــــــــــــزء الثانـــــــــــــــــــــــي
هــاتف بشبوش/عراق/دنمارك







اخر الافلام

.. لقاء الفنانة ميس كمر على قناة فنون وحديث عن مشوارها الفني


.. تفاعلكم: أبناء نجوم يدخلون عالم التمثيل لأول مرة في رمضان


.. مسرحية في بيروت لدعم مستشفى في غزة




.. أجرأ الإطلالات في مهرجان كان السينمائي


.. -أفضل فنان اجتماعي- لفرقة BTS الكورية الجنوبية | اليوم