الحوار المتمدن - موبايل



خمارة دليلة والزئبق -2-

علي دريوسي

2017 / 12 / 26
الادب والفن


هناك وقف أبي، رجلٌ في نهاية عقده الخمسيني، بطقمه البني وقميصه الأبيض ورائحته الطيبة. إلى جواره وقف نديمه السيد وفيق الذي لم يتجاوز عمره الخامسة والثلاثين، بقامته متوسطة الطول، بجسده النحيل، بعيونه الأوروبية الزرقاء، بشاربه الأشقر، بخديه المُحمّرين بفعل كؤوس البراندي، بقدمه العرجاء. كان يرتدي ملابس المهنة كعادته: بنطال الجينز بشواطاته التي تمر عبر الكتف وجيوبه الكبيرة المحشوة بمفاتيح البراغي وقميصه الخمري وحذائه البني الغامق العريض. لم يكن وفيق عامل صيانة المصاعد المحترف من سكان الضيعة الأصليين بل كان قد دخل إليها قبل سنوات ثلاث برفقة زوجته وأولاده الثلاثة.

كنتُ أمر أحياناً من أمام الخَمَّارة، أدخلها حيناً لشراء علبة تبغ أو للإطمئنان عن حالة أبي، وحيناً آخر أمر وأنا في طريقي الذي أطلته قصداً إلى الوادي الأحمر لإضاعة المزيد من الوقت، إذ كان الزمن زمن ضجر وعزلة.

إذا لم يكن رُوَّاد الخَمَّارة قد وصلوا بعد، كان مالكها العجوز يسليني بأحاديثه، يحكي لي مثلاً: "ها أنت صرت طالباً جامعياً وقد عمل أبوك طويلاً لتنشئتك واليوم يرغب بقليل من الهدوء، إنَّه لا يأتي إلى هنا كي يسكر بل كي نتحدث مع بعض، نحن أصدقاء رغم فارق العمر، يحكي لي عن مشاكله وأحكي له عن مشاكلي بدوري، أرجو منك ألا تتفقَّدَه كما تبحث المرأة عن حُلِيَّها الضَّائع، أظنه يقع في مَوقفٍ حرجٍ صعبٍ إذ تلاحقه، دعه وشأنه، هو يشرب كأس أو إثنتين ويغادر بسلام، كلنا نشرب كي نتوازن مع المرأة والعائلة، ثم يضيف بحذرٍ: ومع السلطة الساسية أيضاً."
وما أن ابتسمت في وجهه حتى ارتاحت معالمه وكأنَّ ضميره لم يعد يعذّبه فيختم حديثه: " ليست الخمَّارة وحشاً كاسراً كما تعتقدون، بل كلب وفي وغرفة جلوس للأصحاب والأحباب."

وإذا مررت بالخَمَّارة وقد جاء رُوَّادها إلا أبي، كنت أستغل الفرصة بأن أُدخن سيجارة حمراء قصيرة وأتحدث إلى سكانها، كنت أعرف معظمهم، كانوا من مختلف الأعمار من الخامسة عشر وحتى الخامسة السبعين، أرى أبو فداء وأبو عماد وأبو علي وأبو محمد وأبو نمر وأبو مدين وأبو جمال وآخرين، كانت الخَمَّارة تعبق برائحة تشبه رائحة البخور، إذ أنَّ بعضهم قد أدمن على سجائر الحشيش، كنت قد عاصرت بعضهم في المدرسة الابتدائية أو الإعدادية أو في باحات اللعب.

كان أبو فداء ومن شدة السُّكْر يبكي إذ يراني بعد أن تكون كؤوس البراندي قد تعتعه، وصواريخ الحشيش قد فتلت رأسه، تدمع عيناه، ينزل المخاط من أَنْفه: "يا ليتني لم أترك المدرسة، ليتني لو بقيت صديقك، ليتني لو سمعت منك في ما مضى لما تَدهورت أحوالي كما يتدهور الَّليل أو الرَّمل، ولا كنت قد وصلت لما أنا عليه الآن، إنَّه الطريق إلى جهنم تدخله وتضيع في سراديبه فتنمحي من ذاكرتك طريق العودة."
أجبته: "حياة واحدة لا تكفي للعيش والمتعة والإبداع والتعلم!"

قاطعه البعض متذمراً من انفعالاته واختلاجاته وتوجعاته التي لا تتوقف. قال أحدهم: "لا يمكن للناس أن تكون سواسية لأنّه خلقهم ورفع بعضهم فوق بعض درجات."
علّق أبو جمال ساخراً: "إياكم والمدارس، المدرسة تهدد الغباء!"

أشعل أبو حنّا سيجارة الحمراء الطويلة، مسح على شاربيه وقال: "لا يقدرُ خادمٌ أن يخدمَ سيّدين، لا تقْدرونَ أن تخدموا الله والمالَ، أو الخمَّارة والشهادة الجامعية في آنٍ واحد."
ردَّ أبو نمر: "لكنك فعلتها يا أخي أبو حنّا، ها أنت أستاذ رياضيات قد الدنيا ولا تتحرك من الخمَّارة."
أجاب أبو حنّا: "لم أفعل هذا في الوقت، في البداية درست ووقفت على أرض صلبة، ثم جاءت الخمَّارة للتسلية كما يقول دائماً العم أبو حسن دليلة."

غرق أبو فداء في وحدته وتأملاته ثم دندن بحزنٍ: "صعدوا السلّمْ، أسمعُ وقع الخطوات المشبوهةْ، أبصرُ تحت معاطفهمْ عنوان المنزل والفُوَّهَة!"
قال لي أبو مدين، وأنا في التاسعة عشر من عمري وما زلت طالباً جامعياً في سنته الأولى: "جالسنا يا أستاذ، تفضل هنا قربنا، أترغب بكأس من البراندي؟
تدخَّل حينها صاحب الخَمَّارة: "الأستاذ لا يشرب البراندي ولا العرق، سأضيفه زجاجة بيرة وأسجلها على حساب أبيه!"

يتبع







اخر الافلام

.. وزيرة الثقافة بافتتاح المهرجان القومي للمسرح: مصر تحتفى بحصا


.. وزيرة الثقافة ونجوم الفن فى افتتاح المهرجان القومى للمسرح


.. سامح شكرى ومسئولون سودانيون يتفاعلون مع فرقه الفنون الشعبية




.. «صلاح» ومي عز الدين يستجمان .. وصورة لعمرو وهبة مع الفنانين


.. صناعة الغيتار بأيدي طلاب الموسيقى