الحوار المتمدن - موبايل



ومضات 3-4

إبراهيم الوراق

2017 / 12 / 28
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


ومضات
رقم 3
ومضات على الطريق
كل فكر لا يتوجع بآلام المحرومين، والمسحوقين، والمنكوبين، ما هو إلا إيديولوجية لصناعة الفقر، والألم، والشقاء.
فلا غرابة إذا فسر التاريخ تفسيرا ماديا جدليا، بعدما أعيد كل شيء فيه إلى الروح المطلقة، أو إلى الجوهر الكلي للكون، لأن ما هو حادث، أو ما يقع من حوادث تهدم حقائق الحياة الخالدة، وتؤسس لمعنى جديد في المشتركات البشرية، هو الوجه الذي يحتاج إلى إدراك ما يختزنه من أسباب، ويضمره من علل، إذ كثيرا ما عاد الفقراء من سهوم كمدهم إلى مدار فلك السماء الرحيب، لكي يرموا آمالهم في سلال القدر، ويقذفوا حظوظهم بين تلال القضاء، لكنهم لم يروا منه التفاتة إلى ما يسري، ولا انتباها إلى ما يجري، فارتبكوا في طي المسافة التي تفصلهم عما يوقنون بأنه موئل النجاة الآمنة، واحتاروا في معرفة ما يغذي عناءهم بين مخاض واقع أليم، يعيشون سلبيته، وفوضويته، ويحيون بؤسه، ولؤمه، وهم لا يدرون إلى أي اتجاه يحمل أجسادهم المنغصة بالأمراض، والمنهكة بالأوضار، وإلى أي محطة سينتهي سيرهم بين المنازل الجامدة بالضنى، والفاترة بالشجى.
ربما،يكون من حسن حظ الذين يستمتعون باستلاب الفقراء، وتسخيرهم فيما يدمر كيانهم المعذب بالخوف، والعنف، أنهم يشهدون انصراف أنظار البائسين عن اكتشاف طلاء الأزقة المسودة برماد الأحلام الخائبة، إلى تعبيد طرق مفتوحة على الفضاء المزركش بألوان المرح، والفرح، لكي ينزلوا من قمم الأبراج السامقة، ذلك المارد الذي يطيق بسحره أن يزيل كمد الحرج، وكبد الضيق، فيكون الغد سعيدا بما يتصوره كل بائس في قعر عذابه، وغور عقابه، لأنهم بهذا الانتظار الذي يحتشدون من أجل بروز صوته كل صباح، ومساء، ويلتئمون على استحضار ما في جونه من قوة، وطاقة، يفارقون عوالم الحقيقة إلى أمداء الخيال الجانح، ليستشرفوا من شرفات الشوق المتدفق من أعينهم الولهى، هذا المخلص الذي يأتي بالمعجزات الباهرة، فيحول هذه الديار التي شربت صديد الوجع إلى مرافئ مترعة بالحبور، والسرور.
هذا الانتظار الذي كتب علينا أن نعيش لحظة شقوته، وهو نوع من أنواع جنس الحياة التي فاصلت بين مراتبنا، وباعدت بين مراحلنا، ما هو إلا صورة لذلك الغائب الحاضر معنا، ومعنى لذلك الزمن الهارب منا، ونحن ذاهلون في البحث عنه، وتائهون في خط خطوط المجال الدال عليه، لأننا حين افترقنا في توزيع ما بيننا من خيرات، وبركات، كان لكثير منا ما هو منتظر في المستقبل العازف بالألحان المتآلفة، وكان لقلة منا ما هو موجود بين الأيدي من متعة، ولذة، وهو الذي نستثمره بكل الوسائل الممكنة، والغايات المحصلة، وإن اقتضت أن نختلف حول تحديد الحصص، ونتحارب حول تدبير الأنصبة، أو نخدم بقاءه بما نجني من كيس رزقه، وجراب نواله، لكي يكون في حقيقته التي لم تبتعد عن قانون الطبيعة، ذلك المعنى الذي يبني صرح غد ينقشه المحروم بلا امتلاك لسر وجوده، ورمز طبيعته، وهو ما حوته اليد من مفاتيح نعيم الأرض، وأسرار بهجتها، وأطوار مسرتها، وبه تبنى العزائم الفارعة، وترسم طرق ما هو مجهول في الزمن القادم، وموشوم على جباه يبرق من مسامها عرق الأمل المنكسر، والحظ المنحسر.
ولولا ما اختزنه هؤلاء الفقراء من ترقب لذلك المخلص الذي يهدي البشرية إلى كمال إنسانيتها، وجمال بشريتها، لزالت كثير من العوارض التي تحجبنا عن الحقيقة، ولذابت كل الأفكار التي تتنامى في أذهاننا، وهي لا تربو على واقعنا المتنائي عنها دركه، إلا لكي تشل همة العزم في أعماقنا، وتفل حدة فعلنا في صناعة ذلك المجد الذي يمنح كل واحد منا وردة الأمل البهي،وزهرة الحلم الدوي، إذ العارض الذي يفسر روحيا عند المروجين للأساطير، والخرافات، بأنه هو السبب المتحايل على كل نكباتنا النفسية، وأزماتنا الاجتماعية، ما هو إلا فكرة ناشزة في الذهن، ونافرة في الذات، وبها يستحوذ الدجل على رسوم العقول، وحدود الإرادات، لكي يحولها إلى أداة لهدم كيانها، وآله لتحطيم كل ما يربطها بما هو مأمول في رغباتها، ومحبوب في شهواتها.
ومن هنا، لا يمكن أن يفسر التاريخ عند من نظر إلى الأرض، واكتفى بما فيها من روابط، وعلاقات، إلا بهذا التفسير الذي يقيم جدلية بين المجذوذين، والمحرومين، لأنها هي التي تؤسس لمشروع التغيير الذي نستبطئه بالتسويف، أو نؤخره بالانتظار لرجل يأتي من أقاصي القرية، لكي يقول قولته التي تشفي أوامنا، وأورامنا. ولهذا، لا نرى سببا يصنع البعد عن السماء، ويلفها بسواد الأفق، ويدسها في حمأة اليأس، إلا هذا التفاوت الذي يحصرنا في بوتقة الانتظار للفجوات، ويسجننا بين ديجور النكبات، لكي يأتي ما نرتجيه من دفع جهلنا بالمناجاة الساهمة، وما نبتغيه من شفائنا بالتمائم الذاهلة، وما نرتضيه من ثقاقتنا بالرؤى الخارقة، وما نستلهمه من فلسفتنا بالخلوات الكاسرة.
شيء يرسم لنا خطا في أماكن لا نعيشها، وينقش في عقولنا صورة للإله المفارق لماهيتنا، والمتنائي عن آلامنا، والمتجافي عن أحزاننا؛ وهو ذلك الإله الذي لا يمتزج بذواتنا، فيكون إنسانيا في عطفه، وإلهيا في حدبه، لكي يدل ذلك على عموم رحمته، وشمول بركته، إذ لو كانت هذه الصورة حقيقية، وكانت لها آثار جميلة في واقعنا المترامي الأطراف، والمتلاحم الأكناف، لما قبلت أن تذل معنى الإله في الذات الممتحنة بالمأساة، والمعاناة، فيكون تفاعلها معه في لحظة رضائه عن بكائنا، وسويعة رغبته في حزننا، بل العجب أن لا يكون سامعا إلا لأنين جوفنا المحترق بالدوى، والردى، ونحن ننتظر منه حركة خارجة عن إراداتنا، وظاهرة في استدارتنا، تكون إما معجزة تفوق إدراكنا، وجهدنا، أو إما طفرة تحولنا من قاع الأسى إلى هذا البستان الذي نرسمه في أذهاننا الواهمة؛ وهو الذي نمني به حظوظنا المخذولة، ونحدث به سعادة نستعين بها على رزء الحياة، وأتعابها الضارة، وأعراضها الشاقة.
قد يكون هذا مرضيا لمن حرف طريق السماء اللاحب، وسجن سرها في دهاليز أديرة منكوشة بين أحراش زافرة بعويل الثكلى، والزمنى، لا تصنع فينا قيم الحياة الناعمة،وهي كل ما يجعلنا نتواطأ على معاني الصفاء في الإدراك لفعل السعادة، وحقيقته، بل تعلمنا كيف نحزن، وكيف نبكي، وكيف نموت، وكيف ندفن، وكيف نبني بين درج الهواء ما ضاع في أكناننا، وكيف نرفع بين طبقات الفضاء ما فقدناه في كياننا. لكن، هل الإله مفارق لنا، لكي نبحث عنه في مكان غير ذواتنا.؟ وهل الإله لا يقبل منا إلا أن نتعذب، ونتجيف، عساه أن يمنحنا شيئا آخر غير ما به قوام حياتنا من صحة، وعقل، وقلب، وعلم، ومعرفة.؟ شيء، قد نسميه ابتلاء، وفيه ما فيه من ثواب، لكن، هل يعني أن نقف على عتبة الشقاء مكتوفي الأيدي، ونحن لا نكد في صناعة بؤرة الحياة التي نرغب فيها، وسواء ما ارتبط فيها بكياننا الشخصي؛ وهو كل ما علق بنا من أفكار تعطل مسيرتنا، أو ما تعلق بكياننا الخارجي؛ وهو إدراك كل ما في الواقع من روابط تربط بيننا، وبين حقائق الوجود، والكون، والطبيعة، والحياة.؟ لو توقفنا عند حدود التألم لمصيرنا، واستدرار عطف السماء ببكائنا، وانتظرنا خلاصنا بتمتمتنا، فإننا لن نخترق هذا الفضاء أبدا،ولن نسير في الدرب المضيء الذي نريده أن يكون محتضنا لنا جميعا، ومهما اختلفت أجرامنا، وألواننا، وأشكالنا، وطبائعنا، وعقائدنا، بل سنحمل إلى أجواف قبورنا المخيفة، ونرمى بين أطباق النسيان، ونحن لم نعرف شيئا عما اجتزناه من مراحل طويلة، ولم ندرك شيئا عما كنا سببا فيه، أو أداة لصنعة، أو آلة مستلبة له، إلا ما رسم في أذهاننا من صور الشقاء الذي دبرنا مصيره بما انطوت عليه عقولنا من أوهام، وأحلام.
إذن، ليس التفسير المادي للحياة سببا في الإلحاد الذي يخشاه المعبد القائم على الزلفى، والرضى، وذلك ما يروجه تجار اغتصت بهم الولائم المتدسمة بجؤار المقابر المجللة بالآلام العريضة، بل سببه ما يشهده العاقل من تقاطع المناطق بين مداري السماء، والأرض، وما يوقن بأنه ما كان يتحكم في ناموس العقول،ووجفات القلوب، إلا لأنه يبتغي الأرض عوجا، لكي تكون مآلا لمن أراد جنة المكان، لا جنة السماء الممتدة في جوهر الزمان. تلك هي الرغبة في الإنسان الذي وجد حرا بين إرادة يجرها، واختيار بجذبه، لكن أنى لها أن تصل إلى نهايتها، أو أن تبلغ إلى مداها، وهي لم تعش في حضن الإله الذي بسط كل شيء لاحتوائها،واحتضانها، لكي يسمع ما ينزف فيها من شكوى، وبلوى، إذ هو لا يحابي أحدا من خلقه، ولا يجامل موجودا لوجوده، بل هو كل حركة في الأشياء المتفاعلة بالحياة، والمنتهية بفقدان سر الماهية، ولون الهوية، وسواء هذا الشجر، أو ذاك الحجر، وسواء هذا الجماد، أو ذلك المتحرك، بل هو صوت كل ناطق بعقله، أو فاعل بعاطفته، وسواء ما كان ناميا بذوقه، أو ما كان رابيا بطبعه، كل ذلك الموجود، وسواء ما هو معلوم، أو ما هو مجهول، هو الإله الذي يمحو، ويثبت، وينسخ، وينسي، وما نحن إلا هو، وتجلياته قائمة فينا بالإشراق، والاستنارة، والاستبصار. وإذا فصلته عن ذاتك، وطلبته في سواك، لن يكون نفسا في التغيير، ولا قوة في السير، ولا طاقة في طي المراد، ولا فعلا في الصيرورة، ولا جمالا في الكينونة. وهنا، يكون المخلص فيك، وفي جوف عمقك، وفي قعر ذاتك التي تتحرك بكل ما هو غريزي، وطبعي، لكي تدرك مظان الأشياء في حقائقها المفتوح كتابها لعين فؤادك، وعشقك. كلا، بل أنت هو، ولو ظننت أنه بعيد عنك، وإذا صرخت، فهو الصارخ، وإذا سكتت، فهو الذي يتحدث في عمقك، لكي يقول لك: وأن إلى ربك المنتهى، إذ هو النهاية التي تبتدئ منها بداية الحياة بلون نعشق ما فيه من حقائق، ومعاني، وظلال، وأفياء. و إذا تلاءم صوتك الداخلي، ولونك الخارجي، كان إلهامه لك، هو الدليل، والمرشد، والموجه الذي يوجهك إلى أسباب وعلل ونواميس وقوانين ما ترتجيه من سعادة، وفضيلة.
ومضات
رقم3
هكذا تضعنا الأزمات بين فكي من لا يرحم ألمنا الكسير، وهكذا تصادرنا النكبات بشقائها الذي لا نملك صدا لوجعه الحسير، لكن، ماذا عساي أن أقول في غمرة الحزن الأثيم: هل سأفتخر في يوم ما بهذه الكائنات التي عرفتها كاذبة في رسوم علاقتها، وسموم صداقتها.؟ أم سأفتخر بما ينتسبون إليه من حدود البنود، والعهود.؟ قد أيقنت يقينا بأننا لم نكن كما نحن بدون قيم، ولا مثل، إلا لأننا لا نمتلك قاعدة فكرية قويمة، يدبرها تاريخ أو حضارة سليمة. فقصارى ما يمكن لي أن أقوله في لحظة الانكسار: إننا مخلوقات بعيدة عن كل ما يهرف به من يريدنا أن نلبس جبة ليست على غير مقاسنا، وأن ننطق بصوت لا يحكي ما في طيات أعماقنا، لأننا ما زلنا وإلى اليوم الذي نعيش معرة ما فيه من انفصام، وانخرام، لا نستوجب أن نتحدث عن المبادئ الكبرى التي نتحارب من أجل صيانتها، أو نتصارع فيما بيننا لحمايتها، ونحن في سعار أنانيتنا أكثر لؤما، وخسة، وضعة، وحقارة. تالله، لقد أربكني ما عانيت في مهمة رجل الدين التي لاصقتني زمنا طويلا، ليس باليسير الذي لا يهديني إلى خبيئتها، وسريرتها، وها أنذا قد وعدتها بسبب كان محتوما علي أن أعيش لحظته الأليمة، لكي أشهد إلهي المتحرك بين أوجاع دور الفقر، والبؤس، والضياع، والشتات، فأتحسس ما في غوره من نبض فياض، وإحساس غامر، وشعور متعال، فأرى وجها آخر لما عبدته على فروة الاسترزاق بالمطلقات الأزلية، وأعثر على جوهرة طمها النظر المستعلي بغرور تاريخ صنعنا متحدين في نبرة المختلفين، وإن تراءى لنا أننا لا ننتمي إلا إلى شرعة واحدة، وننتسب إلى مشربة محددة. ولا أدري، هل ملامحه تشبه تلك الأمارات التي وصفه بها المعبد الذي منحنا حق الاختلاف، ولم يهبنا واجب الاتحاد، والاتئلاف.؟ أم هو نتاج ما تراكم فينا من مرض، وركض، وتواطأ علينا من تحريف، وتزييف.؟
سيكون نيتشه حين قال بموت الإله الذي بناه الإنسان بمنطق قوته محقا في هدم أسطورة الكيان المزلزل الأركان، لكي يبني هرم سوبرمان قوي المظهر، ودوي المخبر. لكن، ألا يعني هذا أن الإنسان الكامل قد انقضى زمنه، وانتهى لحنه، ولم تبقمن أخباره إلا حكاية يرددها الماضي بلسان الولهان.؟ إذ لا إله يعقل معناه إلا في عالم العقلاء، ولا عقل يؤكد الكلمة الأولى إلا في عالم الأصفياء، وما دامت معالمه تصنع في دورنا مكامن الضغينة، ومنابت الكراهية، وموارد الخيانة، فإن صورة التجلي وأقام التي اهتدى بها الإنسان إلى عالم النقاء، قد أفل نجمها في سمائنا الملبدة بغيوم السآمة، والملامة، ولم يتخلف منها في الذهن شيء يدل على جمال حقيقتها، وماهوية طبيعتها، بل انتهت في ضجيج المعارك المستعرة حول امتلاك صوت السماء، بعد أن أيسنا من سيطرتنا على مهاد الأرض الفيحاء، إلى ما رسمه الإنسان على جباه المستضعفين من طغيان، وامتنان.
وإذا استسلمنا لقول من قال: الإله، لا يدرك إلا فيما نبنيه من حدودنا الممتزجة بصورنا الذهنية، وسواء القبلية منها، أو البعدية فيها، فإن ما نحاكيه اليوم من درس العقائد بأقوالنا، وما يلزمه ذلك من تطبيق له في أفعالنا، ما هو إلا منتهى تلك المعاني الموشومة في أعماقنا، ومهما زيفنا الكلام في صياغتها، واستدللنا على ذلك بكل ما نسب إلى الحقائق المكنونة في المعاني الأزلية، لأننا لا نتحدث إلا عن لامحدود يعجز اللسان عن طي العبارة المصرحة بحوهره المطلق، لكي يوري بما في لغته من إشارة، واستعارة. وتلك هي لعبة اللغة المتعالية، ومتاهتها التي تربك كثيرا من مفاهيمنا الملتبسة بين بين التصريح، والتلويح، والتسطيح. كلا، بل هذا التحديد هو فعلنا العقلي، ومدارنا الإدراكي، وأنى له أن يكون دالا على الكنه بالهوية التامة، وهو ما نطق إلا بمعنى غير مرئي له، وما قاس الشاهد إلا على غائب غير مستكنه بكنه مدرك في الطبيعة.؟
ولذا لا نستغرب موقف الوضعيين الذين تعانقوا على ما رأوه بأعين باقرة، وهم ما انتفضوا إلا حين خرج المارد من القمقم المعلق على خشبة المعبد المطلي بالسواد، فرأوه شبحا مخيفا، أو غولا مرعبا، لا يحمل على وجهه أمارة الرحمة، وعلامة الشفقة، لكي تكون يده مصافحة لكل من أرد السلام، وعينه معانقة لمن ارتجي الأمان، لأن ما يستوجبه ذلك من إذعان، لا يعني سوى ما رسمه الإنسان لما هو كائن في الذات من فاعلية، وانفعال، وانصهار؛ وهو ذلك الطبعي الذي استوجب حقا في الوجود، والمادي الذي يزين كل النظم المسيطرة على العقل، وتطور مداره، وانتقاله إلى آلة للاستحواذ، أو أداة للاستبداد، إذ هو الصيغة التي يحرد إليها كل مريد يرتجي أن يغير المعادلة المتناقضة في مفاهميها، والمتجافية في معانيها، لكي تكون متسائلة عما ماذا يجب أن يكون.! وهو كل شيء يعاش بين الدروب الواجفة، ولم يعثر المنكود على مفتاح باب المعرفة له، والتصالح معه.
شيء جميل أن نتآلف حول هذه المساحة التي نحددها بأنظار متفاوتة، وأفكار متعارضة، لكن حين نختلف على قيمة بعضنا، ونتوجس خيفة من قدرة ذواتنا، يتواطأ الحظ عند غيرنا على استنباط ناموس التمايز مما هو حاصل من نتائج الغايات المرغوبة؛ وهي معدودة باليد الحريصة على كسب اللذات بإصرار، وعناد، والتزام. وربما قد يخاله كثير منا تزويقا للكلمة الخالدة، أو يجعله قليل منا تأويلا لمسارها الممنوح رقيه في أوضاعها الكونية، فيشهده ذلك الرخاء الذي يطلب منا أن نكون جادين في الرجاء. تلك هي أقصوصة التاريخ المكتوب بعرق الكادحين، وكل واحد منا يصفها بما هو قائم به جرمه وحيزه في الوجود، فيسميها الإله الذي عبده الإنسان، ولم ينقذه من الآلام، والحروب، والخراب، أو النظام الذي مجده الفلاسفة، وهم ما عاشو جماله إلا في الخيال الجانح بين غمرات الوجدان المبتكر للنعيم بين مطامير البأساء، والحوباء. كلا، بل سمه ما شئت،أو صفه بما شئت، فإنه في حدوده الدنيا، وعلاقاته القصوى، هو ما نتمناه من إنسان خارق للناموس، وفاعل بالإيجاب في الطبيعة، وإن كان متنائيا عن تصورنا، ومتباعدا عن إدراكنا، ومتعاليا عن مدارنا، ولمَّا نعثر وإلى كبد يومنا على دليله، ولا على طريقه، وأنى لنا أن نجده بين الأحجار المتورمة بسعير الرغبات، وهو قد غادرنا إلى أيدي غيرنا بلا انتظار، لكي يكون زينة للذوات المحظوظة، ويصير في طريقنا خوفا، وعنفا.؟
أجل، قد مات الإنسان الصفي العرق، أو النقي العشق، وما ورثه من مأساة التاريخ المتضمخ بالدم البريء، وسواء دماء الشهداء، أو نجيع الأحرار، أو حمية المقاومين، أو دموع الأرامل اللواتي فقدن بسمة الرجال، أو أنين الأطفال الذين كان حظهم الصقيع، أو غيرة الحارسين لباب الفضيلة الإنسانية، هو السبيل الأوحد الذي يعيده إلى الوراء، ويقذف به في يم الفكرة القادرة على التآلف مع الأوصاف المتعددة، لعله أن يؤسس لمهد حاضره، فتتجلى عليه آيات المدح لمستقبله. وإذ ذاك، يشعر بأنه كائن مفكر في حقيقة ما هو مكسبوب، ومحبوب، ولكنه بدون كتاب يروي ما يموج في قاعه من أسرار الذات، وأفكار اللذات. ذلكم الرهان الصعب، هو الرعب الذي سببته الخشية من فقدان الحياة المتثاقلة بأرزاء الضياع، وأوضار الفراغ، لأنها، ولو كانت تعيسة المناكب، ولئيمة المتاعب، فإن زمنها الرديء، يحدث في الغور سعادة، ثم يتحول التطبيع مع الحسرة إلى شفاء للأورام التي تفجرها خشونة المطالع بين الأحشاء، لأننا إذا لم نألف هذه الصدمة التي جبرنا على وصلها، وكتب علينا وصالها، وتفاعلنا معها بما نختزنه من أعماق نافرة، وناشزة، فلا محالة، سنفقد بوصلة السماء التي تحدد وجهة أنظارنا في الهزيمة، والإخفاق، وتهذب أفعالنا المخذولة، والمنبوذة. ولولاها، لما انتظرنا كثيرا على هذه العتبة المفارقة لأرزاقنا، والمعاندة لأقواتنا، ونحن نأمل أن يبزغ فجر ذلك اليوم الذي وصفناه في القديم بالسعيد، ثم تباطأ علينا طلوعه فيما التصق بنا من زمن حرون بالكدر، والتوى عطفنا على حبه، أو كرهه، فلم يعبر عنه آبائنا إلا بكلام يختزن الحسرة، وينزف بالندامة، وها نحن نبحث عنه بين أجواف قلوبنا، وأحشاء دروبنا، ولم نعثر عليه حقيقة، بل لم نطق أن نصل إليه في ذهول الأماكن عن المعاني المقابلة لفحواها في الاعتبار، أو الاقتدار، إذ لا قيمة لما نتصف به، وهو في سهوم القيم عن مضمونها، يهبنا شيئا من الكرامة، ما دمنا لا نلج هذه العتمة الجاثمة على دور البائسين، والخائبين، ثم نشم رائحتها العطنة، فنتأمل كيف نكون أشقياء، ما فتئنا لم نجد على موائدنا رائحة تلك الجماعية التي غنت بها الأديان، وتواجدت بها الفلسفات.
وإذا كان هذا سببا مباشرا في انتحار الفلاسفة بكلامهم الذي أرخ لتاريخ الإنسانية العصماء، وهي تلك الصورة المتماهية في العموم، وغير المتناهية في الشمول، وربما لا حدود لها في الاستكناه الذهني،ولا في الاستظهار الحسي، لكي تكون هي النسخة التي تطالب بها السماء الأقوياء، إذا أرادوا أن يحسوا بأنهم موجودون بذواتهم الماجدة، لا بقوة العضلات المفتولة على أجسام فارغة، فإن سالكي هذا الدرب المتعب بصراخ المتسولين، والسابلة، والمستجدين للخبز اليبس، والجاف، والماء الآسن، والراكد، لم يكونوا أبعد مسافة من تلك الأرواح التي هتفت بالشعار، وهو يحمل روح الصدق، ولو خالفه التوفيق في بعض مسارات سيره إلى النهاية، لأنهم ذرية لهؤلاء الذين أبرز الألم من صدورهم لحنا في الطبيعة، وعشقا للحقيقة، وهم الآن ينتجون ظاهرة فريدة، تحتوي على كل المعاني التي تنشأ من النقيض، وتتوالد من المتعارض، ولن تستمر الحياة إلا بما يكتبونه من زفير يحترق في بطونهم المترعة بالأوجاع، إذ هو الحبر الذي يقرأ مع طول الزمن المتسارع الخفقان، ولن يمح من الذاكرة البشرية، ولو تطورت التقنيات، واستطاعت أن تحصر مدار كل واحد منا في كينونته الهشيشة، لكي يكون مكشوف السوأة بين عيون المتربصين. لكن، هل هذا هو الإنسان الذي يمنح العالم اليوم سر البقاء.؟
أجل، قد تكون تلك الصورة التي قيل عنها بأنها كاملة في الإدراك التاريخي، هي الانطولوجيا التي تتحكم في كثير من مسيرنا المحكوم بتدبيرنا، ولو لم نحس بذلك في كثير من تجليات الأحداث الضاغطة علينا، أو ربما تشاءمنا بمصيرها، وتتثاقلنا بمسيرها، لكنها هي التي تبني سقف آهات الكون، وأناته، وهو لا يكون صوتا مرحا، يستقبل كل الحروف التي ينطق بها الإنسان المجهد لعقله في كسب حقيقته، إلا إذا كانت تحمل معنى الوجع، والألم، لأنه سعادة في نقيض ما سمي بها؛ وهي في حقيقتها وأد للإنسان، وانتحار لمشروعه المستقبلي، وانهزام لنظره المتجاوز للزمان، والمكان، إذ لا نخاف من غيرنا أن يكون عدوا لنا، ولا أن يضايقنا بين دروبنا، ما دمنا نتقن فن الحوار والتخاطب مع الكون،والطبيعة، لكن إذا فقدت هذه اللمحة الذاتية، وصار كل واحد منا يجامل أنانيته المغرورة، وينتحي طريقا ملتويا لإظهار كبريائه، وجبروته، فإننا لن نستقيم على الجادة، ولن يكون لنا إنسان نوعي، يؤصل للقيم بين الديار، ويؤسس لمهد الحقيقة في جنون الأماكن، وغزلها الفاحش، وعريها الفاضح.
هذا الإنسان الذي دفناه بين درجات المعبد السادر الأجنحة، والزوايا، لم يكن إلا نسخة مزيفة لذلك النوع الكامل الذي خرج من ديجور الكهف، فاستقبل رياح الأماكن بصدر عار، وهو لا يريد إلا أن يطهر الكلام من المغالطات، ثم يقيم منطق الأشياء على ما تقتضيه معانيها في الوجود السوي. قد يكون هذا منطوقا ممن تلقى نبأ السماء، وقد يكون مفهوما ممن خبر المسار، وتألم لما وجده فارغا، وقد كان حريا به أن يكون ممتلئا، فإذا به يصنع الموت أكثر مما يبحث عن الحياة الخالدة. وأي موت أعظم من أن تكتنز الذهب باسم الإله، ثم تفنى، ولا أثر لزفير حلمك بين أصداء الموجوعين، والمفجوعين.؟ هذا هو الموت الحقيقي، وهذا هو الإنسان الذي كان آخر نسخة أنتجها الرهبان من همهمة التعاويذ، حين تخاذلوا عن نصرة القضية الإلهية في الأبدان، والأعيان، فانتقلوا من وضع الحديث باسم الفقراء إلى مدرجة البحث عن مدحة الأغنياء. فذا، أو ذاك، وكلاهما يستوحي من لحن السماء، أو من نغم الأرض، ما يدفع بالإنسان إلى ما يزكي فيه أدب الاغتسال من درن الحياة المتبرمة بقانونها، وناموسها، لأنها، لا تكون فاعلة فينا، ونحن لن نكون منفعلين بها، إلا إذا دلت علينا، وحملت أحلامنا، ونطقت بآمالنا، وإذا فقدناها، أو فقدتنا، صرنا حيارى بين أكنانها، وأفنانها. ولا محالة إذ ذاك، سنتحدث عن العودة إلى البيئة التي رسمتها الآزال بريشة فنان ماهر الصناعة، لكي نعتبر تلك الأوبة توبة، ورجعة إلى الآمال التي ضحى من أجلها ذلك المخلوق الأول، وهو أبونا المرافق لنا في كل ما يصيبنا من رحمة، أو من قسوة، لأننا نريد من ذلك أن يكسبنا مهدا على الأرض، نستجلب فيه الخيرات، ونستورد منه البركات.
تلك الصورة قد عشتها زمنا طويلا، وآلمني ما فيها من أوضاع، ولأمر ما أريد لها أن تنتهي بمعرفة خلاء الديار، وخواء الصدور، لأنها مسيرة بفكر كان مضمرا في الذات، ولكنه لم يجد مهدا لولادته، فيصير بصمة على صفحة التاريخ المكتوب بمواقفنا، ومراماتنا. وهنا، لا يمكن لي أن أقول بموت الإنسان الذي يصدح بين القمامة المتراكمة على أفواه الدروب القميئة، وهو يبحث عن سر الوجود في بقايا الإنسان الإمبريالي الجشع، إذ ما عبر في انحطاط انتظاره، إلا عما ينعكس على مرآته من نقوش الطامعين، أو الراغبين في اختلال قيم الموازين، والمعايير. كلا، هذا النوع المحصل على تجربة الزمن الوبيء، لن ينتهي طوره، ولا دوره، وأنى له أن يفقد صوته المتناغم مع موسيقى الكون، والمتلاحم مع تراتيل الطبيعة، لأنه في يوم من الأيام سيعثر بين هذه المخلفات عن مفتاح الحقيقة، وباب سرها الذي يلج من رموزه إلى بحبوحة الفناء الأزلي، وهو لن يجعل ما تناهى إليه تاجا على رأسه، بل سلما يرتقي به إلى بؤرة عالم كينونته، وإذا أدركها كانت له في نسيم الروح صيرورة تجعله فعلا، وانفعالا. وأي حماس هذا الذي سيغلب عليه، وهو يرى صوته يعزف ألحان وجوده.؟
لكن من صعوبة الفرق بين الحقائق الجلى، وكل واحد منا يعبد صورة إلهه، وهو متعدد في خصوصياته، ووضعياته، وتمظهراته، ولو اقتضى كلامنا التوحيد، والتأليف على جملة واحدة، أن ما نسميه إدراكا لباب السماء، ما هو إلا لغة متفائلة فينا، واستطرادا في محل الإسهاب، لأننا بدون أن نحمي ما ترتبط به من أوضاعها، وأفكارها، ونعتبر ما هو سار فيها من شعائرية، وطقوسية، ونقيم الحروب حول أضرحتها، وقبابها، ونعلن دمار من أراد الاعتراض علي نبوءة المدعين لفك رموزها، لن يكون لحديثنا عن عالم الفوق أي معنى، إذ لا نقتات دسم الموارد إلا بالإعلان عن مبناها، والإفصاح عما نؤول به معناها، وإذا ضاع منا هذا القناع الذي نتعالى به على الغير، كائنا من كان، وسواء وجدوا ممن هم يتحدثون بلغة معبدنا، أو ممن هم ينطقون باسم إله لم تألفه طباع موالدنا، ومهادنا، فإننا لن نستطيع الاستمرار في لعبة الحياة الخادعة، وما هي في حدودها التي نجد في رص لبناتها، إلا مادة في الأكل، والشرب، والمتعة، واللذة. وما أقبحها حين تسير بأقدام غيرها، وهي في ذاتها عرجاء، وعمياء. وهنا، لا يكون البرهان دليلا على القضية التي ندعي امتلاك جماع معناها، إذ هو مخاطب للعقل الواعي بعصره الممتد بين العصور المتشابكة حقيقتها، وطبيعتها، بل نقيم جسورا من العواطف الممحونة، والمشاعر المجنونة، ثم نتحدث عن الآخر بما فينا من أورام، وزؤام، ونحن نرى أنانياتنا مرآة لما فيه من متاعب، ومصاعب. وهذا في أقصى ما ندركه، هو ما يكشف عوارنا، ويبرز وسخنا، لأنه لا يدل على صوت الإله، ولا على رائحة المعبد، بل يزفر بما نستجنه من خيانة للعهد، ووفاء لما نؤلهه من رغبات، وشهوات. وهنا، انتهى الإنسان الذي اتصل صوته بحبل ماهيته الإلهية، وانقرض، وزال، لأنه لم يكن كائنا بذلك القدر الذي صيره إلها مطلقا، يفعل ما يشاء، ولا معقب لحكمه، ولا راد لقوله، إذ هو لن يكون كما هو في قرارته المتدسمة بأغراضه الدنيئة، إلا إذا استوجب صفة السماء الصافية، وكان أهلا للكروع من منهل الأبدية الجارية في كل ما هو فان، وزائل.
إذن، حين تقمص الإنسان صورة المطلق، وتدنس المعبد بتجسيم الإله، وتصويره، وتحديده، وتجسيمه، ضاع المعبود، والعابد، ولم يبق إلا ناسك متنسك في غوره، وهو يبحث عن زمرة العرفاء الواجدين بالمعرفة في قعر الذوات المتفانية عما سواها، والمتواجدة في وجدانها بما هو معلوم الحقيقة؛ وهي كل لحظة يصل فيها النظر إلى محراب الحلاج، فيسامق معنى ما في الجبة من مدارك غامضة، ومجامع ضامرة، ثم يقول بالتجريد المطلق الذي لا حد لسببه، ولا نهاية لعلته. وذلكم هو الصوفي المريد للحضرة الأبدية، أو العارف المراد لفتح مغاليق الكنوز المرصودة بطلاسم المعرفة الخالدة، وأنى لكثير ممن يعولون بأنهم يحاربون المادة الصلدة،ويجابهون هوس وساوسها الخانغة، أن يكونوا بالطبع لا يؤلهونها بما يرومونه من سؤدد، وفخار، لكي يكون كلامهم دليلا على أن التصوف هو التخلص من دنس الجماعية الجشعة، ووصول إلى بحر الذات المتحررة من الأنانيات المفرطة، والهويات المغرضة.








اخر الافلام

.. مخاوف من أزمة جديدة مع اقتراب الكنيسة الأوكرانية من الاستقل


.. من هو جمال خاشقجي .. صديق بن لادن ؟


.. دورات شيعية للميليشيات الطائفية في دير الزور بدعم من الحرس ا




.. حملة المرشحين لرئاسة البرازيل تستهدف الكنائس ومرتاديها


.. العلويون يغزون الفيلق الخامس الذي زعمت روسيا تشكيله..السيطرة