الحوار المتمدن - موبايل



مباحث في الاستخبارات (100) الصمت الاستخباري

بشير الوندي

2017 / 12 / 27
الارهاب, الحرب والسلام


مباحث في الاستخبارات (100)

الصمت الاستخباري

بشير الوندي
------------
مدخل
------------
الصمت الاستخباري عمل دقيق وسري للغاية حتى داخل الدوائر الاستخبارية , وهو على شكلين , سلبي دفاعي كأن تسكت عما يفعله جواسيس العدو او تغض النظر عنهم لغرض تحقيق فائدة أكبر من خلال انتاج معلومات مشوهة نلقيها اليهم كي ينقلونها الى الجهة التي جندتهم باعتبارها حقائق من اجل ارباك العدو.
او ان يكون ايجابي هجومي يتمثل بادارة مصدر مهم او وسيلة الكترونية او فنية باتجاه او قرب هدف استخباري كبير ( كالتجسس على هاتف يعود لقيادي في داعش ) , وفي كلتا الحالتين هو أمر دقيق ومعقد ويحتاج وعي مفرط يزن الامور وفق حكمة مفادها " ليس الحكيم من يعرف الخير من الشر , وانما الحكيم من يعرف خير الشرين" , فالصمت الاستخباري عمل نوعي لاتتاح معلوماته ومفرداته الا لعدد محدود للغاية داخل الجهاز الاستخباري.
ان مايهم اجهزة الاستخبارات ان تتقن فن ضبط النفس والصبر المحكم في الاحاطة بمصادر العدو ومحاولة توجيهها ورصد توجهاتها واهتماماتها من اجل غاية اكبر واوسع واهم , وهو مانعنيه بالصمت الاستخباري .
فالصمت الاستخباري هو الكمون لمصادر العدو والتغافل عنها كي تشعر بالامان وتمكينها , من اجل اهداف اكبر لايمكن تحقيقها باعتقالهم او بتخريب مخططاتهم.
ويتم تطبيق الصمت الاستخباري ضد التجسس التقني والفني كما يصلح على التجسس البشري , فقد يكتشف جهاز استخباري ان هنالك محطة تنصت او هاكرز معادي او غيرها من الوسائل , فيعمد الى التغافل والتغابي ويتصرف كانه لم يكشف شيئاً , فيترك الهكرز يخترق رسائل الكترونية لقائد عسكري او استخباري , ويعمل على ضخ رسائل بمعلومات زائفة ليسرقها الهكرز ويرسلها الى الجهة التي جندته والتي ستحتفل بانتصارها الموهوم.
------------------------------------
انواع الصمت الاستخباري
------------------------------------
كما نوهنا ,فان الصمت الاستخباري على نوعين , صمت سلبي دفاعي يتم من خلاله التلاعب بمصادر العدو وجواسيسه وضخ المعلومات الزائفة لهم وتركهم دون القاء القبض عليهم ليكونوا وسيلة لتضليل العدو.
اما النوع الثاني فهو الصمت الاستخباري الايجابي الهجومي , ويتم فيه التعامل بسرية شديدة للغاية مع مصدر هام وخطير يكون فيه بمثابة كنز لاتجوز المغامرة باتاحة معلومات عنه او عن نتاجاته داخل الجهاز الاستخباري .
فلو كان لديك مصدر نجح في زرع كاميرا في وكر أبو بكر البغدادي وانت تلتقط صوره وحديثه ولقاءاته واجتماعاته , او ان جهاز استخباري تمكن من التنصت على هاتف زعيم ارهابي وتمكن من سماع كلامه واوامره وتوجيهاته , ففي هذه الحالة يطبق الصمت الاستخباري على تلك المصادر الخاصة الخطيرة التي تغذي الاستخبارات بمعلومات يقينية خطيرة.
ولكلا النوعين فوائد جمة وخطيرة , وفي كليهما لابد ان يكون العمل الاستخباري المسؤول عن النوعين على درجة كبيرة من التكتم والسرية وان يقتصر على المحترفين الذين يتمتعون بثقة عالية .
------------------------------------
وسائل الصمت الاستخباري
-------------------------------------
ان الحفاظ على المصادر المهمة والحيوية وإدخالها في الصمت الاستخباري هو عمل استخباري نوعي خاص , فمن المهم للغاية ان يكون هنالك حرص شديد في توزيع المعلومات داخل الجهاز الاستخباري حول عمليات الصمت الاستخباري , وان نضمن بأسلوب محترف ان لايتم كشف المصدر .
فعندما تحصل الاستخبارات على هدف كبير كالتنصت على محطة للعدو او مصدر مزدوج او هكرز يمكننا من اختراق مواقع سرية للعدو , او أي هدف يمكنها من الحصول على معلومات سليمة ومستمرة , وكذا اذا اكتشفت الاجهزة الاستخبارية شبكة جاسوسية تتنصت على اسرار الدولة , فانها في الحالتين تقوم بمجموعة إجراءات لتطبيق الصمت الاستخباري منها :
1- يتم ايكال المهمة الى فريق صغير يتم اختياره بعناية وضمن الاختصاص ولايتم استبدالهم اوتوسيع فريقهم.
2- يتم عزل الفريق في مكان خاص بعيداً عن مواقع العمل ومقرات الاستخبارات , وان يكون مكان عملهم خارج المألوف في الجهاز الاستخباري وبعيدا عن العيون.
3- يتم تصعيد الاجراءآت الأمنية الوقائية وتطبيق كافة اجراءآت الحماية لفريق العمل وموقعه.
4- يتم التحكم بالمنتوج المستحصل من عمل الفريق بشكل دقيق والتحرز على المعلومات المستخلصة منهم او عن اجراءآتهم , فالمنتج او المعلومة السرية لايتم اطلاع احد عليها سوى عدد محدود للغاية بحسب الحاجة
5- في حال انتاج الفريق لمعلومات يراد توزيعها , فلاتتم الاشارة للفريق كمصدر للمعلومة وانما يتم إنتاج مصدر وهمي بديل لإنتاج المعلومات المطلوب توزيعها من خلال هذا المصدر الوهمي المنتج , و تجير باسم المصدر الوهمي او قد يكون مصدرا حقيقيا لكن يعمل في مكان آخر وغير فاعل لإبعاد الخرق والمراقبة والكشف.
6- يعطى فريق العمل غطاءاً مناسباً مثل نقلهم إلى دوائر أخرى او ارسالهم في دورات تدريب او أجازة او أي عذر إداري آخر.
------------------------------------
فوائد الصمت الاستخباري
------------------------------------
الصمت الاستخباري عمل نوعي تكون كوادره محدودة وعملها سري حتى على افراد الجهاز الاستخباري , لان الفوائد التي تجنى منه تكاد تعادل - احياناً - كامل عمل الجهاز الاستخباري , ان للصمت الاستخباري بنوعيه السلبي الدفاعي او الايجابي الهجومي فوائد جمة اهمها :
1- يتيح الصمت الاستخباري لنا ان نعرف مالذي يبحث عنه العدو من معلومات , الامر الذي يمكننا من صيانتها والتغطية عليها وبث معلومات زائفة للعدو عنها .
2-يتيح الصمت الاستخباري الى الالمام بكامل الشبكات الاستخبارية وطرق عملها , وجعلها تشعر بالامان وبإستصغار قوتنا والاستهانة بها وعدم تقييمها التقييم الحقيقي لقوتنا .
3- يحقق الصمت الاستخباري معادلة الموازنة بين المهم والاهم , وهي مهمة دقيقة للغاية وتتطلب ضبط الاعصاب ودقة التقييم , فلو افترضنا ان جهازك الاستخباري قد استطاع من فك الشفيرة السرية لسفارة دولة ما , وعلم من خلالها ان تلك الدولة تسعى لعمل عدائي محدود ضدك , فان الجهاز الاستخباري هنا يجب ان يوازن بين افشال المخطط الذي سيفهم منه العدو انك قد فككت شفيرته السرية فيعمد الى تغييرها ويضيع عليك فرصة كشف باقي مخططاته , او ان تتغافل عن عمله العدائي من اجل اشعاره ان شفيرته بأمان ومن ثم تحقق هدفاً اكبر في مقابل التغاضي عن عملية محدودة للعدو , وهو امر ليس بالسهل ويتطلب تفكيرا متوازناً عميقاً بقياس الفوائد والاضرار , وبالطبع يقوم جهاز الاستخبارات بتخفيف اضرار العملية المعادية قدر الامكان , فلو علمنا ان العدو رصد موقعاً واراد ضربه , فلابد من العمل بحذر على تفريغ الموقع من الاجهزة المهمة ومن الاشخاص , وفي ذات الوقت جعل العدو يعتقد ان ضربته كانت قاصمة وادت الى اضرار وشهداء , كي لايكتشف ان الاستخبارات قد رصدت شفيرته وعلمت بما يخطط.
4- يحقق الصمت الاستخباري فائدة ركون العدو الى مصادره وعدم تغييرها باعتبار انها غير مكشوفة وناشطة , وبالتأكيد فان ذلك يؤدي الى النجاح في مراقبة تلك المصادر وكشف تحركاتها , وتسهيل مهمتنا في خداعها بضخ معلومات مزيفة اليها , ومن المهم هنا تعزيز قيمة جواسيس العدو لديه من خلال اتاحة معلومات قيمة (مسيطر عليها)لينقلها الجاسوس او المصدر كي تتعزز ثقة العدو بهما.
5- يؤدي الصمت الاستخباري الى اعتماد العدو على تقارير مصادره وجواسيسه , واعتبار معلوماتهم مؤكدة , وهو امر يحتاج الى الحنكة , فالجهاز الاستخباري الذي يطبق الصمت الاستخباري سيتيح للجاسوس ان يصل الى الاسرار (التي تم تزييفها), شريطة ان لايلقي بالاسرار للجواسيس والعملاء بسهولة كي لايشكّوا , فيقوم بادعاء سريتها ويوحي بحمايتها , لكنه يترك ثغرة ترضي غرور الجواسيس كي يعتقدوا انهم وصلوا للاسرار بجهودهم وبذكائهم .
6- ان الصمت الاستخباري يتيح للجهاز الاستخباري ان يدير جواسيس العدو دون ان يشعروا مما يجعل عين العدو تحت الرقابة الدائمة وهي قمة الاحتراف الاستخباري , فانت ستنقل للعدو ماتريد ان تنقله له لتشويشه , وفي ذات الوقت تعرف من خلال الجاسوس المسيطر عليه مايريده العدو منه بالضبط وبالتالي تكشف طريقة تفكير العدو واولوياته وماذا يبغي من تلك المعلومات.
7- مثلما ان اوامر الصمت اللاسلكي السرية تتيح الى اكتشاف الجواسيس , فان الصمت الاستخباري يتيح الى اجراء اختبارات تكشف اشخاص مشكوك في انهم مجندون للعدو , فاحياناً يتيح الجهاز الاستخباري معلومة زائفة لعدد محدود من الافراد الموثوقين , بضمنهم شخص مشكوك به , فاذا وصلت المعلومة للعدو فهذا يعني ان الشخص عميل للعدو.
8- يتيح الصمت الاستخباري الايجابي (الذي تقوم الاجهزة الاستخبارية من خلاله بتقليص الاطلاع على معلومات يمتاز مصادرها بالاهمية القصوى) بالتمكن من الحفاظ على تدفق المعلومات الدقيقة والحساسة عن العدو .
---------------------------------
نماذج للنجاح والفشل
---------------------------------
سنتناول نموذجين يدلان على النجاح والفشل في باب الصمت الاستخباري , ففي الاجهزة المحترفة لاقيمة للتبجح بالانتصارات وانما القيمة بالخواتيم , لذا فان الصمت الاستخباري يحتل مكانة مهمة في عمل تلك الاجهزة .
فبين 1939 و1945، خلال الحرب العالمية الثانية، كان الألمان يعتمدون شفرة حيّرت كل أعدائهم، واعتبروها سرّهم الأخطر على الإطلاق، والذي يمكنهم من تداول الأوامر والمعلومات بمعزلٍ عن تسريبها، حيث كانوا يعتمدون على آلة تشفيرٍ اسمها "انيجما " ، تحول الرسائل لحروفٍ هجائيةٍ مُختلفة أو ذات ترتيبٍ معين، تُعاد ترتيبها إلى الرسالة الأصلية في جهازٍ مشابه لدى المتلقي، وكان يصعب على أي أحدٍ يعترض تلك الرسائل من فك تشفيرها.
فصمم الحلفاء على فك سر تلك الآلة – الشفرة - , فكونت بريطانيا فرقة من خبراء وعلماء في الرياضيّات والشفرات سُمّيت «Hut 8»، برئاسة العالِم (آلان تورينج).
تمكّن «تورينج» وفريقه من تطوير آلة يُمكنها فك الشفرة في رسائل الألمان، وكان هذا النجاح باهرًا سُمي حينها «The Bomb – القُنبلة»، وكان لفك شفرة «إينجما» دور مُباشر في تعطيل تقدم القوات الألمانية وحلفائها، ما أسرع بإنهاء الحرب، وانتهاء هتلر ونظامه النازي في 1945.
وأخفى البريطانيين هذا السر باستخدام الصمت الاستخباري أكثر من 30 عام وسرحوا العلماء الست بعد نهاية الحرب , حتى منحتهم الملكة عام 2013 وسام البطوله رغم أنهم كانوا قد ماتوا جميعا.
والسر في الصمت البريطاني أنهم كانوا يريدون أن لا يشك الألمان في أن جهازهم واتصالاتهم مخترقة , كي لايبادروا إلى تغييرها , فكانت بريطانيا تسمح بالضربات البحرية الالمانية وتسكت على مضض عن خسارة بعض سفنها وعن بعض الغارات الجوية وتقدم الخسائر للحفاظ على السر , فكان البريطانيون يعرفون حركة الغواصات والطائرات والجيوش الالمانية مما كان له الاثر الاكبر في انهاء الحرب العالمية الثانية وخسارة المانيا الحرب .
وفي عام 1974 حيث أعلنت بريطانيا عن كسرها لتشفير الانيجما منذ 1940 ولم يسع الحكومة الألمانية إلا الإقرار بذلك. وظلت إنجازات تورينغ وفريقه في مجال التشفير سرية طيلة 30 عاما , وفقا لقانون سرية الحرب البريطاني.
فحماية هذا الكشف الخطير ومنع الاختراق والتعامل معه بشكل علمي وكتمان النتائج والعمل بمنطق المسؤولية ومحاوله بلوغ أعلى نسب الفائدة والتقييد الصارم بالصمت الاستخباري , جعل البريطانيين يقدمون خسائر لكن مقابل فائدة عظيمة بتحطيم اسطورة النازيين .
في مقابل ذلك كان الفشل الاستخباري ذريعا , حين سعت مخابرات الدول الخليجية كقطر والسعودية الى اغراء رياض حجاب رئيس وزراء سوريا عام 2012 والمقرب من الرئيس بشار الاسد , اغروه بالانشقاق عن الاسد والهرب الى الاردن , بينما لو اتيحت تلك الفرصة لاية دوائر استخبارية محترفة لما طلبت منه الانشقاق ولجندته من موقعه وادارت ملفه وفق الصمت الاستخباري , ولاستطاعت ان تحقق من وراءه انتصارات استخبارية وعسكرية هائلة .
فالفرق بين المحترفين والهواة ان اولئك لاتهمهم الفقاعة الاعلامية وانما العمل الصامت , بينما يسعى الهواة الى الفرقعة الاعلامية فلاينتجون سوى الخيبات , ومن هنا تعمد الدوائر الاستخبارية الى ابعاد كل من له نزعة اعلامية عن العمل الاستخباري , فيما تسعى الدول الفاشلة الى اسناد المناصب الاستخبارية الرفيعة الى شخصيات اعلامية مهمتها كشف الاسرار لاحفظها , ضمن تركيبتها الصحفية التي تميل الى النشر .
-------------
خلاصة
-------------
الصمت الاستخباري حرفة مهنية عالية , يتعامل منفذوه باعتبارهم حراس لسر الاسرار في الدوائر الاستخبارية , فمن خلاله يدار جواسيس ومصادر العدو واجهزته التجسسية الالكترونية من حيث لايعلمون , وفي ذات الوقت يتم العمل بالصمت الاستخباري في ادارة المصادر عالية الاهمية او التجسس عليها .
ان مهمة الصمت الاستخباري مهمة شاقة ودقيقة وتحتاج الى اعصاب فولاذية , ويتعرض القائمون عليها للضفط العصبي , فهم يتعاملون بمنتهى السرية حتى فيما بينهم في الجهاز الاستخباري , ويطلعون على معلومات وخطط خطيرة للعدو , وقد يضطرون الى تمرير بعض عمليات العدو كي لايعرف انهم يرصدونه , شريطة ان يحققوا من وراء تلك التضحيات اهداف اكبر واخطر .
ان مهمة الصمت الاستخباري هي مهمة الصمت المطبق والغرف المغلقة والتعامل الهامس والسرية المطلقة , وهي مهمة لايجيدها سوى الخبراء المتمرسون , والله الموفق.







اخر الافلام

.. شاهد.. تدريبات أسود الأطلس استعدادا لمواجهة رونالدو


.. حقيقة تاريخية عن لقاءات الأوروغواي والسعودية


.. اليمن.. مطار الحديدة منعطف أساسي في المعركة




.. تحرير مطار الحديدة .. انتصار ميداني وإنساني


.. الحديدة.. حسم معركة المطار يفتح طريق استعادة المدينة ومينائه