الحوار المتمدن - موبايل



خمارة دليلة والزئبق -3-

علي دريوسي

2017 / 12 / 29
الادب والفن


ما أنْ تناولتُ زجاجة البيرة على حساب أبي الغائب وجلستُ معهم على صندوق كازوز فارغ، حتى بدأت أسمع انتقاداتهم بصوت منخفض للحالة التي وصلوا إليها متحججين بالسلطة الفاسدة وتعسفها الديكتاتوري، لم يسموا الأشياء بأسمائها، ولم يكن بمقدورهم ترتيب جمل كاملة، إذا أرادوا مثلاً التحدث عن الرئيس يسمونه موزة وإذا رغبوا بالحديث عن الدولة سموها برتقالة، وإذا ما فهموا على بعضهم البعض بالإشارة وبعض الكلمات الخفيفة ينهون الحديث الدائر بالجملة التي صارت جزءاً من ذاكرة الضيعة: "و هيك و كذا مزا عمك أبو حسن دليلة."

كانوا يعرفون كل أسرار الضيعة، يعرفون من سرق ومن نهب ومن ترّفع إلى رتبة عميد ومن سافر ومن تزوج ومن طلّق ومن أنجبت ومن صار شيخاً ومن هاجر ومن رسب في البكالوريا ومن اشترى أرضاً أو بقرة ومن كانت أرضه حبلى بحبات الزيتون ومن في بيته ابنة حلوة. لم تكن ملابس الشباب منهم رديئة ولا ذقونهم غير محلوقة، بل على العكس، عندما يصلون الخَمَّارة كانت تفوح منهم روائح عطر ليست بالرخيصة، لكن سرعان ما تتبخَّر من أجسادهم، إذ تتغلب عليها روائح المشروبات الكحولية ودخان السجائر وأنفاس الحشيش السري.

كانت الخَمَّارة لا تشبه الخَمَّارات التي كتب عنها الكتّاب في بيروت أو دمشق أو اليونان، لم تكن لتشبه ملهى الحصان الجامح أو خَمَّارة العاشق الولهان. كانت عبارة عن دكان صغيرة وحسب، لا تتجاوز مساحتها عشرين متراً مربعاً، يوجد فيها بابان، الخارجي العريض والمطل على الشارع والداخلي الذي يربط صاحبها ببيته مباشرة. لم يكن فيها مرحاض ملحق ولا مغسلة ولا ماء، كان رُوَّادها يخرجون منها إلى زاوية مظلمة أو شجرة توت كبيرة لأغراض التبوُّل والتقيؤ. لم يكن فيها كراسٍ مألوفة للجلوس المريح بل كانت كراسيها عبارة عن جذع شجرة أو حجر أو كيس ملح أو سحارة خشب أو صندوق فوارغ بيرة وكازوز أو عبارة عن صندوق مُركّب من حوالي أربعين صحن بيض فارغ وضعت فوق بعضها البعض لتصير مثل مكعب من الفلين. لم تكن تحتوي على أفخر أنواع المشروبات بل فقط على أربع أو خمس أنواع مشروبات وطنية، بيرة الشرق عرق الريان براندي الميماس نبيذ أبو رعد الأحمر. لم تكن تحتوي على سجائر بماركات عالمية لكن كان فيها سجائر الشرق والناعورة ونادراً الحمراء الطويلة والقصيرة وأحياناً سجائر ل. م. التي كانت تعرف من قبل الزُبُن ومن باب النكتة بسجائر لينين وماركس أو لمن يحب سجائر لا إله إلا الله محمد رسول الله. لم يكن فيها مازاوات غريبة الشكل والنوع والرائحة بل كان فيها أربع أو خمس قطارميز تحتوي على حبات الحمص والعبيد المُقشّر والعبيد بقشره بالإضافة إلى بذور البطيخ. لم يكن فيها وجبات طعام جاهزة لمن يجوع بعد عدة كؤوس أو لمن يرغب بتناولها كمازة أو لمن حرمته أمه أو زوجته من الطعام في المنزل ما عدا علب البسكويت والراحة التي كانت بمثابة الوجبة الرئيسية أو علب السردين أحياناً. ومن كان لديه القدرة على المضغ والمشي قليلاً يشتري سندويشة فلافل من دكان العم أبو عاطف، وفي بعض الأحايين يشتري أحدهم بِطِّيخة حمراء أو صفراء من خيمة البِطّيخ المقابلة للخَمَّارة والتي كان (يديرها) المهندس أبو زيد، يطلب من المهندس تقطيعها له كي يوزّع حزوزها على نُدَمَائه. ولم يكن في خَمَّارة دليلة والزئبق صحون لوضع المازاوات أو كؤوس لصب المشروبات، بل غالباً ما كان يشتري الندماء مازتهم المفضَّلة بحسب ما يحملونه من نقود من دكاكين أخرى أو يجلبونها معهم من البيت ويضعونها في جيوب ستراتهم وبنَاطِيلهم، أما البطحة فيخفونها في أحد الجيوب الداخلية، فإذا ما دخل غريب لا يرى فيهم إلا لوحة الأنبياء الأبرياء.

يتبع







اخر الافلام

.. ست الحسن - تفاصيل جلسة علاج شعر الفنانة -مي عزالدين- .. مع س


.. زوجة الفنان الراحل ناجي العلي تكشف أسرارا عن جوانبه الشخصية


.. كأس العالم مع النجوم - الفنان جورج نعمة




.. فيلم -صدمة ورعب-: لماذا صدّق الاعلام الامريكي تبريرات ادارة


.. هذا الصباح– سوق غرينتش للوحات الفنية والمشغولات اليدوية